إن المعلومات المتوافرة عن الأحوال الإدارية في هذه المنطقة محدودة جدّا، وأغلبها مستمدّ من الأوضاع السائدة في مكة ويثرب قبل الإسلام، التي كان فيها- أي مكة- تنظيمات قائمة لسدّ الحاجة، وتأمين الدفاع عن مكة وتنظيم شؤون العبادة فيها.
وتشير المصادر «٢» إلى دور شخصيتين مهمتين في تكوين النظام الإداري لمكة وهما:
قصي بن كلاب، وهاشم بن عبد مناف، وقد تعاقبت على مكة قبل ذلك مجموعة من القبائل، ابتداء بولاية إسماعيل ﵇ وانتهاء بولاية خزاعة، حيث كانت تلي أمر البيت فهم حجابه وخزانه والقوام به «٣» .
وأول ما يواجهنا في إدارة قصي «الإدارة المدنية»، إذ استطاع أن يجمع قبائل قريش من الشعاب، ورؤوس الجبال، وقسّم مكة أرباعا بين قومه، فبنوا المساكن، وكانوا ينكرون البناء بمكة تعظيما للبيت، ولا يدخلون مكة نهارا، فإذا جاء الليل خرجوا إلى منطقة الحل، فلما جمع قصي قومه أذن لهم ببناء البيوت «٤»، فنزل بنو بغيض بن عامر
_________________
(١) مكة: «سميت بهذا الاسم؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، أو من الازدحام. وقيل: مكة اسم المدينة، وبكة اسم البيت وتسمى أيضا: الرأس، وصلاح، وأم رحم، وأم القرى، وغيرها» . ابن الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني (ت ٣٤٠ هـ) مختصر كتاب البلدان، ليدن بريل سنة (١٣٠٢ هـ، ١٨٨٥ م) (ص ١٦، ١٧) . وانظر: الزمخشري، الكشاف (ج ١، ص ٤٤٦، ٤٤٧) . السيوطي، عبد الرحمن جلال الدين (ت ٩١١ هـ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، (ط ١) بيروت، دار الفكر العربي سنة (١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م)، (ج ٢، ص ٢٦٦) .
(٢) ابن هشام أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري (ت ٢١٨ هـ) السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقّا واخرون (ط ٢) القاهرة، دار الكنوز الأدبية (١٩٥٥ م) (م ١، ص ١١١- ١١٣) . وابن سعد محمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر د. ت (ج ١، ص ٥٢) . والأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد (ت ٢٥٠ هـ) أخبار مكة (ج ١) بيروت مكتبة خياط د. ت (ج ١، ص ٤٤- ٤٦) . والفاسي: تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد (ت ٨٣٢ هـ) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، مكتبة النهضة الحديثة سنة (١٩٥٦ م) (ج ١، ص ٣٥٧، ٣٥٨) (ج ٢، ص ٢٣) .
(٣) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٥٩) ابن إسحاق، وابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، بيروت، دار المواحد (١٤٠٢ هـ) (ج ١، ص ٦٠، ٦١) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٥٥) . وابن حبيب محمد بن حبيب بن أمية (ت ٢٤٥ هـ) المنمق في أخبار قريش، تصحيح خورشيد أحمد فاروق (ط ١) حيدر أباد، مطبعة المعارف العثمانية سنة (١٣٨٤ هـ، ١٩٦٤ م)، -
[ ٣٥ ]
وبنو تيم، وبنو محارب بن فهر بظواهر مكة، فسمّوا «قريش الظواهر» «١» وسميت سائر البطون ب «قريش البطاح» وبذلك سمي قصي مجمعا «٢» فقال شاعرهم:
أبو كم قصيّ كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر
وأنتم بنو زيد أبوكم به زيدت البطحاء فخرا على فخر «٣»
استطاع قصي بهذا الفعل أن يكسب ودّ قومه، فنصّبوه رئيسا عليهم، وكان أول رجل من ولد كعب بن لؤي ترأس عليهم وأطاعوه «٤» .
أنشأ قصيّ لقومه دار الندوة «٥» كمركز للحكم والإدارة في مكة، (فكانوا لا ينكحون ولا يتشاورون في أمر، ولا يعقدون لواء بالحرب إلا منها، ولا يدخلها إلا من بلغ سن الأربعين، وكانت الجارية إذا حاضت تدخل دار الندوة، ثم يشق عليها قيم الدار درعها، ثم تنحجب، وكان قصي يفعل ذلك بيده، ثم أصبحت سنة من بعده
_________________
(١) - (ص ٨٣، ٨٤) . الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٦٠، ٦١) . والبلاذري أحمد بن يحيي بن جابر (ت ٢٧٩ هـ) أنساب الأشراف د. ت (ج ١، ص ٣٩) . اليعقوبي، أحمد بن يعقوب بن جعفر (ت ٢٩٢ هـ) تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر (١٩٦٠ م) (ج ١، ص ٢٤٠) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٣) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٩) . الطبري، محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ) تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، مصر، دار المعارف د. ت (ج ٢، ص ٥١) . ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم (ت ٦٣٠ هـ) الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتاب العربي سنة (١٩٦٧ م) (ج ٢، ص ١٣) .
(٣) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٥٥) ابن حبيب، المنمق (ص ٨٣، ٨٤) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٣٩) . اليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٤٠، ٢٤١) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٣) .
(٤) الشعر لحذافة بن غانم بن عامر القرشي. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧١) . وابن حبيب، المنمق (ص ٨٤) واليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٤٠) والطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥٦) . (ابن الكلبي) . وابن عبد ربه، شهاب الدين أحمد محمد بن محمد الأندلسي (ت ٣٢٨ هـ) العقد الفريد تحقيق: محمد سعيد العريان، دار الفكر د. ت (ج ٣، ص ٢٣٥) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٤) (ابن إسحاق) . والأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٦١- ٦٤) . واليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٤٠، ٢٤١) . ذكرت هذه المصادر: أن أهل مكة نصّبوا قصيّا ملكا، ويبدو لي أن هذه التسمية غير دقيقة، بدليل أن قريشا رفضوا أن يتملك عليهم أحد- كما هو واضح- في قصة عثمان بن الحويرث. انظر: الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ١٤٣، ١٤٤) . والفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ١٠٨) .
