ترجع الأسس العامة لإدارة البلدان إلى ما بعد فتح مكة (سنة ٨ هـ)؛ إذ امتدت دولة الإسلام تدريجيّا إلى المناطق المجاورة إلى أن شملت مكة ثم بلاد الحجاز والجزيرة العربية كافة.
كان للرسول ﷺ الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا «١»، وسلطاته الإدارية تشمل الدولة كلها فيما يتعلق بتحديد الأهداف ورسم السياسات العامة.
لقد شارك الرسول ﷺ في إدارة الدولة مجموعة من خيرة الصحابة الذين يشهد لهم بالعقل والفضل والبصيرة، واختير هؤلاء الرجال من أولئك السابقين إلى الإسلام والذين لهم نفوذ وقوة في أقوامهم، وجاء في مقدمة هؤلاء العاملين في الميدان الإداري سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار «٢»، ويلاحظ أن بعض المصادر أطلقت عليهم اسم النقباء «٣»، في حين أطلق عليهم بعض المحدثين اسم «مجلس الشورى» أو «مجلس النقباء» «٤»، ويبدو أن إطلاق هذا المصطلح جاء متأخرا. فلم يكن هناك مجلس ثابت له قواعد ومواعيد محددة، فكان النبي ﷺ يستشير «٥» الواحد بالرأي فيراه صوابا فيأخذ به، وإن كان يخالف رأيه كما حصل مع حباب بن المنذر (ت ٢٠ هـ) في اختيار موقع القتال في بدر (٢ هـ) «٦» وكما أشار سلمان الفارسي (ت ٣٥ هـ) على رسول الله ﷺ
_________________
(١) قال الماوردي في تعريف الإمامة: «موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» . انظر: الماوردي، أبو الحسن محمد بن حبيب (ت ٤٥٠ هـ)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية (ط ١) القاهرة، شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، (١٩٦٠ م)، (ص ٥) .
(٢) أحمد، المسند (ج ١، ص ١٤٨) .
(٣) روى الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) قول النبي ﷺ: «ما من نبي كان قبلي إلا أعطي سبعة نقباء وزراء نجباء، وإني أعطيت أربعة عشر نقيبا حمزة وجعفر وعلي وأبو بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال والحسن والحسين» . انظر: أحمد، المسند (ج ١، ص ١٤٨) .
(٤) انظر مثلا: عبد القادر مصطفى، الوظيفة العامة في النظام الإسلامي (ص ٢٥) . شيباني، نظام الحكم والإدارة، (ص ٢٤) . العدوي، نظم (ص ١٨٩، ١٩٠) .
(٥) يذكر الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) قول أبي هريرة: «ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من النبي ﷺ» انظر: الترمذي، الصحيح (ج ٤، ص ٢١٣) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٢٠) (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٥) . البلاذري، -
[ ٩٣ ]
بحفر الخندق حول المدينة، فأخذ برأيه وأمر بالحفر (٥ هـ) «١» .
وكان النبي ﷺ يستشير الاثنين والثلاثة، فكان غالبا ما يستشير أبا بكر (ت ١٣ هـ)، وعمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) «٢»، وكما فعل في غزوة الأحزاب (٥ هـ) «٣» إذ استشار سعد بن معاذ (ت ٥ هـ)، وسعد بن عبادة (ت ١٥ هـ) واستشار أسامة بن زيد (ت ٥٤ هـ)، وعلي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) في فراق أهله «٤» .
وكذلك كان النبي ﷺ يستشير الحاضرين، فيروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ قال لجيشه يوم بدر (٢ هـ): «أشيروا علي أيها الناس..» «٥» وذكرت المصادر أن النبي ﷺ استشار جمهور الناس عن طريق ممثلين عنهم كما حدث بعد غزوة حنين (سنة ٨ هـ)، إذ قدم وفد هوازن إلى النبي ﷺ مسلما فطلب النبي ﷺ من الناس أن يعطوا رأيهم في رد المغانم التي غنموها فاختلف الناس «٦»، فقال النبي ﷺ لهم: «إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا «٧» .
فكانت الشورى قاعدة حكم النبي ﷺ كما أشارت الايات الكريمة في قوله تعالى:
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ال عمران: ١٥٩]، وقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] .
وقد أطلقت بعض المصادر على أولئك الذين استشارهم النبي ﷺ بشكل كبير اسم «الوزراء»، فقال الحاكم (ت ٤٠٥ هـ): «كان أبو بكر الصديق من النبي ﷺ مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره» «٨» . ونجد رواية أخرى عند الترمذي (ت ٢٧٩ هـ)
_________________
(١) - أنساب (ج ١، ص ٢٩٣) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٦٦) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٤٣) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٦٦) (الواقدي) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٧٨) .
(٣) ولهذا قال النبي ﷺ: «وايم الله لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا» انظر: أحمد، المسند (ج ٤، ص ٢٢٧) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٢٣) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٦٩) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٤٦) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٧٣) (الزهري) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٠١) (ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٦١٥) (عائشة) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦١٥) (ابن إسحاق) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٩٣) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٨٩) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٨٦، ٨٧) (ابن إسحاق) .
(٨) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ١٣١، ١٩٣، ١٩٤، ٢١٢) .
(٩) الحاكم، المستدرك (ج ٣، ص ٦٣) . وانظر: السيوطي، تاريخ الخلفاء (ص ٦٠) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ١٧) .
[ ٩٤ ]
تقول: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر» «١» وقد يتبادر إلى الذهن أن الوزارة كوظيفة إدارية كانت معروفة في زمن الرسول ﷺ، ولكن يبدو أن ما ورد من روايات في ذلك لم تعد كونها معاني عامة لكلمة وزير المعروفة قديما، والتي وردت على لسان موسى ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي [طه: ٢٩، ٣٠] «٢» أما الوزارة كوظيفة إدارية ثابتة فنشأت فيما بعد، وتبلورت في زمن العباسيين «٣»، ولذا قال الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) عبارته الدقيقة: «كان أبو بكر.. مكان الوزير» «٤» فهو يعمل عمل الوزير دون أن يسمى وزيرا، قال ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ):
«كان يشاور أصحابه، ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها من كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره، ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب الملك بسذاجة الإسلام» «٥» وبهذا المعنى كان أبو بكر يفوض عن النبي ﷺ في بعض القضايا، فقد روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن امرأة أتت النبي ﷺ وطلبت أن تعود، فقال لها النبي ﷺ: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» «٦» . ويفيد النص أن أبا بكر كان يفوض من قبل النبي ﷺ في تصريف شؤون الدولة وتلبية حاجات المواطنين.
لقد أشارت المصادر إلى مجموعة من الوظائف الإدارية المرتبطة برئيس الدولة (منها:
أن بعض المسلمين كان يعمل حاجبا لرسول الله) فكان يقوم هؤلاء بالإذن عليه في بعض الأوقات، وهناك إشارات تبين أن سفينة ورباح الأسود (من موالي رسول الله) وأنس بن مالك (ت ٩١ هـ) قاموا بهذه المهمة بتكليف من الرسول ﷺ «٧» . ولكن يلاحظ أن «الحجابة» هذه لم تكن لها مراسيم وأعراف أو أنظمة معقدة. بل كان
_________________
(١) الترمذي، الصحيح (ج ١٣، ص ١٤٢) . قال: «هذا حديث حسن صحيح» . انظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٤٠) .
(٢) قال الأصفهاني: «الوزير من الوزر وهو الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، والوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، انظر: الأصفهاني، المفردات (ص ٥٢١) .
(٣) انظر تفاصيل ذلك في: الماوردي، الأحكام السلطانية (ص ٢٢- ٢٩) .
(٤) الحاكم، المستدرك (ج ٣، ص ٦٣) .
(٥) ابن خالدون، المقدمة (ص ٢٣٧) .
(٦) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٥) .
(٧) انظر: الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٧١، ١٧٢) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ١٠٩) . (ج ٢، ص ٤٨٧) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ج ١، ص ٥١) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢١) .
[ ٩٥ ]
هؤلاء يتطوعون في الإذن على رسول الله في الأوقات التي كان يحب أن يخلو فيها بنفسه في المسجد أو في حجرة من حجرات أزواجه «١» .
وقد وجدت هناك وظيفة «أمين السر»، وارتبطت بشكل كبير بالإدارة العليا للدولة ممثلة برسول الله ﷺ، وتشير روايات المصادر أن هذه الوظيفة كانت طيلة فترة الرسالة لحذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) فيروي الترمذي (ت ٢٧٩ هـ): «أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سر رسول الله ﷺ لقربه منه وثقته به وعلو منزلته عنده» «٢»، ومن هنا فقد انفرد حذيفة في معرفة كثير من الأسرار التي لم يعلمها غيره خاصة معرفة أسماء المنافقين وأخبارهم، ومعرفة أخبار الفتن التي تقع بين المسلمين «٣» .
وكانت هناك وظائف إدارية ذات طبيعة إعلامية وهي وظيفة «الشعراء والخطباء»: فكان هؤلاء يذودون عن رسول الله ﷺ بألسنتهم، ويعيبون على قريش عبادتهم للأصنام، ويردون على شعراء المشركين وخطبائهم، وبذلك كانوا يمثلون بشعرهم حربا إعلامية شديدة التأثير في بيئة قبلية احتل الشعراء والبلغاء فيها مكانة خاصة.
وكان من أشهر هؤلاء حسان بن ثابت (ت ٥٤ هـ) «٤» وكان النبي ﷺ يشجعه لما يشعر به من أهمية دوره في إبراز محاسن الإسلام، والذود عن حرماته، فيروي البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن النبي ﷺ قال لحسان: «أهجوهم وروح القدس معك» «٥» وفي رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ): «يا حسان أجب عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس» «٦»، وكان لشعر عبد الله بن رواحة (ت ٨ هـ) «٧» وكعب بن مالك (ت ٥٠ هـ) دور كبير في المعارك المختلفة، فكانت مهمتهم أن يحرضوا المجاهدين على القتال، وأن يتصدّوا للمشركين وشعرائهم «٨» .
_________________
(١) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ١٠٩) .
(٢) الترمذي الصحيح (ج ١٣، ص ٢١٦) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٣٣٥) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٤٧) .
(٣) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٣١٨) .
(٤) انظر: أشعار حسان في الرد على المشركين في ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ١٦، ١٨، ١٩، ٢٣، ٥٦٣، ٥٦٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١١٦، ١١٧) (الواقدي) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ١، ص ١٢٣)، (ج ٤، ص ١٣٦) .
(٦) مسلم، الصحيح (ج ٤، ص ١٩١٣، ١٩٣٢، ١٩٣٥) .
(٧) انظر: محمد رشيد رضا، محمد رسول الله، بيروت، دار الكتب العلمية (١٣٦٥ هـ، ١٩٧٥ م)، (ص ٣٨٨، ٣٨٩) .
(٨) انظر: أشعار عبد الله بن رواحة (ت ٨ هـ) في ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ١٨٨، ٣٧١، ٣٧٥، ٣٧٦، -
[ ٩٦ ]
وكان ثابت بن قيس الخزرجي (ت ١٢ هـ) يقوم بمهمة «الخطابة»، فيرد على خطباء الوفود، يروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن وفد بني تميم جاء إلى النبي ﷺ، (٩ هـ)، فقام شاعرهم وخطيبهم، فقالا شعرا ونثرا، فأمر النبي ﷺ حسان بن ثابت (ت ٥٤ هـ)، وثابت بن قيس (ت ١٢ هـ) بإجابتهما ففعلا «١»، وهكذا فقد كان النبي ﷺ يختار من أصحابه أهل الكفاءة لمكافأة متطلبات الوظيفة وحاجاتها.
كان الرسول ﷺ يوصي بالرئاسة حيث يوجد العمل الجماعي، وذلك يظهر من قوله: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» «٢»، وكانت هذه قاعدة عامة يطبقها النبي ﷺ في كل أحواله، فكان يدير الدولة بنفسه، ويشرف على شؤون الأقاليم البعيدة عن طريق استعمال عدد كبير ممن يجد فيهم الكفاءة من أصحابه.
ففي المدينة «عاصمة الدولة» أشرف النبي ﷺ على إدارتها إشرافا مباشرا، وكانت المناطق القريبة من المدينة تابعة إداريّا للرسول. وتشير المصادر إلى أن النبي ﷺ كان يعين نائبا له «٣» على إدارة المدينة في حال خروجه للجهاد أو الحج، فيصلي بالناس، ويشرف على تنفيذ متطلبات الناس المتبقين في المدينة، وكان أول من استعمل على المدينة ابن أم مكتوم (ت ١٥ هـ) فيذكر خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) أن النبي ﷺ استعمله ثلاث عشرة مرة «٤» ويبدو أن استخلاف ابن أم مكتوم غالبا ما كان من أجل
_________________
(١) - ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٧٩) . وانظر: أشعار كعب بن مالك (ت ٥٠ هـ) في ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٦٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٩٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١١٦) (الواقدي) .
(٢) انظر: خطبه في ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٦٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٩٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١١٦) (الواقدي) . ابن حزم، جوامع السيرة (ص ٢٨) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٢٠٠) .
(٣) أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ هـ) سنن أبي داود، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت، (ج ٣، ص ٨١) . وفي حديث: «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» (ج ٣، ص ٨١) .
(٤) أول لقب لقب به نواب الرسول ﷺ وممثلوه هو لقب (أمير) والواقع أن هذا اللقب استعمل قبل الإسلام، ولكن استعماله كان يحمل معنى دنيويّا بحتا، أما في ظل الحكم الإسلامي فأصبح يحمل المعنى الديني والدنيوي معا، ويلاحظ أن الموظفين في زمن الرسول ﷺ كانوا يسمون عمالا وأمراء وولاة، ومن هنا فإنا نجد تداخلا في التسمية، فترد في المصادر إشارات إلى أن النبي ﷺ استعمل فلانا أو أقر فلانا أو ولّى فلانا.. إلخ. انظر: الأعظمي، الألقاب (ص ٤٥١) .
