لم يكن في الجاهلية نظام قضائي محدد، بل كانت الأعراف والعادات والتقاليد تشكل المصدر الرئيسي الذي يعتمد عليه العرب في حل ما يطرأ من مشكلات وما يقع من خصومات «١» .
وعندما جاء الإسلام أمر الله ﷾ نبيّه ﷺ أن يحكم بين الناس بما أنزل الله من أحكام في أمور الدين والدنيا، وجاء ذلك في الايات الكريمة: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٩] «٢»، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥] «٣» ومن هذه الايات استمد النبي ﷺ سلطته القضائية، وبدأت ترتسم معالم النظام القضائي الجديد للدولة الإسلامية.
لقد ألزم النظام القضائي الجديد المتخاصمين بقبول حكم النبي ﷺ، فلم يعد الأمر قبولا من الطرفين بالتحكيم- كما كان الأمر في الجاهلية- يتضح هذا من الاية الكريمة: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] «٤»، بذلك أصبح هذا النظام محددا وله سلطاته التشريعية والتنفيذية.
كان المسلمون ابتداء إذا عرض لهم حادث أو حصل بينهم خلاف رجعوا إلى رسول الله ﷺ لمعرفة حكم الإسلام فيجيبهم إما بنص القران وإما بقوله وأفعاله بناء على اجتهاده، ولقد تأكد الرجوع إلى النبي ﷺ بنص الصحيفة التي كتبها النبي ﷺ بين
_________________
(١) سعود بن سعد ال دريب، التنظيم القضائي في المملكة السعودية على ضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطة القضائية، الرياض، جامعة محمد بن سعود، د. ت (ص ١٣٣، ١٣٤) .
(٢) انظر: الطبري، تفسير (ج ١٠، ص ٣٩٢- ٣٩٤) . القرطبي، الجامع (ج ٦، ص ٢١٢- ٢١٤) . السيوطي، الدر (ج ٣، ص ٩٦، ٩٧) .
(٣) انظر: الطبري، تفسير (ج ٨، ص ١٧٥- ١٨١) . القرطبي، الجامع (ج ٥، ص ٣٧٥- ٣٧٧) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٢، ص ٦٦٩- ٦٧١) .
(٤) انظر: الطبري، تفسير (ج ٥، ص ١٥٣) . القرطبي، الجامع (ج ٥، ص ٢٦٦- ٢٦٩) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٢، ص ٥٨٤) .
[ ٢٢٣ ]
مواطني المدينة حيث جاء فيها: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد رسول الله ﷺ» «١» .
لقد كان النبي ﷺ المشرع والقاضي والمنفذ «٢»، وهو بذلك جمع بين سلطان التشريع، والتنفيذ، والقضاء، وكان تشريعه للأحكام بصفته رسولا بكونه حاكما عامّا، وانتهت هذه المهمة بوفاته، أما أداؤه لوظيفتي القضاء والتنفيذ فكان تكليفه بهما على سبيل العموم، إذا يقوم بهما الخلفاء من بعده كعمل تقتضيه مصلحة الجماعة «٣» .
وتشعر روايات المصادر أن النبي ﷺ مارس الوظيفة القضائية بصفته حاكما لا بصفته نبيّا، فقد روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول أم سلمة: قال النبي ﷺ: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» «٤»، وفي رواية: «إني أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه» «٥» فكان هذا القضاء مبنيّا على الظاهر من الحجج والبراهين دون معرفة السرائر؛ وذلك لأن النبي ﷺ لو قضى بين المتخاصمين بصفته نبيّا لعلم صاحب الحق من غيره، ولكنه قضى بصفته حاكما؛ لأن القضاء مرتبط بالحياة ومتغيراتها، ولا يتوافر لهذا رسل وأنبياء دائما.
لقد قام النبي ﷺ بمهمة القضاء على أنها وظيفة إدارية تتطلب أن يقوم بها بصفته حاكما للمسلمين أو يكلف من ينوب عنه في ذلك، وكانت وجهة أكثر المتخاصمين أن يعرفوا الحكم فينفّذوه «٦»، يروي البخاري (ت ٢٥٦ هـ): أن هند بنت عتبة قالت للنبي ﷺ: إن أبا سفيان رجل شحيح، فأحتاج أن اخذ من ماله، قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» «٧»، ويلاحظ أن كثيرا من القضايا التي اعتبرت قضاء في
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٥٠٤) . وانظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١)، فقرة رقم (٤٢)، (ص ٦٢) .
(٢) وذلك بمقتضى الايات التي تجعل من النبي ﷺ مشرعا عن ربه. انظر: الايات: المائدة (اية: ٤٨) . الشورى (اية: ١٣) . الجاثية (اية: ١٨) .
(٣) سعود، التنظيم القضائي (ص ١٣٥) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٩) . وانظر: مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٤) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١٣، ١٤) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٨٣، ٨٤) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٣٣- ٢٤٧) .
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٥، ٦) .
(٦) القضاء: الحكم، قال أهل الحجاز: القاضي: القاطع للأمور والالتزام بها. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٥، ص ١٨٦) .
(٧) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٩) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٧) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٤٦، ٢٤٧) .
[ ٢٢٤ ]
زمن الرسول ﷺ كانت أقرب ما تكون إلى الإفتاء، وقد جعل هذا المفهوم مجموعة من العلماء يؤلفون كتبا كبيرة في أقضية الرسول ﷺ «١» .
أما عن الإجراات القضائية المتبعة، فإن المعلومات المتوافرة في كتب الحديث الصحيحة عن قضاء النبي ﷺ توضح من شؤون القضاء وتنظيمه ما يجعل قواعده راسخة واضحة في بيان أصول المحاكمة، وما ينبغي للقاضي أن يسلكه في مجلس الحكم، وكيفية سير القاضي مع الخصوم.. إلى غير ذلك.
فقد بيّن النبي ﷺ «أصول المحاكمة» «٢» وما ينبغي أن يكون عليه القاضي في لفظه ولحظه في أثناء سماع الدعوى، فذكر أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) قول عبد الله بن الزبير (ت ٧٣ هـ): «قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» «٣» .
فلابد من التسوية بين الخصمين في الجلوس، فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الاخر ولا أرفع مجلسا منه، وأحسن الأوضاع في جلوس الخصمين أن يكون بين يدي القاضي لحديث النبي ﷺ، ثم إنه يتحقق بذلك الخضوع التام لحكم الشارع، والشعور بالصغار أمامه كما يحقق المساواة بينهما أيضا «٤» .
وكذلك أكد النبي ﷺ على ضرورة العدل بين المتخاصمين في اللحظ واللفظ والإشارة، وفي ذلك نقل لنا الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) قول أم سلمة (ت ٦٢ هـ) أن النبي ﷺ قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده «٥»» وفي رواية «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في المجلس والإشارة والنظر» «٦» ونهى النبي ﷺ عن أن يرفع القاضي صوته على أحد الخصوم دون
_________________
(١) انظر مثلا: ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد ﷺ (ت ٢٣٥ هـ)، أقضية الرسول ﷺ. القرطبي (ت ٤٥٧ هـ)، أقضية الرسول ﷺ. الإشبيلي، عبد الملك بن مروان (ت ٥٤٩ هـ) والغرناطي أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد (ت ٥٨٢ هـ) لهما كتابان بنفس العنوان السابق) . وختم ابن القيّم كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» بذكر فصول من فتاويه (وأجوبته) .
(٢) محمد نعيم ياسين، نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية، عمان، وزارة الأوقاف، د. ت (ص ٦٩) .
(٣) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١٦) .
(٤) ابن فرحون المدني، إبراهيم بن علي بن فرحون (ت ٧٩٩ هـ)، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، (١٣٧٨ هـ، ١٩٥٨ م)، (ج ١، ص ٤٦) .
(٥) الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر (ت ٣٨٩ هـ)، سنن الدارقطني، وبذيله التعليق المغني على الدارقطني، تحقيق عبد الله هاشم المدني، القاهرة، دار المحاسن (١٩٦٦ م)، (ج ٤، ص ٢٠٥) .
(٦) ابن حجر، أحمد بن علي (ت ٨٥٢ هـ)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق عبد الله هاشم المدني، المدينة المنورة، مطبعة الفجالة (١٩٦٤ م)، (ج ٢، ص ١٦٩) .
[ ٢٢٥ ]
الاخر، يتضح هذا من رواية الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) قال: قال رسول الله ﷺ: «من ابتلي بالقضاء بين الناس فلا يرفعنّ صوته على أحد ما لا يرفع على الاخر» «١» وفي هذا أمر صريح بوجوب التسوية بين الخصوم في كل ما يمكن العدل فيه.
أما عن كيفية سير القاضي مع الخصوم، فينبغي أن يكون ابتداء نظر الخصومات بالترتيب، فيقدم خصومة من جاء أولا على من جاء بعدهن، ولا يقدم واحدا على من جاء قبله لفضل منزلة أو سلطان «٢»، ويتضح هذا من قول النبي ﷺ: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» «٣»، ثم عليه أن يسمع ما لدى الخصمين أو الخصوم قبل الفصل في القضية، وترد إشارة إلى ذلك في قول النبي ﷺ لعلي بن أبى طالب حين بعثه قاضيا إلى اليمن: «فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع كلام الاخر، فإنه أحرى أن يتبين لك وجه القضاء» «٤» .
ولما كان القاضي يشكّل طرفا مهمّا في عملية التقاضي فلابد أن تكون هذه العملية في وقت صفاء نفسه وذهنه، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان» «٥»؛ وذلك لأن القاضي لا يستطيع تحري الحق حال الغضب، ومثل الغضب الجوع المفرط، والعطش الشديد، وغلبة النعاس «٦»، يتضح هذا من رواية أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان» «٧» وقد أكد الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) هذه المعاني بقوله: «ينبغي للقاضي أن يعتمد بنظره الوقت الذي فيه ساكن النفس، معتدل الأحوال ليقدر علي الاجتهاد في النوازل ولمّا نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين، والصلاة لا تحتاج إلى الاجتهاد إلى ما يحتاج إليه الأحكام، فكان دفع الأخبثين في القضاء أولى» «٨» .
_________________
(١) وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٣١) . الدارقطني، السنن (ج ٤، ص ٢٠٥) .
(٢) محمد نعيم ياسين، نظرية الدعوى (ج ٢، ص ٤٥) .
(٣) البيهقي، السنن (ج ١٠، ص ١٣٩) .
(٤) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١١) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٧٤) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٧٢) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٢) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ١٥) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١٦) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٧٧- ٧٨) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٣٧) .
(٦) نعيم ياسين، نظرية الدعوى (ج ٢، ص ٣٥) .
(٧) الدارقطني، السنن (ج ٤، ص ٢٠٦) . وينظر: وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٨٣) .
(٨) الماوردي، أبو الحسن محمد بن حبيب (ت ٤٥٠ هـ)، أدب القاضي، تحقيق محيي الدين هلال، بغداد، مطبعة الإرشاد، (١٣٩١ هـ، ١٩٧١ م)، (ج ١، ص ٢١٣- ٢١٦) .
[ ٢٢٦ ]
وبعد سماع الدعوى وأقوال الخصمين من حجج وأجوبة فعلى القاضي أن يصدر حكمه على الفور وإيصال الحق إلى صاحبه، حيث كان النبي ﷺ يقضي بين الخصوم وفي مجلس المخاصمة الواحد، ولم يكن يرجئهم إلى وقت اخر كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة التي اختصما فيها «١»، ويذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ): «أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى إلى اليمن قاضيا وأميرا ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما بلغ معاذ وجد رجلا موثقا عند أبي موسى فألقى أبو موسى لمعاذ وسادة وقال له: انزل، قال معاذ: ما هذا؟ قال: كان يهوديّا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس، قال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله تعالى، ثلاث مرات فأمر به أبو موسى فقتل» «٢» .
لقد حرص القضاء الإسلامي على تحري العدل في كل أحكامه وإجرااته القضائية، ويتضح هذا ممّا ورد في الايات الكريمة: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨] وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] ومن الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى ما رواه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) من قول النبي ﷺ:
«كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم» «٣»، وذكر النسائي (ت ٣٠٣ هـ) قول ابن عمر (ت ٧٣ هـ) أن رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» «٤»، ولم يكن ذلك مقصورا على المسلمين، بل تعداهم إلى الناس جميعا فقال الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] «٥»، ويطلب العدل أيضا في حالة الحكم على الأقرباء أو الأصدقاء، يقول الله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
[الأنعام: ١٥٢] «٦»، وحذّر النبي ﷺ من الجور في القضاء، ويتضح هذا مما
_________________
(١) النّسائي، السنن (ج ٤، ص ٢٣٨، ٢٣٩) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ١١٨) . الماوردي، الأحكام (ص ٧٧) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٩، ص ١٧٧) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٤، ص ٤٠٩) . البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ١٩) .
(٣) البيهقي، السنن (ج ٧، ص ٨٧) .
(٤) النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٢١، ٢٢٢) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٩، ص ١٦٢) .
(٥) انظر: الطبري، تفسير (ج ١٠، ص ٩٥) . القرطبي، الجامع (ج ٦، ص ١٠٩، ١١٠) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٣، ص ٣٤- ٣٦) .
(٦) انظر: الطبري، تفسير (ج ١٢، ص ٢٢٥- ٢٢٨) . القرطبي، الجامع (ج ٧، ص ١٣٦، ١٣٧) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٣، ص ٣٨٢- ٣٨٥) .
[ ٢٢٧ ]
رواه ابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) من قول النبي ﷺ: «إن الله مع القاضي ما لم يجور، فإذا جار وكله إلى نفسه» «١»، وعند الحاكم (ت ٤٠٥ هـ): «فإذا جار تبرأ الله منه» «٢»، وترد في ذلك رواية عند أبي داود (ت ٢٧٥ هـ) من قوله ﵇: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» «٣» وزاد الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) في صحيحه «في الحكم» «٤»؛ وذلك لأن الرشوة تؤدي إلى الجور وتصرف الحاكم عن العدل.
لقد اقتضى النظام القضائي في الإسلام أن يكون هناك «وسائل إثبات» لكل دعوى، فهي تحتاج ابتداء إلى بينة؛ ولذا قال النبي ﷺ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» «٥» ويذكر الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) قول النبي ﷺ: «البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر» «٦» .
وتعدّ «الشهادة» في مقدمة وسائل الإثبات، ولذا سميت الشهادة بينة ونصابها في القضاء الإسلامي رجلان أو رجل وامرأتان، ويرد ذلك في قوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى
[البقرة: ٢٨٢] «٧»، وهذا في جميع حالات القضاء باستثناء حالة الزنا الذي يحتاج إلى أربعة شهود لقوله تعالى:
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: ١٥] «٨» وقوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤] وبيّن النبي ﷺ حال الشهود المعتبرين فقال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة،
_________________
(١) ابن ماجه، السنن (ج ٣، ص ٧٧٥) . وانظر: الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٧٤) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٩، ص ١٦٢) .
(٢) الحاكم، المستدرك (ج ٤، ص ٩٣) .
(٣) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٩، ١٠) . وانظر: وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٤٥، ٤٦) .
(٤) الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٧٦) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ٦، ص ٤٣) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ١٢) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٧٨) . وانظر: ابن القيم الجوزية، أبا عبد الله محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١ هـ)، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق محمد جميل أحمد، القاهرة، مطبعة المدني، (١٣٨١ هـ، ١٩٦١ م)، (ص ١٠٣) .
(٦) الدارقطني، السنن (ج ٤، ص ٢١٨) .
(٧) انظر: الطبري، تفسير (ج ٦، ص ٦٢- ٦٨) . القرطبي، الجامع (ج ٣، ص ٣٨٩- ٣٩٨) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٢، ص ١١٩- ١٢١) .
(٨) انظر: الطبري، تفسير (ج ٨، ص ٧٣- ٧٥) . القرطبي، الجامع (ج ٥، ص ٨٢- ٨٥) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٢، ص ٤٥٤- ٤٥٧) .
[ ٢٢٨ ]
ولا مجلود وذي غمر على أخيه، ولا مجرب عليه شهادة زور، وقانع أهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة» «١»، وقضى النبي ﷺ بالشاهد واليمين «٢»، أما في حالة الإنكار فعلى المدعي اليمين، وترد في ذلك إشارة من خلال حديث وائل بن حجر في قضية الحضرمي والكندي اللذين أتيا النبي ﷺ فقال الحضرمي: إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: «ألك بيّنة؟» قال: لا، قال: «فلك يمينه » «٣»
ومن وسائل الإثبات كذلك «الكتابة»، ولا سيما في الوصية، وأورد البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول النبي ﷺ: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين- وقيل: ثلاث ليال- إلا ووصيته مكتوبة عنده» «٤» .
أما «الإقرار» فهو من أقوى وسائل الإثبات، يتضح هذا من خلال قصة ما عز والغامدية اللذين زنيا، فأمر النبي ﷺ برجمهما بناء على إقرارهما بارتكاب جريمة الزنا «٥» .
ومن وسائل الإثبات كذلك «القرائن والأمارات» ومنها: الفراسة، وقد استخدم النبي ﷺ «الفراسة» في إثبات الدعوى كما هو واضح مما رواه ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أنه لما فتح النبي ﷺ خيبر عنوة وفتح جانبها الاخر صلحا اشترط عليهم ألايكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا (وعاء) فيه مال وحلي لحيي بن أخطب فقال الرسول ﷺ لعم حيي بن أخطب: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟» قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك»، فدفعه النبي ﷺ إلى الزبير فمسه بعذاب فقال: رأيت
_________________
(١) البيهقي، السنن (ج ١٠، ص ٢٠٠) . القانع: التابع، الخائن والخائنة: من الخيانة، وفي الحديث رد شهادة الخائن والخائنة، قال أبو عبيد (ت ٢٢٤ هـ): لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ١٣، ص ١٤٥) .
(٢) أحمد، المسند (ج ١، ص ٢٤٨) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٣٣، ٣٤) . ابن القيم، الطرق الحكمية (ص ١٤٥) .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٥٦٦) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٨٦، ٨٧) . الدارقطني، السنن (ج ٤، ص ٢١٦) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ٢) . وينظر: مسلم بشرح النووي (ج ١١، ص ٨٨) . الترمذي، الصحيح (ج ٨، ص ٢٧٣) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٢٨٢، ٢٨٣) . النّسائي، السنن (ج ٦، ص ٢٣٩) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ٨، ص ٢٠٧، ٢٠٨) . مسلم بشرح النووي (ج ١١، ص ١٩٧، ١٩٨) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٥٧٣- ٥٧٦) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٥٤) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٢٠١، ٢٠٢) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٤٠، ٢٤١) .
[ ٢٢٩ ]
حييّا يطوف في خربة هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل النبي ﷺ ابن أبي الحقيق بالنكث الذي نكثوا «١»، ويعلق ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) على ذلك بقوله:
«فهاتان قرينتان في غاية القوة كثرة المال، وقصر المدة التي ينفقه كله فيها» «٢» .
وتعدّ «القرعة» أيضا وسيلة من وسائل الإثبات، وقد استخدم النبي ﷺ القرعة في عدة مواضع منها: أنه أقرع بين الأعبد الستة الذين أعتقهم سيدهم ولم يكن له مال غيرهم، وأقرع بين رجلين لمّا تنازعا في دابة، وأقرع بين نسائه لما أراد السفر، وكذلك قصة الرجلين اللذين اختصما في مواريث لهما، لم يكن لهما بينة إلا دعواهما وفيها « فاقتسما وتوخّيا الحق ثم استهما ثم تحالّا» «٣»، وأخرج البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه بابا سماه «باب القرعة في المشكلات» «٤» أما ابن ماجه (ت ٢٥٧ هـ) فأخرج بابا سماه «باب القرعة» «٥» .
واستخدم النبي ﷺ «القافة» كوسيلة من وسائل الإثبات، وهي معرفة الشبيه بشبهه، ومعرفة أثر الأقدام وتمييزه، يتضح هذا مما ورد في قصة العرنيين أن النبي ﷺ بعث قافة فأتى بهم «٦»، واستعملت القافة في إثبات نسب أسامة بن زيد، إذ كان أسودا وأبوه أبيض فدخل مجزز- وكان قافيا- فرأى أسامة وزيدا ينامان في لحاف واحد وقد بدت أرجلهما، فقال: هذه الأقدام- يعنى أقدام أسامة- من هذه، فسرّ النبي ﷺ «٧»، وقد علق الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) على هذه الحادثة بقوله: «فيه دلالة أن النبي ﷺ رضيه وراه علما؛ لأنه لو كان مما لا يجوز أن يكون حكما ما سرّه ما سمع منه- إن شاء الله تعالى- ولا يسر إلا بالحق» «٨» .
امتاز القضاء في زمن الرسول ﷺ «بالاستقلال» فهو لا يقع تحت أي تأثير من شخص أو سلطة أو عرف، واتضح ذلك من خلال قصة المرأة المخزومية التي رواها
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٣٦، ٣٣٧) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٠٦، ١٠٧) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٥) (ابن إسحاق) .
(٢) ابن القيم، الطرق الحكمية (ص ٨، ٩) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٢٣٧، ٢٣٨) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٨٦) .
(٤) م. ن (ج ٣، ص ٢٣٧، ٢٣٨) .
(٥) ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٨٠) .
(٦) انظر: البخاري، الصحيح (ج ٨، ص ٢٠١، ٢٠٢) . مسلم بشرح النووي (ج ١١، ص ١٥٤- ١٥٦) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٥٣٣) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٦٠) . النّسائي، السنن (ج ٧، ص ٩٦) .
(٧) انظر: الشافعي، الأم (ج ٦، ص ٢٤٧) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٨٧) . ابن القيم، الطرق الحكمية (ص ٢٣٥) .
(٨) الشافعي، الأم (ج ٦، ص ٢٤٧) .
[ ٢٣٠ ]
البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول عائشة (ت ٥٨ هـ): أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حبّ رسول الله ﷺ، فكلم أسامة رسول الله ﷺ فقال: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟!» ثم قام فخطب فقال: «أيّها الناس، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الغنيّ تركوه، وإذا سرق الضعيف منهم أقاموا عليه الحدّ، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» «١»، وترد إشارة تثبت استقلالية القضاء في حديث معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) عندما أرسله النبي ﷺ قاضيا إلى اليمن، فقال له: «بم تقضي إذا عرض لك القضاء؟» قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟
قال: فبسنة رسول الله ﷺ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا الو » «٢» ويلاحظ أن قوله «لا الو» تفيد الاستقلالية وعدم الخضوع لأي نوع من أنواع الضغوط؛ مما جعل النبي ﷺ يؤيد هذا الفهم من معاذ بقوله: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ﷺ» «٣» .
