فصل
ويجب الانكار بأسهل ما يزول به المنكر. والمعتبر في ذلك غالب الظن لأن العلم في ذلك يتعذر. فإذا غلب في ظنه أن القول والوعظ يؤثر لم يتجاوزهما. وإن لم يؤثر وغلب في ظنه أن القول يكفي لم يتجاوز إلى غيره وإن لم يؤثر وغلب.
في ظنه الفعل تجاوز إليه. نص عليه أحمد في رواية المروذي.
فقال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان وبالقلب وهو أضعف الإيمان. فقيل له: كيف باليد؟ قال: يفرق بينهم وقال في رواية حنبل: الناس يحتاجون إلى مداراة. والأمر بالمعروف بلا غلظه إلا رجلًا مباينًا معلنًا بالفسق والردى فيجب نهيه.
[ ١٠٥ ]
وهذا لا حرمة له. وقال: في رواية صالح، التغيير باليد؛ ليس بالسيف والسلاح وظاهر هذا يقتضي جواز الإنكار باليد إذا لم يفض إلى القتل والقتال. وقال في رواية مهنا: يأمر بالرفق والخضوع وأن اسمعوه ما يكره لا
[ ١٠٦ ]
يغضب. فيكون ينتصر لنفسه وقال: في رواية أبي داود: نحن نرجو أن يكون [أن أنكر بقلبه فقد سلم وأن أنكر] بيده فهو أفضل وظاهر هذا أن الإنكار باليد غير واجب وإنما الواجب بالقول وهذا محمول على حالة العجز على الإنكار باليد. وكذلك نقل المروذي عنه أن رجلا قال لأبي عبد الله لي جار يؤذيني بالمنكر. قال: مره بينك وبينه، قال: فقد تقدمت إليه مرمرًا. قال: وأي شيء عليك إنما هو على نفسه. أنكر بقلبك ودعه. وهذا محمول على ما ذكرنا.
[ ١٠٧ ]
والدلالة: على اعتبار الأسهل فالأسهل قوله تعالى ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وقوله تعالى ﴿فقولا له قولًا لينًا﴾ وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: مهلا عن الله مهلا. فإن الله شديد العقاب لولا صبيان رضع ورجال ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا" وروى أسامة بن زيد قال قال رسول الله ﷺ: "لا ينبغي لأحد أن يأمر بالمعروف حتى تكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر، عالمًا بما ينهى، رفيقًا فيما يأمر رفيقًا فيما
[ ١٠٨ ]
ينهى" رواه أبو محمد الخلال ولأن الغرض أن لا يقع المنكر كان في حكم الظالم لنفسه وإن كان مضرة على من ينكر عليه كان في حكم الظالم له وإن
[ ١٠٩ ]
لم يكن كذلك كان في حكم العايب.
وأيضًا: فإنه إذا كان فظًا غليظًا ربما نفرت القلوب عن قبول قوله وقست وركبت المحال واللجاج لفظاظته. وإن كان مهينا ففيه ذله.
ويؤدي ذلك إلى الطمع ويهون فعله. وقوله فوجب اعتبار غلبة الظن فيما يؤدي إلى زواله. وإذا وجب اعتبار الأسهل في النهي وجب اعتباره في الأمر بالمعروف لكن الحال فيهما يختلف لأن المنهي عنه يصح المنع عنه من كل وجه. وإنما يكن فيه الترغيب والحب ويمكن فيه التهديد إن لم يفعل ويجري مجرى الوعيد من الله تعالى فالذي يمكن حمله عليه رد الودائع والعواري والغصوب وأخذ الزكوات منه والذي لا يمكن تحصيله منه كالصلاة والصيام والحج والظهار ولافتقار ذلك إلى شرائط لكن بحير على فعلها بالقول تارة وبالحبس أخرى.
[ ١١٠ ]