(٦) قال السهيلي: «دار الندوة: هي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور. ولفظها مأخوذ من لفظ الندي والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم يندون حوله، وهذه الدار صارت بعد بني الدار إلى حكيم بن حزام فباعها بمائة ألف درهم في زمن معاوية» . السهيلي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد (ت ٥٨١ هـ) الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، مصر، دار الكتب المصرية د. ت (ج ٢، ص ٥٥) .
[ ٣٦ ]
حيث كانوا يتبعون ما كان عليه في حياته كالدين المتبع) «١» .
ومن هذه الدار كانت تنطلق قوافل قريش للتجارة، وفي فنائها تحط القوافل إذا رجعت «٢»، فكانت تشكل مركز مكة الرئيسي في معاملاتها الخاصة والعامة.
وكان أهل مكة يجتمعون في فناء الكعبة، ويسمى «بنادي القوم» أما دار الندوة فلا يدخلها إلا سادات القوم ووجوههم، وأولو الرأي والشورى فيهم، وهؤلاء يمثلون عادة العشائر والقبائل المختلفة، وكانت هناك نواد خاصة للبطون والأفخاذ تنظر فيها أمورها الخاصة ومشاكلها الداخلية «٣» .
وكان هؤلاء الذين يدخلون دار الندوة يسمون «الملأ» «٤» وهم رجال الإدارة في مكة ينظمون شؤونها العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون الخضوع لقانون مكتوب أو دستور منظم، وترد الإشارة القرانية وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] «٥»، لتوضح مواد هذا القانون وعناصره.
ويلاحظ أن قرارات هؤلاء في معالجة ما يعرض من مشكلات، وما يجد من قضايا مختلفة، وما يتخذ من إجراات، لم تكن ملزمة لأهل مكة إلا بالإجماع عليها، ويشير إلى ذلك الفاسي (ت ٨٣٢ هـ) بقوله: «لم يكن أحد من هؤلاء متملكا على بقية قريش، إنما ذلك بتراضي قريش عليه» «٦» . وربما قام وجوه العشائر والأسر بدور أكثر فاعلية من دور «الملأ»، ولا سيما في الأمور التي لم تكن تخص مكة بشكل عام «٧» .
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٥) (ابن إسحاق) . وانظر ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٧) . والأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٦٥، ٦٦) . واليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٤١) . والطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥٨، ٢٥٩) . وابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ٢١) . وابن خالدون، عبد الرحمن محمد الحضرمي (ت ٨٠٨ هـ) تاريخ ابن خالدون (ج ١، ص ١٦، ١٧) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٥) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥٨، ٢٥٩) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٣) .
(٣) الدوري، نظم (ص ١٠) . جواد علي، المفصل (ج ٤، ص ٤٨) .
(٤) وردت كلمة (الملأ) كثيرا في القران بمعنى جماعة، يجتمعون على رأي. ويبدو أن المراد بها في أكثر تلك المواضع: علية القوم من ذوي الرأي والمكانة. وذكر أن الملأ: التشاور، تشاور الأشراف والجماعة في أمرها. انظر: الطبري محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ) تأويل اي القران تحقيق محمد محمود شاكر، مصر، دار المعارف د. ت (ج ٥، ص ٢٩١) . والأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد (ت ٥٠٢ هـ) المفردات في غريب القران، تحقيق محمد سيد الكيلاني، بيروت، دار المعرفة (ص ٤٧٣) . والزّبيدي، التاج (ج ١، ص ١١٩) .
(٥) الزمخشري، الكشاف (ج ٣، ص ٤٨٤) . والرازي، تفسير (ج ٢٧، ص ٢٠٦) . والقرطبي، الجامع (ج ١٦، ص ٧٥) . والسيوطي، الدر المنثور (ج ٧، ص ٣٧٠) .
(٦) الفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ١٠٨) . وانظر: جواد علي، المفصل (ج ٤، ص ٤٨، ٤٩) . والدوري، نظم (ص ١٠) .
(٧) جواد علي، المفصل (ج ٤، ص ٤٨) .
[ ٣٧ ]
لم يكن أهل مكة يخضعون لحكم ملكي أو وراثي، فليس هناك ملك متوج، ولا رئيس واحد يحكمها، وإن كان هناك شخص بارز في «الملأ» هو بمثابة رئيس الملأ إلا أنه لا يستطيع أن يقرر أمرا بعيدا عن مجلس «الملأ» «١»، وهكذا فإن هناك تشابها كبيرا بين مجلس «الملأ» في مكة، وبين مجلس «شيوخ أثينا» - في القديم- الذين كانوا يجتمعون في المجلس (EKiesia) للنظر في الأمور «٢» .
لقد تطورت الممارسات الإدارية في مكة لتصبح «المشورة» وظيفة خاصة يقوم بها أناس من ذوي الرأي والعقل والحنكة، وكان بنو أسد هم أصحاب هذه الوظيفة، فكان أهل مكة إذا أرادوا أمرا ذهبوا إلى «يزيد بن زمعة» (ت ٨ هـ) من بني أسد، فيعرضونه عليه «فإذا وافقهم والاهم عليه، وإلّا تخيّر وكانوا له أعوانا» «٣» .
وقد حاول بعضهم أن يخترق النظام الإداري لمكة ويعلن نفسه ملكا عليها، فذهب «عثمان بن الحويرث» «٤» إلى قيصر، وطلب منه أن يملّكه على قريش، مقابل أن يدخل قريشا في طاعة روما، ويبدو أن الحكام البيزنطيين رأوا في عثمان الشخصية التي يمكنهم بها أن يلعبوا دورا ما في الجزيرة العربية، ولكن أهل مكة رفضوا أن يتملك عليهم عثمان، وانتهى الأمر باغتياله في بيت أحد أقربائه في مكة «٥» .
أما «الإدارة الدينية» في مكة فتشمل الوظائف الخاصة بالكعبة ومناسك الحج، وقد قسمت هذه الوظائف بعد وفاة قصي بين بطون مكة وأفخاذها «٦» .
_________________
(١) قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] . قال ابن عباس: «القريتان: مكة والطائف، والرجلان: عروة بن مسعود والوليد بن المغيرة» . انظر: الرازي، تفسير (ج ٢٧، ص ٢٠٩) . والقرطبي، الجامع (ج ١٦، ص ٨٣) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٧، ص ٣٧٤) .
(٢) جواد علي، المفصل (ج ٤، ص ٤٧) .
(٣) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) . وانظر: الألوسي، بلوغ الأرب (ج ١، ص ٢٤٩) . أحمد أبو الفضل، مكة في عصر ما قبل الإسلام، (ط ١)، الرياض، مطبوعات الملك عبد العزيز سنة (١٣٩٨ هـ، ١٩٧٨ م) (ص ٦٠) .
(٤) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ١٤٤) . والزبير بن بكار (٢٥٦) جمهرة نسب قريش وأخبارها، تحقيق محمود شاكر (ج ١) القاهرة، دار العروبة (١٣٨١ هـ) (ص ٢٠٩، ٢١٠) . والفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ١٠٨) . وجواد علي، المفصل (ج ٤، ص ٩٢) .
(٥) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ١٤٤) . العقد الفريد، ابن بكار، جمهرة (ص ٢١٠) . والفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ١٠٨) . ابن حزم، جمهرة (ص ١١٨) . الزّبيدي، مصعب بن عبد الله (٢٣٦ هـ) نسب قريش، نشرة بروفنسال، دار المعارف د. ت (ص ٢١٠) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٣٠) (ابن إسحاق) . وابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٢، ٧٣) . -
[ ٣٨ ]
وأهم هذه الوظائف وظيفة «الرفادة»، فقد فرض قصي على قريش خرجا تخرجه من أموالها، وتدفعه إليه، فيصنع به طعاما يقدمه للحجاج في أيام عرفات ومنى، على اعتبار أن الحجاج هم ضيوف الله «١»، فقال لهم كما يروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) «يا معشر قريش، إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله، وزوّار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، يصدروا عنكم، ففعلوا» «٢» . ويدل هذا العمل على حكمة قصي؛ لأن إمداد الحجاج بالطعام يدعوهم إلى القدوم إلى مكة، ويكسب سكان الحرم وأهله احتراما وتقديرا لدى القبائل الضاربة في أعمال البوادي، والنازلة على خطوط القوافل وطرقها، وظهر هذا الكلام في شعر الأعراب الذين مدحوا قصيّا فقالوا: -
اب الحجيج طاعمين دسما أشبعهم زبد قصي لحما «٣»
ولبنا محضا وخبزا هشما
لقد أفاضت المصادر في ذكر فضائل هاشم وكرمه؛ إذ اشتهرت هذه الوظيفة في زمنه «٤»، فكان يطعمهم الخبز والثريد، فقال الشاعر يمدحه ويصف كرمه:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف
سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف «٥»
ويظهر أن الذي كان يتولى الرفادة من بني هاشم هم الأغنياء؛ لأنها تحتاج إلى مال وثروة، فوليها المطلب بن هاشم، ومن بعده عبد المطلب، فأقامها للناس، وشرف في قومه، فكانت هذه الوظيفة في نسله، فوليها العباس بن عبد المطلب «ت ٣٢ هـ»، وظهر الإسلام وهو على ذلك، فأقره رسول الله ﷺ «٦» .
_________________
(١) - الأزرقي، أخبار مكة (ج ٢، ص ٦٦، ٦٧) (ابن إسحاق) . والبلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١ ص ١٣٠) . وابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٢، ٧٣) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٣٠) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٣) . والبلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣) .
(٤) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥١) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ١ ص ١٣٠) (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٣) . الأزرقي، أخبار مكة (ج ٢ ص ٦٧) (ابن إسحاق) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥١- ٢٥٤) (محمد بن أبي بكر) .
(٦) الشعر للشاعر عبد الله بن الزبعري. انظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٣٦) . القالي أبا علي إسماعيل بن القاسم البغدادي (ت ٣٥٦ هـ) ذيل الأمالي والنوادر ط ٣ مطبعة إسماعيل بن يوسف د. ت (ص ٢٠١) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ١ ص ١٣٥، ١٣٦، ١٤٧) . وابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٨١- ٨٣) . -
[ ٣٩ ]
وهكذا، فإنه نظرا لشح الماء في مكة، واضطرار الناس إلى جلبه من أماكن بعيدة، قام هاشم وحفر بئرا، كما فعل قصي من قبل، فيسر بذلك الماء لمكة «١»، وتكمن أهمية السقاية من كون مكة بلدا شحيحا في مياهه، حارّا في مناخه.
أصبحت وظيفة السقاية بالغة الخطورة، بعد أن طمرت بئر زمزم، وكانت عملية السقاية تتم عن طريق جمع الماء في حياض من أدم، كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، وينقل إليها الماء العذب من الابار على الإبل في المزاود والقرب، وربما قذف فيها التمر والزبيب لكسر ملوحتها «٢» .
أخذ هاشم يسقي الحجاج؛ قربة إلى رب البيت مادام حيّا، فكان يفعل ذلك طوال حياته «٣»، ثم استقرت هذه الوظيفة في عقبه، فتشير الروايات إلى أن عبد المطلب جهز الحجاج بالماء العذب «٤» ثم حفر بئر زمزم «٥»، فكان يقدم الماء ويمزجه بالزبيب «٦» .
ويبدو أن موضوع السقاية لم يقتصر على الماء، بل تعدى ذلك إلى أن يقدم عبد المطلب للحجاج الحليب مع العسل «٧»، وقام بوظيفة السقاية بعده ابنه العباس (ت ٣٢ هـ) «٨» .
هناك روايات تبين مدى التنافس بين أشراف مكة في توفير ماء الشرب للحجاج «٩»، فقيل: إن سويد بن هرمي، كان أول من أعطى الحجاج الحليب ليشربوا «١٠»، كما أعطى أبو أمية بن المغيرة «زاد الراكب» وأبو وداعة السهمي الحجاج عسلا «١١» .
_________________
(١) - والأزرقي أخبار مكة (ج ١، ص ٧١) . والطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥١- ٢٥٤) (محمد بن أبي بكر) . والنويري، نهاية الأرب (ج ١٧، ص ٣١٣) . الحلبي، نور الدين أبو الفرج علي بن برهان (ت ١٠٤٤ هـ) إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون «السيرة الحلبية» (ج ١، ص ١٦، ١٧) . الألوسي، بلوغ الأرب (ج ١، ص ٢٥٠) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٨) . والأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٦٩) . والزّبيدي، تاج العروس (ج ٣، ص ٣٦) .
(٣) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٦٦) . والطبري، (ابن إسحاق) . والنويري، نهاية الأرب (ج ١٦، ص ٣٥) . والحلبي، السيرة (ج ١، ص ١٦) . كسر ملوحتها: تحليتها.
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٨) . والنويري، نهاية الأرب (ج ١٦، ص ٣٥) .
(٥) المسعودي، علي بن الحسين (ت ٣٤٦ هـ) مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت، دار الأندلس سنة (١٩٦٥ م) (ج ٣، ص ١٠٣) .
(٦) المسعودي، مروج (ج ٢، ص ١٠٣) . الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٧٠) .
(٧) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٧٠) .
(٨) م. ن (ج ١، ص ٧٠) .
(٩) السيوطي، الدر المنثور (ج ٤، ص ١٤٤، ١٤٥) . ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) .
(١٠) الزّبيدي، نسب قريش (ص ٣٢، ١٩٧، ١٩٨) .
(١١) م. ن (ص ٣٤٢) .
(١٢) ابن حبيب، المحبّر (ص ١٧٧) . كستر، الحيرة ومكة وتميم وصلتها بالقبائل العربية، ترجمة يحيى الجبوري، جامعة بغداد، سنة (١٣٩٦ هـ، ١٩٧٦ م) (ص ٥٥، ٥٦) .
[ ٤٠ ]
وتشير الاية إلى هذا التنافس، حيث أصبحت هذه الوظيفة من مفاخر قريش الكبرى، قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ «١» [التوبة: ١٩] وهكذا؛ يبدو لنا أن السقاية لم تكن وظيفة فردية بقدر ما كانت ذات صفة أو سلطة رسمية.
وأما السدانة «الحجابة» وهي رعاية البيت «٢»، والقيام على خدمة الزائرين، فكانت من الوظائف المهمة، ولا سيما أن الكعبة تعدّ من أقدس مقدسات العرب، فكانت ولايتها إلى بني عثمان من عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان ثم أبو طلحة (عبد الله بن عبد العزى)، ثم وليها ولده، حتى كان فتح مكة فأبقاها النبي ﷺ مع عثمان بن طلحة «ت ٤٢ هـ» «٣» .
ويلاحظ أن هذه الوظيفة بقيت في نسل عثمان إلى يومنا هذا، ذلك بأن النبي ﷺ قال: «خذوها يا ال عثمان خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» «٤» . وكذلك فإن «العمارة» كانت من مفاخر قريش؛ إذ أشار القران الكريم إلى ذلك بقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ١٩] وكان يقوم بها العباس (ت ٣٢ هـ) وشيبة بن عثمان، وكانت هذه الوظيفة تعني أن يمنع من يتكلم بالسوء في البيت الحرام «٥» .
وكانت هناك وظائف إدارية دينية أخرى، ولكنها أقل شأنا من سابقاتها، فالإفاضة من مزدلفة كانت في «عدوان»، حيث لا يفيض الناس حتى يفيض من يتولى هذه المهمة من عدوان، يتوارثون ذلك أبا عن جد، حتى كان اخرهم الذي قام عليه الإسلام «أبو سيارة عميلة بن الأعزل» «٦» .
وأما الأموال التي تسمى للالهة، وهي «الأموال المحجرة»، فكانت وظيفة للحارث ابن قيس من بطن سهم «٧» . وكان صفوان بن أمية (ت ٤١ هـ) من جمح، يتولى عملية
_________________
(١) انظر: الطبري، تفسير (ج ١٤، ص ١٧٢) .
(٢) الألوسي، بلوغ الأرب (ج ١، ص ٢٤، ٢٤٩) . أبو الفضل، مكة في عصر ما قبل الإسلام (ص ٦٠، ٦٩) .
(٣) الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ٢٢) . ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي، (ت ٤٥٦ هـ)، جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام هارون، مصر، دار المعارف (١٣٨٢ هـ، ١٩٦٢ م) (ص ١٢٧) . أبو الفضل، مكة (ص ٦٠) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ٤١٢) .
(٥) الطبري، تفسير (ج ١٤، ١٧٢) . وابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٢٧١) . وابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ١ ص ١٢٠، ١٢١) . وابن كثير، السيرة النبوية (ج ١، ص ٩٥) .
(٧) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) . والألوسي، بلوغ الأرب (ج ١، ص ٢٤٩) . وأبو الفضل، مكة (ص ٦٠) .
[ ٤١ ]
«الايار» إذ كانت الأزلام تضرب عند هبل «١» . ويمكن القول إن هذه الوظيفة كانت ذات هدف اقتصادي؛ إذ تجمع الأموال باسم الالهة، وقد أبطلها الإسلام، وأشارت الاية إلى ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠] .
وكانت «صوفة» وهي من جرهم تتولى أمر «الإجازة» بالناس من عرفة إذا نفروا إلى منى، وبقيت كذلك حتى قاتلهم قصي، وتولى هو هذه الوظيفة، وهناك روايات تشير إلى أنها (أي جرهم) تولت ذلك حتى انقرض اخرهم «٢»، وبعد تقسيم الوظائف الإدارية بين بطون قريش وأفخاذها، ورثت تميم هذه الوظيفة، كما يقرر ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في جمهرته «٣» .
وهناك وظيفة أخرى غريبة هي «النسيء» فكانت تلي ذلك كنانة، فكانوا ينسئون الشهور، يلي ذلك منهم بنو ثعلبة بن الحارث بن مالك، وكانوا يسمون «القلامسة» فكان يقوم «القلمس» أيام التشريق، فيسألونه أن يؤخر المحرم، فيؤخر «المحرم» «٤» .
وقد أشارت الاية إلى هذه الوظيفة وجعلتها جزا من الكفر: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا [التوبة: ٣٧] .
أما «الإدارة المالية» لمكة فلها أهمية خاصة، ويمكن القول: إن الوظائف الدينية في كثير من جوانبها ترتبط ارتباطا وثيقا بإدارة مكة الناجحة لشؤون تجارتها وأموالها.
تقع مكة في واد غير ذي زرع، لذلك كان عماد حياة أهلها التجارة، وهناك إشارة تبين أن قريشا كانوا تجارا، ولم تكن تجارتهم تتجاوز مكة، فكان التجار يحملون تجارتهم إلى مكة يبيعون بضائعهم لأهلها «٥»، وبقيت تجارتهم كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام، وأظهر من الكرم وحسن المعاملة ما جعل قيصر يسمع به ويقربه، وطلب من قيصر أن يكتب له كتابا يؤمن به تجارة مكة، وكذلك فعل هاشم مع
_________________
(١) م. ن (ج ٣، ٢٦) . م. ن (ج ١، ٢٤٩) . م. ن (ص ٦٠) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١١٩) . والطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥٧) (ابن إسحاق) ابن كثير، السيرة (ج ١، ص ٩٥) . الشيخ الرئيسي أبو البقاء وهبة الله الحلّي (المتوفى في النصف الأول للقرن السادس) . المناقب المزيدية تحقيق صالح درادكة ومحمد خريسات ط ١ مكتبة الرسالة عمان (١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤) (ص ٣٢١- ٣٢٣) .
(٣) ابن حزم، جمهرة (ص ١٢، ص ٣٠٣) . وكستر. الحيرة (ص ٧٨، ٧٩) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٣) . وابن حبيب، المحبّر (ص ١٥٦، ١٥٧) المنمق (ص ٢٧٣) . والطبري، تاريخ (ص ٢٨٠) . وابن حزم، جمهرة (ص ١٨٩) . وأبو البقاء، المناقب المزيدية (ص ٣٢٠) .
(٥) القالي، ذيل الأمالي (ص ٢٠١) . وكستر، الحيرة ومكة (ص ٤٣) .
[ ٤٢ ]
سادات القبائل وأشرافهم «١»، وبحسب روايات المصادر، يكون هاشم أول من أخذ الإيلاف «٢»، ثم أخذه المطلب من اليمن، وعبد شمس من الحبشة، ونوفل- أصغرهم- من العراق «٣»، وبذلك استطاع أهل مكة أن يديروا تجارة دولية واسعة شملت هذه الدول جميعا.
ويلاحظ أن هاشما قد جعل للقبائل جزا من أرباحه، وأشركهم في تجارة مكة، يقول الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ): «وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب، وجعل لهم ربحا» «٤»، وقال: «فكان المقيم رابحا، والمسافر محظوظا» «٥» .
أما على المستوى الداخلي، فقد استطاع هاشم أن يشرك الفقراء مع الأغنياء في التجارة، وصارت القوافل مشروعا مشتركا، يشترك فيها أهل مكة جميعا، وقد ظهر هذا في أبيات مطرود بن كعب القائل:
والخالطين فقيرهم بغنيّهم حتى يكون فقيرهم كالكافي «٦»
_________________
(١) ابن حبيب، المنمق (ص ٣١- ٤٠) . المحبّر (ص ١٦٢) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥٢) (محمد بن الكلبي) . القالي، ذيل الامالي (ص ٢٠١) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٦) .
(٢) سمى ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) الإيلاف (حلفا) . ويستعمل ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) كلمة (الإيلاف) . ويستعمل البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) كلمة (عصام)، ويستعمل الطبري (ت ٣١٠ هـ) الكلمتين (عصام وجعل) . ويستعمل القالي (ت ٣٥٦ هـ) كلمة (العهد) . انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٥- ٨٠) . ابن حبيب، المحبّر (ص ١٦٢) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٩) . الطبري، (ج ٢، ص ٢٥٢) . القالي، ذيل الأمالي (ص ٢٠١) .
(٣) ابن حبيب، المنمق (ص ٣١- ٤٠) . المحبّر (ص ١٦٢) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٩) . اليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٤٢) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٢٥٢) . (محمد بن الكلبي) . القالي، ذيل الأمالي (ص ٢٠١) . العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله (ت ٣٩٥ هـ) الأوائل، تحقيق محمد السيد الوكيل، المدينة المنورة، سنة (١٩٦٦ م) (ص ١٧) . والثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، دار المعارف سنة (١٩٦٥ م) (ص ١١٥، ١١٦) . وصالح درادكة، إيلاف قريش، مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العددان: (١٧، ١٨)، (١٩٨٤ م) (ص ٥٥) .
(٤) الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر (ت ٢٥٥ هـ) رسائل الجاحظ، جمع حسن السندوبي، القاهرة، المكتبة التجارية سنة (١٩٣٣ م) (ص ٧٠) . والثعالبي، ثمار القلوب (ص ١١٥، ١١٦) . القالي، ذيل الأمالي (ص ٢٠١) .
(٥) الجاحظ، رسائل (ص ٧١) .
(٦) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٨) (ابن الكلبي) . واليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٤١، ٢٤٢) . الطبرسي، وأبو علي الفضل بن الحسين، مجمع البيان في تفسير القران، تحقيق السيد هاشم الرسولي الملالي، والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي (ط ١) بيروت، دار المعرفة (١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م) (ج ١٠، ص ٨٢٧- ٨٣١) (سورة قريش) . وكستر، الحيرة ومكة (ص ٥١) .
[ ٤٣ ]
وبهذه الإدارة الجيدة من هاشم على المستويين الخارجي بأخذ الإيلاف من رؤساء الدول والقبائل العربية، والداخلي بإشراك أصحاب المبالغ الصغيرة مع الأغنياء، توسعت تجارة قريش، وأصبحت تلعب دورا مهمّا في التجارة الدولية في ذلك الوقت.
وبحكم موقع مكة ودورها التجاري وتوسطها القبائل العربية، أصبحت مكة سوقا للتبادل التجاري، تحصل القبائل العربية منها على حاجاتها، واستطاعت مكة أن تحافظ على هذا المركز بأن حرّمت الظلم في أسواقها، ومن أجل هذه الغاية كان حلف الفضول «١»، حيث تعاقدت خمسة بطون قرشية ألاتدع مظلوما إلا نصرته «٢»، ويظهر أن هذا الحلف جاء بعد حصول نوع من التجاوزات في الأسواق المكية، وترد إشارات إلى أن هذه الأسواق كانت تدار بطريقة دقيقة، فكان لكل سوق قوم ينظمون شؤونه، ويحافظون على الأمن والنظام فيه، وكان هناك من يحمل السلاح في الأسواق لردّ المظالم «٣» . ويشير إلى ذلك اليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) بقوله: «وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة المحرمين» «٤» .
وتشير الروايات إلى دقة إدارة هذه الأسواق، فلكل سوق تاريخ معين يفترض ألا تتجاوزه، فيسمى لها تاريخ معين تبدأ فيه، ويسمى لها تاريخ تنتهي فيه، وقد ذكر هذه التواريخ مفصلة ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) في المحبّر «٥»، واليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) في التاريخ «٦»، والقلقشندي (ت ٨٢١ هـ) في صبح الأعشى «٧» .
_________________
(١) قال النبي ﷺ عن حلف الفضول: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وإني أنكثه» رواه أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) . مسند أحمد، بيروت، دار صادر، المكتب الإسلامي. د. ت (ج ١، ص ١٩٠، ١٩٣) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ١٢٦- ١٢٨) . وابن حبيب، المحبّر (ص ١٦٧) . المنمق (ص ٤٥- ٥٠) . والمقدسي، مظهر بن طاهر (ت ٣٦٠ هـ) كتابه البدء والتاريخ، بغداد مكتبة المثنى سنة (١٨٩٩ م) (ج ٤، ص ١٣٧) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٢) . وابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ١٢٦) . وابن حبيب، المنمق (ص ٤٥- ٥٠) . المحبّر (ص ١٦٧) . واليعقوبي، تاريخ (ج ٣، ص ١٧، ١٨) . والفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ٩٩، ١٠٠) .
(٣) جواد علي، المفصل (ج ٧، ص ٣٦٩) .
(٤) اليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٧١) .
(٥) ابن حبيب، المحبر (ص ٢٦٣- ٢٦٨) .
(٦) اليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢٣٦) .
(٧) القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد (ت ٨٢١ هـ) صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة، وزارة الثقافة المصرية د. ت (ج ١، ص ٤١٠) (نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية) .
[ ٤٤ ]
وظهر في مكة نظام «الحمس» وهو ذو دلالة اقتصادية، وكانت مكة تطبقه على غير القرشيين، وهناك صلة بين نظام «الإيلاف» ونظام «الحمس» «١»، فالإيلاف امتازت به مكة عند القبائل العربية والدول المجاورة خارج مكة، و«الحمس» امتازت به مكة عند القبائل داخل مكة أيام الموسم «٢» .
وتشير المصادر إلى أن مكة أصبحت سوقا مالية، فقد لعب الصيارفة دورا رئيسيّا في الحياة الاقتصادية، فكان هؤلاء يديرون عملية تبادل السلع والعملات، ويقرضون التجار، وأحيانا كان يلجأ الصيرفي إلى التجار في حالة الإفلاس، فيشير المبرد (ت ٢٨٥ هـ): «أنه افتقر رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في أخذ أموالهم التي كانت لديه فسأل جماعة من الجيران أن يسيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا لمبادلته فذهبوا إليه» «٣» وهذا يدل على أن الصيارفة كانوا يتاجرون بالأموال، فهم مركز مصرفي أخذا وعطاء.
بقي أن نذكر في إدارة مكة المالية قضية «الضرائب» التي كانت تأخذها مكة. فقد اصطلحت قريش أن تأخذ ممن كان ينزل عليها في الجاهلية حقّا دعته «حق قريش» «٤»، فكانوا يأخذون من الغريب القادم إليهم عن هذا الحق بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر. ونجد مثلا على ذلك (أن ظويلم- مانع الحريم- خرج يريد الحج فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فأراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ فامتنع عليه ظويلم) «٥» .
وكانت هناك ضريبة «العشر» مقررة في كل سوق، يستوفيها عشارون ممن يبيع ويشتري المشرف على السوق ومن في أرضه يقام «٦» . ومن هنا، فقد تنافس هؤلاء
_________________
(١) الحمس: قال ابن إسحاق: «وقد كانت قريش- لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت قضية الحمس، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، فأصبحوا لا يعظمون شيئا من الحل كما يعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت بكم العرب، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها» . انظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٩٩) . وانظر الأزرقي، أخبار (ج ١، ص ١١٨، ١١٩) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ١، ١٩٩) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٧٢) . ابن حبيب، المحبّر (١٧٨، ١٧٩) . الأزرقي، أخبار مكة (ج ١، ص ١١٩- ١٢٣) . الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (ت ٢٥٥ هـ) البلدان، نشره صالح العلي مستلة من مجلة كلية الاداب بغداد مطبعة الحكومة سنة (١٩٧٠) (ص ٤٧٢) . ودرادكة، الإيلاف مجلة دراسات تاريخية عدد (١٧، ١٨) (ص ٥٤- ٥٥) .
(٣) المبرد، الكامل (ص ٤٥٩) .
(٤) ابن دريد، الاشتقاق (ص ٢٨٢) .
(٥) سمي مانع الحريم؛ لأنه امتنع من دفع ثيابه أو بعض بدنته لأهل مكة، انظر ابن دريد، الاشتقاق (ص ٢٨٢) .
(٦) ابن منظور، اللسان (ج ٤، ص ٥٦٨) . الزّبيدي، التاج (ج ٣، ص ٤٠٠) .
[ ٤٥ ]
الأشراف على رياسة السوق؛ لأنهم كانوا يأخذون «المكس» أيام السوق «١»، ولعل هذه الأموال التي تعثر بها البضاعة، كان نصيب منها يذهب للإنفاق على الحجابة والرفادة، وتحمل الأشناق ونفقات الدفاع عن المدينة «٢» . ولنا أن نتصور كيف يكون هناك نظام معين لحفظ السجلات، تحفظ بمقتضاه معاهدات التحالف والاتفاقيات التجارية.
أما «الإدارة العسكرية» في مكة، فكانت ضرورية لحماية الأمن والدفاع عن مكة وتجارتها. وتذكر الروايات أن الذين كانوا يدافعون عن الحرم هم قريش «الظواهر» إذ كانوا أصحاب بأس وشدة فسموا «المناسر» «٣»، أما «قريش البطاح» فكانوا أهل غنى وجاه وسيادة فسموا «الضب» للزومها الحرم «٤» .
وكان هناك جماعة متطوعة للدفاع عن مكة وهم «الأحابيش» فتحالفوا هم وأهل مكة «تحالفوا بالله إنّا ليد على غيرنا ما سجا ليل وأوضح نهار، وما رسا حبشي مكانه» «٥» .
ويظهر أن أهل مكة رأوا في الأحابيش قوة يمكن استغلالها في الدفاع عن الحرم فعقدوا معهم حلفا، وقد وصف شاعر الأحابيش هذا الحلف بقوله:
إنّ عمرا وإنّ عبد مناف جعلا الحلف بيننا أسبابا «٦»
ويصف اليعقوبي (ت ٢١٢ هـ) هذا الحلف بقوله: «وكان تحالف الأحابيش على الركن، يقوم رجل من قريش والاخر من الأحابيش، فيضعان أيديهما على الركن فيحلفان بالله وحرمة البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعا حتى يرث الله الأرض ومن عليها فسمي حلف الأحابيش» «٧» .
_________________
(١) ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت ٦٢٦ هـ) معجم البلدان، بيروت، دار صادر، دار إحياء التراث العربي، سنة (١٩٧٩ م) (ج ٤، ص ١٤٢) .
(٢) جواد علي، المفصل (ج ٧، ص ٤٨٠) .
(٣) المناسر: طلائع الجيش. انظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٩، ٤٠) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٣) .
(٤) م. ن (ج ١، ص ٤٠) . م. ن (ج ٢، ص ١٣) .
(٥) وهم بنو المصطلق والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الحارث بن خزيمة اجتمعوا بذنب حبشي، وهو جبل بأسفل مكة؛ فسموا بذلك. وقيل: سموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش هو: التجمع في كلام العرب. انظر: ابن رشيق أبا علي الحسن ابن رشيد القيرواني (ت ٤٥٦ هـ) العمدة في محاسن الشعر وادابه ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ط ١) مصر، مطبعة السعادة (١٣٨٣ هـ، ١٩٦٤ م) (ج ٣، ص ١٩٤) . ابن منظور، اللسان (ج ٦، ص ٣٧٨) .
(٦) م. ن (ج ٢، ص ١٩٤) . م. ن (ج ٦، ص ١٧، ٢٧٨) . ابن حبيب، المحبّر (ص ٢٤٦) . والبلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣، ٧٩) .
(٧) اليعقوبي، تاريخ (ج ١، ص ٢١٢) .
[ ٤٦ ]
وفي حالة النفير كان الأغنياء يشاركون في تمويل الأفراد وتسليحهم، فهذا عبد الله بن جدعان كان في حرب الفجار على قومه «بني تيم» وأمدهم بالسلاح والمال، فأعطى مائة رجل سلاحا كاملا، وذلك «يوم شعطة»، غير ما ألبس من بني قومه والأحابيش «١» وحمل مائة رجل على مائة بعير، قيل: ألف رجل على بعير وذلك يوم شرب «٢» .
ولا شك في أن الأغنياء غيره كانوا يشاركون بالنفقة على السلاح والتجهيز للحرب في حالة تعرض مكة للخطر.
وكان من ضمن استعداد مكة للحرب أنها أوجدت بعض الوظائف في السلم عهدت إلى أصحابها القيام، منها: «القبة والأعنة» «٣» وكانت هذه الوظيفة إلى مخزوم فوليها منهم خالد بن الوليد (ت ٢١ هـ)، وكان هناك من تخزن مكة عنده سلاحها وهو «عبد الله بن جدعان» فإذا احتاجوا إليه وزعه بينهم «٤» . ومن الوظائف التي كان لها علاقة بالإدارة العسكرية «القيادة» و«اللواء»، وكانت لبني أمية حيث تولاها منهم أبو سفيان بن حرب «ت ٢٢ هـ»، وبقي يقوم بها حتى جاء الإسلام «٥» . وكانت راية مكة تسمى «العقاب» «٦» . ويبدو أن التنظيم العسكري كان يقتضي أن يتولى سادات مكة قيادة أحيائهم، فيقود كل سيد شعب أبناء قومه، ويوجههم حيث يرى في المعركة «٧»، أما التنسيق بين خطط المقاتلين لإنجاح المعركة فيكون أمره إلى من يتولى قيادة قريش «٨»، فيتولى إدارة المعركة، وتوجيه قيادات القبائل، لتنفيذ الخطة العامة.
أما «الإدارة الدبلوماسية» لمكة، فتشمل بعض الوظائف البسيطة التي تنظم علاقاتها
_________________
(١) المقدسي، البدء والتاريخ (ج ٤، ص ١٣٤، ١٣٥) . والجوهري إسماعيل بن حماد (ت ٣٩٣ هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية تحقيق أحمد عبد الغفور (عطار/ ط ١) بيروت، دار العلم للملابين سنة (١٩٧٩ م) (ج ٢، ص ٨٧٨) . وابن الأثير، الكامل (ج ١، ص ٣٥٩- ٣٦١) . والنويري، نهاية الأرب (ج ١٥، ص ٤٢٧) . ومحمد أحمد جاد المولى، أيام العرب في الجاهلية، مطبعة عيسى البايي الحلبي. د. ت (ص ٣٣١) .
(٢) النويري، نهاية الأرب (ج ١٥، ص ٤٢٩) . والعصامي عبد الملك بن حسين بن عبد الملك (ت ١١١١ هـ)، نمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، قطر، المطبعة السلفية. د. ت (ج ١، ص ١٩٦) .
(٣) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٢، ص ٢٢٦) . وابن الأثير، أسد الغابة (ج ٢، ص ٩٣) . جاد المولى، أيام العرب (ص ٣٢٩) .
(٤) جاد المولى، أيام العرب (ص ٣٢٩) .
(٥) ابن حبيب، المحبّر (ص ١٦٤، ١٦٥) والأزرقي، أخبار (ج ١، ٧١) . وابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) . وابن خالدون، تاريخ (ج ١، ص ١٦) . والألوسي، بلوغ الأرب (ج ١، ص ٢٤٨، ٢٤٩) .
(٦) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٤٣٦) . وابن الأثير، الكامل (ج ١، ص ٥٨٨- ٥٩٠) .
(٧) الأزرقي، أخبار (ج ١، ص ٦٣- ٦٦) .
(٨) جواد علي، المفصل (ج ٥، ص ٢٥٠) .
[ ٤٧ ]
الخارجية، «فالسّفارة» عرفت كوظيفة إدارية «لبني عدي» فكان أهل مكة إذا أرادوا أن يبعثوا سفيرا بعثوا عمر بن الخطاب (ت ٢٣) «١» وقبلوا سفارته في حالة السلم أو الحرب، وكانت هذه المهمة تحتاج إلى فطنة خاصة، ومعرفة بالقبائل وأوضاعها وأنسابها فكانوا «يبعثونه منافرا أو مفاخرا ورضوا به» «٢» .
وهناك إشارات تفيد أن «البريد» عرف في مكة قبل الإسلام، وقد ظهر ذلك في شعر ينسب إلى «ورقة بن نوفل» قاله عندما قتل عثمان بن الحويرث في بيت «ابن جفنة الغساني» فاتهم به، وكان يعرف ب «راكب البريد» «٣» فقال ورقة:
وركب البريد مخاطرا عن نفسه ميت المظنة للبريد المقصد «٤»
لقد أتقن المكيون بناء العلاقات وعقد المعاهدات مع جميع الأطراف، ولعل في الإيلاف مصداقا لذلك. واستطاعت مكة أن تلعب لعبة التوازن بإتقان بين الشرق والغرب في ذلك الحين، وحافظوا على سياسة الحياد في تعاملهم مع الروم والفرس، فكان لديهم المرونة والقدرة على التحرك واستثمار العلاقة العدائية بين الفرس والروم «٥» .
لقد حاول الروم غير مرة احتواء مكة، ولكنهم باؤوا بالفشل «٦» . واستطاع المكيون أن يحافظوا على معاهدتهم الخارجية المتمثلة بالإيلاف «وأن يحافظوا على تقاليد الحكم في المجتمع المكي المتمثلة بقيادة الملأ» .
ومن الإدارات التي يشار إليها في مكة «الإدارة القضائية» حيث كان هناك قضاة يحكمون بين الناس، فكان عامر بن الظرب يجلس في الأسواق والمواسم فيأتيه الناس من شتى القبائل فيحكم بينهم «٧» . ويلاحظ أن القضاة بعد عامر كانوا من بني تميم «٨»، وقد افتخر الشعراء التميميون في قصائدهم بالواجبات التي قامت بها تميم ومنها القضاء بين الناس، فيقول الفرزدق (ت ١١٤ هـ):
_________________
(١) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) . وابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (ت ٥٩٧ هـ)، تاريخ عمر بن الخطاب، تحقيق أسامة عبد الكريم الرفادي. د. ت (ص ٢٢) . أبو الفضل، مكة (ص ٦٠) .
(٢) ابن الجوزي، تاريخ عمر (ص ٢٢) .
(٣) مصعب الزبيري، نسب قريش (ص ٢١٠) .
(٤) م. ن (ص ٢٦١) .
(٥) إبراهيم بيضون، الإيلاف القرشي، مجلة تاريخ العرب والعالم، عدد (٤٣، ١٩٨٢) (حلقة رقم ٢) (ص ٢٩) .
(٦) كما حدث مع عثمان بن الحويرث الذي قتلته مكة نتيجة لذلك، انظر: الأزرقي، أخبار (ج، ص ١٤٣، ١٤٤) . والزبير بن بكار، جمهرة (ص ٢٠٩، ٢١٠) . والفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ١٠٨) . وبيضون، الإيلاف القرشي (ص ٣٠) .
(٧) ابن حبيب، المحبر (ص ١٨١، ١٨٢) .
(٨) م. ن (ص ١٨٢) . وابن حزم، جمهرة (ص ٢٠٨) .
[ ٤٨ ]
وعمي الذي اختارت معد حكومة على الناس إذ وافوا عكاظ بها معا
هو الأقرع الخير الذي كان يبتني أواخي مجد ثابت أن ينزّعا «١»
ويشير ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) إلى أسماء قضاة تميم، ويذكر أن اخرهم كان سفيان بن مجاشع، هو اخر من اجتمع له الموسم والقضاء في عكاظ حتى جاء الإسلام «٢» .
وهناك وظيفة أخرى لها علاقة بالقضاء وهي الأشناق «٣» وكانت لأبي بكر (ت ١٣ هـ)، وهي من بني ابن تيم، فكان إذا احتمل منها شيئا أعطته قريش بدل ما تحمل من المغارم «٤» .
ويظهر أن هذه الوظيفة كانت ثابتة لأبي بكر. فإن قام بها غيره لم يعط شيئا منها «٥» . وهذا يدل على أن تقدير الأشناق لصاحبه فقط وإن كان يقوم به غيره أحيانا.
وهكذا استطاعت مكة أن تصل إلى درجة من التنظيم الإداري كان في جوهره تنظيما قبليّا «٦»، تطور بحسب مقتضيات المصالح المكية، وبقيت مكة تحافظ على هذا التنظيم بوظائفه المختلفة حتى قام الإسلام، فألغاها النبي ﷺ باستثناء السدانة والسقاية والرفادة؛ إذ هي خدمات عامة ضرورية، إلا أن أهميتها قد خفت، لا سيما أن هذه الوظائف مرتبطة بشكل كبير بموسم الحج، وهو موسم وقتي محدود.
_________________
(١) الفرزدق، همام بن غالب صعصعة (ت ١١٤ هـ) شرح ديوان الفرزدق، شرح إيليا الحاوي، (ط ١) بيروت، دار الكتاب اللبناني، سنة (١٩٨٣ م) (ج ٢، ص ٤٣٠) .
(٢) ابن حبيب، المحبّر (١٨٢) . وكستر، الحيرة ومكة (ص ٧٨) .
(٣) أي تحمل الديات والمغارم. انظر: الزّبيدي، التاج (ج ٦، ص ٤٠٠، ٤٠١) .
(٤) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) . والزّبيدي، التاج (ج ٦، ص ٤٠٠، ٤٠١) . والألوسي، بلوغ الأرب (ج ١، ص ٢٤٩) . وأبو الفضل، مكة (ص ٦٠) .
(٥) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٣، ص ٢٣٦) .
(٦) انظر: تفاصيل ذلك في: الشريف، دور الحجاز (ص ١٦) . H.Lammens، Lamecguealev aile del، Hegiy، extract from melange univ.st، joseph، Birut ix، fasc.
[ ٤٩ ]
الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام