لقد قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان أهلها أصحاب مزارع، فحاولوا أن يشركوا المهاجرين في الزراعة، فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول الأنصار للنبي ﷺ: يا رسول الله ﷺ، اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا»، فقال ﵇:
«تكفونا المؤونة ونشرككم في التمر»، قالوا: سمعنا وأطعنا «١»، ويفيد هذا أن النبي ﷺ أراد للمهاجرين أن يتفرغوا للدعوة والجهاد؛ لأن أعمال الزراعة تحتاج إلى وقت كبير بحيث لا يتناسب مع وضع المهاجرين.
وذكرت المصادر أن النبي ﷺ أقطع بعض أصحابه أرضا كي تستعمل في الزراعة، فقد أقطع الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) أرضا بالمدينة»
، وأقطع عليّا عيونا بينبع، وعمل علي فيها بنفسه «٣»، وربما كان ذلك في فترة متأخرة من حياة الرسول ﷺ؛ إذ استقر وضع المهاجرين وفتحت مكة وسائر أنحاء الجزيرة.
وتشير المصادر إلى أن هذه القطائع كانت من الموات الأرض، وكان النبي ﷺ يهدف من خلالها إلى «التأليف على الإسلام» وكان ممن أقطع لهذه الغاية زعماء القبائل، من أمثال فرات بن حيان «٤»، والعباس بن مرداس السّلمي (ت ١٨ هـ) وغيرهما «٥»، وكان هناك نوع من الإقطاع لغرض «إحياء الأرض الموات» فأقطع أبيض ابن حمال المازني الملح الذي بمأرب «٦» وسليط الأنصاري أقطعه أرضا ليحييها، ولكنه عاد واستأذن الرسول ﷺ بالتخلي عنها فأقطعها الزبير «٧»، وأقطع الزبير (ت ٣٦ هـ)،
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٣٩) . وانظر: مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٩٩) .
(٢) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق (ص ٣١٩) .
(٣) عمر بن شبة، أبو زيد عمر بن شبة البصري (ت ٢٦٢ هـ)، كتاب تاريخ المدينة، تحقيق فهيم محمد شلتوت، المدينة المنورة، (١٣٩٣ هـ)، (ج ٢، ص ٢٢٢) .
(٤) أبو عبيد، الأموال (ص ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩٥) . ابن زنجويه، حميد بن مخلد بن قتيبة الخرساني (ت ٢٥١ هـ)، الأموال، تحقيق شاكر ذيب فياض (ط ١) الرياض، مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، (١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م) (ج ٢، ص ٦١٣) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٧٣) .
(٦) ابن ادم، الخراج (ص ١٠٧) . ابن زنجويه، الأموال (ج ٢، ص ٦٣٠) . قدامة، الخراج (ص ٢١٦) .
(٧) أبو يوسف، الخراج (ص ٦١) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص ٢١٥، ٢١٦) .
[ ١٦٤ ]
وأبا بكر (ت ١٣ هـ)، وعمر (ت ٢٣ هـ)، وسهيل بن حنيف، وعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) عامرا ومواتا من أموال بني النضير، وتشير بعض الروايات أنه أقطعه غامرا، وهي الأرض الخراب التي لا يبلغها الماء «١» .
وكانت هناك بعض الإقطاعات لغرض «السكن»، فقد أقطع النبي ﷺ لبني زهرة من ناحية مؤخرة المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة بن عبيد الله موضع داره، وكذلك فعل بالنسبة إلى أبي بكر وعثمان وغيرهم من الصحابة «٢» .
لقد تراوحت صيغ هذه القطائع بين «إني أقطعتك» «٣» و«هذا ما أعطى» «٤» «وأن لهم» «٥» و«ما وهب» «٦» و«هب لي» «٧» و«أن له» «٨»، ولم تشر المصادر إلى مساحة هذه القطائع، وإن كان بعضها قد أشار إلى أنها قدر رمية السهم «٩» أو غدوة الغنم «١٠» .
لقد استطاعت الإدارة النبوية أن تحقق هذه الأهداف مجتمعة، ولكن في كل الحالات لم يقطع النبي ﷺ أحدا حقّا لمسلم أو لجماعة، بل كانت من الأراضي التي لم يكن لها مالك «١١»، فيروي ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن حريث بن حسان الشيباني سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتابا بالدهناء، خاصة دون تميم، وكانت الدهناء مرعى لبني بكر بن وائل وتميم، فوافق الرسول ﷺ وهمّ بالكتابة إليه، إلا أن امرأة تدعى قيلة بنت مخرمة كانت في وفد تميم قالت لرسول الله: إنه لم يسألك السوية في الأرض إذ سألك، فقال: «أمسك يا غلام» «١٢» واسترجع النبي ﷺ ملح مأرب الذي
_________________
(١) الشيباني، محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ)، كتاب السير الكبير، إملاء محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق عبد العزيز أحمد، معهد المخطوطات، جامعة الدول العربية، (١٩٧٢ م)، (ج ٢، ص ٦١١) .
(٢) ابن الفقيه، مختصر (ص ٢٣) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٧٠) .
(٣) انظر: ابن زنجويه، الأموال (ج ٢، ص ٦٣٠) .
(٤) ابن منظور، محمد بن مكرم (ت ٧١١ هـ)، مختصر تاريخ دمشق، تحقيق روحية النحاس، دمشق، دار الفكر، (١٩٨٤ م)، (ج ٢، ص ٣٤٤، ٣٤٥) .
(٥) م. ن (ج ٢، ص ٣٣٥) .
(٦) الحلبي، السيرة (ج ٣، ص ٢٧٣) .
(٧) أبو عبيد، الأموال (ص ٢٨٨) .
(٨) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق (ج ٢، ص ٣٣١، ٣٣٢، ٣٤٦) .
(٩) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق (ج ٢، ص ٣٣٤) .
(١٠) م. ن (ج ٢، ص ٣٣٥) .
(١١) انظر: محمد خريسات، القطائع في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، (بحث غير منشور)، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م)، (ص ١٣) .
(١٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣١٩) .
[ ١٦٥ ]
أقطعه أبيض بن حمّال؛ لاشتراك الناس في الملح «١» .
لقد اهتم النبي ﷺ بتنظيم أمور الزراعة اهتماما كبيرا فأمر باستغلال الأراضي الزراعية، فقال: «من أحيا أرضا ميتة فله أجر، وما أكلت العانية منها فله منها صدقة» «٢»، وكره النبي ﷺ أن يمسك أحد أرضا دون استغلالها، فقال: «من كانت له أرض فليحرثها، فإن كره أن يحرثها فليمنحها أخاه، فإن كره أن يمنحها أخاه فليدعها» «٣» .
لقد وضعت الإدارة النبوية حوافز كبيرة لاستغلال الأراضي وإصلاحها، ووضعت قواعد شرعية سارت عليها الأمة، فقال: «من أحيا أرضا مواتا فهي له» «٤» وروى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) عن عائشة (ت ٥٦ هـ) قالت: قال النبي ﷺ: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهي له» «٥» .
ويلاحظ من خلال تفحص كتب الحديث المعتمدة اهتمام النبي ﷺ بالزراعة حتى إن البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أفرد بابا في صحيحه سماه: «باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه» وقد أورد قوله: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» «٦»، وروى الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) قوله ﵇: «لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألايقوم حتى يغرسها فليفعل» «٧» .
كانت هناك مجموعات من الناس تعمل في الزراعة، ففي المدينة كان الأوس والخزرج يعملون بالزراعة بأنفسهم وبالاستعانة بغيرهم، ويبدو أن قبائل المدينة لم تكن تأنف الزراعة، كما كانت تأنفها القبائل العربية الاخرى «٨»، أما اليهود فكانوا أصحاب مزارع ونخيل، وكان لديهم من الخبرة ما يجعلهم يتفوقون على غيرهم في الزراعة «٩»، حتى إن النبي ﷺ ترك في أيديهم خيبر ووادي القرى وفدك يزرعونها على الشطر فيما
_________________
(١) ابن ادم، الخراج (ص ١٠٧) . أبو عبيد، الأموال (ص ٣٩٠) . ابن زنجويه (ج ٢، ص ٦٣٠) . خريسات، القطائع (ص ٢٩) .
(٢) الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام (ت ٢٥٥ هـ)، سنن الدارمي، دار إحياء السنة النبوية، د. ت (ج ٢، ص ٢٦٧) . العانية: هي الطير وغيرها ممن له روح.
(٣) م. ن (ج ٢، ص ٢٧٠) .
(٤) ابن حجر، فتح الباري (ج ١٠، ص ٨٤) .
(٥) م. ن (ج ١٠، ص ٨٦) .
(٦) م. ن (ج ١٠، ص ٦٧) .
(٧) أحمد، المسند (ج ٣، ص ١٩١) .
(٨) عبد العزيز بن إبراهيم العمري، الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول ﷺ (ط ١) (١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م)، (ص ١١٤) .
(٩) أبو عبيد، الأموال (ص ٥٨١) . البلاذري، فتوح (ص ٣٧) .
[ ١٦٦ ]
يخرج منها «١» .
وكان هناك من الموالي من يعمل بالزراعة، ولهذا فإن النبي ﷺ لما حاصر الطائف (سنة ٩ هـ)، وأعلن عتق من ينزل إليه من الموالي، نزل إليه ثلاثة وعشرون عبدا من موالي الطائف «٢»، وكانت هناك مجموعات من الأحباش تعمل في حقول المدينة، وقد خرج هؤلاء ولعبوا بحرابهم فرحا بقدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة «٣» .
لقد نظمت الزراعة في عهد الرسول ﷺ تنظيما كبيرا، فقد زرع النخيل في بساتين سميت بالحوائط «٤»، وأوردت المصادر عددا من أسماء هذه الحوائط، منها حوائط مخيريق (ت ٣ هـ) السبعة «٥»، وحائط أبي الدحداح الذي تصدق به على المسلمين»
، وكانت هذه الحوائط تحوي نظاما دقيقا للري، إذ تحفر في وسطها الابار الخاصة، وتوضع عليها السواقي، فتقوم السواقي بإخراج الماء فتصبه في القنوات التي تتخلل النخيل أو الأشجار فتسقيها، وكانت هذه البساتين محاطة بأسوار تمنع دخول الناس أو البهائم، ولهذا أطلق عليها اسم «الحوائط» «٧» .
قام الأنصار بإدارة هذه البساتين بالتعاون مع بعض الأرقاء والأجراء والأجزاء، فكانوا يقومون بحراثتها وزراعتها واستغلالها، وكان البعض الاخر يؤجر هذه البساتين بطريق المزارعة؛ وذلك لعدم قدرتهم على زراعتها «٨» .
ويلاحظ أن أصحاب هذه البساتين كانوا يأخذون أجرتها إما جزا من ثمرها كما أخذ النبي ﷺ من أهل خيبر «٩»، وإما ذهبا وفضة، فقد روى الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) قول سعد بن أبي وقاص: «كنا نكري الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما على
_________________
(١) أبو يوسف، الخراج (ص ٥٠، ٥١) . أبو عبيد، الأموال (ص ٤٣١) . مسلم بشرح النووي (ج ١٠، ص ٢٠٨) . البلاذري، فتوح (ص ٣٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٥) .
(٢) ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٤٨٥) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٣، ص ٣٥٦، ٣٥٧) .
(٣) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج ٣، ص ٣٨٦) .
(٤) ابن منظور، لسان العرب (ج ٧، ص ٢٧٩، ٢٨٠) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٦٢) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٨٨، ٨٩) .
(٦) ابن حجر، الإصابة (ج ٤، ص ٥٩) .
(٧) العمري، الحرف والصناعات (ص ١١٩، ١٢٠) .
(٨) ومن هذا الباب أعطى النبي ﷺ خيبر لليهود لزراعتها واستغلالها على أن له الشطر من ثمرها.
(٩) انظر: أبو يوسف، الخراج (ص ٥٠، ٥١) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٣٧) . أبو عبيد، الأموال (ص ٤٣١) . مسلم بشرح النووي (ج ١٠، ص ٢٠٨) . البلاذري، فتوح (ص ٣٤) .
[ ١٦٧ ]
السواقي من الزرع، وبما سقي من الماء منها، فنهانا رسول ﷺ عن ذلك، ورخص لنا في أن نكريها بالذهب والورق» «١» .
لقد تدخلت الدولة في تنظيم شؤون الزراعة، وذلك بتنظيم المعاملات، وحل المشكلات المترتبة على العلاقات الزراعية بين أصحاب الأرض أنفسهم، أو بينهم وبين المستأجرين، فقد ورد في كتاب رسول الله ﷺ لثقيف ما نصه: «وما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها- أي شطر ثمرها- لمن سقاها» «٢» وذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول جابر بن عبد الله (ت ٧٤ هـ): «كانت لرجال فضول أراضين على عهد رسول الله ﷺ وكانوا يؤجرونها على الثلث والربع والنصف، فقال الرسول ﷺ:
«من كانت له فضل أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه» «٣»، كما تعرض النبي ﷺ للمشكلات المتعلقة بأمور الرّي وسقي المزروعات، وتوزيع المياه على المزارعين، كما هو واضح من قصة الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ)، والأنصاري عندما تنازعا في الشرب «٤»، وقضى بمثل ذلك في مياه سيل مهزور ومزينب وبطحان- وهي من السيول التي كانت تسقي المدينة- فقضى لأهل النخل حصتهم من الماء أن يبلغ الماء إلى العقبين، وقضى لأهل الزرع أن يبلغ الماء إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم «٥» .
_________________
(١) الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٢٧١) .
(٢) أبو يوسف، الخراج (ص ٨٩) . أبو عبيد، الأموال (ص ٢٧٧) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ١٤١) . وانظر: أبو يوسف، الخراج (ص ٨٩) . البيهقي، السنن (ج ٦، ص ٢٨) .
(٤) الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ١١٨) . النسائي، السنن (ج ٤، ص ٢٣٨، ٢٣٩) . الماوردي، الأحكام (ص ٧٧) . النويري، نهاية الأرب (ج ٦، ص ٢٦٨) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٩، ص ١٧٧) .
(٥) أبو يوسف، الخراج (ص ٩٠) . يحيى بن ادم، الخراج (ص ١٠٦، ١٠٧) . السرخسي، المبسوط (ج ٢٣، ص ١٣) . البيهقي، السنن (ج ٦، ص ١٥٣، ١٥٤) . الماوردي، الأحكام (ص ٧٧) .
[ ١٦٨ ]
الفصل الرابع الإدارة المالية