(٥) انظر: خليفة من خياط، تاريخ (ج ١، ص ٦١) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١١٩٨، ١١٩٩) . ذكرت كتب السير أنه استعمل في غزوة الأبواء، وبواط، وذي العشيرة، والسويق، وغطفان، وأحد، وحمراء الأسد، وذات الرقاع، وبدر، وبني النضير، والغابة، وغيرها. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٣٦، ٣٩، ٤٩، ٥٨) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٥٥) (الواقدي) .
[ ٩٧ ]
الصلاة بالناس؛ وذلك لكونه ضريرا، وقد اتضح هذا من قول الحلبي (ت ١٠٤٤ هـ): «إن استخلاف ابن أم مكتوم إنما كان على الصلاة بالمدينة دون القضايا والأحكام، فإن الضرير لا يجوز أن يحكم بين الناس؛ لأنه لا يدرك الأشخاص، ولا يدري لمن يحكم ولا على من يحكم» «١»، وأيد ذلك الزرقاني (ت ١٢٢ هـ) حيث قال: «استعمل ابن أم مكتوم- أي على الصلاة بالناس- لأن المدينة لم يبق فيها إلا القليل الذين لا يتخاصمون» «٢» .
وذكرت المصادر عددا ممن أنابهم الرسول ﷺ على إدارة المدينة في حالة خروجه إلى الغزاة «٣»، ويلاحظ من جريدة الأسماء الذين اختارهم الرسول ﷺ لذلك أنه لم يقتصر على اختيار شخص معين، ولكن بقي الإسلام والكفاءة والأمانة هي أسس الاختيار والتولية، أما ما ذكر عن الأقسام التابعة إداريّا للمدينة، وأشارت إليهما المصادر الجغرافية «٤»، فلم تكن على هذه الصورة في زمن النبي ﷺ، وربما حدثت في السنين التالية عندما استقر الوضع الإداري للجزيرة العربية وفي المناطق الشمالية خاصة.
وكانت «مكة» واحدة إدارية، وتأتى في أهميتها بعد العاصمة، ولا سيما أنها تشتمل على المشاعر المقدسة، والتي يحج المسلمون إليها في كل عام، وقد انضمت مكة إلى الدولة الإسلامية في السنة الثامنة للهجرة بعد الفتح وعين عليها النبي ﷺ عتاب
_________________
(١) الحلبي، السيرة (ج ٢، ص ٢٧٠) .
(٢) الزرقاني، المواهب (ج ٢٠، ص ٢٤، ٢٥) .
(٣) من هؤلاء سعد بن عبادة (ت ١٥ هـ) في غزوة ودان (١ هـ)، وسعد بن معاذ (ت ٥ هـ) في غزوة بواط، وأبو سلمة من عبد الأسد (ت ٣ هـ) في غزوة ذي العشيرة، وأبو لبابة «بشير بن عبد المنذر» (ت ٣٦ هـ) في غزوة السويق، وغزوة قينقاع، وعثمان بن عفان في غزوة ذي أمر، وغزوة غطفان، وذات الرقاع، وسباع بن عرفطة في غزوة دومة الجندل وغزوة خيبر، وعلي بن أبي طالب في غزوة تبوك، وأبو دهم بن الحصين في غزوة الفتح وغيرهم. انظر: ابن هشام، السيرة م ١، ص ٥٩٠، ٥٩١، ٥٩٨)، (م ٢، ص ٤٦، ٤٩، ٢٠٩، ٢١٣، ٣٩٩) . ابن سعد، الطبقات، (ج ٢، ص ٨، ٩، ٢٩، ٣٠، ٣٤، ٣٥، ٦١، ٦٢، ١٠٦، ١٢٠، ١٢١، ١٦٥) .
(٤) أشارت هذه المصادر إلى أماكن وصفتها بأنها أعراض تابعة إداريّا للمدينة، فذكر ياقوت (٦٢٦ هـ) أن النخيل من أعراض المدينة، أي من قراها القريية منها. ويذكر السمهودي (ت ١٠١١ هـ) أن (ذو عظم) من أعراض المدينة، وينقل البكري (ت ٤٧٨ هـ) أن من أعراض المدينة فدك والفرع ورهاط، ويذكر ابن خرداذبه (توفي نحو ٢٨٠ هـ) أن من أعراض المدينة تيماء، ودومة الجندل، ومنها فدك وقرى عرينة والوحيدة وتمرة وخضرة وغيرها، ويذكر ابن الفقيه (توفى نحو ٣٤٠ هـ) مجموعة من الأعمال التابعة للمدينة. ويبدو من القوائم السابقة أن هذه الأعمال أو الأعراض تبعت المدينة في فترة لاحقة. انظر: ياقوت، معجم (ج ١، ص ٢٤٥٠)، (ج ٥، ص ٤٥٠٢) . السمهودي، وفاء الوفا (ج ٤، ص ٢٦٧) . البكري، معجم (ص ١٢٠١) . ابن خرداذبه أبا القاسم عبيد الله (توفي نحو ٢٨٠ هـ) المسالك والممالك، بغداد مكتبة المثنى، د. ت (ص ١٢٨) . وابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص ٢٦) . العلي، إدارة الحجاز (ص ١٠) .
[ ٩٨ ]
ابن أسيد بن أبي العاص (ت ١٣ هـ) واليا كما في رواية ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) «١»، في حين يذكر موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) «٢» أن النبي ﷺ عين معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) على مكة يعلّمهم القران ويفقههم في الدين «٣» .
ويمكن الجمع بين ما قاله ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) وابن عقبة (ت ١٤١ هـ) أن النبي ﷺ عين عتابا أميرا ومعاذا إماما ومعلما؛ إذ إن عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولم يحصل على قسط وافر من العلم والفقه. وبقي عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولم يحصل على قسط وافر من العلم والفقه. وبقي عتاب بن أسيد على إدارة مكة حتى وفاة الرسول ﷺ فأقره أبو بكر على ولايته حتى وفاته (ت ١٣ هـ) «٤»، ويمكن القول:
إن إدارة عتاب الناجحة لشؤون مكة أدت بشكل واضح إلى ثبات أهل مكة على الإسلام بعد ردة العرب في أواخر حياة الرسول ﷺ وسائر خلافة أبي بكر ﵁ «٥» .
وكانت الطائف- بعد إسلامها (٩ هـ) - واحدة إدارية، واستعمل النبي ﷺ على إدارتها عثمان بن أبي العاص (ت ٤٢ هـ) وقد اختير عثمان مع صغر سنه «٦» ويعلل ذلك قول أبي بكر الصديق (ت ١٣ هـ): «يا رسول الله ﷺ إني رأيت هذا الغلام منهم أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القران» «٧» وكانت قد جرت عادة الرسول ﷺ منذ عام الوفود (٩ هـ) أن يختار من بين الوافدين عليه أصلحهم لتولّي
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٠٠) (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٣٧) . الأزرقي، أخبار مكة (ج ٢، ص ٤٠) .
