فصل
هل من شرط إنكار المنكر غلبة الظن أنه يؤثر في إزالة المنكر أم لا؟ أم لا. فيه روايتان.
إحداهما أن من شرطه ذلك فإن لم يغلب في الظن ذلك لم يجب نص عليه في رواية حنبل في الرجل يري الرجل يعني يصلي لا يتم الركوع بالسجود ولا يقيم أمر صلاته يأمره بالإعادة. وأن يحسن صلاته. إن كان يظن أنه يقبل منه. أمره ووعظه حتى يحسن صلاته. وظاهر هذا أنه لم يلزمه ذلك إذا لم يعلم منه القبول.
[ ٧٨ ]
وكذلك نقل اسحاق بن هانئ إذا صلى خلف من يقرأ بقراءة حمزة فإن كان يقبل منك فانهه، وفيه رواية أخرى أنه ليس من شرطه ذلك وانه يجب سواء غلب في الظن زواله أو لم يغلب، نص عليه في رواية أبي الحارث
[ ٧٩ ]
وقد سأله عن الرجل يرى منكرًا ويعلم أنه لا يقبل منه يسكت؟ فقال: إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه. وظاهر هذا أنه لم يسقطه عنه.
وجه الرواية الأولى: (وهو قول المتكلمين) ما روى أبو بكر من أصحابنا في كتاب الأدب بإسناده عن أبي جحيفة قال كان النبي ﷺ قاعدًا ذات يوم وقد أم قومًا يصنعون شيئًا يكرهه من كلام ولغط فقيل: يا رسول الله ألا تنهاهم؟ فقال: لو نهيتهم عن الحجون لأوشك بعضهم أن يأتيه وليس له حاجة) ولأنه انما يجب النهي عن المنكر لأمر يرجع إلى إزالة المنكر فإذا قوي في الظن أنه لا يزول بطل الغرض الذي لأجله وجب، فسقط. ولهذا المعنى سقط الإنكار على أهل الذمة في مقامهم على كفرهم لأنه قد غلب في الظن أنهم
[ ٨٠ ]
لا يزولون عن دينهم.
ووجه الثانية:
أن طريق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السمع وليس فيه شرط غلبه الظن بزواله لأن ظواهر الآيات والأخبار في ذلك على العموم ولأن الظن لا يمنع من جواز زواله لأنه يجوز أن يرتدع بالإنكار ويرق قلبه ويرجع عما هو عليه. فأما الخبر فهو محمول على أنه كان في صدر الإسلام في الوقت الذي كان يعرف أحوال المنافقين فلا ينكر عليهم ويقرهم. وأما قولهم: (أن وجوبه يرجع إلى زواله) فلا نسلم بل نقول: الفرض الإنكار عليهم تعبد، أزال أو لم يزل.
وأما أهل الكفر فلا يترك الإنكار عليهم إلا في الموضع الذي منع الشرع منه وهو بذل الجزية.
[ ٨١ ]