عرف العرب في الجاهلية منزلة الكتابة، وعدّوها أحد الأركان الثلاثة لاعتبار الرجل من الكاملين، ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى ذلك بقوله: «الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يعرف يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي» «١» ومع أن العرب كانوا يأنفون من بعض الأعمال ويحتقرون صاحبها، إلا أن صنعة الكتابة لم تكن كذلك، فقد مارس مهنة التعليم كبار الأشراف في الجاهلية «٢» .
لقد كانت الأمية سائدة بشكل كبير في الجزيرة العربية، ويؤكد ذلك ما رواه البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول النبي ﷺ: «إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» «٣» وتشعر بذلك الاية الكريمة: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨] «٤» وقوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] «٥» .
ويقول البلاذري (ت ٢٧٩ هـ): «دخل الإسلام، وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب » «٦»، وهناك إشارات تدل على أن الذين كانوا يعرفون الكتابة في المدينة أحد عشر شخصا «٧» . ونحن لا يمكننا أن نعدّ هذه الإحصائية دقيقة خاصة أن مكة كانت موقعا تجاريّا ودينيّا وهذا يستدعي وجود عدد أكبر من المتعلمين، فقد ذكر ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) جريدة بأسماء المعلمين الذين كانوا يلمون القراءة والكتابة في الجاهلية
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (ج ٣، ص ٥٤٢) .
(٢) منهم بشر بن عبد الملك السكوني أخو أكيدر صاحب دومة الجندل، وسفيان بن أمية بن عبد شمس، وأبو قيس ابن عبد مناف بن زهرة. وعمرو بن زرارة بن عدس (وكان يسمى الكاتب) . انظر: ابن حبيب، المحبر (ص ٤٥٧) . وابن قتيبة، المعارف (ص ٣٢٦، ٥٥٣) . وابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٣٩٤) .
(٣) أحمد، المسند (ج ٢، ص ١٢٢) . البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٣٥) .
(٤) انظر: القرطبي، الجامع (ج ١٤، ص ٣٥١) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٦، ص ٤٧٠) .
(٥) انظر: القرطبي، الجامع (ج ١٨، ص ٩٢) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٨، ص ١٥٢) .
(٦) البلاذري، فتوح (ص ٦٦٠، ٦٦١) . وكان منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة وأخوه خالد ونافع بن ظريب بن عمرو وحاطب بن بلتعة وسعيد بن العاص. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٣٤) . ابن حبيب، المحبر (ص ٤٧٥) .
(٧) ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ)، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد زهدي النجار، بيروت، دار الجيل (١٩٧٣ م)، (ص ٢٨٧) .
[ ١١٨ ]
وأول الإسلام «١» .
وعندما جاء الإسلام أراد النبي ﷺ أن ينظم أمر الحكومة التي أنشأها في المدينة، فاستعان بعدد كبير من أصحابه الذين يعرفون القراءة والكتابة، وقد قسم النبي ﷺ هؤلاء الكتّاب إلى مجموعات تخصصية.
فكانت هناك مجموعة اختصت بكتابة «الوحي»، ومن أشهرهم زيد بن ثابت (ت ٥٦ هـ)، فكان ملازما لكتابة الوحي عن النبي ﷺ وذلك لكفاءته وأمانته، مما جعله يستمر في كتابة الوحي حتى وفاة النبي ﷺ «٢» .
وكان ممن كتب الوحي لرسول الله ﷺ أبيّ بن كعب (ت ٢٢ هـ)، إذ كان يكتب له الوحي عند مقدمه إلى المدينة «٣»، وكتب له بشكل أقل عبد الله بن أبي السرح (ت ٣٧ هـ) «٤»، وخالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) «٥»، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) «٦»، وبعد فتح مكة كتب له معاوية بن أبي سفيان (ت ٦٠ هـ) «٧»، واختص عدد بكتابة «الرسائل والإقطاع» . ويشير المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) إلى أن «عبد الله بن أرقم كان من المواظبين على كتابة الرسائل» «٨» ويذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) أن «عبد الله بن أرقم
_________________
(١) ابن حبيب، المحبر (ص ٤٧٥- ٤٧٧) .
(٢) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥) . ابن حزم، جوامع السيرة (ص ٢٦، ٢٧) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ٨٦٥، ٨٦٦) . الذهبي، السيرة (ج ٢، ص ٤٢٩، ٤٣٠) . الأنصاري، محمد بن علي ابن أحمد (ت ٧٨٣ هـ)، المصباح المضيء في كتاب النبي ﷺ ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي (ط ١) الهند، مطبعة دائرة المعارف العثمانية (١٣٩٦ هـ، ١٩٧٦ م)، (ج ١، ص ١١٢) .
(٣) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٥٨) . قال: (وهو أول من كتب في نهاية الرسالة، وكتب فلان) .
(٤) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣٢) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٢) . ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد (ت ٤٢١ هـ)، تجارب الأمم، تصحيح: هـ. ف أموروز، بغداد، مكتبة المثنى، د. ت، (ج ١، ص ١٩١) .
(٥) البلاذري، أنساب (ج ١٠، ص ٥٣٢) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥) . الجهشياري، الوزراء والكتّاب (ص ١٢) . ابن مسكويه، تجارب (ج ١، ص ٢٩١) . المزّي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف (ت ٧٤٢ هـ)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق بشار عواد معروف (ط ٢) بيروت مؤسسة الرسالة، (١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م)، (ج ١، ص ١٩٦) . الأنصاري، المصباح المضيء (ج ١، ص ١٠٧) .
(٦) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣٢) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٦) . ابن مسكويه، تجارب الأمم (ج ١، ص ٢٩١) .
(٧) المصادر والصفحات نفسها.
(٨) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥، ٢٤٦) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٦٤) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٣٩٥) .
[ ١١٩ ]
كان يجيب الملوك وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب.
ويأمره أن يطينه ويختمه وما يقرؤه لأمانته عنده» «١» . ويفيد النص أنهم كانوا يكتبون الكتاب أولا ثم يعرضونه على رسول الله ﷺ لأخذ موافقته، وكان باستطاعة النبي ﷺ أن يبدل أو يغير في نص الكتاب، ولم يكن الكتاب يأخذ شكله النهائي إلا بعد موافقة النبي ﷺ.
ويتبع هذه المجموعة وظيفة «ترجمة»، فكان زيد بن ثابت (ت ٥٦ هـ) يقوم بالترجمة من اللغات الفارسية والرومية والقبطية والحبشية والعبرية إذ تعلمها زيد من أهلها القاطنين في المدينة «٢» وكانت مهمة زيد أن يكتب للنبي ﷺ بهذه اللغات، ويرد على الكتب التي ترد فيترجمها للنبي ﷺ. ثم يكتب بردها بأمر رسول الله ﷺ ويتضح هذا من رواية البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول النبي ﷺ لزيد بن ثابت: «تعلم كتاب يهود فإني ما امن يهود على كتابي» . فتعلمها زيد، وأصبح يقرأ للنبي ﷺ ما يكتبه يهود، ويكتب إلى اليهود ما يريده النبي ﷺ «٣» .
وتذكر المصادر أسماء مجموعة كتبوا للنبي ﷺ رسائله وإقطاعاته منهم أبي بن كعب (ت ٢٢ هـ) «٤» وثابت بن قيس (ت ١٢ هـ) «٥» وخالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) «٦» وعلي بن أبى طالب (ت ٣٩ هـ) «٧»، ومعاوية بن أبي سفيان (ت ٦٠ هـ) «٨» وغيرهم.
وكان يكتب «العهود والمواثيق» جماعة أشهرهم علي بن أبى طالب (ت ٣٩ هـ)،
_________________
(١) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ٨٦٥) . وانظر: ابن الأثير، أسد الغابة (ج ١، ص ٥٠) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٥، ص ١٨٢) . الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص ١٢) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ٨٦٥) . ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٢، ص ٢١٥) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ١١٩- ١٢٠) .
(٣) ابن حجر، فتح الباري (ج ٢٧، ص ٢١٦) . وانظر: ابن حبان، الثقات (ج ١، ص ٢٤٦) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢٠٣) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٧) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٣) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٦٨، ٦٩) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ١٧٠) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٧، ٢٨٦، ٢٨٨) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٣٥٩) . المزّي، تهذيب الكمال (ج ١، ص ١٩٦) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٥، ص ٣٤١) . عبد الرازق المناوي «ت ١٠٣١ هـ» العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية، تحقيق إسماعيل الأنصاري (ط ١) الرياض، مؤسسة النور، د. ت (ص ٢٤٥، ٢٤٦) .
(٦) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥) . الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص ١٢) . الأنصاري، المصباح المضيء (ج ١، ص ١٠٧) . المناوي، العجالة السنية (٢٤٥، ٢٤٦) .
(٧) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٣) .
(٨) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٧، ٢٦٨، ص ٢٨٦) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٣) .
[ ١٢٠ ]
ويشير إلى ذلك ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) بقوله: «كان الكاتب لعهوده إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب» «١» وكتب له كذلك جهيم بن الصلت «٢» والمغيرة بن شعبة (ت ٥٠ هـ) «٣» والأرقم بن أبي الأرقم (ت ٥٥ هـ) «٤»، والزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) «٥» وغيرهم.
وأشارت المصادر أن الحصين بن نمير كان يكتب حوائج النبي ﷺ «٦»، وقام الزبير ابن العوام (ت ٣٦ هـ) وجهيم بن الصلت بكتابة أموال الصدقات «٧» وقام حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) بمهمة كتابة خرص الثمار «٨»، ومعيقب بن أبي فاطمة بكتابة مغانم رسول الله ﷺ «٩» . وكان عبد الله بن الأرقم (ت ٤٤ هـ) والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء «١٠» .
ولقد بلغ من اهتمام النبي ﷺ بالجهاز الإداري الكتابي أن عين خليفة لكل كاتب إذا غاب عن عمله، وأسند هذه الوظيفة إلى حنظلة بن الربيع، وذلك حتى لا تتعطل
_________________
(١) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٢) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٦٩) . (ج ٢، ص ٤٧٠) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ١، ص ٥٠) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ١٧٤- ١٧٦) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٨) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٣) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج ١، ص ٥٠) .
(٣) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٨) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠- ٨٣) . ابن مسكويه، تجارب الأمم (ج ١، ص ٢٩١) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٨، ٢٦٩) . ابن سيد الناس، عيون الأثر، (ج ٢، ص ٣٩٥) .
(٥) المناوي، العجالة السنية (ص ٢٤٥) .
(٦) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥) . ابن مسكويه، تجارب الأمم (ج ١، ص ٢٩١)، ابن تغري بردي، مورد اللطافة، ورقة (٨) .
(٧) المسعودي، التنبيه والإشراف، (ص ٢٤٥، ٢٤٦) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٣٩٥) . الأنصاري، المصباح المضيء (ج ١، ص ١١٤) .
(٨) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٦) . ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٢، ص ٢١٥- ٢١٦) . القلقشندي، صبح الأعشى (ج ١، ص ٩١) .
(٩) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٦) . الجهشياري، الوزراء والكتّاب (ص ١٣) . ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٢، ص ٢١٥) .
(١٠) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥) . الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص ١٢) . المناوي، العجالة السنية (ص ٢٤٧) .
[ ١٢١ ]
حاجات الدولة الإدارية لغياب كاتب بسبب مرض أو غيره «١» .
وعلى كل حال فإن الذين كتبوا الكتاب والكتابين والثلاثة كثير عددهم، ويشير إلى ذلك المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) بقوله: «إنه لم يثبت أسماء هؤلاء من جملة أسماء من كتب لرسول الله ﷺ؛ لأنه لم يكتب إلا من ثبت على كتابته واتصلت أيامه، وطالت مدته، وصحت الرواية عن ذلك من أمره دون كاتب الكتاب والكتابين والثلاثة، إذ لا يستحق أن يسمى كاتبا ويضاف إلى جملة كتابه» «٢» .
