كانت إدارة الصلاة في عصر الرسول ﷺ على رأس سلّم الأولويات وتتضمن اختيار الأئمة والمؤذنين، والمحافظة على أوقات الصلاة وأدائها، والمساجد وادابها ونظافتها.
كان النبي ﷺ يؤم المسلمين في المدينة، وعندما مرض النبي ﷺ وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» «١» ومع أن عائشة حاولت أن تصرف الأمر عن أبيها؛ لأنه ضعيف الصوت رقيق القلب، إلا أن النبي ﷺ أصرّ على ذلك قائلا: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» «٢»، ويدل هذا النص على أن إمامة المسلمين في الصلاة تتجاوز المعنى العبادي إلى المعنى السياسي في إمامة المسلمين بشكل عام، ويتضح ذلك من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ): «استدل الصحابة في شأن أبي بكر باستخلافه في الصلاة على استخلافه في السياسة في قولهم: ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس» «٣» .
ويفترض في من يتولى هذه المهمة (إمامة الصلاة) أن يكون من القارئين لكتاب الله المتفقهين في أحكامه، الورعين الوجلين في قيامهم بين يدي الله، ويتضح هذا من قول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «٤»، ويشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ):
«إلى أن المهاجرين لمّا قدموا إلى المدينة قبل مقدم رسول الله إليها نزلوا فيها، فكان سالم مولى أبي حذيفة (ت ١٢ هـ) يؤمهم؛ لأنه أكثرهم قرانا وفيهم عمر وأبو سلمة بن عبد الأسد» «٥» .
وأشار ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: «ينبغي على الإمام أن يولي الصلاة رجلا قارئا للقران، حافظا له، عالما بأحكام الصلاة والطهارة، فاضلا في دينه خطيبا
_________________
(١) أحمد، المسند (ج ٤، ص ٤١٢، ٤١٣) . البخاري، الصحيح (ج ١، ص ١٦٩، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤) . مسلم بشرح النووي (ج ٤، ص ١٣٧، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٤) . النّسائي، السنن (ج ٢، ص ٧٥) . الترمذي، الصحيح (ج ١٣، ص ١٣٥) .
(٢) المصادر والصفحات نفسها.
(٣) ابن خالدون، المقدمة (ص ٢١٩) .
(٤) مسلم بشرح النووي (ج ٥، ص ١٧٢، ١٧٤) . أبو داود، السنن (ج ١، ص ١٥٩) .
(٥) البلاذري، أنساب (ج ١٠، ص ٢٥٨) .
[ ١١٢ ]
فصيحا معربا» «١» .
أما في الأمصار فكان يتولى إمامة الصلاة الولاة، وقد أشار الكتاني إلى ذلك بقوله:
«ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه.
ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن منهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة، وقدم للصلاة من ترضى حالته للإمامة، سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم» «٢» .
ويقوم من يلي هذا الأمر بإقامة الصلوات جميعا، يتضح هذا من قول المالقي (ت ٧٨٣ هـ): « تكون له الجمعة والعيدان، والصلوات الخمس المفروضات والكسوف والاستسقاء في جميع البلدة التي ولي صلاتها» «٣» .
لقد كان الولاة يؤمون الناس في الصلاة في حواضر الأمصار، أما بقية المساجد فيقوم أهل البلدة بتعيين من يتولّى ذلك، ويتضح هذا من إشارة ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ):
«إن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهورة، فأمرها راجع للخليفة، ومساجد محلّة قوم فأمرها راجع إلى الجيران ولا تحتاج إلى نظر خليفة أو سلطان» «٤» .
ومن الوظائف التي تتبع ولاية الصلاة (وظيفة المؤذن) وهو الذي يدعو الناس إلى الصلاة باللفظ المعروف، وقام بذلك في عهد رسول الله ﷺ عدة أشخاص «٥»، فكان بلال بن رباح (ت ٢٠ هـ) يؤذن للنبي ﷺ في مسجد المدينة وفي الأسفار «٦»، وأذن ابن أم مكتوم أذان الإمساك في رمضان «٧»، وأذن أبو محذورة أوس بن معير (ت ٥٩ هـ) للرسول في المسجد الحرام بعد الفتح (٨ هـ) «٨» .
ويفترض في من يتولى المهمة أن يكون ندي الصوت، متقنا لحركات الأذان،
_________________
(١) المالقي، الشهب اللامعة (ص ٣٢٢) .
(٢) الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٩٣) .
(٣) المالقي، الشهب اللامعة (ص ٣٢٢) .
(٤) ابن خالدون، المقدمة (ص ٢١٩) .
(٥) منهم بلال بن رباح، وعبد الله بن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد بن عائذ القرظ، وعثمان بن عفان، وثوبان مولى رسول الله ﷺ وسمرة بن مغير، وزياد بن الحارث الصدائي. انظر: البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٦- ٥٢٨) . مسلم بشرح النووي (ج ٤، ص ٨٢، ٨٣) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٥٠٩) . مسلم بشرح النووي (ج ٤، ص ٨٢، ٨٣) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٦) .
(٧) مسلم بشرح النووي (ج ٤، ص ٨٢) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٦) .
(٨) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٦) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٤، ص ١٧٥٢) (الواقدي) .
[ ١١٣ ]
جهوريّ الصوت. ذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) «أنّ أبا محذورة كان أحسن الناس أذانا، وأنداهم صوتا، وكان يرفع صوته بالأذان حتى قال له عمر: كدت أن ينشق مريطاؤك» «١»، وكان سعد بن عائذ القرظ يتولى مهمة الأذان في مسجد قباء «٢»، ويشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) إلى: «أن عثمان بن عفان كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ عند المنبر أي يوم الجمعة» «٣» .
كان من واجبات المؤذن أن يحفظ أوقات الصلاة، ثم يرفع الأذان في وقته، ويتضح هذا مما رواه مسلم (ت ٢٦١ هـ) من قول النبي ﷺ لبلال بن رباح وهو عائد من خيبر (٧ هـ): «أكلأ لنا الصبح» «٤»، وكان النبي ﷺ يرشد هؤلاء إلى أوقات الصلاة، ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق (ت ٢١١ هـ) في مصنفه من قول ثوبان مولى النبي ﷺ:
أذنت مرة، فدخلت على النبي ﷺ فقلت: قد أذنت يا رسول الله، فقال: «لا تؤذن حتى تصبح»، ثم جئته أيضا فقلت: قد أذنت، فقال: «لا تؤذن حتى تراه هكذا»، وجمع بين يديه ثم فرّقها «٥» .
أما بالنسبة إلى رواتب هؤلاء المؤذنين فلم تسعفنا المصادر- التي بين أيدينا- في معرفة ما إذا كانوا يقومون بهذا الأمر تطوعا، أم يتقاضون أجرا كما هو الحال بالنسبة إلى الوظائف الاخرى.
وكان يقوم على تنظيف المساجد أناس متطوعون، فيروي الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) أن امرأة سوداء كانت تنظف المسجد في عهد الرسول ﷺ فلما ماتت قام النبي ﷺ على قبرها، وذلك تقديرا واحتراما لها «٦»، ويشير ابن حجر (ت ٨٥٤ هـ) إلى: «أن تميم الداري وفد مع مولى له يقال له «فتح» إلى مسجد رسول الله ﷺ وأنه أسرج فيه بالقنديل والزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا
_________________
(١) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٤، ص ١٧٥٢) . مريطاؤك: هي ما بين السرة إلى العانة. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٧، ص ٤٠١) .
(٢) الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ١١٦، ١١٧) .
(٣) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٢٦) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٧٦) .
(٤) مسلم بشرح النووي (ج ٥، ص ١٨٢) . أبو داود، السنن (ج ١، ص ٣٠٢) . ابن ماجه، السنن (ج ١، ص ٢٢٧) .
(٥) عبد الرزاق، المصنف (ج ١، ص ٤٩١) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٧٦) .
(٦) مسلم بشرح النووي (ج ٧، ص ٢٥، ٢٦) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ١٢٦) .
[ ١١٤ ]
بسعف النخل، فقال رسول الله ﷺ: «من أسرج مسجدنا؟»، فقال تميم: غلامي هذا، فقال: «ما اسمه؟» قال: فتح، فقال النبي ﷺ: «بل اسمه سراج» «١» .
وعلى كل حال فإن هذه الوظائف لم تكن ثابتة لأشخاص بأعينهم، بل كان يقوم المسلمون بها ابتغاء الأجر والثواب، وأصبحت في عهود لاحقة وظائف ثابتة لخدمة المسجد، وكنسه، وتنظيفه، وبسط حصره، وتسوية حصاه إن كان مبسوطا بالحصى «٢» .
أما «إدارة الحج» فاقتضت أن يقوم النبي ﷺ أو من ينوب عنه بإقامة الحج للناس، فيقوم بأداء مناسك الحج، ثم يتبعه الناس، وقد كانت مناسك الحج قبل الإسلام وظائف مقسمة بين بطون مكة وأفخاذها، ولما فتح النبي ﷺ مكة سنة (٨ هـ) . ولّى على الحج عتاب بن أسيد أميره على مكة ليقيم الحج للناس، وذلك على ما كانت العرب تحج عليه «٣» .
وفي السنة التاسعة أرسل النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس (أميرا على الحج)، وكان الناس مؤمنهم وكافرهم يحجون معا، حتى نزلت سورة براءة، فبعث النبي ﷺ عليّا إلى الموسم كي يبلغ الناس أحكام هذه السورة، ومنها ألّا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك أبدا «٤»، فيقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] «٥» .
وفي السنة العاشرة حج النبي ﷺ بالناس حجة الوداع وكانت فيها الخطبة المشهورة التي يبين النبي ﷺ فيها كثيرا من الأحكام النهائية، وأبلغهم أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأشهد الناس على ذلك «٦» .
وكان أمير الحج يقوم بمهمات متعددة، فهو الذي يجمع الناس، ويشرف على شؤونهم، ويصلح بين الخصوم، ويلزمه أن يقوم بجميع مناسك الحج، لتقتدي به
_________________
(١) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٨٤) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ١١٨- ١٢٣) .
(٢) المالقي، الشهب اللامعة (ص ٣٢٢) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٠٠) . ابن حبيب، المحبّر (ص ١١، ١٢) .
(٤) انظر: البخاري، الصحيح (ج ٧، ص ٨٠، ٨١) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٢، ١٢٣) (الواقدي) .
(٥) انظر: الطبري، تفسير (ج ١٤، ص ١٩٠- ١٩٨) . القرطبي، الجامع (ص ٨، ١٠٤، ١٠٦) . والسيوطي، الدر المنثور (ج ٤، ص ١٦٤، ١٦٥) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٣، ٦٠٤) . وابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٧٢) . وابن حبيب المحبر (ص ١٢) .
[ ١١٥ ]
الناس، فقد قال النبي ﷺ في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم» «١»، ويفترض فيه أن يكون خطيبا، فقد خطب النبي ﷺ بالناس في خطبته التي اشتهرت «بخطبة حجة الوداع» «٢»، وكان النبي ﷺ يجلس في البيت الحرام لاستقبال المسلمين من جميع أمصار الدولة للرد على استفساراتهم، والاستماع إلى شكاياتهم، ويتضح هذا من قصة «الزبية» التي اختلف فيها أهل اليمن، فقضى بينهم علي بن أبى طالب (استشهد ٣٩ هـ) .
حتى جاؤوا إلى الحج (١٠ هـ) فعرضوا الأمر على الرسول ﷺ فاستمع إليهم وقضى بينهم «٣» .
وكانت «السقاية» من الوظائف التابعة للحج، وبقيت هذه الوظيفة- كما كانت في الجاهلية- للعباس بن عبد المطلب (ت ٣٢ هـ)، ويتضح هذا من رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) أن النبي ﷺ مرّ على بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال:
«انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوه فشرب» «٤»، وكذلك وظيفة «العمارة» وهي المحافظة على البيت، والاحتفاظ بمفاتيح الكعبة، وبقيت- كما كانت في الجاهلية- لعثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار (ت ٣٢ هـ)، وقد دفع النبي ﷺ مفاتيح الكعبة إلى عثمان قائلا: «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» «٥» .
وهاتان الوظيفتان الوحيدتان اللتان أبقاهما الإسلام من وظائف مكة قبل الإسلام، ويشير إلى ذلك الطبري (ت ٣١٠ هـ) بقوله: «قال النبي ﷺ يوم الفتح: ألا كلّ مأثرة أو دم يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج » «٦» .
_________________
(١) أحمد، المسند (ج ٣، ص ٣٠١، ٣٣٢، ٣٦٧) . الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٦٦، ٦٧) . أبو داود، السنن (ج ٢، ص ٤٨٩) . النّسائي، السنن (ج ٥، ص ٢٤٧، ٢٤٨) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٣، ٦٠٤) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٧٢) . ابن حبيب، المحبر (ص ١٢) .
(٣) وكيع محمد بن خلف حبان (ت ٣٠٦ هـ)، أخبار القضاة، تحقيق عبد العزيز مصطفى المراغي (ط ١) القاهرة، مطبعة الاستقامة، (١٣٦٩ هـ، ١٩٥٠ م)، (ج ١، ص ٩٥- ٩٧) .
(٤) مسلم بشرح النووي (ج ٨، ص ١٩٤) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ١١٣) .
(٥) الذهبي، تاريخ (ج ١، ص ٤٦٠) . ابن تيمية، السياسة الشرعية (ص ٤، ٥) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ١١٠) .
(٦) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٦١) (ابن إسحاق) .
[ ١١٦ ]
أما إدارة «الصوم» فهي غير معقدة، ويقوم ولي الأمر بتحديد بدء الشهر القمري ونهايته. وقد حدد النبي ﷺ بداية شهر الصوم ونهايته فقال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» «١» وحدد الفقهاء شرطا للرؤيا أن يكون ذلك من قبل شخصين عدلين يصح الصيام والإفطار برؤيتها «٢»، وعليه أيضا معاقبة المخالفين لأحكام الصيام والمنتهكين لحرمته.
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٣٤، ٣٥) . مسلم بشرح النووي (ج ٧، ص ١٨٩، ١٩٠) . النّسائي، السنن (ج ٤، ص ١٣٣) . ابن ماجه، السنن (ج ١، ص ٥٢٩، ٥٣٠) .
(٢) الشافعي، الأم (ج ٢، ص ٩٤) . ابن قدامة، المغني (ج ٣، ص ٩، ١٠) .
[ ١١٧ ]
الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة