فصل
وأما الأثر الإكراه في جواز فعله فالصبر على الأذى وترك الفعل أفضل وإن عاد بضرره. وهذا بناء على الأصل الذي تقدم وانه يحسن الانكار مع خوف القتل. ويكون أفضل خلافًا للمتكلمين في قولهم إن كان الاكراه على كلمة الكفر أو إظهار المذاهب الباطلة أو إظهار كلمه كلمه حق عند سلطان جائر. وأن الأفضل ذلك وما عداه مثل الاكراه على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر ونحو ذلك فلا يجوز له فعله وإن فعله أثم.
دليلنا: ما تقدم من قوله تعالى ﴿واصبر على ما أصابك﴾ وقوله ﷺ (من قتل دون ماله فهو شهيد) فجعله شهيدًا بالصبر على قتاله عن ماله فإن قيل: هذا محمول على أنه كان يطمع في تخليص ماله مع سلامة نفسه قيل: الخبر عام فيهما، ولأنه لما كان ذلك جائزا في اظهار المذاهب الباطلة وكلمه حق عند
[ ١٣١ ]
سلطان جائر كذلك في بقية المحرمات.
فإن قيل: في ذلك اعزاز الدين وليس هذا المعنى موجودًا في غيره.
قيل: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم. وقلنا انما يكون إعزاز الدين إذا لم يقتل منكره فأما مع القتل ففيه اذلال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وقوله (تعالى) ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ فالجواب عنه ما مضى. واحتج: بأنه لو خاف [الزيادة في المرض] يسقط القيام في الصلاة والصيام ولم يجز له أن يقوم ويصوم. وإن فعل ذلك كان عاصيا. وإن كان فيه حمل النفس على الطاعة كذلك ههنا والجواب عنه: ما تقدم.
فإن قيل: فما تقولون فيمن عرض له من يأخذ درهمًا من ماله. وعلم أنه إذا
[ ١٣٢ ]
دفعه عنه قتله الطالب: فإن قلتم لا يجوز له دفعه هو [ما قلنا وإن قلتم يجوز له دفعه خالفتكم] الاجماع.
قيل: يجوز له دفعه لكن الأفضل له ترك الدفع لأنه يقي نفسه بماله فهو أفضل. فإن قيل: فما تقولون في المبارزة إلى الكفار إذا غلب على ظنه أنه يقتل هل يحل له ذلك أم لا؟
قيل: المبارزة على رأي الإمام لأنه اعرف بذلك.
وربما كان الكافر أشد بأسا من المسلم فيقتله فيعود بكسر قلوب
[ ١٣٣ ]
المسلمين. فهزيمتهم وكسر عسكرهم وهذا معدوم ههنا. إلا ترى أنه يجوز له عند الاكراه على الكفر وكلمة حق عند السلطان [الجائر].
[ ١٣٤ ]