كان كتاب النبي ﷺ يكتبون بالخط المقور (النسخي)، أما الخط المبسوط ويسمى (اليابس) فقد استعمل في النقش على الأحجار وأبواب المساجد. «٣»
وذهب البعض إلى أن «ديوان الإنشاات» قد وضع في زمن النبي ﷺ وفي ذلك يقول القلقشندى (ت ٨٢١ هـ): «إنه- أي ديوان الإنشاات- أول ديوان وضع في الإسلام، وكان قد تم وضعه في عهد الرسول ﷺ» «٤» . ولكن إطلاق كلمة «ديوان» على الكتّاب في زمن الرسول ﷺ ليس دقيقا؛ إذ إن «ديوان الإنشاء» نشأ فيما بعد.
وإن الكتابة لم تكن وظيفة ثابتة لهؤلاء الكتّاب تجرى عليهم منها الرواتب، وذكرت المصادر الأولية أن عصر عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) كان أول من أنشأ الدواوين في الإسلام، ولم يسمّى أي منها ديوان الإنشاء «٥» .
وكما كان «الكتّاب» يشاركون في إدارة الدولة، كان «المعلمون» يقومون بمثل هذا الدور، فقد قام النبي ﷺ بإعداد المعلمين إعداد يؤهلهم للقيام بهذه الوظيفة بجدارة واقتدار «٦» .
كان من أوائل هؤلاء المعلمين «مصعب بن عمير» (ت ٣ هـ)، حين أرسله النبي ﷺ إلى يثرب سفيرا ومعلما. فدعي مصعب «بالمقرئ» «٧» وهو لقب جديد أطلق على المعلم ولم يكن معروفا من قبل.
_________________
(١) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥، ٢٤٦) . الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص ١٣) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٣٩٦) . ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٢، ص ٢١٥، ٢١٦) . المزّي، تهذيب الكمال (ج ١، ص ١٩٦) . المناوي، العجالة السنية (ص ٢٤٥) .
(٢) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٦) .
(٣) جواد علي، المفصل (ج ٨، ص ١٣٧) .
(٤) القلقشندي، صبح الأعشى (ج ١، ص ٩١) .
(٥) انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ٣، ص ٢٨٢) . البلاذري، فتوح (ص ٦٣٠، ٦٣١) . الطبري، تاريخ ج ٤، ص ٢٠٩، ٢١٠) (الواقدي) . ابن الأثير، الكامل (ج ٣، ص ٥٩) .
(٦) أبو سن، الإدارة (ص ١١١) .
(٧) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٢٠) .
[ ١٢٢ ]
وترد أول إشارة إلى التعليم الموجه من قبل الدولة لأبناء المسلمين في بدر (٢ هـ)، إذ طلب النبي ﷺ من بعض أسرى بدر أن يعلم كل واحد عشرة من أبناء الأنصار الكتابة مقابل فكاك أسرهم «١»، فتعلم نتيجة لذلك عدد كبير من غلمان المدينة، فكان زيد بن ثابت (ت ٥٦ هـ) ممن تعلم الكتابة حينئذ، وعلل الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) ذلك بقوله:
«وكانت العرب تعظم قدر الخط حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر أربعة الاف حتى إن الرجل ليفادي على أن يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلال قدره وظهور نفعه وأثره» «٢» . ويذكر الشعبي (ت ١٠٣ هـ) أن سبب تخصيص التعليم لأبناء الأنصار دون المهاجرين أن أهل مكة كانوا يكتبون بينما لم يتوافر هذا لأهل المدينة «٣» .
وقد عرفت كلمة «معلم» بالمعنى المفهوم في أيامنا، يشير إلى ذلك المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) بقوله: «إن غلاما جاء يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟، قال:
ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل (ثأر) بدر، والله لا تأتيه أبدا» «٤» .
وانتشرت الكتابة في المدينة بعد هذه الحادثة، ولم نجد في المصادر الأولية ما يدل على عدد أولئك الذين لم يستطيعوا أن يفدوا أنفسهم. وإلا لكنّا قد عرفنا بشكل إحصائي دقيق عدد أولئك الغلمان الذين شملهم التعليم من أسرى بدر.
وتشير المصادر إلى وجود عدد من المعلمين في المدينة، يعلمون الناس بأمر النبي ﷺ فكان عبادة بن الصامت (ت ٣٤ هـ) من المعلمين، وكانت مهمته تتمثل في تعليم «أهل الصفة» القران الكريم «٥» وهناك إشارات أن النبي ﷺ كلف عبد الله بن سعيد بن العاص (ت ١٢ هـ) أن يعلم الناس الكتابة في المدينة وكان كاتبا محسنا «٦» ويذكر ابن حجر (ت ٨٠٢ هـ) أن النبي ﷺ دفع وردان بن يزيد بن وردان إلى أبان بن سعيد بن العاص
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٢٢) . (الشعبي) (ص ٢٦) . (حماد بن زياد) الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٧١) . المقريزي، إمتاع (ص ١٠١)، القرطبي، أقضية الرسول (ص ٣٦) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٤٩) .
(٢) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب (ت ٤٥٠ هـ)، أدب الدنيا والدين، تحقيق مصطفى السقا، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، (١٩٥٥ م)، (ص ٦٨) .
(٣) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٢٢) .
(٤) المقريزي، إمتاع (ص ١٠١) .
(٥) أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٧٠١، ٧٠٢) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٢٩، ٧٣٠) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٧٠) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٨) .
(٦) ابن حزم، جمهرة (ص ٨٠) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٣١٣) . ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٣٤٤) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٨) .
[ ١٢٣ ]
(ت ١٥ هـ)، ليمولاه ويعلمه القران» «١»، وكذلك «دفع أبا ثعلبة إلى أبي عبيدة بن الجراح (ت ١٨ هـ)، ثم قال له: دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك» «٢» .
لقد تجاوز اهتمام الدولة بالتعليم الرجال إلى النساء، فكان النبي ﷺ يقوم بنفسه بتعليم النساء، وبلغ من حرصهن على العلم أنهن قلن للنبي ﷺ: «غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن» «٣» ويذكر البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) أسماء عدد من النساء كن يحسن القراءة والكتابة، فكانت الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية تحسن القراءة «٤»، وأمرها النبي ﷺ أن تعلم حفصة (زوجه)، فعلمتها رقية تسمى (رقية النملة) «٥»، وذكر أيضا أسماء أم كلثوم بنت عقبة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد وغيرهن «٦» .
ولقد أرادت الدولة أن يكون «العلم والتعليم» سمة من سمات المجتمع المسلم، فطلب النبي ﷺ أن يقوم بهذه المهمة كل من يستطيع أن يعلم الاخرين، وندب المجتمع كله للتعلم، ثم حذر من أن يتقاعس أحد عن التعلّم فقال: «ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون» «٧» .
واهتمت الدولة أيضا بتعليم الناس في غير حاضرة الدولة «المدينة» فكان النبي ﷺ يرسل ببعثات تعليمية إلى القبائل يعلمونهم الإسلام ويفقهونهم فيه، فذكرت لنا كتب السير بعثة عاصم بن ثابت وأصحابه القراء الذين استشهدوا في حادثة الرجيع (٣ هـ) «٨» وكانوا في مهمة تعليمية، وكذلك الحال بالنسبة إلى القراء السبعين الذين استشهدوا في حادثة بئر معونة (٤ هـ) «٩» ومع أن نهاية هؤلاء المعلمين كانت مؤسفة، إلا أن ضرورة
_________________
(١) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٣، ١٤) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٠، ٤١)
(٢) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٣، ١٤) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٠، ٤١) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ١، ص ٣٦) .
(٤) البلاذري، فتوح (ص ٦٦١) .
(٥) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٢١٥) . البلاذري، فتوح (ص ٦٦١) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٤، ص ١٨٦٩) . النملة: قروح تخرج في الجنبين، ويقال: إنها تخرج أيضا في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله ﷿، وفي الحديث دليل على أن تعليم الكتابة النساء غير مكروه. انظر: أبا داود، السنن (ج ٤، ص ٢١٥) (الهامش) .
(٦) البلاذري، فتوح (ص ٦٦١) .
(٧) الهيثمي، نور الدين بن أبي بكر (ت ٨٠٧ هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، القاهرة، مكتبة القدسي، د. ت (ج ١، ص ١٦٤) . فقال عنه: «رواه الطبري، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به» .
(٨) انظر تفاصيل هذه الحادثة في: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ١٦٩- ١٧١) . ابن حجر، فتح الباري (ج ١٥، ص ١٧٦) .
(٩) انظر تفاصيل هذه الحادثة في: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ١٨٣- ١٨٥) . ابن حجر، فتح الباري (ج ١٥، -
[ ١٢٤ ]
تبليغ الدعوة، وتعليم الناس كانت مبررا للتضحية بمثل هذا العدد من المعلمين والقراء.
وشمل التعليم جميع فئات الأمة، فيذكر ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): «أن النبي ﷺ في أثناء حصاره للطائف نزل إليه إبراهيم بن جابر- وكان من العبيد- فأعتقه وبعثه إلى أسيد ابن خضير (ت ٢٠ هـ) - وكان من المعلمين- وأمره أن يمولاه ويعلمه» «١»، وكذلك نزل الأزرق بن الحارث فأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاص ليمولاه ويعلمه «٢» .
وفي الأمصار كان الولاة يقومون بتعليم الناس، ففي كتابه إلى عمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) واليه على نجران قال: «أمره أن يفقههم في الدين ويعلمهم القران» «٣» وعين النبي ﷺ عتاب بن أسيد (ت ١٣ هـ) واليا على مكة، ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) مقرئا ومعلما «٤»، وبعث النبي ﷺ أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى البحرين يعلم الناس الإسلام، ويفقههم في أحكامه «٥» .
كان التعليم يتم في عدة أماكن، فالمسجد ابتداء كان يقوم بدور كبير في هذا الباب، فهو يعدّ من أكثر الأماكن التي يمكن للمسلمين أن يجتمعوا فيها للتعلّم، وهناك مناسبات أوجدها الإسلام لذلك، منها: خطبة الجمعة والعيدين وغيرها من المناسبات.
وكان «الكتّاب» معروفا في الحجاز، ويشير البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: «إن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب أن ابعث إليّ غلمانا» «٦» وتشعر ترجمة البخاري لعبد الله بن عمر في الأدب المفرد بذلك حيث قال: «إن ابن عمر كان يسلم على الصبيان في الكتّاب» «٧» وتذكر بعض المصادر أن عبد الله بن أم مكتوم عندما قدم المدينة نزل في «دار القراء»، وهي دار مخرمة بن نوفل «٨»، وهذا يوضح أن هذه الدار
_________________
(١) - ص ٢٦٧) .
(٢) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٥) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٤) .
(٣) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٢٩) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢٤) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٤، ٥٩٥) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ١١٧٣) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٣، ٤٤) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٠٠) . الفاسي، العقد الثمين (ج ٧، ص ٣٦٦، ٣٦٧) .
(٦) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٣٦) .
(٧) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ١٥) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢٩٣) .
(٨) البخاري، محمد بن إسماعيل، (ت ٢٥٦ هـ)، الأدب المفرد، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت (ص ١٥٣) .
(٩) ابن سعد، الطبقات (ج ٤، ص ٢٠٥) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٨٠) قال: «اتخاذ الدار فينزلها القراء، ويتخرج من ذلك اتخاذ المدارس» .
[ ١٢٥ ]
كانت تستخدم في تعليم القراءة والكتابة وقراءة القران خاصة.
وكانت «الصفة» مدرسة لتحفيظ القران وتدريس أحكامه، فكان لهؤلاء دوي بالقران تشعر بذلك الاية الكريمة التي نزلت في أهل الصفة فقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: ٢٨] .
وكانت كنائس النصارى ومدارس اليهود تقوم بدور ما في تعليم القراءة والكتابة، فقد تعلم زيد بن ثابت في مدارس بني ماسكه «١»، والمدارس بيت القراءة عند اليهود «٢» .
ولم تسعفنا المصادر بذكر أنظمة التعليم في هذه الفترة إلا بالنزر القليل فهناك إشارات إلى طريقة التأديب، يقول النبي ﷺ: «علموا أبناءكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين» «٣»، وهذا يشير إلى استخدام العقاب البدني في تعليم الصبيان، أما «مواعيد التعليم» فكانت منذ عهد الرسول ﷺ تعقد بعد صلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس «٤» .
وترد أول إشارة إلى أجور المعلمين بعد بدر (٢ هـ)، إذا طلب النبي ﷺ من بعض الأسرى أن يعلّم كل منهم عشرة غلمان من أبناء الأنصار الكتابة في المدينة مقابل فكاك أسرهم «٥»، ويروي أبو دواد (ت ٢٧٥ هـ) في سننه قول عبادة بن الصامت (ت ٣٤ هـ): «علّمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقران، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا فسألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها» «٦» ويفيد النص أن النبي ﷺ أراد أن يكون التعليم مجانيّا، ويتضح هذا من رواية البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) لقول ابن عباس (ت ٦٧ هـ): «كانت المصاحف لا تباع
_________________
(١) الأصفهاني، الأغاني (ج ١٧، ص ١٦٩، ١٧٠) . وانظر: عامر جاد الله أبو جبلة، تاريخ التربية والتعليم في صدر الإسلام- رسالة ماجستير، إشراف: عبد العزيز الدوري، قسم التاريخ، الجامعة الأردنية، (١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م) . (ص ٣٤) .
(٢) ابن عساكر، تهذيب تاريخ دمشق (ج ٥، ص ٤٤٦) . ابن منظور، اللسان (ج ٦، ص ٨٠) . وانظر: أبو جبلة، تاريخ التعليم (ص ٣٤) .
(٣) أبو داود، السنن (ج ١، ص ٣٣٢، ٣٣٣) .
(٤) ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت ٥٧٩ هـ)، كتاب القصاص والمذكرين، تحقيق مادلين سوارتز، بيروت، دار المشرق، (١٩٧١ م)، (ص ١٥، ١٦) . والكتاني، التراتيب الإدارية (ج ٢، ص ٣٣٥) . وانظر: أبو جبلة، تاريخ التربية (ص ١٢٦) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ٢٢)، (الشعبي) (ص ٢٦) (حماد بن زياد) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٧١) .
(٦) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٧٠١، ٧٠٢) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٧٠) .
[ ١٢٦ ]
وكان الرجل يأتي بورقة عند النبي ﷺ فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ثم يقوم اخر فيكتب حتى يفرغ من المصحف» «١» وهذا يوضح أن عملية التعليم «قراءة وكتابة» كانت تؤدى في عهد الرسول ﷺ دون أجر، ويذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) حديثا لرسول الله ﷺ يناقض في ظاهره هذا الاستنتاج حيث جاء فيه: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» «٢» ويمكننا أن نجمع بين الروايتين بالقول: إن الأجرة على التعليم- لمن كانت هذه المهن وظيفة يتفرغ لها صاحبها- جائزة، ولكن عملية التعليم في هذه الفترة كانت تتم دون أجر؛ لأن الدولة كانت تشجع بشكل كبير مبدأ التعاون والتضحية في سبيل نشر الدين الجديد، فضلا عن أن الصحابة قد أخذوا من الغنائم والفيء ما يسد حاجتهم.
_________________
(١) البيهقي، السنن (ج ٦، ص ١٦) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ١٢١) .
[ ١٢٧ ]
الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة