لقد بدأت الأموال ترد على المسلمين بعد نشوء دولتهم في المدينة؛ وذلك نتيجة الانتصارات الحاسمة التي حققها المسلمون في عدد من المعارك، وكذلك فرض الإسلام على رعايا الدولة الإسلامية مجموعة من التكاليف المالية شكلت في مجملها إيرادات الدولة الجديدة.
فكانت «الغنيمة والفيء» «١» من أوسع أبواب هذه الإيرادات، حيث أذن الله سبحانه للمسلمين بقتال الكفار، واقتضت مهمة نشر الدعوة، وطبيعة العلاقة العدائية بين المسلمين وقريش انذاك أن يقوم المسلمون بالتعرض لقافلات مكة التجارية، ومحاولة الاستيلاء عليها إضعافا لجبهة قريش من جهة، وتعويض المهاجرين عمّا تركوه في مكة من جهة أخرى.
وكانت أول غنيمة غنمها المسلمون بعض العير لقريش، تعرضت لها سرية عبد الله ابن جحش (٢ هـ) بالقرب من نخلة- بين مكة والطائف- وكانت تحمل زبيبا وأدما وتجارة أصابها عبد الله (ت ٣ هـ)، وأسر رجلين من رجالها أخذهما إلى رسول الله ﷺ «٢»، وتشير الروايات إلى أن النبي ﷺ كره ابتداء هذا الفعل؛ لأنه وقع في الأشهر الحرم، ولكن الايات نزلت تؤيد فعل عبد الله، وترفع الحرج عن المؤمنين «٣» .
أما عن كيفية تقسيم هذه الغنيمة، فقد ذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ)، والواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن عبد الله بن جحش لما غنم عير قريش قال لأصحابه: «إن لرسول الله ﷺ
_________________
(١) يقول الصنعاني (ت ٢١١ هـ): «الفيء والغنيمة مختلفان، أصل الغنيمة: مما أخذ المسلمون فصار في أيديهم من الكفار، والخمس في ذلك إلى الأمير يضعه حيثما أمر الله، والأربعة أخماس الباقية للذين غنموا الغنيمة. والفيء: ما وقع من صلح بين الإمام والكفار في أعناقهم وأرضهم وزرعهم وفيما صولحوا عليه مما لم يأخذه المسلمون عنوة، ولم يقهروه عليه حتى وقع فيه بينهم صلح وذلك للإمام يضعه حيث أمر الله» . انظر: الصنعاني المصنف (ج ٥، ص ٣١٠) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٧) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٠٢) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤١٠، ٤١١) . وقد تم افتداء هذين الأسيرين بمبالغ نقدية بلغت أربعين أوقية لكل منهما، والأوقية: أربعون درهما فيكون مجموع الفداء ٣٢٠٠ درهم أضيف إلى المغانم. انظر: الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٧) .
(٣) انظر هذه الايات في سورة: (البقرة: اية: ٢١٧، ٢١٨) . وانظر هذا الخبر في: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٠٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٠، ١١) .
[ ١٤٧ ]
خمس ما غنمتم، وذلك قبل أن يفرض الخمس، فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه» «١» .
على حين يروي الواقدي «ت ٢٠٧ هـ» رواية أخرى فيقول: «إن النبي ﷺ وقف غنائم نخلة، ومضى إلى بدر، حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم» «٢» . ويبدو أن رواية الواقدي الثانية أقرب إلى الصحة، لأنّ فرض الخمس لرسول الله ﷺ قد نزل في بدر فقسمت غنيمة عبد الله على أساس ذلك «٣» .
أما الغنائم التي غنمها المسلمون في بدر «٢ هـ» «٤»، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون بعد اصطدام مباشر مع قريش، حيث غنم المسلمون سلاحا وأموالا، وأسروا سبعين رجلا من كفار قريش «٥»، فلما تنازع المسلمون في قسمتها نزلت الايات تجعل أمر الغنائم إلى رسول الله ﷺ «٦»، ويروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ قسم هذه الغنائم بين المسلمين بالسوية ثم نزلت اية الخمس «٧» كما يذكر ابن سلام «ت ٢٢٤ هـ» في كتابه الأموال «٨» .
في حين يرى ابن كثير أن غنائم بدر قسمت بعد نزول اية الخمس فيقول: «والواقع أنها- أي غنائم بدر- خمست كما هو قول البخاري وابن حجر والطبري وهو الصحيح الراجح» «٩»، أما الأسرى فقد تم افتداؤهم بمبالغ مالية مناسبة، وذلك حسبما أشار أبو بكر إذ قال: «نأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم لنا قوة، وعسى أن يهداهم الله فيكونوا لنا عضدا» ١»
وقد تراوح فداء الأسير بين أربعة ألاف
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٨) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٠٣) (ابن إسحاق) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤١٢، ٤١٣) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١١٣، ١١٤) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٨) .
(٣) القضاة، بيت المال (ص ١٣) .
(٤) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٤٤) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٢٤١، ٢٤٢) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٨٦) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٤٦) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٧٤) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٤٤) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٤١، ٦٤٢) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٨٦) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٤٦) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٧٤) .
(٦) راجع سورة الأنفال: الايات (١، ٢) .
(٧) ابن هشام: السيرة (م ١، ص ٦٤٢) (ابن إسحاق) . وانظر: الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٤٤) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٥٨) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٣٠، ١٣١) .
(٨) ابن سلام، الأموال (ص ٤٢٦) .
(٩) ابن كثير، السيرة (ج ٢، ص ٤٦٩) .
(١٠) مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٨٦) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٧٤) .
[ ١٤٨ ]
درهم، وألف درهم، إلا الفقراء فقد عفى عنهم النبي ﷺ مقابل تعليم أبناء الأنصار القراءة والكتابة «١»، وهكذا فقد أصبحت الغنائم- بعد بدر (٢ هـ) - تقسم أخماسا، خمسها لرسول الله، يضعه حيث يشاء، والأربعة أخماس الاخرى توزع على المجاهدين «٢» .
ترد أول إشارة عن ملامح التنظيم الإداري الذي يقوم على حفظ المال العام في بدر (٢ هـ)، فقد استعمل النبي ﷺ عبد الله بن كعب بن النجار (ت ٣٠ هـ) على أنفال بدر قبل قسمتها «٣»، في حين استعمل على الأسرى غلاما له يدعى «شقران» «٤»، ثم استعمل على قسمة الغنائم محيمة بن جزء بن عبد يغوث (ت ٢٥ هـ)، وقد سمي من يقوم بهذه المهمة فيما بعد باسم «صاحب الغنائم» «٥»، وكان هؤلاء الثلاثة من أوائل من عين في الجهاز الإداري المالي في عهد الرسول ﷺ.
وبعد غزوة بدر (٢ هـ) نقض يهود بني قينقاع العهد مع المسلمين. فكان لابد من طردهم، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فرحلوا من المدينة إلى الشام «٦»، وغنم المسلمون أموالا وسلاحا والات صياغة، ولم يكونوا أصحاب أرض، بل اشتهروا بالصناعة ولا سيما صناعة الحلي والمجوهرات «٧» فقسم النبي ﷺ هذه الغنيمة- بعد أخذ خمسها- على المجاهدين المشتركين في الغزوة «٨» .
_________________
(١) يقول الواقدي (ت ٢٠٧ هـ): «حدثني إسحاق بن يحيى، قال: سألت نافع بن جبير: كم كان الفداء؟ فقال: أرفعهم أربعة ألاف درهم إلى ثلاثة ألاف إلى ألفين إلى ألف درهم للرجل إلا من لا شيء له، فمنّ رسول الله عليه» . انظر: الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٢٩) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٦٠) .
(٢) أبو يوسف الخراج (ص ١٨، ١٩) . ابن سلام، الأموال (ص ٤٥٣) .
(٣) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٠٠) . ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٤٣) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٥٨) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ٩٨١) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٥٠٠) .
(٤) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١١٥) .
(٥) مسلم بشرح النووي (ج ٧، ص ١٧٩، ١٨١) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٧٦) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٥١٠) .
(٦) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٧٩) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٧) . البلاذري، فتوح (ص ٢٤) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٨١) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١٣٧، ١٣٨) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٧٩) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٨١) .
(٨) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٧٩) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٨١) . الماوردي، الأحكام (ص ١٣٩) . الزمخشري، الكشاف (ج ٢، ص ١٥٩) . انظر تفسير الاية: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: ٤١] .
[ ١٤٩ ]
وتذكر المصادر أن أول أرض تملّكها المسلمون كانت أرض مخيريق اليهودي (ت ٣ هـ) الذي أوصى بها للرسول ﷺ فأخذها الرسول ﷺ بعد مقتله في أحد (٣ هـ)، وجعلها صدقة على المسلمين «١» .
وعند ما افتتح المسلمون أرض بني النضير (٤ هـ) «٢» دون «إيجاف خيل أو ركاب» «٣» اعتبرت فيئا، وقد أشارت الايات إلى ذلك فقال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الحشر: ٦]، فصارت هذه الأموال فيئا خالصا لرسول الله ﷺ يضعه حيث يشاء. فأعطى- بعد المشاورة- بعضها للمهاجرين ليغنيهم ويلحقهم بالأنصار، ولم يأخذ الأنصار من هذا الفيء إلا رجلين من الأنصار أعطاهما لسد خلتهما «٤» . وخصص باقي الأراضي- وهي سبعة حوائط- لنفقات الرسول ﷺ ولحاجة أهله، وما بقي جعله النبي ﷺ في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله «٥» .
وفي شوال (٥ هـ) كانت وقعة الأحزاب، إذ نقض يهود بني قريظة العهد مع رسول الله ﷺ وحالفوا المشركين «٦»، فلما هزمت الأحزاب حاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ (ت ٥ هـ)، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٦٢، ٣٧٨) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٨٨، ٨٩) . الماوردي، الأحكام (ص ١٦٩) .
(٢) أبو عبيد، الأموال (ص ١٤- ١٦، ٣١٦- ٣٨٧) . وانظر: يحيى بن ادم (ت ٢٠٣ هـ)، الخراج، شرح أحمد محمد شاكر، بيروت، دار المعرفة، د. ت (ص ٣٣، ٣٤) . وابن هشام، السيرة (م ٢، ص ١٩١) . البلاذري، فتوح (ص ٢٧)، قدامة بن جعفر (ت ٣٢٨ هـ)، الخراج وصناعة الكتابة، تحقيق محمد حسين الزبيدي، بغداد، دار الرشيد، (١٩٨١ م)، (ص ٢٥٧) .
(٣) انظر: مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٧٠) . السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، لباب النقول في أسباب النزول (ط ١) بيروت: دار إحياء العلوم (١٩٧٨ م)، (ص ٢٠٨) .
(٤) يحيى بن ادم، الخراج (ص ٣٥) (محمد بن الكلبي)، ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ١٩٢) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٥٨) . البلاذري، فتوح (ص ٢٨) . قدامة، الخراج (ص ٢٥٧) . وانظر: عبد العزيز الدوري، في التنظيم الاقتصادي في صدر الإسلام، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، (١٩٨١ م)، (ص ٧٦) . («الخلة» بالفتح، الحاجة والفقر) . انظر: ابن منظور، اللسان (ج ١١، ص ٨١٥) .
(٥) يحيى بن ادم، الخراج (ص ٣٦، ٣٧، ٣٨) (الزهري) . الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٣٧٨) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٧٠) . البلاذري، فتوح (ج ٢، ص ٢٧) .
(٦) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٤٩٦) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢١٥) . البلاذري، فتوح (٣٢) .
[ ١٥٠ ]
نسائهم وذراريهم وأخذ أموالهم «١» فحكم النبي ﷺ بذلك، وقسم أموالهم غنيمة بين المسلمين، فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم واحد، ومضت هذه السنة في تقسيم الغنائم منذ ذلك اليوم في مغازي الرسول ﷺ «٢» .
وفي (٦ هـ) غنم المسلمون غنائم من بني المصطلق، فقسمها النبي ﷺ على المجاهدين الذين شاركوا فيها «٣» .
وفي السنة السابعة، غزا رسول الله ﷺ خيبر وغنم من أموالها «٤»، وقد أشارت الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
[الفتح: ٢٠]، فخمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها بين المجاهدين «٥» .
أما الأرض فقد سأله أهل خيبر أن يبقيها بأيديهم، ويعاملهم على نصف الثمر ثم قال لهم: «نقركم ما أقركم الله على أنّا إذا شئنا إخراجكم أخرجناكم» «٦»، وبقيت في أيديهم طيلة حياة النبي ﷺ وطيلة خلافة أبي بكر الصديق ثم جاء عمر فنزعها من أيديهم وأخرجهم من جزيرة العرب «٧» .
ويظهر في هذه الغزوة (٧ هـ) وظيفة إدارية مالية أخرى، فقد استعمل النبي ﷺ عبد الله ابن رواحة (ت ٨ هـ) على خرص الثمر بينه وبين يهود خيبر، واستيفاء نصفه كل سنة «٨»،
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٥١٢) . ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٢٤٠) . البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٤٤) . البلاذري، فتوح (ص ٣٢) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٨٧) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٥٢٢) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٤٤) . أبو عبيد، الأموال (ص ١٦٣) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٥٣) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٩١) . قدامة، الخراج (ص ٢٥٧) .
(٣) يحيى بن ادم، الخراج (ص ٣٧- ٤٠) . أبو عبيد، الأموال (ص ١٧٣- ١٧٦) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٦٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٣- ١٥) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص ٢٥٨، ٢٥٩) .
(٤) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٦٦٩) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٣٧) . البلاذري، فتوح (ص ٣٣) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٩) .
(٥) الزهري المغازي، (ص ٨٤) . الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٦٦٩) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٣٧) . البلاذري، فتوح (ص ٣٣) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٩) .
(٦) مسلم بشرح النووي (ج ١٠، ص ١٠٨) .
(٧) الزهري، مغازي (ص ٨٤) . ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٣٥٦) . مسلم بشرح النووي (ج ١٠، ص ٢٠٩) . البلاذري، فتوح (ص ٤٠) . ابن حجر، فتح الباري (ج ١٦، ص ٨١) .
(٨) الزهري، المغازي (ص ٨٤، ٨٥) . أبو يوسف، الخراج (ص ٥١) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٥٤) . أبو عبيد، الأموال (ص ١٠٨) . البلاذري، فتوح (ص ٣٥) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٢٠) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٢٢) . الخرص: «إذا حزر ما عليها من تمر» .
[ ١٥١ ]
فخرص عبد الله بن رواحة خيبر أربعين ألف وسق «١» .
ويبدو أن عبد الله كان خبيرا بخرص الثمر، وربما كان وجوده في يثرب- وهي أرض ثمر وزراعة- قد أكسبه هذه الخبرة، فاختاره النبي ﷺ للقيام بهذه المهمة، وفي هذا دلالة على تقديم أصحاب الخبرة على غيرهم في مثل هذه الوظائف، ومن هنا فقد ذكرت الروايات أن عبد الله (ت ٥٨ هـ) كان حاذقا حازما في خرصه، نزيها عادلا في حكمه، فحاول اليهود أن يرشوه فأهدوا إليه مالا فرده عليهم وقال: «لم يبعثني النبي ﷺ لأكل أموالكم، وإنما بعثني لأقسم بينكم وبينه، ثم قال: إن شئتم عملت وعالجت وكلت لكم النصف، وإن شئتم عملتم وعالجتم وكلتم النصف، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» «٢» وفي فترة لاحقة- بعد استشهاد عبد الله في مؤتة (٨ هـ) - بعث النبي ﷺ سهل بن خيثمة، والصلت بن معد يكرب، وفروة بن عمرو، فخرصوا ثمر في سنين متعاقبة «٣» .
واستعمل النبي ﷺ فروة بن عمرو على غنائم خيبر حتى قسمها على مستحقيها «٤»، ويبدو أن هذه المعاملة ليهود خيبر قد استهوت بقية المناطق في شمال الجزيرة، فعندما علم أهل «فدك» بذلك، طلبوا مصالحة النبي ﷺ على ما صالح عليه أهل خيبر، فبعث النبي ﷺ إليهم (محيصة بن مسعود)، فصالحهم تاركا الأرض بأيديهم معاملة على نصف ما تخرج من ثمر «٥»، وصارت فدك فيئا خالصا للرسول ﷺ يضعه حيث يشاء؛ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب «٦» .
وفي السنة السابعة للهجرة أتى النبي ﷺ وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام فرفضوا ذلك، فقاتلهم النبي ﷺ حتى فتحها عنوة، وغنم الرسول ﷺ الأموال والمتاع والأثاث، فخمس الرسول ﷺ ذلك، وتركت الأرض بيد أهلها وعاملهم على أساس ما عامل به أهل خيبر وأهل فدك «٧» .
_________________
(١) أبو عبيد، الأموال (ص ١٠٩) .
(٢) الزهري، المغازي (ص ٨٤) . أبو يوسف، الخراج (ص ٥١) . البلاذري، فتوح (ص ٣٥) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٢٢) .
(٣) الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٠٠) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٠٧) . المقريزي، إمتاع (ص ٣٠٢- ٣٢٣) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٧٠٧) . أبو عبيد، الأموال (ص ١٧٣- ١٧٦) . البلاذري، فتوح (ص ٤١) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٢٠) . الماوردي، الأحكام (ص ١٧٠) .
(٦) السيوطي، لباب النقول (ص ٢٠٨) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٧١١) . البلاذري، فتوح (ص ٤٧) .
[ ١٥٢ ]
أما أهل تيماء فهناك رواية عند الواقدي (٢٠٧ هـ) والبلاذري (ت ٢٧٩ هـ) تشير إلى أن النبي ﷺ صالحهم على الجزية، ولكن يبدو أن هذه الرواية غير دقيقة؛ إذ إن الجزية فرضت في السنة التاسعة للهجرة، في حين صالح النبي أهل تيماء في السنة (٧ هـ)، فلعل كلمة (جزية) دخلت إلى النص في فترة متأخرة أو أن الصلح على تيماء جاء متأخرا في السنة التاسعة للهجرة «١» .
وهكذا يلاحظ أن النبي ﷺ قد اتخذ بعض التدابير العملية بالنسبة إلى الأرض التي دخلت في نطاق الإسلام في الجزيرة العربية، وكانت عادة تدابير تناسب وضع الأمة الجديدة ومهمتها في الحصول على الأراضي وتوفر الأيدي العاملة، لقد أصبحت هذه الأراضي التي دخلها الإسلام في حياة الرسول ﷺ عشرية «أي فرض عليها العشر» إن كانت تروى بصورة طبيعية. ويؤخذ عليها نصف العشر إن كانت تسقى بطريق الي (الابار والقنوات والأنهار) «٢» وفي رمضان (٨ هـ) تم فتح مكة، ولم يغنم النبي ﷺ مالا، إذ منّ على أهلها وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»»
، وفي نفس الوقت وقعت غزوة حنين، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، من الأغنام والسبي والأموال فيذكر اليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ): أن المسلمين قد غنموا اثني عشر ألف ناقة «٤»، وقال الواقدي (ت ٢٠٧ هـ): «كان السبي ستة الاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، وكانت الغنم لا يدرى عددها، قد قالوا أربعين ألفا »، وكان الرسول ﷺ قد غنم فضة كثيرة أربعة الاف أوقية» «٥» أي ما يقارب مائة وستين ألف درهم «٦» .
خرج النبي ﷺ بالسبي والغنائم إلى الجعرانة. وجعل عليه مسعود بن عمرو القاري، وبعد أن جاء وفد هوزان إلى النبي ﷺ رد إليهم السبي من النساء والذرية «٧»، أما الغنائم المنقولة من الأموال والإبل والغنم، فقد خمست هذه الغنائم، ووزعت بقية
_________________
(١) البطانية، الحياة الاقتصادية (ص ١٨) .
(٢) الدوري، في التنظيم الاقتصادي، مجلة العلوم الاجتماعية، (ص ٧٥) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤١٥) . وانظر: الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٨٣٥) . البلاذري، فتوح (ص ٥٧٥) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٦٠) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٦١) .
(٤) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٦٣) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ٣، ص ٩٤٣، ٩٤٤) .
(٦) القضاة، بيت المال (ص ٢٤) .
(٧) ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٤٨٨) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٦٣) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٨٢) . الجعرانة: اسم مكان قريب من مكة.
[ ١٥٣ ]
الأخماس على المقاتلين باستثناء الأنصار. وأعطى النبي ﷺ بعض المؤلفة قلوبهم من الخمس «١» .
ويلاحظ أن مصلحة الأمة المسلمة كانت العامل الأول المتبع في توزيع غنائم حنين، فقد أراد النبي ﷺ أن يستميل قلوب رجالات قريش الذين أسلموا حديثا، كما أراد أن يستميل قلوب زعماء القبائل، من أمثال الأقرع بن حابس (ت ٣١ هـ) وأبي سفيان بن حرب (ت ٣٢ هـ) وغيرهم «٢» .
أما الذين يأخذون من أموال «الغنيمة والفيء» من غير المحاربين، فكانوا عدة أصناف، منهم النساء والصبيان والعبيد، فذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أنه شهد مع رسول الله ﷺ خيبر (٧ هـ) نساء من نساء المسلمين فرضخ لهن «٣»، وقال عمير مولى أبي اللخم: «شهدت خيبر وأنا عبد مملوك، لما فتحها النبي ﷺ أعطاني سيفا، فقال:
تقلد هذا، وأعطاني من فرث المتاع ولم يضرب لي بسهم» «٤» .
وكان للشهداء نصيب من غنيمة الغزوة التي شاركوا فيها يعطى لذريتهم، فقد ضرب الرسول ﷺ لمن استشهد في بدر (٢ هـ) من الغنيمة؛ منهم سعد بن خيثمة ومن ذلك يقول ابنه عبد الله: «أخذنا سهم أبي الذي ضرب له رسول الله ﷺ حين قسم الغنائم، وحمله إلينا عويمر بن ساعدة» «٥»، وضرب الرسول ﷺ لرجلين قتل أحدهما ومات الاخر لكل منهما بسهم في غنائم بني قريظة (٥ هـ) «٦»، وأسهم لرجل من المسلمين قتل بخيبر «٧»، يقول الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ): «إن رسول الله ﷺ أسهم لرجل من المسلمين قتل بخيبر فاجتمعت أئمة الهدى على الإسهام لمن مات أو قتل» «٨» .
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ٣، ص ٩٤٤- ٩٤٨) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٩٠) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٦٨٨) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٤٢) (ابن إسحاق) . البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ١١٣) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٩٠، ٩١) (ابن إسحاق) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٤٢) (ابن إسحاق) . الرضخ، العطية القليلة وفي الحديث «أمرنا له برضخ» . انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٣، ص ١٩) .
(٤) أبو يوسف، الخراج (ص ١٩٨) . الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٦٨٤) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٠٢) .
(٦) م. ن (ج ٢، ص ٥٢١) (قالوا) . انظر: هاني (أبو الرب)، العطاء في صدر الإسلام، رسالة ما جستير، إشراف: عبد العزيز الدوري، الجامعة الأردنية، (١٩٨٥ م، ص ٢٥، ٢٦) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٦٨٤) (قالوا) .
(٨) الشافعي، الأم (ج ٧، ص ٣١٨) .
[ ١٥٤ ]
أما «النساء والصبيان» الذين يحضرون الغزوات فيساهمون في جلب الماء وإسعاف الجرحى، فكان يرضخ لهم من الغنيمة «١»، قالت امرأة من غفار: «شهدت مع رسول الله خيبر فرضخ لنا رسول الله ﷺ من الفيء، فأخذت هذه القلادة في عنقي فأعطانيها» «٢» .
وتعدّ «الجزية» موردا مهمّا من موارد بيت المال، وهي تتعلق بالأعباء المالية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي بوصفهم جميعا أبناء وطن واحد ينعمون به ويتحملون تبعاته.
