لم يكن للمسلمين في حاضرة الدولة (المدينة) قاض سوى النبي ﷺ؛ إذ إنه تولى القضاء بنفسه، وولاه- أحيانا- غيره من الصحابة في حضرته، ليعلمهم كيفية القضاء بين الناس وأصوله حتى يقوموا بهذا الدور في حال غيابه أو وفاته، أو من أجل تدريبهم واختبارهم قبل إرسالهم للقضاء في أمصار الدولة المختلفة.
ذكر الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) أنه أتى النبيّ ﷺ خصمان، فقال لعمر بن الخطاب:
«اقض بينهما» «١»؛ ولذلك قال عثمان بن عفان (ت ٣٥ هـ) لعبد الله بن عمر (ت ٧٣ هـ) في خلافته: «اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني يا أمير المؤمنين؟
قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي على عهد رسول الله ﷺ » «٢»
وذكر معقل بن يسار (ت ٦٥ هـ) قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقضي وقال: إن الله مع القاضي ما لم يجف عمدا» «٣» ويروي الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ): أن قوما اختصموا إلى رسول الله ﷺ في خص (بيت من قش) كان بينهم، فبعث حذيفة يقضي بينهم فقضى للذين يليهم معاقد القمط (ما تشد به الأخصاص وغيرها)، فلما رجع إلى النبي ﷺ أخبره فقال: «أصبت وأحسنت» «٤» واستقضى النبي ﷺ عقبة بن عامر الجهني في خصومة معينة، فقد روى أحمد (ت ٢٤١ هـ) قال: جاء خصمان إلى رسول الله ﷺ يختصمان فقال: «قم يا عقبة اقض بينهما»، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ، أنت أولى بذلك قال: «وإن كان اقض بينهما» «٥» وكان هؤلاء الذين قضوا في حضرة النبي ﷺ في حادثة أو أكثر كانت ولاية أحدهم تنتهي بالفصل في هذه الحادثة.
_________________
(١) المستدرك، الحاكم (ج ٤، ص ٨٨) . وانظر: الماوردي، أدب القاضي (ج ٢، ص ٣٨٧) .
(٢) ابن العربي، عارضة الأحوذي بشرح الترمذي (ج ٦، ص ٦٣، ٦٤) .
(٣) أحمد، المسند (ج ٥، ص ٢٦) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٢٥٨) . وانظر: أحمد عبد المنعم البهتي، تاريخ القضاء في الإسلام، القاهرة، مطبعة لجنة البيان العربي، (١٩٦٥ م)، (ص ٦١، ٦٢) .
(٤) الدارقطني، السنن (ج ٤، ص ٢٢٩) . وانظر: القرطبي، أقضية الرسول ﷺ (ص ٨٧) .
(٥) الدارقطني، السنن (ج ٤، ص ٢٠٣) .
[ ٢٣٧ ]
ولما اتسعت الدولة الإسلامية لتشمل الجزيرة، كان لابد من إرسال الولاة إلى أطراف الدولة المختلفة يعهد إليهم بالقضاء كجزء من أعمالهم في إدارة شؤون الولاية، فبعث عليّا إلى اليمن وقال له: «ادعهم إلى الإسلام واقض بينهم» فقال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره وقال: «اللهم اهده للقضاء» «١» ويلاحظ أن النبي ﷺ كان يزود قضاته بمجموعة من التوجيهات، ومن ذلك ما رواه علي قال: بعثني رسول الله إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء، فقال: «إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء»، قال علي: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد «٢» . وتشعر الروايات أن عليّا بقى قاضيا في اليمن حتى جاء إلى النبي ﷺ في حجة الوداع ولم يرجع إليها بعد ذلك «٣» .
كما بعث معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن عام فتح مكة، أي في أواخر السنة الثامنة للهجرة، وقيل: قبل حجة الوداع، ولكن المصادر لا تذكر تاريخا محددا لإرسال كل من علي ومعاذ وأبي موسى إلى اليمن، ويمكن القول أن عليّا ذهب لفترة قصيرة ثم عاد إلى المدينة حيث شارك في حجة الوداع (١٠ هـ) «٤» ثم أرسل النبي ﷺ معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وبقيا في اليمن حتى وفاة الرسول ﷺ.
وكانت اليمن قد قسمت بين معاذ وأبي موسى، فكان لمعاذ الجهة العليا صوب صنعاء (اليمن الشمالي حاليّا)، وكان من عمله أيضا الجند، وهو مكان يبعد عن صنعاء ثمانية وخمسين فرسخا «٥»، وكانت جهة أبي موسى السفلى (اليمن الجنوبي حاليّا)، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه صار قريبا من صاحبه، فيزوره ويسلّم
_________________
(١) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١١، ١٢) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٧) . الحاكم، المستدرك (ج ٤، ص ٨٨) . وانظر: وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٨٤، ٨٦، ٨٧، ٨٨) .
(٢) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١١، ١٢) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٧٤) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٣٢٧- ٣٣٨) . وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ٨٤، ٨٥) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٢٦٤، ٢٦٥) .
(٣) ذكرت المصادر كذلك أن عليّا شارك أبا بكر في حجه (٩ هـ)، وشارك الرسول ﷺ في حجة الوداع (١٠ هـ) . انظر: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٢) (ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٢- ١٤٨) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٤٥، ٦٠٢) . والطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٢، ١٤٨) .
(٥) ياقوت، معجم البلدان (ج ٢، ص ١٦٩) .
[ ٢٣٨ ]
عليه، وكانا قد بعثا واليين وقاضيين يعلّمان الناس القران وشرائع الإسلام، وزودهم النبي ﷺ بتوجيهاته فقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» «١» .
ويلاحظ أن النبي ﷺ لجأ إلى أسلوب الاختيار للتأكد من صلاحية المرشح للقضاء وكفاءته قبل إسناد الوظيفة إليه، يتضح ذلك من خلال أسئلة النبي ﷺ لمعاذ عندما أرسله قاضيا قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله
فضرب رسول الله في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ﷺ» «٢»
ويذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح قاضيا إلى نجران، وذلك أن وفد نجران طلبوا من رسول الله ﷺ أن يبعث معهم رجلا من أصحابه يرضاه لهم يحكم بينهم في أمور اختلفوا بينهم فيها، فدعا النبي ﷺ أبا عبيدة، وقال له: «اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه» «٣»، وكذلك استعمل النبي ﷺ عتاب بن أسيد (ت ١٣ هـ) على مكة بعد فتحها (٨ هـ) واليا وقاضيا «٤» .
وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الولاة الاخرين فكانوا يقومون بفض الخصومات وتنفيذ الأحكام وتعليم الناس الإسلام «٥» . وهذا يفيد أن ولاية القضاء لم تكن مستقلة، بل كانت ضمن الولاية العامة التي تشمل القضاء وغيره.
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٢٠٤) . وكيع، أخبار القضاة (ج ١، ص ١٠) .
(٢) أحمد، المسند (ج ٥، ص ٢٣٠) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ١٨، ١٩) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٦٨، ٦٩) . البيهقي، السنن (ج ٩، ص ٨٦) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٥٨٤) . البيهقي، السنن (ج ٩، ص ٨٦) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٤٠، ٥٠٠) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٣٧) . الأزرقي، أخبار مكة، (ج ٢، ص ٤٠) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٩٤) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٨، ١٢٩) (ابن إسحاق) . المقريزي، إمتاع الأسماع (ص ٥٠١، ٥٠٢) .
[ ٢٣٩ ]
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء