فصل
وإذا ثبت سقوطه مع الخوف على النفس أو ما دون النفس فهل يحسن الإنكار ويكون أفضل من تركه؟ ظاهر كلام أحمد أنه يحسن ويكون أفضل من تركه. قال في كتاب المحنه في رواية حنبل: إن عرضت على السيف لا
[ ٨٨ ]
أجيب. وقال فيها أيضًا: إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فما يتبين الحق وظاهر هذا أنه أجاز ذلك. وقال أيضا في رواية المروذي لما ذكر
[ ٨٩ ]
محمد بن مروان. الذي صلب في الأمر بالمعروف ترحم عليه وقال: قد قضى ما عليه. وذكر ابن أبي خالد وكان قد عرف قصته واقدامه فقال: ذاك قد هانت نفسه عليه. وظاهر هذا أنه صوب فعلهم ورأيت بخط أبي بكر أحمد بن عثمان الكيشي؟ قال شيخنا ويغلب على أنه يعني أبا عبد الله بن بطة لأنه كان على ظهر كتاب الإبانة من أنكر منكرا فقتل هل يكون
[ ٩١ ]
شهيدًا، قال: نعم وذكر الحديث "سيد الشهداء حمزة." ومن أنكر منكرًا نقتل كان شهيدًا خلافًا للمتكلمين في قولهم ان ذلك قبيح إلا في موضعين أحدهما: عند إظهار كلمة الكفر فإنه يحسن منه إظهار الإيمان، والثاني: إظهار كلمة حق عند السلطان الجائر. وما عدا ذلك فإنه قبيح، وظاهر مذاهب الفقهاء إنه قبيح في الجملة.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية اسحاق بن أبي إبراهيم: لا يتعرض للسلطان
[ ٩٢ ]
فإن سيفه مسلول. وظاهر هذا النهي عنه.
والدلالة على حسنه قوله تعالى ﴿واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ يحث على الصبر في ذلك. فدل على أن فيه الفضل. وروى أبو بكر المروذي في كتاب الأمر بالمعروف بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله يا أبا هريرة (مر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، قال يا رسول الله أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأوذي؟، وقال: نعم كما أوذيت الأنبياء.
وذكر أبو محمد الخلال في كتاب الأمر بالمعروف قال: ذكر أبو النصر
[ ٩٣ ]
البلخي بإسناده عن أنس بن مالك قال رسول الله إن رحا قد دارت فدوروا مع القرآن حيث دار قالوا يا رسول الله: أرأيت ان لم نطق ذلك قال: كونوا كحواريي عيسى بن مريم. قالوا وما حواري عيسى ابن مريم؟، قال شقوا بالمناشير وصلبوا في جذوع النخل في الله ﷿، فقالوا: يا رسول الله أرأيت إذا لم نطق. قال: فالقتل في طاعة الله خير من حياة في معصية. وروى أيضًا: بإسناده عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ: (لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول بالحق إذا رآه أو علمه). وروى أبو داود في
[ ٩٤ ]
كتاب الجهاد والسير بإسناده عن خباب قال: أتينا رسول الله ﷺ. وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا اليه فقلنا ألا تستنصر لنا! الا تدعو الله لنا! فجلس محمر الوجه فقال: قد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما تصرفه عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضر موت ما يخاف إلا الله والذيب على غنمه. ولكنكم تعجلون.
وأيضا فإنه نهى عن المنكر فكان حسنا عند الخوف. دليله إظهار الشهادتين وكلمة حق عند سلطان جائر، فإن قيل في ذلك اعزاز الدين فلهذا كان أفضل، قيل: إنما يحصل الاعزاز إذا لم يقتل، فأما مع القتل فهو إذلال الدين فلا فرق بينهما.
وأيضا: فإن له غرضًا في ذلك أن يقتل صابرًا محتسبًا ولهذا المعنى استحب الجهاد لما فيه من التقرب بنفسه والشهادة، واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ والجواب: إنها وردت على سبب وهو انهم كانوا
[ ٩٥ ]
مأمورين بإنفاق المال في سبيل الله. فقال: فأنفقوا ولو تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هي ترك الانفاق ثم نسخت بأية الصدقات. واحتج بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ والجواب: إنه قد قيل فيه: لا تقتلوا أهل دينكم وقبيلتكم. وقيل: لا يقتل بعضكم بعضا. وإذا كان هذا
[ ٩٦ ]
معناه لم يكن فيه حجه على مسألتنا. واحتج بما رواه حذيفة عن النبي ﷺ قال: لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه. قالوا: وكيف يذل نفسه. قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه والجواب: إن هذا محمول على ما يتعلق بأمور الدنيا مثل ركوب الأخطار في اكتساب الدنيا كالركوب في البحر ونحوه مما يؤدي إلى الهلاك. واحتج بما رواه أبو أمامة عن النبي ﷺ قال: إذا رأيتم أمرا لا تستطيعون غيره فاصبروا حتى يكون الله يغيره" والجواب: ان معناه يجوز لكم الصبر
[ ٩٧ ]
حتى يغيره الله تعالى. واحتج بما رواه ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: كيف لي أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ولا تأخذني في الله لومة لائم؟ فقال النبي ﷺ ليس ذلك اليك إنما ذلك إلى السلطان والجواب: إن معناه لا يجب ذلك عليك لضعفك إنما يجب على السلطان. واحتج بما رواه سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس أأمر السلطان بالمعروف وانهاه عن المنكر؟ فقال: ان خفت أن يقتلك فلا قال: ثم عدت فقال لي: مثل ذلك. وقال: إن كنت لابد فاعلًا ففيما بينك وبينه والجواب: إن معناه فلا يلزمك أن تأمره، وتحتج بأن المضطر إلى أكل الميتة لو ترك أكلها حتى مات أثم، وعصى، وكذلك المريض لو تحمل الصيام، والقيام حتى ازداد مرضه أثم، وعصى. وإن كان في ذلك وجوب عزيمة كذلك في مسألتنا مثل ذلك. والجواب: إن هذه الأشياء تسقط بالضرر المتوهم لأن خوف الزيادة في المرض وخوف التلف ينزل إلى كل متوهم وليس كذلك الأمر بالمعروف لأنه لا يسقط فرضه بالتوهم لأنه لو قيل
[ ٩٨ ]
له لا تأمر على فلان فإنه يقتلك لم يسقط عنه ذلك ولأن منفعة تلك الأشياء تخصه، ومنفعة الأمر بالمعروف تعم فهي كإظهار الشهادتين وكلمة حق عند سلطان جائر، ولأن سبب الاتلاف هنا بمعنى من جهته وههنا من جهة غيره. لأنه يحصل اتلافه بمعنى من جهة غيره.
وفرق بينهما بدليل أنه لو اضطر إلى أكل الصيد وهو محرم كان الفدية ولو صال عليه فقتله لا فدية عليه. وكان الفرق بينهما ما ذكرنا.
وهو أن الجوع معنى مهنه والصول بسبب من غيره وكذلك لو صالت عليه بهيمة لغيره فقتلها على وجه الدفع لم يضمن ولو اضطر إلى طعام الغير أكل وعليه قيمته. وكان الفرق فيهما ما ذكرنا كذلك ههنا.
[ ٩٩ ]
واحتج: بأنكم قد قلتم إن فعل الرخص أفضل من العزيمة. مثل القصر، والفطر، والمسح، والجمع، فيجب أن يكون الترك والأخذ بالرخصة أولى والجواب عنه: ما تقدم وهو أن منفعة ذلك تخصه وهذا يعم.
[ ١٠٠ ]