(٢) الأزرقي، أخبار مكة (ج ٢، ص ٤٠) (موسى بن عقبة) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٠٠) . الفاسي، العقد الثمين (ج ٧، ص ٣٦٦، ٣٦٧) . أحمد بن السيد زيني دحلان، أمراء البلد الحرام (ط ٢) بيروت، الدار المتحدة للنشر، (١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م)، (ص ٧) .
(٤) العسكري، الأوائل (ص ٢٢٢) . ابن حزم، جمهرة (ص ١١٣) . ابن حجر، أسد الغابة (ج ٣، ص ٣٥٨، ٣٥٩) .
(٥) تذكر بعض المصادر الجغرافية أعمالا تابعة لمكة. وهذه الأعمال تبعت مكة في فترة لاحقة. انظر: ابن خرداذبة، المسالك والممالك (ص ١٢٨) . اليعقوبي، البلدان (ص ٣١٦) . المقدسي، أبا عبد الله محمد بن أحمد (ت ٢٨٧ هـ)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، تحقيق دي خوية، ليدن، مطبعة بريل، (١٩٠٦ م)، أوفست، مكتبة الخياط، بيروت، (ص ٧٩، ٨٠) . شيخ الربوة شمس الدين أبا عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري، (ت ٧٢٧ هـ)، نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، د. ت (ص ٢١٥) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٤٠) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٩٩) . ابن حزم، جوامع السيرة (ص ٢٤) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١٠٣٥) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٤٠) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٩٩) . قال أبو بكر: «رأيت هذا الغلام » والغلام في اللغة هو الممتلئ شبابا، ويقدر ما بين الخامسة عشرة والعشرين. انظر: ابن سيده، المخصص (ج ١، ص ٣٤) .
[ ٩٩ ]
شؤون المنطقة التي ينتمي إليها الوفد، وذلك بما يتوافر لهذا الأمير من مؤهلات دون النظر للسن، وعلى أساس ذلك كان اختيار عثمان لإدارة شؤون الطائف.
ويشير ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) إلى أن النبي ﷺ زود عثمان بتعليمات إدارية أولية فقال له: «يا عثمان تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» «١» ويفيد هذا النص أن المهمة الإدارية الأولى لعثمان كانت إقامة الصلاة، فكان لابد من تحديد كيفية التعامل تجاه المصلين، لأنهم حديثو عهد بالإسلام.
أما بقية الأمور الإدارية، فقد تركت لعثمان يقوم بها حسب معرفته بطبيعة الطائف وعلى أساس النظم السائدة فيها، وبقي عثمان على إدارتها في حياة النبي ﷺ وخلافة أبي بكر وجزا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ «٢» .
وكانت «اليمن» واحدة إدارية، وكانت قبل الإسلام تتبع فارس، وولي أمرها من قبل كسرى باذان بن ساسان (ت ١٠ هـ)، فأسلم وحسن إسلامه وأصبح أهلها جزا من رعايا الدولة الإسلامية. فأبقى النبي ﷺ باذان على إدارتها، ولم يشرك معه فيها أحدا حتى وفاته (ت ١٠ هـ) «٣» فرأى النبي ﷺ بعد وفاة باذان أن يقسم اليمن إلى عدد من الأقسام الإدارية، فكانت «صنعاء وأعمالها» واحدة إدارية، وجعلها لشهر بن باذان «٤»، وبعد مقتله تولى إدارتها خالد بن سعيد (ت ١٤ هـ)، وكانت «مأرب» واحدة إدارية وجعلها لأبي موسى الأشعري (ت ٤٢ هـ)، وتشمل منطقة زبيد وعدن ورمغ والساحل «٥»، وكانت «الجند» واحدة إدارية، وجعلها لمعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) «٦»، في حين يرى ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) أن الجند كانت ليعلى بن أمية «٧» .
وكانت «نجران» واحدة إدارية جعلها النبي ﷺ لعمرو بن حزم (ت ٥١ هـ)، ثم تولى
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٤١) .
(٢) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١٠٣٥) .
(٣) ابن حزم، جوامع السيرة (ص ٢٣) . المالقي، أبو القاسم بن رضوان (ت ٧٨٣ هـ)، الشهب اللامعة في السياسة النافعة، تحقيق على سامي النشار (ط ١) الدار البيضاء، ودار الثقافة، (١٩٨٤ م)، (ص ٣٤١) . وابن خالدون، تاريخ (ج ٢، ص ٨٤٣) .
(٤) ابن حزم، جوامع (ص ٢٣) . ابن خالدون، تاريخ (ج ٢، ص ٨٤٣) .
(٥) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٩٣، ٩٤) . ابن حزم، جوامع (ص ٢٣) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١٤٠٣) . ابن حجر، أسد الغابة (ج ٣، ص ٢٤٦) . ابن خالدون تاريخ (ج ٢، ص ٨٤٣) .
(٦) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٩٧، ٩٨) . ابن حزم، جوامع (ص ٢٤- ٣٣) . الحاكم، المستدرك (ج ٣، ص ٢٧٤) . ابن عبد البر الاستيعاب (ج ٣، ص ١٠٤٣) .
(٧) ابن خالدون، تاريخ (ج ٢، ص ٨٤٣، ٨٤٤) .
[ ١٠٠ ]
إدارتها بعده أبو سفيان بن حرب (ت ٣٢ هـ) «١»، أما همذان فجعلت لعامر بن شمر الهمذاني «٢»، وكانت «عك والأشعرين» واحدة إدارية، وجعلها لطاهر بن أبي هالة «٣» .
لقد كانت اليمن قبل الإسلام تتبع نظاما إداريّا متقدما نوعا ما؛ إذ قامت فيها مجموعة من الدول المتحضرة، ويتصور أن يكون النبي ﷺ قد أرسل ولاته لإدارة اليمن حسب النظم الموجودة قبل الإسلام؛ ولا سيما خاصة تلك التي لا تتعارض مع الدين الجديد «٤» .
أما «حضرموت والصدف» فكانت واحدة إدارية، وجعلها النبي ﷺ كما يشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) لزياد بن لبيد (ت ٤١ هـ) «٥» . وهناك إشارة إلى أن وائل بن حجر بن ربيعة كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه ملكا من ملوكهم وفد على النبي ﷺ، ويقال: إن النبي ﷺ بشّر به قبل قدومه فقال: «يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الله ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وقرّبه من مجلسه وبسط له ردائه، ودعا له ولولده، واستعمله على حضرموت وكتب له كتابا إلى الأقيال والعباهلة» «٦» وهذا الخلاف يدفعنا إلى القول إن النبي ﷺ استعمل وائل بن حجر على بعض حضرموت في حين كان زياد بن لبيد (ت ٤١ هـ) الحاكم الإداري العام من قبل رسول الله ﷺ.
