فصل
فيما يؤثر الإكراه فيه من فعل أو ترك. وذلك في الأفعال الظاهرة. فأما أفعال القلوب فلا. لأن من حق الاكراه أن يقع على وجه يصح التخلص بالفعل منه. وذلك لا يتأتى في أفعال القلوب. وإذا ثبت ان تأثيره في الأفعال الظاهرة فالكلام في صفاتها وعقد الباب في ذلك: -
كل فعل يعود بإتلاف نفسه أو عضو من أعضائه أثر الإكراه فيه. من ذلك إظهار كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان. والدلالة عليه قوله تعالى
[ ١٢٨ ]
﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾.
وفي هذا تنبيه على ما دونه من الطاعات. كالصلاة والصيام والحج والزكاة. وفيه تنبيه على غيره من المعاصي التي يتصور الاكراه فيها كشرب الخمر على الصحيح من الروايتين عن أحمد. والسرقة وقذف المحصنات. واتلاف مال الغير لأنه يجوز له أن يحي نفسه عند الضرورة بإتلاف
[ ١٢٩ ]
طعام الغير وللمالك مطالبة المباشر للإتلاف. ويرجع بذلك على من أكرهه. ولا يلزم المباشر الضمان لأنه معذور في ذلك الفعل. أعني الاتلاف فلهذا لم يلزمه الضمان. ويفارق هذا الاكراه على القتل إذا طالب الأولياء بالدم. انهما يشتركان في الديه لأنه غير معذور في القتل فلهذا اشتركا في الضمان كما لو باشر الاتلاف. وأما الاكراه على الزنا فلا يصح لأنه لا يتصور وجوده الا بالإيلاج. وذلك لا يكون الا عن شهوة. والشهوة تنافي الاكراه. وأما الاكراه على القتل فلا يصح أيضًا ولا يبيح القتل لأنه ليس إحياء نفسه بقتل غيره بأولى من إحياء نفس غيره بقتل نفسه فلهذا لم يؤثر الاكراه فيه.
ولأنه لو جاز أن يقتله ليحي نفسه لجاز عند خوف التلف من الجوع أن يقطع عضوًا منه ويأكله ليحي نفسه.
[ ١٣٠ ]