اختلف في أول جزية أخذها الرسول ﷺ فذكر الزهري (ت ١٢٤ هـ) أن «أول من أعطى الجزية أهل نجران» «٣» وفي رواية للشعبي (ت ١٠٣ هـ) أن أول ما فرض الرسول ﷺ الخراج على أهل هجر «٤» .
وقد أخذت الجزية في السنة التاسعة بعد أن نزلت الاية الكريمة: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] «٥» وتشير المصادر إلى أن النبي ﷺ تجهز للقاء الروم في تبوك (٩ هـ) ولكنه لم يجد أحدا، فصالح أهلها على دفع الجزية «٦»، وقدم عليه- وهو في تبوك- يحنة بن روبة صاحب أيلة، فصالحه على دفع ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا، وكان عددهم يومئذ ثلاثمائة رجل «٧» .
وصالح النبي ﷺ «أهل أذرح» على مائة دينار في كل رجب، وصالح أهل
_________________
(١) مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، المدونة الكبرى، بغداد، مكتبة المثنى، طبعة بالأوفست، (١٣٢٣ هـ)، (ج ٢، ص ٦) . أبو يوسف، الخراج (ص ١٩٨) . الشافعي، الأم (ج ٤، ص ١٦٥) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٣٢- ٤٤٣) (ابن إسحاق) .
(٣) أبو عبيد، الأموال (ص ٤٦) .
(٤) أبو يوسف، الخراج (ص ١٢٩) .
(٥) انظر: الزمخشري، الكشاف (ج ٢، ص ٧٢) . ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، تفسير القران العظيم، القاهرة، دار الكتب العربية، د. ت (ج ٢، ص ٣٤٦، ٣٤٧) .
(٦) الواقدي، المغازي (ج ٣، ص ٩٩٠- ٩٩٢) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٢٥- ٥٢٨) . البلاذري، فتوح، (ص ٧٩، ٨٠) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٠٠) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٢٥) . البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ١١٩) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٦٨٢) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٨٢٠، ٨٢١) . البلاذري، فتوح (ص ٧٩) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٦٨) .
[ ١٥٥ ]
«جرباء» على الجزية «١» . وصالح أهل مقنا على ربع ثمارهم وكتب لهم النبي ﷺ كتابا بذلك «٢» . ثم جاء خالد بن الوليد بأكيدر الكندي ملك دومة الجندل أسيرا فحقن النبي ﷺ دمه، وصالحه على دفع الجزية «٣» .
وتذكر المصادر أن بعض وفود العرب جاءت إلى النبي ﷺ معلنة إسلامها، فأقرهم النبي ﷺ على ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم، ووجّه إليهم عماله يعلمونهم الإسلام، وكان النبي ﷺ يرسل إلى ولاته كتبا يفصل لهم فيها أحكام الجزية، ذكرت المصادر أن النبي ﷺ أرسل إلى معاذ بن جبل واليه على اليمن كتابا جاء فيه « ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتتن عنها، وعليه الجزية، وعلى كل حالم دينار واف أو قيمته من المعافر أو عوضه ثيابا» «٤» .
وصالح النبي ﷺ أهل تبالة وجرش، وجعل على كل حالم من أهلها دينارا، واشترط عليهم ضيافة المسلمين، وأقرهم على ما أسلموا عليه «٥» وفي السنة العاشرة جاء وفد نجران، فصالحهم النبي ﷺ على الجزية، وكانت تشمل ثيابا وسلاحا وضيافة «٦»، ودخل اليهود مع النصارى في الصلح، ولم يفرق بين العجم والعرب «٧»، يقول البخاري (ت ٢٥٦ هـ): إن النبي ﷺ صالح نصارى نجران على الجزية وفيهم عرب
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ٣، ص ١٠٣١) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٢٥) . أبو عبيد، الأموال (ص ٢٨٧، ٢٨٨) . البلاذري، فتوح (ص ٨٠) .
(٢) انظر: نص الكتاب في: الواقدي، المغازي (ج ٣، ص ١٠٣٢) . أبو عبيد، الأموال (ص ٢٨٧، ٢٨٨) . البلاذري، فتوح (ص ٨٠) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٣٣)، (ص ١٢٠) .
(٣) الواقدي، المغازي (ج ٣، ص ١٠٢٧) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٢٦) . البلاذري، فتوح (ص ٨٢) . أكيدر: هو أكيدر بن عبد الملك وهو من زعماء غسان، وكان نصرانيّا.
(٤) انظر نص المعاهدة في: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٨٩) . البلاذري، فتوح (ص ٩٢، ٩٣) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٠، ٨١) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٠) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص ٢٧٥) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٧٥٤) . ابن هشام، السيرة (ج ٢، ص ٥٨٨) . البلاذري، فتوح (ص ٧٩) . وانظر: محمد ضيف الله البطانية، في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية «الحياة الاقتصادية في صدر الإسلام» عمان، دار الفرقان، (١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م)، (ص ٢٠) .
(٦) انظر نص المعاهدة في: أبي يوسف، الخراج (ص ٧٢، ٧٣) . البلاذري، فتوح (ص ٨٧، ٨٨) . اليعقوبي، تاريخ (ص ٨٣٠) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٩٤)، (ص ١٧٥، ١٧٦) . بلغ ثمن الحلل المأخوذة من أهل نجران ما يقارب ٨٠٠٠٠ درهم في السنة، انظر: زكريا القضاة، بيت المال في عهد الرسول ﷺ (بحث غير منشور)، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م)، (ص ٢٧) .
(٧) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ١١٧)، (ج ٥، ص ٢١٧) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٣٩٢) .
[ ١٥٦ ]
وعجم، وصالح أهل اليمن وفيهم عرب وعجم «١»، ويذكر يحيى بن ادم (ت ٢٠٣ هـ) كتب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) وفيها التأكيد على فريضة الجزية على جميع أهل الكتاب ممن يقيمون في هذه البلاد «٢» .
وذكرت المصادر أن النبي ﷺ أرسل العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية «٣»، فصالح أهلها من مجوس هجر والبحرين واليمن، وعاملهم معاملة أهل الكتاب «٤»، قال أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ): «إن رسول الله ﷺ قد قبل من مجوس أهل البحرين الجزية وأقرّهم على مجوسيتهم» «٥»، «كما فرض الجزية دينارا أو قيمته من المغافر على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن رجلا كان أو امرأة»» .
ويلاحظ أن القران لم يشرع تشريعا مفصلا في الجزية، وأن ما اتخذ من إجراات عملية كانت عبارة عن مجموعة تدابير تتصف بالمرونة وبمراعاة مقتضى الحال، فقد راعى طريقة خضوع البلاد بالقوة أو الصلح، ولاحظ حالتهم المعيشية «٧» وقدرتهم المالية، والمحصول أو الصناعة التي اشتهروا بها.
ذكر ابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) أن أموال الجزية كانت ترد على العاصمة، فيقوم النبي ﷺ بتوزيعها على مستحقيها «٨» وذكرت الروايات أن أبا عبيده بن الجراح أتى بمال من البحرين، فوضعه في المسجد حتى وزعه النبي ﷺ «٩» .
وتعدّ «الزكاة» من أهم موارد بيت مال المسلمين، فرضت في السنة الثانية من الهجرة لتكون أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد قرنت في القران الكريم بالصلاة «١٠» .
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ١١٧)، (ج ٥، ص ٢١٧) . قدامة، الخراج (ص ٢٧٣) .
(٢) يحيى بن ادم، الخراج (ص ٧٢- ٧٣) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٥، ٥٩٦) .
(٣) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٣) . البلاذري، فتوح (ص ٩٧) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨٢) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص ٢٧٨) .
(٤) الشافعي، الأم (ج ٤، ص ١٧٣) . أبو عبيد، الأموال (ص ٤٤- ٤٦) . وابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٣) . البلاذري، فتوح (ص ٩٧) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص ٢٧٥) .
(٥) أبو يوسف، الخراج (ص ١٥) .
(٦) أبو عبيد، الأموال (ص ٣٨- ٥٢) .
(٧) الدوري، نظم (ص ٩٩) .
(٨) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ١١٩) .
(٩) أبو عبيد، الأموال (ص ٤٦) .
(١٠) انظر: سورة البقرة: (الايات: ٤٣، ٨٣، ١١٠، ١٧٧، ٢٧٧) . وسورة النساء: (الايات: ٧٧، ١٦٢) . وسورة المائدة: (الايات ١٢- ٥٥) . وسورة الأعراف: (الاية: ١٥٦) .
[ ١٥٧ ]
ويكفي الاطلاع على مصادر الحديث لمعرفة مدى اهتمام الإسلام بهذا الركن الاجتماعي البارز، فحذر النبي ﷺ من منعها، وحث على أدائها؛ تطهيرا للنفس من الشح والبخل، وإعانة للمحتاجين والفقراء «١» .
إن البحث في التراتيب الإدارية التي اتبعها النبي ﷺ في جمع الزكاة وحفظها وإنفاقها، يظهر أنه قد أنشأ جهازا إداريّا كبيرا لجمع الزكاة وصرفها، وكان ينفق على هؤلاء من واردات الزكاة ذاتها «٢»، وتشير الاية الكريمة إلى ذلك: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ [التوبة: ٦٠] .
لقد قام النبي ﷺ بتدريب عماله على الصدقات حتى أصبحوا مثالا للنزاهة والشرف والأخلاق في العمل «٣»، وكان النبي ﷺ يزودهم بتوجيهاته وتعليماته، فيذكر ابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) ما جاء في كتابه إلى معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) وهو في اليمن حيث جاء فيه: « إن الله فرض عليكم من أموالكم صدقة فإن أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ولا ستر» «٤»، وكتب النبي ﷺ مجموعة من الكتب إلى قبائل العرب بيّن فيها فرائض الصدقة وشروطها «٥» .
ويلاحظ أن تحصيل وتوزيع الزكاة تطلّب من الدولة دقة اختيار العاملين بحيث تتوافر فيهم خشية الله ويقظة الضمير وحسن السيرة؛ ولذلك قال النبي ﷺ معظّما شأن هذه الوظيفة: «العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله» «٦» .
ذكرت لنا المصادر عددا كبيرا من «عمال الصدقات» الذين بعثهم النبي ﷺ إلى الجهات المختلفة من الدولة، فبعث المهاجر بن أبي أمية (ت ١٢ هـ) إلى صنعاء «٧»، وزياد ابن لبيد الأنصاري (ت ٤١ هـ) إلى حضرموت «٨»، وعدي بن حاتم (ت ٦٧ هـ) إلى
_________________
(١) انظر: البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٣٠- ١٣٣) . مسلم، صحيح (ج ٢، ص ٦٨٠- ٦٨٥) . النسائي، السنن (ج ٥، ص ٦٦، ٦٧، ٧٥، ٧٨) .
(٢) القضاة، بيت المال (ص ٣٥) .
(٣) العدوي، نظم (ص ١٩٣، ١٩٤) .
(٤) أبو عبيد، الأموال (ص ٥٥١، ٥٥٢) .
(٥) انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٣- ٢٦٥، ٢٧٠) .
(٦) أحمد، المسند (ج ٣، ص ٤٦٥) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٤٩) . ابن ماجه، السنن (ج ١، ص ٥٧٨) . الترمذي، الصحيح (ج ٣، ص ١٤٤) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٣٠١)
(٨) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . فتوح (ص ٩٣) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٧٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٤٧) .
[ ١٥٨ ]
قبيلة طيّئ «١»، وعمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) إلى عمان حيث تقطن قبيلة أزد «٢»، وخالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) إلى مراد ومذحج «٣»، وعلي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) إلى نجران على الصدقات والجزية «٤» ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) إلى اليمن على الصدقات والجزية «٥» وعمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) إلى نجران على الصدقات والأخماس «٦» وفي رواية للبلاذري (ت ٢٧٩ هـ) أن النبي ﷺ بعث أبا سفيان بن حرب (ت ٣٢ هـ) إلى نجران «٧»، فربما كان ذلك في سنة تالية لبعث عمرو بن حزم، وبعث مالك بن نويرة (ت ١٢ هـ) على صدقات بني حنظلة «٨»، وفرّق صدقات بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر (ت ٤٥ هـ) على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية أخرى «٩»، وبعث ابن اللتبية- رجلا من بني أسد- إلى بني سليم «١٠»، وأبا موسى الأشعري (ت ٤٣ هـ) على صدقات عدن والساحل «١١»، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى البحرين على الصدقات والجزية «١٢» وقد بعث العلاء إلى النبي ﷺ ثمانين ألفا ما أتاه أكثر من قبل ولا بعد «١٣»، وأبان بن سعيد (ت ١٥ هـ) على البحرين بعد العلاء «١٤» وعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) على صدقات كلب «١٥»، وعتبة
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣٢٢) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٧٦) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ٣٠١) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) .
(٤) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٧٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٤٧) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . أبو عبيد، الأموال (ص ٥٥١، ٥٥٢) . البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٥٨) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٨١) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢١) .
(٦) البلاذري، فتوح (ص ٩٥) .
(٧) م. ن (ص ٩٤) . وانظر: ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ٣٠١) .
(٨) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٤٧) . ابن حزم، جوامع (ص ٢٤، ٢٥) .
(٩) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٧٦) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٤٧) .
(١٠) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٦٠) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ٢١٨) .
(١١) البلاذري، فتوح (ص ٩٣، ٩٤) . المقريزي، إمتاع (ص ٥٠٩، ٥١٠) .
(١٢) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) . البلاذري، فتوح (ص ١٠٧- ١١١) .
(١٣) البلاذري، فتوح (ص ١٠٧، ١١١) .
(١٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٠) .
(١٥) خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣) .
[ ١٥٩ ]
ابن حصن على صدقات فزارة «١»، والوليد بن عقبة (ت ٦١ هـ) على صدقات بني المصطلق «٢»، والحارث بن عوف على بني مرة «٣»، ومسعود بن رحيلة على أشجع وبني عبد الله بن غطفان وبني عبس «٤» والأعجم بن سفيان البلوي على عذرة وسلامان وبلى من جهينة»
، وقيس بن عاصم المنقريّ على قضاعة وبطون أسد وغطفان بن صعصعة «٦»، وعباس بن مرداس (ت ١٨ هـ) على بني سليم «٧» وعجز هوازن جشم ونصر وثقيف وسعد بن بكر «٨»، وحذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) على صدقات أزد دباء فيما بين عمان والبحرين «٩» .
ويلاحظ من خلال جريدة الأسماء التي أوردتها المصادر مقدار حجم هذا الجهاز (العاملين عليها) الذي كان يقوم بجمع الأموال المستحقة على أموال المسلمين، ويلاحظ أيضا أن ولاية الصدقات قد تجمع لشخص واحد، مثل عمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) على البحرين «١٠»، أو تجميع ولاية الصدقات والجزية لشخص واحد مثل علي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) «١١»، أو أن الوالي نفسه يقوم بجمع الصدقات وإرسالها إلى النبي ﷺ مثل أبي موسى الأشعري (ت ٤٣ هـ)، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) وغيرهم «١٢» .
لقد كان عامل الصدقات يؤدي مهمته مرة في السنة لفترة معينة إلا أن يكون مستقرّا في المنطقة التي أرسل إليها لكونه واليا عليها أو زعيما من زعماء القبائل فكان يجمع بين وظيفتين في ان واحد «١٣» .
وينتظر من عامل الصدقة أن يقوم بجمع المبالغ المستحقة على أموال الأغنياء وتوزيعها على المستحقين (الأصناف الثمانية المذكورة في اية الصدقات) في منطقة عمله أولا،
_________________
(١) م. ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٢) م. ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٤، ص ١٥٥٣) .
(٣) خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٤) م. ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٥) م. ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٦) م. ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٧) م، ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٨) م. ن (ج ١، ص ٦٣، ٦٤) .
(٩) ابن سعد، الطبقات (ج ٧، ص ١٠١) .
(١٠) البلاذري، فتوح (ص ٩٥) .
(١١) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٥٨) . اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٧٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢١، ١٤٧) .
(١٢) البلاذري، فتوح (ص ٩٤) .
(١٣) القضاة، بيت المال (ص ٣٦) .
[ ١٦٠ ]
وهذا واضح من كتاب النبي ﷺ إلى ملوك حمير، إذ جاء فيه «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاله، إنما هي زكاة تزكون بها أموالكم، هي لفقراء المسلمين والمؤمنين» «١»، وفي كتابه إلى معاذ قال له: «فإن أجابوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» «٢» .
أمّا ما زاد عن الحاجة في منطقة والي الصدقة فكان يبعث به إلى الرسول ﷺ في المدينة ليتم توزيعه على من يأتي من ذوي الحاجة، وكان النبي ﷺ في بعض الأحيان يبعث إلى عمّاله ليمدوه بالمال اللازم لمواجهة مشكلة طارئة أو حاجة ملحة «٣»، فقد كتب إلى العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) «أما بعد: فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوي من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة» «٤»، وكان الرسول ﷺ قد كتب إلى المنذر بن ساوى (ت ١١ هـ): « أما بعد: فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة فادفع لهما ما اجتمع عندك من جزية» «٥» .
وكانت طريقة تحصيل الزكاة تتم بدفع مبلغ الزكاة إلى عامل الصدقة عندما يمر عليهم، وكانت طريقة الإقرار المباشر هي الوسيلة الأولى المتبعة في تقدير الزكاة من قبل عامل الصدقة، من توجيهات النبي ﷺ في هذا الشأن «إن حقّا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به ويخبروه بأموالهم كلها، ولا يخفوا عنه شيئا فإن عدل فسبيل ذلك، وإن كان غير ذلك واعتدى لم يضر إلا نفسه» «٦» . وفي هذا توجيه إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين المزكين والعاملين على الصدقة القائمة على الود والحب، لا التوتر والكراهية.
واتبع جباة الرسول ﷺ في تحصيلهم للزكاة طريقة «التقدير الجزافي» وهو ما عرف باسم «الخرص أو التخمين» «٧» وهذا يتم في حالة تقدير محصول الثمار، لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة، ولقد أحاط الإسلام عملية الخرص بضوابط تحفظ حق الزكاة ولا تجحف بالمزكين، يشعر بذلك قول النبي ﷺ: «خففوا الخرص فإن في المال
_________________
(١) البلاذري، فتوح (ص ٩٤) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٥٩) .
(٣) القضاة، بيت المال (ص ٣٧) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٣) .
(٥) م. ن (ج ١، ص ٢٦٣) .
(٦) أبو عبيد، الأموال (ص ٥٥٨) .
(٧) الخرص: حزر ما على النخيل من الرطب تمرا، وكان النبي ﷺ يبعث الخراص على نخيل خيبر عند إدراك ثمرها فيحزرونه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٧، ص ٢١) .
[ ١٦١ ]
الوصية والعرية والواطئة والنائبة» «١» .
وكان النبي ﷺ ينفق من مال الصدقة على الأعراب لسدّ حاجاتهم، وحمل الدماء عنهم، وهذا ضمن الأصناف الثمانية التي ذكرتهم الاية وَالْغارِمِينَ
[التوبة: ٦٠] «٢» وذكر أبو عبيد (ت ٢٢٤ هـ) قول قبيصة بن المخارق: «أنه جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله أن يعينه في حمالة (الدية)، فقال رسول الله ﷺ: أقم حتى تأتينا الصدقة، فإما أن نعينك، وإما أن نحملها عنك» «٣»، ويعقب أبو عبيد على ذلك بقوله: «قبيصة من أهل نجد وليس من أهل الحاضرة، ولا ممن هاجر إلى المدينة، فرأى له رسول الله ﷺ عن حمل الدماء، لإصلاح الفتق حقّا من مال الصدقة» «٤» .
لم يلجأ النبي ﷺ إلى فرض ضرائب إضافية- بأي شكل من الأشكال- بل كان يدعو إلى التبرع كلما احتاجت الدولة إلى ذلك، وتذكر المصادر أن النبي ﷺ حذر من إرهاق الرعية بالضرائب، فقال: «لا يدخل الجنّة صاحب مكس» «٥»، وقال: «إن صاحب المكس في النار» «٦»، وقال: «إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه» «٧» أما «الخراج» - أي ضريبة الأرض- فقد وردت في معاجم اللغة بمعنى الإتاوة والجزية والمال المفروض على الأرض «٨»، والخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد والأمة «٩»، وقال الزجاج (ت ٣١١ هـ): «الخراج:
الفيء، والخراج: الضريبة والجزية، وقيل للضريبة التي فرضت على رقاب أهل الذمة:
«خراج» «١٠» وجاء الخراج بمعنى الكراء والأجر والثواب» «١١» .
وأما المدلول الاصطلاحي لكلمة «خراج» فلا يخرج من المدلول اللغوي، إذ
_________________
(١) الوصية: ما يوصي به أربابها، العرية: ما يعرى للصلات، الواطئة: ما تأكله السابلة منهم، النائبة: ما ينوب صاحبها من الحوائج. انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية (ص ١١٧) .
(٢) راجع سورة التوبة (اية: ٦٠) .
(٣) أبو عبيد، الأموال (ص ٣٢٨) .
(٤) م. ن (ص ٣٢٩) .
(٥) أبو عبيد، الأموال (ص ٧٠٤، ٧٠٥) . أحمد، المسند (ج ٤، ص ١٤٣، ١٥٠) الدارمي، السنن (ج ١، ص ٣٩٣) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٣٤٩) .
(٦) أبو عبيد، الأموال (ص ٧٠٤، ٧٠٥) . أحمد، المسند (ج ٤، ص ١٠٩) .
(٧) أبو عبيد، الأموال (ص ٧٠٤، ٧٠٥) . أحمد، المسند (ج ٤، ص ٢٢٤) .
(٨) الفيروز أبادي، القاموس (ج ١، ص ١٩١) . ابن منظور، اللسان (ج ٢، ص ٢٥١، ٢٥٢) .
(٩) المصادر والصفحات نفسها.
(١٠) المصادر والصفحات نفسها.
(١١) أبو عبيد، الأموال (ص ٢٦٨) . الماوردي، الأحكام (ص ١٤٢) .
[ ١٦٢ ]
جاءت على ألسنة الفقهاء، بمعنى الفيء، من ذلك قول أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ):
«فأمّا الفيء يا أمير المؤمنين فهو الخراج عندنا، أي خراج الأرض» «١» ووردت في مكان اخر بمعنى جزية الرأس «٢» .
ويعد ما فعله النبي ﷺ بأهل خيبر هو الخراج بمفهومه العام؛ إذ إن المصطلح لم يكن شائعا بمعناه المعروف فيما بعد. والخراج بمعناه الاصطلاحي لم يعرف إلا في زمن عمر بن الخطاب «٣»، إلا أن الضريبة التي أطلق عليها عمر اسم «الخراج» أخذها الرسول ﷺ من أهل الذمة قبل نزول اية الجزية، وقبل فرض عمر بن الخطاب لها في سواد العراق، وأن هذا الاضطراب في فهم هذه المسألة مرجعه إلى كثرة الاراء الفقهية التي ظهرت حول أنواع الضرائب، وأنواع الأراضي ما بين خراجية وعشرية إلى غير ذلك «٤» .
_________________
(١) أبو يوسف، الخراج (ص ٢٣) .
(٢) الماوردي، أحكام. وانظر: صالح درادكة، الجزية والخراج في صدر الإسلام، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م) . (بحث غير منشور) (ص ١١، ١٢) .
(٣) انظر: عبد العزيز الدوري، نظام الضرائب في صدر الإسلام، مجلة مجمع اللغة العربية، دمشق، (١٩٧٤ م)، مجلد (٤٩)، (ج ٢، ص ٤٤- ٦٠) .
(٤) درادكة، الجزية والخراج (ص ١٩، ٢٠) .
[ ١٦٣ ]
الفصل الرابع الإدارة المالية