فصل
وإذا ثبت جواز ذلك فهل يجب عليه ذلك. أما في أخذ ماله فلا يجب عليه القتال، بل الأفضل تركه. قال في رواية حنبل في امرأة أرادها رجل على نفسها فامتنعت ووجدت خلوه بقتله لتخلص نفسها فلا شيء عليها. وإن كان إنما يريد المتاع والثياب فأرى أن تدفعه إليه ولا تأتي نفسه لأن الثياب منها عوض والنفس لا عوض منها.
فقد نص على ان ترك القتال على المال أفضل. وأما النفس فظاهر كلامه أنه
[ ١٢١ ]
يجب عليه أن يقاتل عن نفسه ولا يجوز له ترك ذلك مع القدرة. قال في رواية أبي الحارث إن كان الغالب على أمره منهم أنه إن أعطى [ما] بيده قبل فليدفع عن نفسه بطاقته ما استطاع فقد أطلق القول بالدفع فيحتمل أن يكون هذا على طريق الوجوب ويحتمل أن يكون على طريق الندب. أما وجه الوجوب فقوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ولأنه لما لزمه أن يحي نفسه يأكل الطعام والشراب وجب عليه أن يحيها بالدفع عنها، وكذلك يجب عليه أكل الميتة. والوجه في نفي الوجوب وهو قياس المسألة التي تقدمت وأنه لا يحسن الانكار مع خوف القتل، ما روى عن عثمان بن عفان ﵁ أنه حصر فترك الدفع عن نفسه ومنع عبيده وأصحابه من الدفع عنه ولو كان واجبًا لم يمتنع من ذلك. فإن قيل يحتمل انه لم يتحقق انه يقتل فلهذا لم يدفع. قيل امارات القتل ظهرت، ولاحت، ومع هذا امتنع من الاستغاثة بعبيده وبغيرهم. فإن قيل يحتمل أن يكون امتنع من القتال خوفًا على الحرم وهو أن يحصل اللطف بهم. قيل هذا المعني موجود إذا ترك قتالهم لأنه لا يأمن أن يقدموا على سبي الحرم كما أقدموا على قتله. ولأن الإنسان قد يكون له قصد صحيح بأن لا يدفع
[ ١٢٢ ]
عن نفسه حتى يستشهد والدليل على هذا ما روي أن رجلًا قال يا رسول الله أرأيت لو في المشركين حتى قتلت صابرًا محتسبًا لي الجنة. قال: نعم ويفارق هذا إذا كان معه طعام أنه يجب عليه أكله لأنه لا غرض له في ترك أكله. وأما اسقاط الوجوب والاستحباب في المال فالوجه انه لا يلزمه حفظ ماله من الضياع والهلاك بدليل انه لو ترك زرعه يعطش فلم يسقه الماء أو ترك عقاره يخرب لم يعمره لم يأثم بذلك ولم يحرم عليه. وإذا لم يلزمه حفظه لم يلزمه القتال عنه لأنه ليس في ذلك أكثر من حفظه.
[ ١٢٣ ]