أما منطقة «البحرين» فكانت ابتداء جزا من مملكة فارس، وكان سكانها من العرب واليهود والمجوس، فأرسل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى المنذر ابن ساوى يدعوه إلى الإسلام، فأسلم المنذر وحسن إسلامه «٧» . فأبقاه النبي ﷺ على إدارة البحرين وقال له: «إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته
_________________
(١) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٩٣، ٩٤) . وفي رواية للواقدي (ت ٢٠٧ هـ) «لم يذهب إلى نجران وبقي في المدينة» . انظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٩، ٥٣٠) .
(٢) ابن خالدون، تاريخ (ج ٢، ص ٨٤٣، ٨٤٤) .
(٣) م. ن (ج ٢، ص ٨٤٣، ٨٤٤) .
(٤) عرفت اليمن الإدارة المستقلة والسيادة الكاملة في أزمنة كثيرة، منها حقبة التباعية، فقد كان هناك مجالس تمثل الشعب تمثيلا نيابيّا، فقد كان هناك مجلس قبلي إلى جانب مجلس الشعب، كما كانت تمثل القبائل المختلفة في الهيئات التشريعية، وكانت إدارة البلاد بيدها. انظر: ديتلف نلسون ورفاق، التاريخ العربي القديم، ترجمة: فؤاد حسين علي وزكي محمد حسن. القاهرة، مكتبة النهضة الحديثة، د. ت (ص ١٣٣- ١٤٣) .
(٥) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٩) .
(٦) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٤، ص ١٥٦٢) . القيل: الملك من ملوك حمير وجمعه أقيال وقيول. العباهلة: هم الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ١١، ص ٥٨٠) .
(٧) ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٥٧٦) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٣٦) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ١٠٦، ١٠٧) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١٠٨٦) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ١، ص ٣٦، ٣٧) .
[ ١٠١ ]
أو مجوسيته فعليه الجزية» «١»، ويشير ابن سعد (ت ٣٣٠ هـ) إلى أن النبي ﷺ استعمل العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) وبعث معه أبا هريرة «٢» والذي أراه أن المنذر كان يدير البحرين وفق النظم الإدارية الموجودة، وكان دور العلاء مساعدة المنذر في نقل البلاد من النظم السائدة إلى النظم الإدارية وفق تعاليم الدين الجديد التي امن بها المنذر ومجموعة من أهل البحرين، وكان دور أبي هريرة (ت ٥٩ هـ) تعليم الناس وتفقيههم الإسلام وأحكامه، ويتضح ذلك من إشارة لابن إسحاق (١٥١ هـ) حيث قال: «والعلاء عنده- أي عند المنذر- كان أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين» «٣» .
ويذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ كتب للعلاء كتابا جاء فيه «فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوى من يقتضي منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معهما ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور» «٤» ويفيد النص أن المنذر كان يقوم بجمع الجزية على حين، بينما يقوم العلاء بجمع صدقات المسلمين. وبهذه الطريقة يستطيع أن يتعرف إلى طبيعة البلاد وأهلها حتى تنتقل إليه إدارتها فيما بعد.
لقد قام أهل البحرين بشكوى العلاء إلى رسول الله ﷺ، ولم تسعفنا المصادر عن طبيعة هذه الشكوى وأسبابها. ولكن النبي ﷺ استجاب لطلبهم وعزل العلاء واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص (ت ١٥ هـ) «٥»، وأوصاه النبي ﷺ بأهل البحرين خيرا فقال له: «استوص بعبد القيس وأكرم سراتهم» «٦» .
وأشارت المصادر إلى أن «عمان» كانت واحدة إدارية جمعها النبي ﷺ لعمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) «٧» في حين يشير خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) في رواية أن إدارة عمان كانت لأبي زيد الأنصاري «٨»، وهذه الرواية غريبة تخالف بقية الروايات؛ إذ إن عمرا بقي على إدارة عمان حتى وفاة الرسول ﷺ «٩» .
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٣٦) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ١٠٨، ١٠٩) . القلقشندي، صبح الأعشى (ج ٦، ص ٣٦٧) . الحلبي، السيرة (ج ٣، ص ٢٨٣) . حميد الله، مجموعة الوثائق (ص ١٤٦) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٣٦) .
(٣) ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٥٧٦) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٧٦) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٦٤)، (ص ١٥٣) .
(٥) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ١١١) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ١، ص ٣٦) .
(٦) ابن سعد، الطبقات (ج ٤، ص ٣٦٠، ٣٦١) .
(٧) خليفة بن خياط، تاريخ (ج ١، ص ٦٢) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١١٨٧) . المالقي، الشهب اللامعة (ص ٣٤١) . ابن الأزرق، بدائع (ج ١، ص ٢٨٤) .
(٨) خليفة بن خياط، تاريخ (ج ١، ص ٦٢) .
(٩) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١١٨٧) .
[ ١٠٢ ]
وكانت هناك مجموعة من المناطق الإدارية الصغيرة في الجزيرة، فكانت قرى عرينة (تبوك وخيبر وفدك) واحدة إدارية، واستعمل النبي ﷺ على إدارتها عمرو بن سعيد بن عبد الله بن العاص (ت ١٢ هـ) «١» و«وادي القرى» وكان على إدارتها الحكم بن سعيد بن العاص «٢»، و«جرش» وكان على إدارتها صرد بن عبد الله الأزدي «٣»، و«دبا» واستعمل على إدارتها حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) «٤» و«الخط» واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص (ت ١٥ هـ) لفترة من الوقت ثم أرسله واليا من قبله على البحرين «٥» و«وادي العقيق»، واستعمل على إدارتها بلال بن الحارث المزني (ت ٦٠ هـ) «٦»، لقد كانت هذه القرى مستقلة قبل الإسلام ولم تكن تابعة إداريّا لدولة من الدول المجاورة مما جعل النبي ﷺ يعين لكل واحدة منها واليا مستقلّا.
أما القبائل العربية المتناثرة في أنحاء الجزيرة، فقد أرسلت وفودا إلى النبي ﷺ أعلن بعضها الإسلام، وقبل البعض الاخر الدخول في حماية المسلمين.
وقضت طبيعة النظام البدوي والأوضاع السائدة في الجزيرة، أن يعامل الرسول ﷺ هذه القبائل معاملة تعطيها الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها، فلم يعين النبي ﷺ على هذه القبائل ولاة من قبله، بل أقر زعماء هذه القبائل على ما هم عليه وطالبهم بالمحافظة على الأركان الأساسية في الإسلام- إن كانوا مسلمين- أو الالتزام بشروط المسلمين إن كانوا غير مسلمين، وترك لهم إدارة شؤونهم المحلية حسب ما لديهم من تقاليد وأعراف «٧» وبذلك اتسعت الدولة، وأصبح حكمها يعتمد اللامركزية (الإدارة غير المباشرة) واكتفت بخضوع القبائل لسلطتها والموالاة لها.