ومن الإجراات الإدارية التي أقرّها رسول الله ﷺ «مبدأ استئناف الحكم وتمييزه» يتضح ذلك من خلال مسألة الزبية التي قضى فيها علي بن أبى طالب باجتهاده، وأصل هذه المسألة أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها، فسقط فيها واحد من المجتمعين فجذب ثانيا، وجذب الثاني ثالثا، والثالث رابعا فقتلهم الأسد، فاختلفت قبائلهم حتى كادت تقتتل، فرفع ذلك لعلي بن أبي طالب- وكان قاضيا باليمن- فقال لهم: إني قاض بينكم بقضاء فإن قبلتموه فهو نافذ، وإن لم تقبلوه فهو حاجز بينكم حتى تأتوا رسول الله ﷺ فهو أعلم مني بالقضاء، فأمر بهم أن يجمعوا من الذين شهدوا الحادثة دية كاملة ونصف دية، وثلث دية، وربع دية، فقضى للأسفل بربع الدية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة لجذبه لهم، وللذي يليه بثلث الدية، والذي يليه بنصف الدية من أجل أنه هلك فوقه واحد لجذبه، وللأعلى الذي لم يهلك فوقه أحد بالدية كاملة، فمنهم من رضي، ومنهم من كره، حتى وافوا رسول الله بموسم الحج، فلما قضى الصلاة جلس عند مقام إبراهيم فساروا إليه فقال: «إني أقضي بينكم إن شاء
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري (ج ١٥، ص ٩٤- ١٠٢) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٥، ص ٢٣٠) . وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٩٨) .
(٣) أحمد، المسند (ج ٥، ص ٢٣٠) . وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٩٨) . انظر: ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي «السلطة القضائية» (ج ١)، بيروت، دار الثقافة، (١٣٩٨ هـ، ١٩٧٨ م) .
[ ٢٣١ ]
الله»، فقال رجل من أقصى القوم، إن عليّا قضى بيننا بقضاء اليمن فقال: «وما هو؟» فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله ﷺ وجعل الدية على القبائل الذين ازدحموا «١» .
ويفيد هذا النص أن الإسلام قرر في نظمه القضائية جواز استئناف القضايا المحكوم فيها وتميّزها لدى جهة قضائية أخرى.
ويلاحظ من خلال روايات المصادر أنه لم يكن هناك مكان خاص (محكمة) يجلس فيه القاضي للقضاء، فقد قضى النبي ﷺ في بيته كما يذكر أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) عن أم سلمة قولها: «اختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان من الأنصار في مواريث متقادمة فقضى بينهما في بيتي» «٢» وعنها كذلك: أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون لدي » «٣» وهذا يبين أن النبي ﷺ قضى بين الخصمين أمام حجرة زوجه أم سلمة ﵂.
وكان «المسجد» مكانا اخر للقضاء، فقد روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول سهل أخي بني ساعدة أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد «٤»، فقضى النبي ﷺ في المسجد أن يتلاعنا حتى إذا أتى على حد أمر بأن يخرج من المسجد، فيقام عليه الحد؛ إذ إن المسجد يجب أن ينزه عن أن تقام فيه الحدود نظرا لقدسيته، يتضح هذا من خلال قصة الرجل الذي اعترف على نفسه بالزنا أمام النبي ﷺ في المسجد فسأله: «أبك جنون؟» قال: لا، فقال النبي ﷺ: «اذهبوا به فارجموه» «٥» وذكر ابن قدامة (٦٢٠ هـ) ما يؤيد أن النبي ﷺ كان يجلس في المسجد للقضاء، فقال: «وكان النبي ﷺ يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك» «٦» .
وقضى النبي ﷺ في «الطريق»، فقد أخرج البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه بابا سماه «باب القضاء والفتيا في الطريق» «٧» .
_________________
(١) وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٩٥- ٩٧) . ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١ هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، بيروت، دار الجيل، د. ت (ج ٢، ص ٥٨) . الزبية: حفرة تحفر للأسد والصيد ويغطى رأسها بما يسترها ليقع فيها، انظر: ابن منظور، اللسان (ج ١٤، ص ٣٥٣) .
(٢) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١٤، ١٥) .
(٣) م. ن (ج ٤، ص ١٣، ١٤) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٥) .
(٥) م. ن (ج ٩، ص ٨٥، ٨٦) . مسلم بشرح النووي (ج ١١، ص ١٩٣) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٥٧٧) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٥٤) .
(٦) ابن قدامة، المغني (ج ١١، ص ٣٨٩) .
(٧) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٠) .
[ ٢٣٢ ]
وهكذا يتبين من خلال الواقع العملي الذي كان عليه قضاء رسول الله ﷺ أنه لم يكن هناك مجلس خاص للقضاء، وأن المحاكمة كانت علنية في المسجد أو البيت أو الطريق «١»، ولم تكن الأمور معقدة حتى تحتاج إلى وجود موظفين وكتبة يقومون بالكتابة والتدوين وحفظ السجلات والملفات، إلا ما ورد من إشارات عند الجهشياري (ت ٣٣١ هـ) أن عبد الله بن الأرقم، والعلاء بن عقبة كانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء «٢»، ولكن لم تأخذ هذه الكتابة شكلا منظما كما حدث في فترة تالية بعد وضع الدواوين وتنظيمها.
أما تنفيذ الأحكام فكان يقوم به الخصوم أنفسهم، فلا يوجد هناك جهاز يقوم على متابعة الأمور والأحكام لتنفيذها إلا في القضايا التي تحتاج إلى تنفيذ عقوبات أو حدود. فكان النبي ﷺ يعهد بتنفيذها إلى من يندبه لذلك «٣»، يتضح ذلك من خلال قصة الرجل الذي اعترف على نفسه بالزنا، فقال الرسول ﷺ للحاضرين:
«اذهبوا به فارجموه «٤»»، وكما في قصة العسيف (الأجير) الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان يعمل عنده فقال النبي ﷺ: «يا أنيس اغد على امرأة هذا فسلها؛ فإن اعترفت فارجمها» «٥»، قال هشام بن عمار (ت ١٥٣ هـ): فغدا عليها فاعترفت فرجمها «٦»، ولم يكن أنيس الأسلمي جنديّا مخصصا لهذا العمل، وإنما هو رجل من الصحابة حضر هذا القضاء وكان كفؤا للتنفيذ فندب لذلك «٧» .
وقام قيس بن سعد بن عبادة (ت ٦٠ هـ) بتنفيذ مجموعة من الحدود بين يدي الرسول ﷺ مما جعل بعض المصادر تطلق عليه لقب «صاحب الشرطة» فقال البخاري (ت ٢٥٦ هـ): «وكان قيس بن سعد بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من
_________________
(١) نعيم ياسين، نظرية الدعوى (ج ٢، ص ٢٦) .
(٢) الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص ١٢) . وانظر: ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٢، ص ٢١٥، ٢١٦) .
(٣) سعود، التنظيم القضائي (ص ١٦٧) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨٥، ٨٦) . مسلم بشرح النووي (ج ١١، ص ١٩٣) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٥٧٧) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٥٤) .
(٥) ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٥٣) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٢٠٥، ٢٠٦) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٤١) .
(٦) ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٥٢) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٢٠٥- ٢٠٦) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٢٤١) .
(٧) سعود، التنظيم القضائي (ص ١٦٧) .
[ ٢٣٣ ]
الأمير» «١» ولم يكن ذلك على سبيل الوظيفة المخصصة له، فكان البخاري (ت ٢٥٦ هـ) دقيقا حين قال: «بمنزلة صاحب الشرطة»، إذ إن هذه الوظيفة ظهرت فيما بعد. يقول ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): «وعلى هذا فكان قيسا من وظيفته أن يفعل ذلك بحضرة النبي ﷺ يأمره سواء كان ذلك خاصّا أو عامّا، وفي الحديث تشبيه بمعنى حدث بعده؛ لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في الزمن النبوي فأراد أنس، وهو راوي الحديث- تقريب حال قيس عند السامعين فشبههه بما يعهدونه» «٢»، وقام بهذه المهمة كذلك مجموعة من الصحابة بتكليف من الرسول ﷺ منهم علي بن أبى طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت «٣»، وهذا كان نواة لنظام العسس الذي اتسع فيما بعد، وأصبح يقوم بمهمات كثيرة، منها العسس، وإقامة الحدود، والتعازير إلى غير ذلك «٤» .
ولما كان من الناس من لا يثنيه الوعظ ولا يقوده للاستجابة إلى الحق، كان من الضروري تنفيذ الأحكام بطريق «التنفيذ الجبري»، ومن وسائله الترسيم «٥» والسجن أو الحبس، وقد ثبت أن النبي ﷺ حبس في تهمة، يروي البخاري (ت ٢٥٦ هـ):
«أن النبي ﷺ بعث خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد» «٦» وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) في معرض حديثه عن بني قريظة حين نزلوا على حكم سعد بن معاذ (ت ٥ هـ) أن النبي ﷺ حبسهم في دار رملة بنت الحارث- امرأة من الأنصار- حتى ضرب أعناقهم» «٧»
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٨) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١٢٨٩) . ابن القيم، زاد المعاد (ج ١، ص ٦٥) .
(٢) ابن حجر، فتح الباري (ج ٢٧، ص ١٥٦، ١٥٧) .
(٣) ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٣٩٦) . ابن القيم، زاد المعاد (ج ١، ص ٦٥) . ابن الجوزي، تلقيح مفهوم الأثر (ص ٨١) .
(٤) كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي (ط ١) بيروت، دار العلم للملايين، (١٩٤٨ م)، (ص ٥٠، ٥١) . محمد الشريف الرحموني، نظام الشرطة في صدر الإسلام إلى أواخر القرن الرابع الهجري، الدار العربية للكتاب، (١٩٨٣ م)، (ص ٥٢، ٥٣) .
(٥) أصل الترسيم، مأخوذ من قولهم: رسم كذا أي كتب، والروسم: بالسين والشين، خشبة بها كتابة يختم بها الطعام أو الغلة على البيدر. انظر: ابن منظور: اللسان (ج ١١، ص ٢٤٢) .
(٦) البخاري، الصحيح (ج ١، ص ١٢٧)، (ج ٣، ص ١٦١)، (ج ٥، ص ٢١٤، ٢١٥) . النّسائي، السنن (ج ٢، ص ٤٦) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢٩٤، ٢٩٥) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٤٠) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٣١٣) . الكتاني، التراتيب-
[ ٢٣٤ ]
وروى النسائي (ت ٣٠٣ هـ): «أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ثم خلّى سبيله» «١» وذكر الحاكم (ت ٤٠٥ هـ): «أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة، استظهارا واحتياطا» «٢» .
ويفيد النص أن النبي ﷺ كان يتحفظ على بعض الأشخاص المتهمين وهو ما سمّي فيما بعد «بالحبس الاحترازي»، ويذكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ): «أن النبي ﷺ حبس رجلا من جهينة أعتق شركا له في مملوك فوجب عليه استتمام عتقه » «٣» .
وتشير المصادر أن السجن لم يكن للرجال فقط، بل تعدى ذلك إلى النساء، فيروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ أرسل خيلا تجاه قبيلة طيّىء فسبت خيله بنت حاتم الطائي فجعلت في حظيرة بباب المسجد كانت النساء يحبسن بها» .
هذا وقد عرف السجن في الأمم الماضية، فتشير الايات إلى ذلك على لسان يوسف ﵇: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي [يوسف: ٣٣] وقوله: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢] وكذلك وردت إشارة تبين مشروعية السجن، وذلك من خلال حديث القران عن عقوبة الزنا للنساء، وذلك في العهد المكي قبل نزول اية الجلد، فيقول الله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥] .
والحبس في زمن النبي ﷺ ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد أو بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه «٥» . ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) وابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) عن الهرماس بن حبيب عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: «الزمه»، ثم قال: «يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل
_________________
(١) - الإدارية (ج ١، ص ٢٩٤- ٢٩٥) .
(٢) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٤٦، ٤٧) . النّسائي، السنن (ج ٨، ص ٦٨) . الحاكم، المستدرك (ج ٤، ص ١٠٢) . القرطبي، أقضية الرسول ﷺ (ص ٤) .
(٣) الحاكم، المستدرك (ج ٤، ص ١٠٢) .
(٤) البيهقي، السنن (١٠)، (ص ٢٧٤) . القرطبي، أقضية الرسول ﷺ (ص ٥) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٧٩) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٣١٣) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٠٠) .
(٦) ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، الفتاوى الكبرى، الطبعة الأولى، (١٣٩٨ هـ)، د. ت (ج ٣٥، ص ٣٩٨) .
[ ٢٣٥ ]
بأسيرك؟» «١» وفي رواية ابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) ثم مر بي اخر النهار، فقال: «وما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟» «٢»، «وهذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ، ولم يكن على عهد النبي ﷺ وأبي بكر حبس معدّ لسجن الناس، وإنما هو تعويق الشخص بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ وهو الذي يسمى الترسيم» «٣» .
_________________
(١) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٤٦) .
(٢) ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨١١) .
(٣) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى (ج ٣٥، ص ٣٩٩) .
[ ٢٣٦ ]
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء