اشتهرت يثرب قبل الإسلام بزراعتها وصناعتها، وبعد الهجرة قامت حركة عمرانية واسعة، ولعل من أولى أمور الصناعة التي اهتم بها المسلمون «صناعة البناء» إذ احتاج المهاجرون إلى مساكن يسكنونها في المدينة، فخط لهم النبي ﷺ الخطط، وحدد لهم الأماكن التي يبنون عليها «١» .
قام النبي ﷺ ببناء حجرات زوجاته، وذلك من اللبن وسقفت بجريد النخل وعلى الجريد شيء من الطين «٢»، تشير المصادر إلى مجموعة من الأبنية أسست بعد الهجرة منها المسجد النبوي الشريف بالإضافة إلى أن النبي ﷺ كان يخط المساجد في منازل القبائل المختلفة ويوجه لهم القبلة، ويختار الأرض الصالحة للمسجد، ويحددها لهم، فقد خط رسول الله ﷺ لجهينة مسجدهم في المدينة «٣»، ويذكر السهيلي (ت ٥٨١ هـ) أن مساجد القبائل كانت تسعة عدا مسجد رسول الله، وكلها تسمع أذان بلال وتصلي بأذانه «٤» .
لقد كان للنبي ﷺ مجموعة من التوجيهات التنظيمية في البناء استفاد منها الصحابة، كما أخذ عنها الفقهاء بعض الأحكام الفقهية مثل تقديم من يجيد العمل على من لا يجيده بصرف النظر عن تقوى كل منهم، فقد وفد رجل من بني حنيفة إلى النبي ﷺ وكان الرجل ممن يحسنون خلط الطين. وكان النبي ﷺ يعمل مع الصحابة في المسجد، فقال: «دعوا الحنفي فإنه أضبطكم للطين» «٥»، فأخذ المسحاة وأخذ يعالج الطين ويخلطه والرسول ينظر إليه ويقول: «إن هذا الحنفي لصاحب طين» «٦» .
_________________
(١) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٧٠) . ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص ٢٣)، عمر بن شبة، تاريخ المدنية (ج ١، ص ٢٤٦) .
(٢) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج ٣، ص ٥٠٦) .
(٣) عصر بن شبة، تاريخ المدينة (ج ١، ص ٦٣) . وانظر: العمري، الحرف والصناعات (ص ٢٠٩) .
(٤) السهيلي، الروض (ج ٤، ص ١٩٨) .
(٥) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج ٣، ص ٤٨٩)، الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ٢، ص ٨٣) .
(٦) الغزالي، فقه السيرة (ط ٧) القاهرة، دار الكتب الحديثة، (١٩٧٦ م)، (ص ١٩٠) .
[ ١٧٤ ]
وأشارت الروايات إلى نوع اخر من البناء وهو بناء الخنادق، ولم يكن العرب يعرفون الخندق كخط دفاعي عن القرى والمدن إلا في زمن النبي ﷺ. فقد أشار سلمان الفارسي (ت ٣٥ هـ) بحفر الخندق «١» فاقتنع النبي ﷺ بفكرة سلمان، وقام بنفسه بتحديد مواقع الحفر ومسير الخندق «٢» جاعلا جبل سلع خلف ظهور المسلمين «٣» .
وحفر الرسول ﷺ ومن معه من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وتظهر إدارة النبي في تنظيم العمل بأن قسمه بين المسلمين لإنجاز الحفر في أقصر مدة ممكنة، فجعل لكل عشرة رجال منهم أربعين ذراعا «٤»، أي لكل رجل منهم أربعة أذرع، وقد تعاون المسلمون فكان كل من فرغ من عمله اتجه إلى مساعدة بقية إخوانه؛ لأن الأرض مختلفة من حيث سهولة الحفر وصعوبته، وكان النبي ﷺ يتجه لكسر الحجارة التي تستعصي عليهم في أثناء الحفر» .
وقد استعمل النبي ﷺ في الحفر مجموعة من الالات من المساحي والمكاتل، استعار بعضها من بني قريظة، بغرض إنجاز عملية الحفر في الوقت المحدد التي كانت ستة أيام فقط «٦» .
أما صناعة «النجارة» فقد اشتهرت في زمن النبي ﷺ وكان النجارون يخدمون الأغراض العسكرية؛ وذلك باشتراكهم في صنع بعض الأسلحة، فصناعة الدبابة والمنجنيق تعتمد في الدرجة الأولى على النجارين، كما أن صناعة الرماح تدخل ضمنا في النجارة «٧»، ويلاحظ من خلال الروايات أن معظم من كانوا يجيدون النجارة هم في الغالب من الموالى؛ نظرا لنفور العرب واحتقارهم للصناعات وأنفتهم منها.
لقد اعتبرت صناعة الأسلحة من أهم الصناعات في زمن الرسول ﷺ، وكانت الإدارة النبوية قد اهتمت اهتماما خاصّا بهذه الصناعة، إذ إن الجهاد ونشر الإسلام يحتاج إلى القوة والسلاح؛ لذا نجد اهتماما خاصّا من النبي ﷺ بالسلاح وإعداده.
كانت توجيهات النبي ﷺ للمسلمين لصناعة الأسلحة تقوم على حثهم على إتقان هذه الصناعة، فقال النبي ﷺ: «إن الله يدخل الثلاثة بالسهم الواحد الجنة،
_________________
(١) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج ٤، ص ٥١٤) .
(٢) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج ٤، ص ٥١٥) .
(٣) سلع: جبل بسوق المدينة. انظر: ياقوت، معجم (ج ٣، ص ٢٣٦، ٣٢٧) .
(٤) السمهودي، وفاء الوفا (ج ١، ص ٣٠١) .
(٥) الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ٤٩٧) .
(٦) المقريزي، إمتاع (ص ٢٢٥) .
(٧) العمري، الحرف والصناعات (ص ٢٣١) .
[ ١٧٥ ]
صانعه يحتسب في صنعه الخير، والممد به، والرامي به» «١» . وقال: «ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا» . وقال: «من ترك الرمي بعدما علّمه فقد كفر الذي علّمه» «٢» .
وقد وجه النبي ﷺ المسلمين وحفزهم على صناعة الرماح فقال: «بهذا القوس وبرماح القنا يمكّن الله لكم في البلاد وينصركم على عدوكم» «٣» وقال: «ما سبقها- أي الرماح- سلاح إلى خير قط» «٤»، وقد حث الرسول ﷺ على المحافظة عليه وإجادته حتى في غير أوقات الحرب فقال: «ستفتح لكم الأرض وتكفوا المؤونة، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» «٥» .
واشتهرت صناعة السيوف والخناجر، وكان الصحابة يشحذون سيوفهم بالحجارة «٦»، في حين استعمل النبي ﷺ الدبابة في الهجوم وأرسل اثنين من الصحابة إلى جرش لكي يتعلموا صناعة الدبابات «٧»، وبالفعل استطاع هؤلاء صناعة أول دبابة فاستعملها النبي ﷺ في حصار الطائف «٨» .
ومن الصناعات المشهورة في زمن الرسول ﷺ صناعة «الحدادة»، فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن خباب بن الأرت (ت ٣٧ هـ) عمل حدادا في مكة «٩»، ومما يدل على كثرة الحدادين في هذه الفترة أن النبي ﷺ لما فتح خيبر أحضر معه منها ثلاثين حدادا، وكان هؤلاء يقومون بصناعة ما يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية «١٠» .
وكان هناك من يعمل «بالصياغة» واشتهر بذلك يهود بني قينقاع، يتضح هذا من
_________________
(١) الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٢٠٥) . وانظر: السخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت ٩٠٢ هـ)، القول التام في فضل الرمي بالسهام، مخطوطة مصورة في مركز المخطوطات، الجامعة الأردنية، ورقة (١١) .
(٢) السخاوي، القول التام (ص ١١) .
(٣) الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٢٠٥) .
(٤) السخاوي، القول التام، ورقة (١٦) .
(٥) م. ن، ورقة (١٦) .
(٦) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج ٤، ص ٢٨٦) .
(٧) هما عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة، هما من أشراف ثقيف. انظر: ابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٤٧٦)، (ج ٣، ص ١٨٩) .
(٨) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٣٢) .
(٩) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٧٩) . وانظر: الشوكاني، محمد بن علي محمد (ت ١٢٥٠ هـ)، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (ط ٣) بيروت، دار الفكر، (١٣٩٣ هـ، ١٩٧٩ م)، (ج ٣، ص ٣٤٩) .
(١٠) السهيلي، الروض الأنف (ج ٣، ص ١٩٧) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٧٥) .
[ ١٧٦ ]
خلال ما ذكرته المصادر من أن النبي ﷺ وجد في حصونهم- بعد إخراجهم من المدينة- كثيرا من الات الصياغة «١»، وقام هؤلاء بصناعة الحلي، واستخدام الذهب والفضة في علاج بعض الأعضاء البشرية التي تصاب في المعارك، ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن عثمان بن عفان كان يربط أسنانه بالذهب «٢»، وروى ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) أن الضحاك بن عرفجة «قد أصيب أنفه في إحدى المعارك، فصنع له أنف فضة، فأنتن، فأمره الرسول ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب» «٣»، وقام هؤلاء أيضا بصناعة الخواتم، وتحلية السيوف وتزيينها بالذهب أو الفضة تكريما للسلاح واعتزازا به «٤» .
حاولت الدولة في فترة الرسالة استغلال بعض مناجم المعادن الموجودة في الجزيرة العربية، فقد أقطع النبي ﷺ بلالا بن الحارث المزني معادن قبيلته، وهي من أعمال الفرع بالمدينة وكتب له بذلك كتابا «٥»، وهناك إشارة توضح أن النبي ﷺ أقطع معدن «الأحسن» قرب المدينة، و«بحران» بعض القبائل من أجل استغلالها وإفادة الدولة منها «٦» .
واشتهرت أيضا في المدينة صناعة «الخواصة» وهي نسج بعض الأدوات والأثاث من خوص النخيل، وقد تعلم سلمان هذه المهنة واتخذها حرفة يأكل منها «٧»، وظهرت مهنة «الخياطة» بشكل كبير، ذلك بأنّ المجتمع الإسلامي بدأ يتجه إلى الاستقرار الحضري، وهذه مرتبطة بشكل كبير بأهل الحضر، يتضح هذا من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ): «وهذه الصناعة مختصة بالعمران الحضري؛ لأن أهل البدو يستغنون عنها، وإنما يشتملون الأثواب اشتمالا، وإنما تفصيل الثياب وتقديرها، وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها «٨»» ومما يشير إلى وجود هذه المهنة في زمن الرسول ﷺ أن البخاري (ت ٢٥٦ هـ) وضع بابا في صحيحه سماه «باب ذكر الخياط» «٩»
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٧٩) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٨١) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ٣، ص ٥٨) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ٢، ص ٦٦) .
(٣) ابن حجر، الإصابة (ج ٢، ص ٢٠٧) الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ٢، ص ٦٥) .
(٤) العمري، الحرف والصناعات (ص ٢٢٣) .
(٥) أبو عبيد، الأموال (ص ٣٩٨) . البلاذري، فتوح (ص ٢٢) . ونص الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى محمد رسول الله ﷺ بلالا بن الحارث أعطاه معادن القبيلة جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حقّا لمسلم» . وانظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٦٣)، (ص ٢٦٩) .
(٦) ياقوت، معجم (ج ١، ص ١١٢، ٣٤١) .
(٧) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٢، ص ٦٣٥) .
(٨) ابن خالدون، المقدمة (ص ٤١١) .
(٩) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٧٩) .
[ ١٧٧ ]
وذكر حديثا جاء فيه: أن خياطا دعا الرسول ﷺ لطعام صنعه، فقال أنس بن مالك (ت ٩١ هـ): فذهبت مع رسول الله إلى ذلك الطعام «١» . ويبدو أن استجابة النبي ﷺ كانت ضرورية لإزالة الاحتقار لمثل هذه المهنة في نفوس العرب المسلمين.
لقد كانت تقوم هذه الصناعات وتتطور- لا سيما الأسلحة- بتوجيه من الإدارة النبوية وإشرافها المباشر، وكان الهدف الذي أراده النبي ﷺ من خلال توجيهاته وتشجيعه للصناعة، أن تصل الأمة إلى درجة من الاكتفاء الذاتي لا سيما في الصناعات الاستراتيجية للدولة كالأسلحة وغيرها.
ويمكن القول: إن التنظيمات في المجالات الاقتصادية تطورت بحيث أصبحت بعض المخالفات والجرائم والعلاقات الاجتماعية تعالج بطريقة اقتصادية، فرتبت المهور على الزواج «٢» . وجعل لأهل القتيل دية في حالة القتل الخطأ «٣»، وجعل للمتضرر في جسمه وأعضائه حق التعويض عن الضرر الذي أصابه «٤» إلى غير ذلك من التوجيهات التي تنظم علاقات الناس وحياتهم.
_________________
(١) م. ن (ج ٣، ص ٧٩) .
(٢) قال تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: ٤] .
(٣) قال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا [النساء: ٩٢] . وانظر: الشافعي، الأم (ج ٦، ص ١٠٥) .
(٤) قال تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٥] . وانظر: الشافعي، الأم (ج ٦، ص ١١٩- ١٢٩) .
[ ١٧٨ ]
الفصل الرابع الإدارة المالية