وقد أشارت المصادر إلى بعض هذه القبائل، فقد أمر النبي ﷺ علي بن الحارث بن
_________________
(١) خليفة بن خياط، تاريخ (ج ١، ص ٦١، ٦٢) . وانظر: ابن حزم، جوامع (ص ٢٤٢) . جمهرة (ص ٨٠) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١١٧٨) .
(٢) ابن حزم، جوامع (ص ٢٤) . جمهرة (ص ٨٠) .
(٣) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٣٧، ٣٣٨) .
(٤) م. ن (ج ٥، ص ٥٢٧) .
(٥) ابن حزم، جوامع (ص ٢٤) .
(٦) ياقوت، معجم (ج ٤، ص ١٣٩) . ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٦٤) .
(٧) العلي، إدارة الحجاز (ص ٣٦) .
[ ١٠٣ ]
كعب بن قيس على قبيلته بني الحارث بن كعب «١»، ورفاعة بن زيد الجذامي على قومه، وكتب له النبي ﷺ كتابا بذلك «٢»، وقضاعي بن عمر على قبيلته بني عذرة «٣»، وصرد بن عبد الله الأزدي على قومه، وكانوا يسكنون في منطقة جرش فاستعملهم النبي ﷺ على جرش أيضا «٤»، وقيس بن مالك الهمذاني على قومه همذان وكتب له كتابا أمرهم به «أن يسمعوا له ويطيعوا» «٥»، وأقر امرأ القيس بن الأصبع الكلبي على قومه بني كلب «٦» وقيس بن مالك الأرصبي على قومه، ويشير ابن سعد إلى كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لقيس، حيث قال فيه: «أما بعد: فإني استعملتك على قومك عربهم وحمورهم ومواليهم» «٧»، ويذكر ابن حجر كتاب النبي ﷺ لخزيمة بن عاصم الذي استعمله بموجبه على قومه حيث جاء فيه: «إني بعثتك ساعيا على قومك فلا يضاموا ولا يظلموا» «٨»، ويلاحظ أن كلمة (ساعيا) تدل على أن هؤلاء الأمراء كانوا يقومون بجمع ما يستحق على أقوامهم من أموال الصدقة وغيرها ثم يبعثونها إلى رسول الله ﷺ، وهذا كتاب النبي ﷺ إلى عبادة بن الأشيب العنزي جاء فيه: «إني أمّرتك على قومك ممّن جرى عليه عملي وعمل بني أبيك، فمن قرئ عليه كتابي هذا فلم يطع، فليس له من الله معون» «٩»، ويشير ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) إلى أن النبي ﷺ كتب كتابا إلى رفاعة بن زيد جاء فيه: «إني بعثته على قومه عامة، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله ورسوله» «١٠» .
ويلاحظ من خلال الكتب السابقة أن النبي ﷺ كان يبعث مع بعض الأمراء كتابا
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٤) .
(٢) م. ن (ج ٢، ص ٥٩٦) .
(٣) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٧٠) .
(٤) م. ن (ج ١، ص ٣٣٨) . قال ابن سعد: «صرد بن عبد الله الأزدي، تولى أمر قومه وحارب بهم أهل جرش حتى تولى أمرها زمن رسول الله ﷺ» . انظر: ابن سعد: الطبقات (ج ٥، ص ٥٢٧) .
(٥) م. ن (ج ١، ص ٣٤٠، ٣٤١) .
(٦) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٢٤٣) (سيف) .
(٧) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٤١) . وانظر: ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٤، ص ٢٢٤، ٢٢٥) . ابن حجر، الإصابة (ج ٣، ص ٢٥٨، ٢٥٩) . حمورهم: هي مجموعة من البطون، منها قدم وال ذي مران، وال ذي لعوة. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٤١) .
(٨) ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٢، ص ١١٦) . ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٤٢٧، ٤٢٨) .
(٩) ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٣، ص ١٠٤) . وانظر: ابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٢٦٧) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٢٣٤)، (ص ٢٢٣) . الأحمدي، مكاتيب (ج ١، ص ٢٣٨) .
(١٠) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٦) (ابن إسحاق) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٥٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٤٠) (ابن إسحاق) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٧٥)، (ص ٢٨٠) .
[ ١٠٤ ]
يجوز لنا أن نطلق عليه (كتاب التعيين)، يطلب فيه من القبيلة أن تطيعه ولا تخالف أمره، ويفترض أن جميع هذه القبائل التي بعثت وفودا إلى النبي ﷺ قد ولي عليها النبي رجلا يدير أمرها، وما ذكر سابقا يعطي صورة أولية عن وضع القبائل الاخرى في الجزيرة وعلى حدود فارس والروم.
لقد كان الرسول ﷺ يتخير أمراءه من الصحابة الذين اشتهروا بالعلم والكفاية والكفاءة والجاه والسلطان ولديهم المقدرة على بعث الإيمان في قلوب من يرسلون إليهم «١»؛ لأن مهمة هؤلاء لم تكن إدارية فقط، بل كانت مهمة دعوية تعليمية فهم يعلمون الناس الإسلام ويؤمونهم في الصلاة.
لقد كان النبي ﷺ في اختياره لهؤلاء الأمراء يغلب اعتبارات الكفاءة على اعتبارات السن أو الغنى أو غير ذلك. وكان النبي ﷺ لا يخضع لتأثير الضغوط، لتغيب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، ويتضح هذا من عدة حوادث، فهذا العباس (ت ٣٢ هـ) عم النبي ﷺ حين طلب أن يوليه ولاية قال له النبي ﷺ بكل صراحة ووضوح: «يا عم رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والاخرة» «٢» وطلب رجل من أصحاب النبي ﷺ عملا فقال له النبي ﷺ: «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده» «٣»، وكذلك أجاب أبا ذر الغفاري (ت ٢٤ هـ) حين سأله قائلا: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها» «٤» وفي رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) في الصحيح قال: «إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تلينّ مال يتيم» «٥»، فرغم سبق أبي ذر في الإسلام ومكانته العظيمة التي عبر عنها النبي ﷺ بقوله: «ما أقلت الغبراء وما أظلت الخضراء رجلا أصدق
_________________
(١) انظر: محمد كرد علي، الإدارة الإسلامية (ص ١٢) .
(٢) الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، صحيح الجامع الصغير وزيادته، دمشق، المكتب الإسلامي (١٩٧٢ م)، (ج ٦، ص ٢٩٥) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ١١٥) . مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٤٥٦) . أحمد، المسند (ج ٤، ص ٤٠٩) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٩) .
(٤) أحمد، المسند (ج ٥، ص ١٧٣) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢١٠) .
(٥) مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢١٨، ٢١٩) .
[ ١٠٥ ]
لهجة من أبي ذر «١»» إلا أنه مع ذلك رفض طلبه في توليته أمرا إداريّا لا يتناسب مع صفات أبي ذر، فعبر له عن ذلك مبديا له ضعفه دون حرج.
ولعل من الأمور الواضحة البينة في هذا المجال ما أشار إليه البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في روايته عن أبي موسى الأشعري (ت ٥٢ هـ) حيث قال: «دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا يا رسول الله، وقال الاخر مثله، فقال: «إنّا لا نولي هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه» «٢»؛ وذلك لأن الولايات أمانة والتسرع إلى تحمل الأمانة خيانة؛ لأنه لا يطلبها إلا طامع فيها، متطلّع إلى مكسب مادي أو معنوي.
ولقد وجه النبي ﷺ أصحابه إلى عدم التسرّع في طلب الإمارة فيشير البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إلى قول الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة (ت ٥١ هـ):
«يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» «٣» .
وحذّر النبي ﷺ من تولية غير الكفؤ في إدارة من الإدارات فقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» «٤»، وفي رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ): «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، وينصح، إلّا لم يدخل معهم الجنة» «٥» . ولا يفهم من ذلك أن يبتعد أصحاب الكفاات عن تولي إدارات الدولة المختلفة فقد سمع النبي ﷺ رجلا يقول: بئس الشيء الإمارة، فقال النبي ﷺ: «نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها وحلّها» «٦»، وجعل النبي ﷺ للإمام العادل منزلة رفيعة عند الله يوم القيامة فقال:
_________________
(١) أحمد، المسند (ج ٢، ص ١٧٥) . ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٥ هـ) . سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت (ج ١، ص ٥٥) . الترمذي، الصحيح (ج ١٣، ص ٢١٠) .
(٢) ابن حجر، فتح الباري (ج ٢٧، ص ١٤٧) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢٠٦، ٢٠٧) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٧٩) . مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٤٥٦) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٠) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢١٤) .
(٥) مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢١٥) .
(٦) ابن سلام، الأموال (ص ١٠)، وروى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) حديثا بنفس المعنى: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة، فبئس المرضعة ونعمت الفاطمة» . انظر: البخاري، صحيح (ج ٩، ص ٧٩) .
[ ١٠٦ ]
«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل » «١» .
لقد كان النبي ﷺ يعرف طاقات أصحابه معرفة دقيقة، ويتضح ذلك مما رواه الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) عن النبي ﷺ حيث قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل، وأحزمهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح» «٢»، وكانت هذه الإشارة من النبي ﷺ توجّه الأمة لمعرفة خصائص كل واحد منهم للإفادة من كفاءتهم وقدراتهم في الإدارات المختلفة.
وتشير المصادر إلى الصيغة التي كان الرسول ﷺ يتبعها في تعيين الولاة، فكانت تتم إما بصورة «شفوية» يضمنها النبي ﷺ الاختصاصات، ووصايا أخرى، أو تكون بصورة «مكتوبة» كما يتضح من كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) حين ولاه نجران «٣»، وكتاب النبي ﷺ إلى عبادة بن الأشيب العنزي «٤»، ورفاعة بن زيد حين ولاهم على أقوامهم «٥» .
ويفترض أن يقوم هؤلاء الولاة بالدور نفسه الذي يقوم به النبي ﷺ في إدارة المدينة، فيقوم الوالي بتدبير أمر الجند في بلده، وتنظيمهم وقيادتهم في جهاد من يليه من الكفار، والنظر في الأحكام، وفض المنازعات، وجباية الخراج والزكاة والجزية، وحماية أمر الدين، وتطبيق الحدود. وتعليم الناس الإسلام وإمامتهم في الصلاة إلى غير ذلك من الأمور «٦» .
ويلاحظ أن هذه المهمات قد اتضحت من خلال كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ١٣) . مسلم، الصحيح (ج ٢، ص ٧١٥) .
(٢) الترمذي، الصحيح (ج ١٣، ص ٢٠٢) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٤- ٥٩٦) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٨، ١٢٩) (ابن إسحاق) . القلقشندي، صبح الأعشى (ج ١٠، ص ٩) . المقريزي، إمتاع (ص ٥٠١، ٥٠٢) . ابن طالون الدمشقي، أعلام السائلين (ص ١٣٥- ١٣٨) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٠٥)، (ص ٢٠٦- ٢٠٩) .
(٤) ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٣، ص ١٠٤) . ابن حجر، الإصابة (ص ٢٦٧)، حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٢٣٤)، (ص ٢٢٣) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٦) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٥٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٤٠) (ابن إسحاق) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٤- ٥٩٦) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٨٩، ٩٧) . فتوح، (ص ٩٥) . الماوردي، الأحكام السلطانية (ص ٣٠٢) .
[ ١٠٧ ]
حزم (ت ٥١ هـ) حين ولاه على نجران فجاء فيه «عهد من رسول الله لعمرو بن حزم حيث بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله وأمره أن يأخذ الحق كما أمره أن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به. ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه» «١» .
وكان الوالي يقوم بهذه المهمات مجتمعة، أو تقسم بين أكثر من رجل، ويتضح ذلك من أن النبي ﷺ بعث عليّا إلى اليمن قابضا للأخماس، وخالدا متوليا للحرب، ومعاذا وأبا موسى معلمين للقران وقبض الصدقات «٢» .
ويذكر ابن عبد ربه (ت ٣٢٨ هـ) أن النبي ﷺ استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم والقضاء «٣» .
ويلاحظ أن النبي ﷺ لم يهمل أمر ولاته، فهو يسأل عن سيرتهم ويتحرى أخبارهم، ومن المعايير البسيطة في الرقابة الإدارية على سلوك الولاة ما رواه مسلم (ت ٢٦١ هـ) من قول النبي ﷺ: «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» . قال: فقام إليه رجل من الأنصار أسود- كأني أنظر إليه- فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال «مالك» . قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الان، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره » «٤» وهناك عدة حوادث عملية حدثت في عهد الرسول ﷺ تدل على ذلك، فقد عزل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) عن إدارة البحرين؛ لأن وفد عبد القيس شكاه إلى النبي ﷺ وولى بدلا منه أبان بن سعيد بن العاص (ت ١٥ هـ) وقال له: «استوص بعبد القيس وأكرم سراتهم» «٥» .
وكانت الرقابة الإدارية للنبي ﷺ مباشرة. فقد حاسب النبي ﷺ أحد عماله يسمى
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٤- ٥٩٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٨، ١٢٩) (ابن إسحاق) . المقريزي، إمتاع (ص ٥٠١، ٥٠٢) .
(٢) ابن حزم، جوامع (ص ٢٠، ٢٣، ٢٤، ٣٠) .
(٣) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٦، ص ١١) .
(٤) أحمد، المسند (ج ٤، ص ١٩٢) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢٢٢) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١٠، ١١) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ٤، ص ٣٦٠، ٣٦١) .
[ ١٠٨ ]
«ابن اللتبية» «١» عندما بعثه على عمل فجاء، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فغضب النبي ﷺ وقال قولته المشهورة التي تبين أن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية وليست مغنما ومكسبا: «ألا جلس في بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟» «٢» ويلاحظ أيضا أن الرقابة كانت تتركز في الأمور المالية وعلى عمل الولاة تجاه الرعية خاصة.
كان لهؤلاء الولاة مجموعة من الحقوق ضمنتها لهم الدولة، فلهم الطاعة في المعروف كما يتضح من قول النبي ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» «٣»، فربط طاعة الولاة بطاعة الله ورسوله؛ ولا سيما في البيئة العربية القبلية التي لا تعرف الطاعة، قال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «قيل: كانت قريش، ومن يليها من العرب، لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال النبي ﷺ هذا القول » «٤»،
وكان على الرعية أن تنصح لأمرائها. ويشير إلى ذلك البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ومسلم (ت ٥٦١ هـ) في رواية لهما عن النبي ﷺ حيث يقول: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟. قال: «لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» «٥» .
وقد ضمنت الدولة لهؤلاء الولاة حقوقا مادية، فكان يعين لكل منهم راتبا يكفيه، وتشير الروايات إلى أن أول راتب محدد كان لعتاب بن أسيد (ت ١٣ هـ) والي مكة، فقد رزقه النبي ﷺ درهمين عن كل يوم (راتب يومي) «٦» نظير إدارته، فقال لأهل مكة: «أصبت في عملي الذي استعملني رسول الله ﷺ بردين معقدين كسوتهما غلامي كيسان، فلا يقولن أحدكم: أخذ مني عتاب كذا، فقد رزقني رسول الله ﷺ كل يوم درهمين فلا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان» «٧» وكان هناك بعض
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٦٠)، (ج ٩، ص ٣٦، ٨٨) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٥، ص ٤٢٣، ٤٢٤) . البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٦٠) . (ج ٩، ص ٣٦، ٨٨) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢٢٠) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٤، ٣٥٥) .
(٣) أحمد، المسند (ج ٢، ص ٢٤٤، ٢٥٢، ٢٥٣) . النّسائي، السنن (ج ٧، ص ١٥٤) . ابن حجر، فتح الباري (ج ٢٧، ص ١٣١) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢٢٣) .
(٤) ابن حجر، فتح الباري (ج ٢٧، ص ١٣١) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ١، ص ٢٢) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢ ص ٢٦- ٢٧) .
(٦) العدوي، نظم (ص ١٩٤) . أبو سن، الإدارة (ص ٢٧) .
(٧) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١٣، ص ١٠٢٣، ١٠٢٤) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٣، ص ٣٥٨، ٣٥٩) .
[ ١٠٩ ]
الولاة يأخذون رواتبهم «عينية» وليست نقدية، فراتب عتاب كان يتضمن بالإضافة إلى النقود شيئا عينيّا «بردين معقدين» وقد يكون الراتب عينيّا، إذا استعمل النبي ﷺ قيس بن مالك الهمذاني على قومه، وخصص له قطعة من الأرض يأخذ نتاجها، وكتب له النبي ﷺ كتابا جاء فيه «فأقطعه النبي من ذرة يسار مائتي صاع، ومن زبيب خيوان مائتي صاع جار ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدا أبدا» «١» . ويفيد النص أيضا أن النبي ﷺ فرض راتبا لورثة الموظف بعد موته وهذه إشارة إلى وجود نوع من الضمان الاجتماعي في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام.
وعند تحديد الرواتب كانت تراعى حالة الموظف العائلية، فكان الأهل «المتزوج» يعطى حظين، و«الأعزب» يعطى حظّا واحدا «٢»، وهذا يشعر بشكل واضح إلى وجود بعض العلاوات في الراتب في حالة وجود الزوجة والأولاد في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام.
وأخذت الدولة على عاتقها توفير الضروريات الحياتية للموظف، ويشير إلى ذلك الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) في مسنده فذكر حديث الرسول ﷺ إذ يقول: «من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتّخذ منزلا، أو ليس له زوجة فليتزوج، أو ليس له دابة فليتخذ دابة» «٣» فكانت هذه الحوافز كافية لتوفير حالة الاستقرار النفسي للموظف كي يقوم بعمله على أكمل وجه.
وكان النبي ﷺ قد خصص رزقا لرجال إدارته حتى ولو كانوا أغنياء، ولم يقبل أن تكون عمالة أحدهم صدقة على المسلمين، فتشير المصادر «أن عبد الله بن السعدي «٤» (ت ٥٧ هـ) قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي في أعمال
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٤٠، ٣٤١) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٤، ص ٢٢٤، ٢٢٥) . الأحمدي، مكاتيب (ج ١، ص ٢٣٥، ٢٣٦) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١١٢) (ص ٢٣٢، ٢٣٣) . نسار: جبال صغار وقعت عندها واقعة الرباب بين هوازن وسعد بن عمرو بن تميم، وقيل: النسار ماء لبني عامر بن صعصعة. انظر: ياقوت، معجم البلدان (ج ٥، ص ٢٨٣) . خيوان: مخلاف باليمن وهو منسوب إلى قبيلة هناك. انظر: ياقوت، معجم البلدان (ج ٢، ص ٤١٥) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٦، ص ٢٥، ٢٩) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٩) .
(٣) أبو عبيد، الأموال (ص ٣٧٧) . أحمد، المسند (ج ٤، ص ١٩٢) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٤) .
(٤) عبد الله بن السعدي، وهو عبد الله بن قدامة بن عبد شمس القرشي، سكن المدينة، وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه، سمي أبوه «بالسعدي» لأنه استرضع في بني سعد بن بكر، وتوفي سنة (٥٧ هـ) . انظر ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ٩٢٠) .
[ ١١٠ ]
الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة (الأجرة)، فكرهتها؟، فقلت: بلى، فقال عمر:
ما تريد إلى ذلك؟، قلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ: «خذه فتموّله وتصدّق به فما جاءك في هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك» «١» .
وانطلاقا من تعيين الرواتب الكافية للولاة. وتوفير جميع الاحتياجات النفسية والمادية لهم، فقد منعهم النبي ﷺ من قبول الهدايا من أفراد الرعية واعتبر ذلك غلولا فقال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» «٢» . وبعد أن ضمن لكل موظف الزوجة والخادم والمسكن والدابة قال: «فمن اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق» «٣» . وفي قصة ابن اللتيبة قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتى ظهرت عفرة إبطيه» ثم قال:
«اللهم هل بلغت ثلاثا» «٤» . وبذلك ضمنت الدولة في رجال إدارتها أن يؤدوا خدماتهم بأمانة وصدق وإخلاص.
_________________
(١) أحمد، المسند (ج ١، ص ١٩٧) . ابن حجر، فتح الباري (ج ٧، ص ١٧٦- ١٨١) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٣) .
(٢) أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٣) .
(٣) م. ن (ج ٣، ص ٣٥٤) .
(٤) أحمد، المسند (ج ٥، ص ٤٢٣) . البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٢٠٩)، (ج ٨، ص ١٨٢)، (ج ٩، ص ٨٨) أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٥) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢١٨- ٢٢٢) . العفرة: بياض الإبط. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٤، ص ٥٨٥) .
[ ١١١ ]
الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة