لقد كان من مهام «الإدارة النبوية» توفير الخدمات المساعدة للمقاتلة حتى يستطيع هؤلاء أن يقوموا بمهماتهم على أكمل وجه، وقد استخدم النبي هذه الخدمات بتنظيم وفعالية عالية.
فاستخدم النبي ﷺ: «الأدلاء» لتوفير المعلومات اللازمة عن طبيعة الأرض التي سيقاتل عليها، ففي غزوة غطفان استخدم جبار الثعلبي «١»، وفي أحد استخدم أبو خيثمة الحارثي (ت ٣٠ هـ) «٢» ويقال: أوس بن قبطي أو محيصة بن مسعود الأنصاري «٣»، وكان الدليل إلى حمراء الأسد ثابت بن قيس (ت ٤٥ هـ) من الخزرج «٤»، في حين اتخذ النبي ﷺ دليلا من بني عذرة في غزوة دومة الجندل رجلا يقال له مذكور «٥»، وكان دليلهم في غزوة خيبر حسيل بن نويرة الأشجعي «٦»، كما كان الدليل في تبوك (سنة ٩ هـ) علقمة الخزاعي «٧» .
ويلاحظ أن قادة الرسول ﷺ وأمراءه استخدموا «الأدلاء» وقد اتخذ أبو سلمة بن عبد الأسدي «الأدلاء» في سريته إلى طليحة الأسدي «٨» كما أوصى النبي ﷺ أسامة
_________________
(١) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٢٢٠) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٤٤٩) . عواد، الجيش والقتال (ص ١١٨) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢١٨) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٩) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ١٤) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١١٩) .
(٣) ابن حزم، جوامع (ص ١٥٧، ١٥٨) . ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٨٧)، (ج ٣، ص ٣٨٨) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١١٩) . عواد، الجيش والقتال (ص ١١٩) .
(٤) ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ١١٢)، (ج ٢، ص ٥٤) . ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٩٣) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٣٤٩) . عواد، الجيش والقتال (ص ١١٨) .
(٥) ابن القيم، زاد (ج ٢، ص ١١٢) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ٩٢) . ابن حجر، الإصابة (ج ٣، ص ٣٦٩) . الذهبي، تاريخ (ج ١، ص ١، ٢٢٩) . عواد، الجيش والقتال (ص ١١٩) .
(٦) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٩٩) . ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٣٣٣) . الديار، بكري حسين بن محمد ابن الحسن (ت ٦١٩ هـ)، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس (ط ١) (١٣٠٢ هـ)، (ج ٢، ص ٤٨) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٤٩) .
(٧) ابن القيم، زاد (ج ٢، ص ١١٢) . ابن كثير البداية والنهاية (ج ٤، ص ٩٢) . الذهبي، تاريخ (ج ١، ق ١، ص ٢٢٩) . عواد، الجيش والقتال (ص ١١٩) .
(٨) ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ٦٢) .
[ ١٩٣ ]
ابن زيد عندما وجهه في غزوة للشام فقال له: «.. وخذ معك الأدلاء» «١» .
لقد كان هؤلاء الأدلاء يقومون بدور كبير في توفير المعلومات، وتحديد مسير الجيش، ومعرفة أماكن الكلاء، فذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن الرسول ﷺ عندما علم بخبر اجتماع قريش له في أثناء مسيره إلى الحديبية (سنة ٦ هـ) سأل أصحابه:
«من رجل يخرج بنا عن طريقهم التي هم فيها» «٢» .
ولقد أفاد النبي ﷺ من بعض المتعاونين من الأعداء، فاتخذهم أدلاء له مقابل فوائد يأخذونها، فقد استخدم حسيل بن نويرة الأشجعي دليلا له إلى خيبر مقابل إعطائه عشرين صاعا من التمر «٣»، واستخدم أبا سلمة بن عبد الأسدي دليلا من بني أسد وأعطاه نصيبا من المغنم»
، كما تكرر هذا في مسيرة العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى الخط على الساحل حيث جاء نصراني ودله على مخاضة يعبر منها إلى مقصده، واشترط أن يعطى مقابل ذلك أهل بيت هناك «٥» .
وكان وظيفة «الحاشر» وظيفة أخرى مساعدة، وهو شخص يرافق المقاتلة إلى جهات القتال، وتكون مهمته حشر الجند. يقول الشيباني (ت ١٨٩ هـ): واستعملوا حاشرا لئلّا يتخلفوا عن اللحق بأول الجيش» «٦» . وهذه الوظيفة ذات أهمية كبيرة ولا سيما عندما يكون عدد الجند كبيرا.
قام النبي ﷺ بدور «الحاشر» في بعض الغزوات، فكان في أثناء سيره مع المقاتلة يتقدم مرة ويتأخرة مرة «لينظر في أمورهم، فيساعد الجند المتأخر، ويردف الراجل، ويعفي الضعيف» «٧» ولذا قال الهرثمي (ت ٢٣٤ هـ): «ليكن خلف ساقتك رجل جلد في قوة من أصحابه، يحشر الجند إليك، ويلحقهم بك، ولا يرضى لأحد منهم
_________________
(١) ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٣٥٥) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص ١١٩) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٠٩) (ابن إسحاق) .
(٣) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٢٣) (ابن إسحاق) . ابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٣٣٦) الديار بكري، تاريخ الخميس (ج ١٢، ص ٤٨) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٤٩) . عواد، الجيش والقتال (ص ١٢٠) .
(٤) ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ٦٢) . عواد، الجيش والقتال (ص ١٢١) .
(٥) الكلاعي، أبو الربيع سليمان بن موسى (ت ٦٣٤ هـ)، حروب الردة، تحقيق أحمد غنيم (ط ٢) دار الاتحاد العربي للطباعة (١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م)، (ص ٢٠٢) .
(٦) الشيباني، شرح السير (ج ١، ص ٢١٤) . الهرثمي، أبو سعيد الشعراني (ت ٢٣٤ هـ)، مختصر سياسة الحروب، تحقيق: عبد الرؤوف عون، القاهرة لجنة التأليف والطباعة، د. ت (ص ٢٩) .
(٧) الماوردي، الأحكام (ص ٣٥) . النويري، نهاية الأرب (ج ٦، ص ١٥٢) .
[ ١٩٤ ]
في التخلف عنك» «١» .
وكان يتقدم الجيوش في تحركها «العيون» تكون مهمتهم جمع المعلومات عن الطريق وعن تحركات العدو، وقد اتخذ النبي ﷺ العيون في جميع تحركاته، فقد ذكر في قصة الهجرة أن عائشة (ت ٥٨ هـ) قالت: «وكان عبد الله بن أبي بكر (ت ١٦ هـ) يأتيهما بأخبار قريش وهو غلام شاب فطن» «٢»، وفي سرية عبيدة بن الحارث (سنة ٢ هـ) خرج المقداد بن عمرو (ت ٣٣ هـ) وعتبة بن غزوان (ت ١٧ هـ) يتواصلان الكفار «٣»، وكانت سرية عبد الله بن جحش (سنة ١ هـ) إلى نخلة ذات هدف استطلاعي، فقد جاء في الكتاب الذي أعطاه له رسول الله ﷺ «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد قريشا، وتعلم لنا أخبارهم» «٤»، وبعث الرسول ﷺ طلحة بن عبيد وسعيد بن زيد قبل خروجه إلى بدر بعشر ليالي يتحسسان خبر العير وهي عائدة من الشام «٥» . وذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) أن الرسول ﷺ بعث بسبس بن عمرو ومدي بن الزغباء إلى بدر طليعة للتعرف إلى أخبار القافلة «٦»، وفي أحد (سنة ٣ هـ) أرسل الرسول ﷺ أنسا ومؤنسا ابني فضالة يلتمسان له أخبار قريش فعلمنا أنهما قاربا المدينة «٧» . وبعث بعد ذلك الحباب بن المنذر فأتاه بخبر قريش «٨»، في حين كان العباس (ت ٣٢ هـ) يكتب بأخبار المشركين إلى الرسول الله ﷺ من مكة «٩»
، وفي أحد أرسل العباس رجلا من بني غفار إلى الرسول ﷺ يخبره باستعداد قريش للخروج إليه وجاء في الكتاب: «اصنع ما كنت صانعا إذا وردوا عليك، وتقدم
_________________
(١) الهرثمي، مختصر (ص ٢٩) .
(٢) ابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٢٨٣) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٦١) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٥٩٢) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ١، ص ٢٧١) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٣، ص ٢٤٣) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٠٢) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤١١)، (ابن إسحاق) . ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١١٣) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٩، ٢٠) . عون، الفن الحربي (ص ٢١٣) .
(٦) ابن حجر، فتح الباري (ج ٢١، ص ٣٠٠) . وانظر: ابن الأثير، الكامل (ج ٢، ص ١١٩) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٦١) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٠٦) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٢) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١١٥) .
(٨) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٠٦) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٢) .
(٩) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١١٤) .
[ ١٩٥ ]
في استعداد التأهب» «١» وتفيد هذه الواقعة أن نجاح المسلمين في رصد تحركات قريش كان عاملا أساسيّا في منع قريش من الدخول إلى المدينة ومفاجأة المسلمين قبل استعدادهم.
وكان النبي ﷺ يوصي أمراءه باتخاذ العيون؛ إذ إنه لما بعث أسامة بن زيد في بعث الشام قال له: «فخذ معك الأدلاء وقدم الصوت والطلائع» «٢» .
ويبدو أن التجار قاموا بدور ما كطليعة من الطلائع استفاد منهم الرسول ﷺ، فلقد قدمت قافلة (سنة ٩ هـ) ذكرت للنبي ﷺ أن الروم قد جمعوا جموعا كثيرة في الشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأنه استنفر العرب المتنصرة، فأمر الرسول ﷺ بغزو الروم «٣»، وكذلك قام الأعراب الموالين للرسول ﷺ بهذا الدور فيذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن أبا تميم الأسلمي أرسل غلامه مسعود بن هنيدة من العرج «٤» على قدميه إلى رسول الله ﷺ يخبره بقدوم قريش وما معهم من العدد والعدة والخيل والسلاح ليوم أحد (٣ هـ) «٥» .
ويفترض أن تكون «العيون» عارفة بلغة القوم الذين يرسلون إليهم، فلقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لغة يهود؛ لأنه لا يأمنهم على كتابه «٦»، وقد وضع الرسول ﷺ منهاجا دقيقا لعيونه، فعلمهم ألّا يحدث أحدهم حدثا يبينه للناس، أو أن يقتل أحدا إلّا إذا أجيز له ذلك، ففي الخندق (سنة ٥ هـ) أرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين وأمره ألّا يحدث حدثا حتى يعود «٧»، وأرسل النبي ﷺ عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي ليقيم متنكرا في هوازن حتى يعلم علمهم ويأتيه بخبرهم «٨» وزيادة في الحذر والحيطة يجب ألا يعرف العين العيون الاخرين «٩»؛ وذلك لأن
_________________
(١) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣١٣، ٣١٤) . وانظر: اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٤٧) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١١٤) .
(٢) ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ١٢، ص ٣٥٥) .
(٣) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٤٤٥) .
(٤) العرج: عقبة بين مكة المدينة على جادة الحاج. انظر: ياقوت، معجم البلدان (ج ٤، ص ٩٩) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ٤، ص ٣١٠) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٦٢) .
(٦) البخاري، الصحيح (ج ٩، ص ٩٤) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٣، ص ٨٦٥) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ١١٩، ١٢٠) .
(٧) الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٨٠) . الحاكم، المستدرك (ج ٣، ص ٣١) . عون، الفن الحربي (ص ٢١٤) .
(٨) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٣٩، ٤٤٠) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٧٣) (ابن إسحاق) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢٦٣) .
(٩) الهرثمي، مختصر (ص ٢٤) .
[ ١٩٦ ]
الحصول على المعلومات الدقيقة عن حالة الجيش وعدده وتسليحه يفيد في وضع الخطة، وهذا يتطلب معلومات أقرب ما تكون إلى الواقع، ولقد ذكر الهروي (ت ٦١١ هـ) مهمات العيون فقال: «إذا خرج بجيشه فليقدم أمامه الجواسيس الثقات يكشفوا له الأخبار ويختاروا له المنازل، ليعلم إذا سار أين ينزل، لئلّا يبقى حائرا ولئلّا ينزل اتفاقا، فربما نزل بأرض قليلة الماء والعلف فيحيط به العدو فيهلكه » «١» .
وكان على قيادة المقاتلة أن تحذر من عيون الأعداء فيروي الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) «أن النبي ﷺ أمر بقتل فرات بن حيان- وكان عينا لأبي سفيان- فمر بمجلس الأنصار فقال: إني مسلم، فذهبوا به إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه يزعم أنه مسلم فقال: «إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان» «٢» .
أما «الخدمات الطبية» فهي من الخدمات المساعدة الضرورية في المعارك وقد قامت المرأة بدور كبير في هذا المجال، وذلك بسقاية الجرحى وإعانتهم وتمريضهم. يذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن فاطمة (ت ١١ هـ) ضمدت جراح الرسول ﷺ في أحد «٣» وعندما سار إلى خيبر (٧ هـ) أذن لأم سنان الأسلمية بالخروج معه لتكون من جملة واجباتها مداواة الجرحى «٤»، وقد ضربت لها خيمة لهذا الغرض، وفي الغزوة ذاتها جاءت أمية بنت قيس الغفارية في نسوة من بني غفار، فقالت: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا نداوي الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا، فقال لها:
«على بركة الله» «٥» .
وفي غزوة الخندق (٥ هـ) كان لرفيدة الأسلمية خيمة في مسجد رسول الله تداوي الجرحى فلما جرح سعد قال الرسول ﷺ: «اجعلوه في خيمة رفيدة» «٦» وفي غزوة
_________________
(١) الهروي، علي بن أبي بكر بن علي (ت ٦١١ هـ)، التذكرة الهروية في الحيل الحربية، تحقيق مطيع المرابط، دمشق، منشورات وزارة الثقافة (١٩٧٢ م)، (ص ٨٧) .
(٢) الحاكم، المستدرك (ج ٢، ص ١١٥) .
(٣) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٤٩) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٤٨) . البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ٧٩) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٢٩٢) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ٨، ص ٢٩٣) . وانظر: محمد عزة دروزة، الجهاد في سبيل الله في القران، الحديث، دمشق، دار اليقظة العربية، (١٣٩٥ هـ، ١٩٨١ م)، (ص ١٠١) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٣٩) . ابن سعد، الطبقات (ج ٨، ص ٢٩١) . مسلم، الصحيح (ج ٣ ص ١٣٨٩) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٥٦) (ابن إسحاق) .
[ ١٩٧ ]
حنين (٨ هـ) خرجت النساء لتقوم بعملية التمريض «١»، وذكرت الربيع بنت معوذ أن من الأعمال التي قامت بها النساء عند خروجهن مع رسول الله مداواة الجرحى «٢»، وذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن أم عطية كانت تغزو مع الرسول ﷺ لتقوم على المرضى وتداوي الجرحى «٣»، وذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) أن الرسول ﷺ كان يغزو بأم سلمة ونسوة من الأنصار معه إذا غزا يسقين الماء ويداوين الجرحى «٤» .
وكانت المرأة تشارك- أحيانا- بالقتال إلى جانب الرجال فيذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) قول أم سعد بنت سعد بن الربيع أنه لما انهزم المسلمون في أحد قالت أم عمارة: «فقمت أباشر القتال وأذب عنه (أي عن رسول الله ﷺ) بالسيف وأرمي عنه بالقوس حتى خلصت إلي الجراح»»
ودافعت أم سليم بنت ملحان عن رسول الله في أحد كذلك «٦» . وقتلت صفية بنت عبد المطلب يهوديّا في الخندق (٥ هـ) «٧» .
وقام بتمهيد الطرق وإصلاح الجسور أو بنائها وحفر الخنادق أو ردمها أناس مختصون وكان المقاتلة يقومون بمثل هذه الأعمال بأنفسهم، ففي غزوة الخندق (٥ هـ) قسم الرسول ﷺ أعمال الحفر بين المسلمين «٨» وبعث الرسول ﷺ غالب بن عبد الله الليثي (ت ٤٨ هـ) عام الفتح ليسهل له الطريق «٩» .
لقد كانت هذه الخدمات ضرورية لقيام المقاتلة بمهماتهم على أكمل وجه، وحرصت الإدارة النبوية على توفير هذه الخدمات، وأن تكون على درجة عالية من التنظيم والدقة والإتقان.
_________________
(١) الكاندهلوي، حياة الصحابة (ج ١، ص ٥٧٩) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ٤١) . ابن حجر، الإصابة (ج ٤، ص ٣٠١) .
(٣) الشيباني، شرح كتاب السير (ج ١، ص ٣٠١) .
(٤) مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ٤٤٣) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٨١، ٨٢) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٤٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٧٦) (ابن إسحاق) .
(٧) م. ن (م ٢، ص ٢٢٨) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٧٧) (ابن إسحاق) .
(٨) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٤١) . الطبري، تاريخ (ج ١٢، ص ٥٦٧، ٥٦٨) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ٦٩- ٩٩) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٢٢٠- ٢٢٣) . الكتاني، التراتيب (ج ١، ص ٣٧٦) .
(٩) ابن حجر، الإصابة (ج ٣، ص ١٨٤) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٣٧٠) .
[ ١٩٨ ]
الفصل الخامس الإدارة العسكرية