كان حلف الفضول الذي عقدته قريش في دار ابن جدعان لرد المظالم التي تقع في مكة دليلا واضحا على وجود المظالم في الجاهلية «١»، وكان النبي ﷺ قد حضر هذا الحلف قبل النبوة، ثم أقره بعدها فقال: «لا يزيده الإسلام إلا شدة» «٢»، وروى أحمد (ت ٢٤١ هـ) قول النبي ﷺ: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وإني أنكثه» «٣»، وهذا يفيد أن إقرار النبي ﷺ له يجعله في حكم وكأنه كان. بعد الإسلام، يقول الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): «إلا أنه صار بحضور رسول الله ﷺ له، وما قاله في تأكيد أمره حكما شرعيّا وفعلا نبويّا» «٤» .
وتشعر الروايات بأن نظر أمر المظالم- في هذه الفترة- كانت داخلة في القضاء، فتذكر المصادر أن النبي ﷺ- وهو قاضي المسلمين في المدينة- قد نظر المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) ورجل من الأنصار فحضره بنفسه وقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك»، فقال الأنصاري: يا رسول الله ﷺ أن كان ابن عمتك، فتلون وجهه ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجذر- أصل الحائط- ثم أرسل الماء إلى جارك» «٥» قال الزهري (ت ١٢٤ هـ):
«واستوفى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ١٢٦- ١٢٨) . ابن حبيب، المحبر (ص ١٦٧) . المنمق (ص ٤٥- ٥٠) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٣، ص ١٧، ١٨) . الفاسي، شفاء الغرام (ج ٢، ص ٩٩، ١٠٠) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٢، ص ٢٠٧) . الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٢٤٣) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٣٨) .
(٣) أحمد، المسند (ج ١، ص ١٩٠، ١٩٣) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ١٢٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ١٢٦- ١٢٨) . ابن حبيب، المحبر (ص ١٦٧) . المنمق (ص ٤٥- ٥٠) . ويبدو أن النبي ﷺ يقصد بحلف المطيبين حلف الفضول، وهو الذي حضره النبي ﷺ وكان كثير من المشتركين في حلف المطيبين قد اشتركوا في حلف الفضول.
(٤) الماوردي، الإحكام (ص ٢٦٨) .
(٥) الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ١١٨)، النسائي، السنن (ج ٤، ص ٢٣٨، ٢٣٩) . الماوردي، الأحكام (ص ٧٧) . النويري، نهاية الأرب (ج ٦، ص ٢٦٨) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٩، ص ١٧٧) .
[ ٢٤٠ ]
عليهما بأمر لهما فيه سعة» «١» وقد عدّ بعضهم هذه القصة من المظالم، لكون أحد المتخاصمين ابن عمة الرسول ﷺ، فظن الأنصاري أن الزبير أخذ هذا الحقّ لقربه من الرسول ﷺ، ولكنّ النبيّ بين الحكم الذي ينبغي أن يتبع في أمر السقاية بين الجيران «٢» .
ومن الحوادث التي وقعت في عهد الرسول ﷺ واعتبرت من نظر المظالم ما رواه أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) أنه: «كان لسمرة بن جندب عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فطلب إليه أن يبيعه أو ينقله فأبى ثم رغبه أن يهبها له، والله يثيبه أكرم مثوبة فأبى، فقال ﵇: «أنت مضار»، ثم قال للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله» «٣» وهذا يوضح أن النبي ﷺ لم يختر الحكم الذي ينهي الخصومة فقط كبيع النخيل أو هبته، إنما اختار الحكم الذي ينهي الخصومة، ويردع الظالم لإساءته استعمال حقه، فقضى بقلع النخل وهو ما يجاوز حكم القضاء، ويدخل في نطاق نظر المظالم الذي تظهر منه السياسة الشرعية؛ تحقيقا للمصلحة العامة «٤» .
واعتبر ما وقع لابن اللتبية أساسا واضحا لقضاء المظالم؛ لأن ما أعطي ابن اللتبية من الهدايا كان بسبب استغلال نفوذه الوظيفي «٥»، ولهذا فقد احتاج هؤلاء الولاة والعمال إلى سلطة أعلى من سلطة القضاء، والتي تجمع بين حكم القضاء، وهيبة السلطة، وهو ما سمي فيما بعد «بقاضي المظالم»، يقول الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) معرّفا نظر المظالم:
«هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروطه أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين» «٦» وقد تمثلت هذه الصفات جميعا في رسول الله ﷺ وهو ينظر في هذه القضية.
_________________
(١) الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٩، ص ١٧٨) (الزهري) .
(٢) سعود، التنظيم القضائي (ص ١٧٦، ١٧٧) .
(٣) ابن القيم، عون المعبود (ج ١٠، ص ٦٤، ٦٥) .
(٤) صبحي الصالح، النظم الإسلامية (ص ٣٢١) .
(٥) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٢٠٩)، (ج ٨، ص ١٦٣)، مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٣١٨- ٢٠٠) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٥٤، ٣٥٥) .
(٦) الماوردي، الأحكام (ص ٧٧) .
[ ٢٤١ ]
ونظر النبي ﷺ المظالم- بهذا المفهوم- في قصة خالد بن الوليد حين قتل مقتلة من قبيلة جذيمة بعد أن أعلن أهلها الخضوع، فاستنكر النبي ﷺ ذلك العمل وأرسل علي بن أبي طالب ليرفع المظلمة عن هذه القبيلة، فدفع دية قتلاها، لكون القتل وقع خطأ «١»، وكذلك عزل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) عن البحرين بعد أن شكاه أهلها، وولى بدلا عنه أبان بن سعيد وقال له: «استوص بعبد القيس خيرا، وأكرم سراتهم»» .
وهكذا يتبين أنه لم يكن هناك في عهد الرسول ﷺ ولاية مستقلة للمظالم، وما ورد من إشارة عند ابن عبد ربه (ت ٣٢٨ هـ) أن النبي ﷺ: كان قد استعمل أبا سفيان على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم والقضاء «٣» لم تؤيدها المصادر الاخرى، ولكن إن صح الخبر، فإنّ هذا يؤيد ما قلناه من أنه لم يكن هناك ولاية مستقلة للمظالم، بل كانت ضمن ولاية القضاء، فكان الرسول ﷺ وولاته يقومون بأنفسهم برفع مظالم الرعية والنظر فيها، يقول ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ): «هذه ولاية المظالم أحدثها من تأخر من الولاة لفساد الولاية وفساد الناس، وهي عبارة عن كل حكم يعجز عنه القاضي، وينظر فيه من هو أقوى يدا منه» «٤» .
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٣٠) (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٤٧) (قالوا) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٦٧) (ابن إسحاق) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ٤، ص ٣٦٠، ٣٦١) . وانظر: حمدي عبد المنعم، ديوان المظالم (ط ١) بيروت، دار الشروق، (١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م)، (ص ٥١، ٥٢) .
(٣) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج ٦، ص ١١) .
(٤) ابن العربي، أحكام (ج ٤، ص ١٦٣١) .
[ ٢٤٢ ]
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء