كانت كلمة (سفارة) «١» معروفة في مكة قبل الإسلام، وكانت هذه الوظيفة لبني عدي، وتولاها منهم عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) «٢» أما كلمة «دبلوماسية» فلم تعرف في صدر الإسلام، ويبدو أنها دخلت في معاجم اللغة في فترة متأخرة.
استخدمت كلمات معينة في عصر الرسالة وهي «السفارة، الرسول، البريد» وكانت العلاقات التي أقامها الرسول ﷺ قاصرة ابتداء على المحادثات الشخصية، وإرسال الكتب، وإيفاد البعثات إلى القبائل وإلى الملوك للتعريف بالإسلام والدعوة إليه، ومن هنا فإن وظيفة البريد (السفارة) كانت من الوظائف الإدارية الهامة التي لاقت اهتماما كبيرا من جانب الدولة، وكان ما وصلنا من كتب ومواثيق ومعاهدات قام بإبرامها النبي ﷺ تتجاوز المئتين وخمسين كتابا «٣»، وشملت معاهدات مع اليهود والنصارى، وعقود صلح بين النبي ﷺ والقبائل، وكتب إقطاع وأمان ورسائل دعوة إلى رؤساء القبائل والملوك والأمراء، مما يجعلنا نؤكد على أن سفارات الرسول ﷺ وكتبه كانت عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية والعلاقات الدولية «٤» .
وقد ذكرت المصادر أسماء هؤلاء الرسل الذين بعثهم النبي ﷺ إلى الملوك، وأرسل معهم كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك
_________________
(١) عرفت السفارات في الجاهلية، ومن أشهرها سفارة عبد المطلب بن هاشم إلى أبرهة وهو في طريقه إلى مكة، ليفاوض على رد الإبل التي استولت عليها طلائع جيشه. انظر: ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٤٨) .
(٢) ابن الجوزي، سيرة عمر (ص ٦) .
(٣) انظر هذه الوثائق في: حميد الله، مجموعة الوثائق (ص ١- ٣٠٠) . الأحمدي، مكاتيب الرسول ﷺ.
(٤) يزعم بعض المستشرقين أن هذه الكتب مزورة، ومن هؤلاء مرجليوث حيث يقول: «إن إخبار النبي عن مقتل كسرى ليس وحيا، إنما هو من عيونه التي كانت تأتيه بالأخبار بسرعة» ويقول: «إن رسالة محمد إلى كسرى لم تسلم إليه قط» . ويقول وات «إن إرسال الرسول للرسل (٦ هـ) لا يمكننا أن نقبل هذه القضية كما هي؛ لأن محمدا كان رجل دولة حكيما بعيد النظر ولم يفقد عقله بعد النجاح الذي حققه في الحديبية ودعوته هؤلاء في هذا الوقت يسيء إليه أكثر مما يفيده» . Margoliauth، P.S، Mohammd and the kise Islam، London، ١٩٣٢.P.P ٣٦٨ وات، محمد في المدينة، (ص ٦٢) .
[ ١٢٨ ]
الروم «١»، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس «٢»، وعمرو بن أمية الضمري (ت ٦٠ هـ) إلى النجاشي ملك الحبشة «٣»، وحاطب بن أبى بلتعة (ت ٣٠ هـ) إلى المقوقس ملك مصر «٤»، وعمرو بن العاص (٤٣ هـ) إلى جيفر وعيّاد ملكي عمان «٥»، وسليط بن عمرو (ت ١٤ هـ) إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن علي ملكي اليمامة «٦»، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى المنذر بن ساوى (ت ١١ هـ) ملك البحرين «٧»، وشجاع بن وهب الأسدي (ت ١٢ هـ) إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك تخوم الشام «٨»، ويذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن عياش بن أبي ربيعة المخزمي هو الذي أرسل إلى الحارث «٩» .
وأرسل النبي ﷺ مجموعة من الرسل إلى زعماء القبائل، فبعث ظبيان بن مرشد الدوسي إلى بني بكر بن وائل «١٠»، وجرير بن عبد الله البجلي (ت ٥٤ هـ) إلى ذي الكلاع بن ناكور «١١»، وعمرو بن أمية الضمري (ت ٦٠ هـ) إلى مسيلمة الكذاب (ت ١٢ هـ) «١٢» . وغيرهم «١٣» .
كتب النبي ﷺ هذه الرسائل في أواخر السنة السادسة وأوائل السنة السابعة بعد
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ١٧٦) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ١٠٣) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٦٤٩) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٢٥- ٢٥٦) .
(٢) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢، ص ١١٢) . ابن حجر، فتح الباري (ج ١٦، ص ٢٥٦، ٢٥٧) . قال السهيلي: «وإنما خص النبي ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي بإرساله إلى كسرى؛ لأنه كان يتردد عليهم كثيرا أو يختلف إلى بلادهم» . انظر: السهيل، الروض الأنف (ج ٢٦، ص ٥٩٠) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٧) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٦٥٢) (ابن إسحاق) .
(٤) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) . خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . ابن طالون الدمشقي، أعلام السائلين (ص ٩٢- ٩٦) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٥٣١) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٠٧) . ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٧٦) .
(٨) ابن هشام، السيرة، (م ٢، ص ٦٠٧) . ويبدو أن شجاع بن وهب الأسدي بعث إلى الحارث بن شمر الغساني وإلى جبلة بن الأيهم. انظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ١، ص ٢٦٧) .
(٩) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٨٢) .
(١٠) م. ن (ج ١، ص ٢٨١، ٢٨٢) .
(١١) م. ن (ج ١، ص ٢٦٦) . خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣٠) .
(١٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٧٣) . خليفة، تاريخ (ج ١، ص ٦٣) .
(١٣) انظر بقية هذه الرسائل في: ابن طالون، أعلام السائلين (ص ٩٩، ١٠٠) .
[ ١٢٩ ]
صلح الحديبية «١» . وكان المكسب الأكبر الذي حققه النبي ﷺ من مكاتباته تلك أنها جاءت حملة إعلامية على النطاق الدولي لإظهار أن الإسلام للناس كافة «٢» .
وقد نهج النبي ﷺ في اختيار رسله أمرا لا يخرج عن المألوف والعرف الجاري لدى الدبلوماسية الحديثة، من تبادل السفراء، ومراعاة الأناقة، وجمال الخلقة، والكفاات الممتازة بصفتهم ممثلين لأمتهم؛ ولذلك فإن النبي ﷺ بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، ويشير إلى ذلك ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) بقوله: «إن جبريل كان يجيء على صورة دحية الكلبي؛ لأن دحية كان من أجمل أهل زمانه، وأحسنهم صورة» «٣»، وهذا يصدق على بقية رسله فكان معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ)، وأبو موسى الأشعري (ت ٣٢ هـ) وعبد الله بن حذافة، وعمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) وغيرهم من «أعقل الصحابة وأجملهم صورة، وأحسنهم حديثا، وأطلقهم لسانا وقوة حجة» «٤» وكان هؤلاء الرسل من أولئك المشهورين في المجتمع الإسلامي الذين نبهوا في العلم أو الكتابة أو الإدارة «٥»، وقد بلغ من حرص النبي ﷺ على قواعد الدبلوماسية هذه أن قال: «إن أبردتم إليّ بريدا، فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم» «٦» .
وعبر العرب عن هذه القواعد في أشعارهم وأقوالهم، فقال أحدهم:
إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيما ولا توصه «٧»
وقال اخر:
إذا أرسلت في أمر رسولا فأفهمه وأرسله أديبا
فإن ضيّعت ذاك فلا تلمه على أن لم يكن علم الغيوبا «٨»
_________________
(١) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٤٧٣) .
(٢) عماد خليل، دراسة في السيرة (ص ٢٩٣) .
(٣) ابن قتيبة، المعارف (ص ٣٢٩) . وانظر: الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ)، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط واخرون (ط ٢) بيروت، مؤسسة الرسالة، (١٤٠٢ هـ، ١٩٨٢ م)، (ج ٢، ص ٥٥٣، ٥٥٤) . وابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ٤٧٣، ٤٧٤) . الحلبي، السيرة (ج ١، ص ٢٩١) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ١٩٠) .
(٤) ابن طالون، إعلام السائلين (ص ١٨، ١٩) .
(٥) صلاح الدين المنجد، النظم الدبلوماسية في الإسلام، بيروت، دار الكتاب الجديد، (١٩٥٣ م)، (ص ٢٨) .
(٦) الألباني، صحيح الجامع الصغير (ج ١، ص ١٣٢) .
(٧) ابن الطقطقي، الفخري في الاداب السلطانية (ص ٦٩، ٧٠) .
(٨) م. ن (ص ٧٠) . وانظر عن صفات الرسول: ابن الفراء أبا علي الحسين بن محمد (ت ٣٩٠ هـ)، رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة، تحقيق صلاح الدين المنجد (ط ٢) بيروت، دار الكتاب الجديد، (١٣٨٢ هـ، -
[ ١٣٠ ]
وقد ضمنت الأعراف الدبلوماسية للسفراء بعض الحقوق، فهو يملك حقّا يسمى «الأمان» وهو اليوم يسمى الحصانة، وبذلك يكون امنا هو وزوجه وأولاده، وأتباعه الدبلوماسيون «١»، وتشير المصادر إلى ذلك في قصة الرسل الذين بعثهم مسيلمة إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال الرسول ﷺ: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» «٢» وهذا الحق ضروري لتهيئة أفضل الظروف والضمانات لأعضاء البعثات الدبلوماسية والتيسير عليهم في ممارسة وظائفهم، تقديرا لدورهم الجليل في إنشاء العلاقات السياسية الدولية، ويتضح هذا من قول السرخسي (ت ٤٩٠ هـ): «إذا وجد الحربي في دار الإسلام، فقال: أنا رسول، فإن أخرج كتابا عرف أنه كتاب ملكهم كان امنا حتى يبلغ رسالته ويرجع؛ لأن الرسل لم تزل امنة في الجاهلية والإسلام؛ وهذا لأن أمر القتال أو الصلح لا يتم إلا بالرسل؛ فلابد من أمان الرسل ليتوصل إلى المقصود» «٣» .
وكان من حقوقهم أيضا ألايحبسوا أو يمنعوا من الرجوع إلى قومهم، تذكر المصادر أن قريشا بعثت أبا رافع رسولا إلى رسول الله ﷺ فوقع في نفسه الإسلام فأراد أن يبقى في المدينة ولا يعود إلى مكة، فقال له النبي ﷺ: «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان الذي في قلبك الذي فيه الان فارجع» «٤»، وهذا ما جعل ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) يقول: «قوله: لا أحبس البرد، إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسل مطلقا» «٥» .
ومما يدخل في إطار الحصانات الدبلوماسية ضمان حرية العبادة للذين يأتون إلى الدولة من المبعوثين، فكان النبي ﷺ يأمر أصحابه ألا يتعرضوا إليهم وهم يؤدون واجباتهم الدينية «٦»، وكان هذا باعثا على تقدير من الجهات المرسلة، ويتضح هذا الحق من خلال قصة وفد نصارى نجران، إذ كانوا يؤدون عباداتهم في مسجد
_________________
(١) - ١٩٧٣ م)، (ص ٣٣- ٣٥) .
(٢) المنجد، نظم دبلوماسية (ص ٨٠) .
(٣) الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي (ت ٢٥٥ هـ)، السنن، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت (ج ٢، ص ٢٣٥) . وأبو داود، السنن (ج ٣، ص ١٩٢) . والقرطبي، أقضية رسول الله (ص ٦٣) .
(٤) السرخسي، محمد بن أبي سهل (ت ٤٩٠ هـ)، المبسوط (ط ٢) بيروت، دار المعرفة، د. ت (ج ١٠، ص ٩٢) . وانظر: ابن القيم، زاد المعاد (ج ٣، ص ١٣٨، ١٣٩) . القرطبي.
(٥) أحمد، المسند (ج ٦، ص ٨) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ١٨٩، ١٩٠) . وانظر: ابن القيم، زاد المعاد (ج ٣، ص ١٣٨، ١٣٩) . القرطبي، أقضية (ص ٦٢) .
(٦) ابن القيم، زاد المعاد (ج ٣، ص ١٣٩) .
(٧) مصطفى التازي، الحصانة الدبلوماسية في الإسلام، مؤتمر السيرة الثالث، (م ٦)، (ط ١)، (١٠٤١ هـ)، (ص ٦٥٧) .
[ ١٣١ ]
رسول الله ﷺ «١» .
وقد كان من عادة النبي ﷺ أن يتزين عند استقباله للوفود فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن رجلا أهدى للنبي حلة، فقال له: «لتتجمل بها يا رسول الله للوفود» «٢» . وكان النبي ﷺ يكرم الوفود ويبسط رداءه لبعضهم، ويشركهم في الجلوس إمعانا في إزالة الدهشة، وإدخال المسرة، ذكر ابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ)، أنه لما وفد على النبي ﷺ زيد الخيل بسط له رداءه، وأجلسه عليه وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» «٣» وفي هذا إشارة إلى أن التكريم كان على حسب درجات القوم ومنزلتهم، ويذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ خصص مكانا ينزل فيه ضيوف رسول الله ﷺ، وكانت دار رملة بنت الحارث النجارية مكانا معدّا لاستقبال الوفود، وأطلق عليها بعضهم اسم «دار الضيفان» «٤» .
وكانت «الجوائز» حقّا اخر يتمتاع به السفراء عند استقبالهم ووداعهم، ويتضح هذا من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ): «كان النبي ﷺ يحسن وفادة الوفود ويحسن جوائزهم، وهذا كان شأنه مع الوفود ينزلهم إذا قدموا ويجهزهم إذا رحلوا» «٥» ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى هذا التكريم بقوله: «إن وفد بني حنيفة أنزلوا في دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم ضيافة، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا وسمنا» «٦»، وعند ما جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ كان خالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم حتى يأكل منه خالد «٧» . ويذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ): «أن بلالا كان يأتيهم بفطرهم وسحورهم في الأيام التي صاموها مع رسول الله ﷺ» «٨» .
وكما كان النبي ﷺ يستقبل الوفود ويستضيفهم كان يزودهم بما يحتاجونه عند
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (ص ٣٥٧) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ٨٥) .
(٣) ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ١٢٢٣) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣١٦) . السمهودي، وفاء الوفا (ص ٥٥٥) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٤٥، ٤٤٦) .
(٥) ابن خالدون، تاريخ (ج ٢، ص ٢، ٥٢) .
(٦) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣١٦) . وانظر: الكتابي، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٤٦) .
(٧) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٤٠) (ابن إسحاق) .
(٨) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٤٠، ٥٤١) (ابن إسحاق) . وانظر: الزرقاني، شرح المذاهب (ج ٤، ص ٨) .
[ ١٣٢ ]
السفر، فيذكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) قول النعمان بن المقرن، قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة رجل، فلما أردنا أن ننصرف قال: «يا عمر زود القوم» «١» . وهناك إشارات في المصادر تذكر أن بعض هذه الجوائز كانت تكون- أحيانا- نقدية. فيذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ): «أن النبي ﷺ أجاز فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمان باثنتي عشرة أوقية ونش، قال: وذلك خمسمائة درهم» «٢» وأجاز النبي ﷺ وفود عبد القيس، وبهرام، وغسان، وقضاعة، وغيرهم بمبالغ نقدية مساوية لذلك «٣» .
لقد كانت الضيافة وحسن الاستقبال عامة للوفود والسفراء حتى في السفر، ويتضح هذا من رواية الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) أن رسول هرقل قدم على النبي ﷺ وهو في تبوك (سنة ٩ هـ) . فقال له رسول الله ﷺ معتذرا له من عدم وجود جائزة يجيزه بها فقال: «إن لك حقّا، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة لجوزناك بها، ولكن جئتنا ونحن مرملون (مسافرون) فقال عثمان: أنا أكسوه حلّة صفورية، وقال رجل من الأنصار: عليّ ضيافته» «٤» .
ويتضح من هذا أن كسوة الرسول ﷺ وضيافته هما من حقوق الرسول كجزء من الاستقبال والتكريم.
ويفترض أن يعامل رسل المسلمين هذه المعاملة. ولذلك فإن النبي ﷺ كان يشترط على بعض الوفود تكريم رسله وضيافتهم. فيذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) في معرض حديثه عن وفد نجران أن النبي ﷺ «اشترط عليهم مؤنة رسله وضمان الحماية لهم» «٥» .
لقد كانت هذه جزا من قواعد الدبلوماسية في فترة الرسالة، طبقها النبي ﷺ في حياته، ووصى بها صحابته عند موته، فقد ذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه بابا سماه «باب جوائز الوفود» أخرج فيه حديثا عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ أوصى عند موته منها: « وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم» «٦» .
أما بالنسبة إلى الرسائل نفسها فقد كانت تضمن الموضوع الذي أرسلت من أجله فهناك رسائل موضوعها « إني أدعوك إلى الله واحده » «٧» . ويشرح أهداف
_________________
(١) البيهقي، الدلائل (ج ٥، ص ٣٦٥) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٤٥٠، ٤٥١) .
(٢) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٢) .
(٣) م. ن (ج ١، ص ٢٦٢، ٣٣٤، ٣٣٩) .
(٤) أحمد، المسند (ج ٤، ص ٧٥) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٨٨) .
(٦) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ٨٤، ٨٥) .
(٧) انظر رسائل النبي ﷺ إلى كل من قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم-
[ ١٣٣ ]
الإسلام وأحكامه. وهناك رسائل موضوعها دعوة أهل الذمة إلى الإسلام « ومن بقي على دينه فعليه الجزية» «١»، « ولهم ذمة الله ورسوله» «٢»، وبعضها كان يشرح أحكاما شرعية كما في كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم، واليه على البحرين «٣» .
وكان النبي ﷺ يفتتح رسائله بلفظ: «من محمد رسول الله » «٤»، فهو يبدأ باسمه ولقبه ثم اسم المرسل إليه ولقبه «٥» . يقول القلقشندي (ت ٨٢١ هـ): «وكان العجم يبدؤون بملوكهم إذا كتبوا، والرسول كتب فبدأ بنفسه، وكان أصحاب رسول الله وأمراء جيوشه يكتبون إليه فيبدؤون بأنفسهم كما كان يكتب إليهم» «٦»، ويتضح من خلال هذه الرسائل أن النبي ﷺ كان يخاطب الملوك بالمفرد وليس بصيغة الجمع فيقول:
« إني أحمد الله إليك » «٧» أو « إني أدعوك بدعاية الإسلام » «٨»، وخاطب هؤلاء بألقابهم التي اصطلح عليها، ومن ذلك أنه قال لقيصر: «عظيم الروم» «٩»، ولكسرى: «عظيم فارس» «١٠» وللمقوقس: «صاحب مصر» «١١» وللنجاشي: «ملك الحبشة» «١٢» .
وكانت تفتح الرسائل بعد الحمد بقوله: «أما بعد فإني » «١٣»، ويذكر البخاري
_________________
(١) - (٢٦)، (ص ١٠٩) . وثيقة رقم (٥٣)، (ص ١٤٠) . وثيقة رقم (٥٠)، (ص ١٣٦) . وثيقة رقم (٢٢)، (ص ١٠٣، ١٠٤) .
(٢) انظر: كتاب النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو في اليمن. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٠٦/ د)، (ص ٢١٣) . كتاب النبي ﷺ إلى الحارث بن كلدة. وثيقة رقم (١٠٦)، (ص ٢٢١، ٢٢٢) .
(٣) انظر: كتاب النبي ﷺ إلى أذرح والجرباء. وانظر: الحلبي، السيرة (ج ٣، ص ١٦٠) .
(٤) انظر: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٩٤، ٥٩٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٨، ١٢٩) (ابن إسحاق) .
(٥) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٢٢)، (ص ١٠٣، ١٠٤) . وثيقة رقم (٢٦) .
(٦) المنجد، نظم دبلوماسية (ص ١٦٤) .
(٧) القلقشندي، صبح الأعشى (ج ٦، ص ٣٣٠- ٣٣٩) .
(٨) انظر: رسالة النبي ﷺ إلى النجاشي. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٢١)، (ص ١٠٠) .
(٩) م. ن، رسالة النبي إلى المقوقس، وثيقة رقم (٢٢)، (ص ١٠٣، ١٠٤) .
(١٠) م. ن، رسالة النبي إلى قيصر، وثيقة رقم (٢٦)، (ص ١٠٩) .
(١١) م. ن، رسالة النبي إلى كسرى، وثيقة رقم (٥٣)، (ص ١٤٠) .
(١٢) م. ن، رسالة النبي إلى المقوقس، وثيقة رقم (٤٩)، (ص ١٣٥) .
(١٣) م. ن، رسالة النبي إلى النجاشي، وثيقة رقم (٢١)، (ص ١٠٠) .
(١٤) انظر: رسالة النبي ﷺ إلى المقوقس، وثيقة رقم (٤٩)، (ص ١٣٥) . وانظر: وثيقة رقم (٣٦) . (ص ١٢٦) . وثيقة رقم (٤٧)، (ص ١٣٣) . وثيقة رقم (٥٧)، (ص ١٤٦) .
[ ١٣٤ ]
(ت ٢٥٦ هـ) قول هشام بن عروة (ت ١٤٦ هـ): «رأيت رسائل النبي ﷺ كلما انقضت فقرة فقال: أما بعد » «١»، وربما افتتحها « هذا الكتاب » «٢»،
« أسلم أنت » «٣»، وكان غالبا ما يختم الرسائل بالسلام «٤»، ثم يذكر في نهاية الرسالة «وكتب فلان» «٥» . وإذا كان هناك شهود ذكرهم أيضا «٦» في حين كانت تخلو الرسائل من التاريخ إلا في بعضها، كما ورد في معاهدته مع أهل مقنا حيث جاء فيها « وكتب علي بن أبي طالب في سنة تسع» «٧» .
لم تذكر المصادر أن النبي ﷺ والصحابة كانوا يحتفظون عندهم بنسخة من هذه الرسائل، إلا أننا عرفنا أن صلح الحديبية كان قد كتب منه نسختين أخذ أحدهما رسول الله ﷺ وأخذ الاخرى سهيل بن عمرو «٨» .
ويذكر عبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ هـ) أن أول كتاب كتبه بيديه كتاب النبي ﷺ أهل مكة «٩»، وربما يكون عبد الله قد نقله من نسخة النبي ﷺ التي كانت محفوظة لدى بعض المسلمين، مما يدل على وجود نوع من المحافظة على الأوراق الرسمية (الأرشيف) .
وهناك بعض النسخ من كتب النبي ﷺ المرسلة إلى الجهات وكانت موجودة لدى بعض الصحابة، فكان لدى ابن عباس (ت ٦٨ هـ) العديد من نسخ مكاتيب الرسول ﷺ «١٠»، واحتفظ أبو بكر بن حزم وعروة بن الزبير (ت ٩٣ هـ) ببعضها أيضا «١١» .
ويمكن القول: إنهم كانوا ينسخون هذه الكتب قبل أن ترسل إلى الجهات؛ لأنه لا
_________________
(١) البخاري، الأدب المفرد (ص ١٦٢) .
(٢) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٩)، (ص ٩٨) وثيقة رقم (٢٠)، (ص ٩٨) . وثيقة رقم (٢٢)، (ص ١٠٣) .
(٣) انظر: رسالة النبي ﷺ إلى النجاشي، حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٢١)، (ص ١٠٠) .
(٤) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٢١)، (ص ١٠٠) . وثيقة رقم (٢٣) (ص ١٠٤) . وثيقة رقم (٢٤)، (ص ١٠٦) . وثيقة رقم (٢٥)، (ص ١٠٦، ١٠٧) .
(٥) م. ن، وثيقة رقم (١٩١)، (ص ٩٨) . وثيقة رقم (٢٥)، (ص ٩٨) . وثيقة رقم (٣٣)، (ص ١٢٠) . وثيقة رقم (٤١)، (ص ١٢٨) .
(٦) م. ن، وثيقة رقم (٣٤)، (ص ١٢٤)، رقم (٤٣)، (ص ٩٨) . وثيقة، رقم (٤٥)، (ص ١٣١، ١٣٢) . رقم (٤٨)، (ص ١٣٥) .
(٧) البلاذري، فتوح (ص ٣٣)، حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٣٣)، (ص ١٢٠) .
(٨) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٦١٢) .
(٩) الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ٢، ص ٢٤٤) .
(١٠) الأعظمي، كتاب النبي (ص ١٧، ١٨) .
(١١) ابن طالون، أعلام السائلين (ص ٤٨- ٥٢) .
[ ١٣٥ ]
يمكن لأحد أن يجمع هذه الرسائل المرسلة إلى الجهات المختلفة إن لم يكن هناك صورة محفوظة منها لدى الصحابة.
ولعل من المفيد أن نذكر أن عمر في خلافته كان يحتفظ بجميع المعاهدات والمواثيق التي أخذت من الأشخاص المرموقين «١»، حتى ما مضى على وفاة النبي ﷺ ربع قرن حتى أصبح في المدينة «بيت القراطيس» الذي كان ملصقا بدار عثمان»
، وهو ما يمكن تسميته بأمانة السّر للدولة الإسلامية.
وراعى النبي ﷺ كون الرسائل الرسمية لا تقبل إلا إذا كانت مختومة، فاتخذ النبي ﷺ خاتما، ثم أمر ألّا ينقش على نقشه أحد حتى تتميز المراسلات الرسمية، ولا تخضع لعمليات التلاعب والغش والتزوير، ويتضح هذا من رواية البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول أنس بن مالك (ت ٩١ هـ): اصطنع رسول الله ﷺ خاتما فقال: «إنا قد اصطنعنا خاتما، ونقشنا فيه نقشا فلا ينقشن عليه أحد» «٣» .
ويظهر أن حفظ الخاتم أصبح وظيفة إدارية يقوم بها أحد الصحابة، ذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في ترجمته لمعيقيب بن أبي فاطمة قال: «كان على خاتم النبي ﷺ يحفظه» «٤»، وهذا ما يدل على حرص الرسول ﷺ على الإفادة من الوسائل والرسوم المعاصرة ما دامت لا تتعارض وأحكام الشريعة وروحها العامة.
ونتخلص من الروايات التي بين أيدينا أن الرسول ﷺ أرسل بعض الرسائل مغلقة وختم على ظهر الرسالة بحيث تصبح مغلقة، فلا يفتحها إلا صاحبها، ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ بعث عمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) إلى جيفر وعبد ابني الخلندي. قال عمرو: «فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه» «٥» . والظاهر أنهم كانوا يطوون الكتاب ويجعلون عليه شيئا رطبا كالعجين
_________________
(١) المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي (ت ٨٤٥ هـ)، الخطط المقريزية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت، طبعة بالأوفست، (ج ١، ص ٢٩٥) .
(٢) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢٢) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٧، ص ٢٠٢) . وانظر ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٤٧٥) . أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٤٢٥، ٤٢٦) . وكان نقشه على الشكل التالي: الله رسول محمد. انظر: ابن سعد، الطبقات، (ج ١، ص ٢٥٨، ٤٧٠، ٤٧١) .
(٤) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج ٤، ص ١٤٧٨، ١٤٧٩) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص ١٨٨) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٢) . وانظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٧٦)، (ص ١٧٦) .
[ ١٣٦ ]
وغيره، فيختمون به فلا يقرأ إلا بعد فض الخاتم، وذلك لئلّا يطلع على ما في الكتاب أحد اخر «١» .
أما «الاتفاقيات والعهود» التي عقدها النبي ﷺ سواء كان ذلك مع الكيانات السياسية الموجودة، أو القبائل العربية، فقد أظهرت ذكاء الدبلوماسية الإسلامية في التعامل مع الأحداث، وكانت هذه الدبلوماسية تعتمد مصلحة الجماعة الإسلامية، وتأخذ بعناصر ومقتضيات الواقع، ففي صلح الحديبية (٦ هـ) - بشروطه المعروفة «٢» - ظهرت ملامح هذه الدبلوماسية في التحرك لربط المناطق المختلفة بالمواثيق والعهود وكتب الأمان من أجل فرض العزلة على مكة، ونشر الإسلام بين القبائل، والانفراد بخيبر، ليمنع تحالفها مع قريش وحتى لا تبقى قوة تدعهم القبائل المعارضة في الشمال. يتضح هذا من قول البلاذري (ت ٢٧٩ هـ): «والمصلحة المترتبة على إتمام صلح الحديبية ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده الظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا» «٣» .
ذكرت لنا المصادر مجموعة كبيرة من العقود والمعاهدات، ومنها معاهدات مع وفد همذان والنخع وكلب وثقيف وأذرح والجرباء وغيرها «٤» .
كان مضمون هذه المعاهدات متقاربا، فقد ذكر في كتاب النبي ﷺ إلى جرباء وأذرح « أنهم امنون بأمان الله، وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار كل رجب، وأن الله عليهم كفيل بالنعم والإحسان إلى من لجأ إليهم من المسلمين» «٥»، وهكذا كانت بقية المعاهدات إلا في بعض التفصيلات التي تخص كل قوم دون غيرهم.
كانت تتسم هذه «المعاهدات والاتفاقيات» بالإيجاز في القول وتحاشي استخدام
_________________
(١) الأحمدي، مكاتيب (ج ١، ص ٣٢) .
(٢) كانت شروط الصلح تنص على ما يلي «اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء ممن مع محمد لم يردوه عليه وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه» . انظر: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣١٧، ٣١٨) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٩٧) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٥٠) .
(٣) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢١١) .
(٤) انظر: ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٣١٢، ٣١٤، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٤٠، ٣٤٢، ٣٤٦، ٣٤٧) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١١٩/ أ) (ص ٢٩٤، ٢٩٥) . رقم (١١١)، (ص ٢٣١) . ورقم (١٨١)، (ص ٢٨٤- ٢٨٦) . رقم (٣٣)، (ص ١١٨، ١١٩) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٥٢٥) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٣١/ أ) (ص ١١٧، ١١٨) .
[ ١٣٧ ]
اللفظ المزخرف والسجع، وكذلك كانت تخلو من ألقاب التعظيم والتفخيم فتذكر أسماء المتعاقدين مجردة «١»، فكان يقول: «هذه امنة من الله ومحمد النبي الرسول ليحنه بن روبة وأهل أيلة» «٢»، وظل النبي ﷺ يحرص على ذكر صفة «رسول الله، والنبي» مستهدفا التذكير بحقيقة وظيفته وتأكيد معانيها في النفوس «٣»، ففي كتاب النبي ﷺ إلى أهل أذرح والجرباء قال: «هذا كتاب من محمد النبي » «٤» وامتازت هذه العقود بذكر أسماء الشهود عملا بما استنه الرسول ﷺ عند عقد معاهدة الحديبية (٦ هـ) «٥» .
ولما كان معظم سكان الجزيرة من القبائل التي تستوطن كل منها مكانا خاصّا بها يسمى «دار»، ولها تنظيم سياسي، فإن النبي ﷺ أراد الاحتكاك بهذه القبائل، وهذا لم يتم دفعة واحدة؛ إذ إن ظروف القبائل وتنوعها واختلافها يؤدي بالضرورة إلى تنوع المعاملة، فهناك بعض القبائل اكتفى منهم بالموادعة دون إلزامهم بتغيير دينهم «٦»، ويشير إلى ذلك القران في الاية الكريمة: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [التوبة: ٤] «٧» .
لقد قسمت هذه الكتب إلى كتب موجهة إلى الأفراد وهي تتضمن «الإقطاعات وما يتعلق بالأمور المالية»، وهناك كتب موجهة لأفراد عشائرهم بصراحة وهي تبين اعتراف الرسول ﷺ بهذه الزعامة أو تلك على القبيلة، وسلطاتها الإدارية المستقلة وفقا للتقاليد البدوية «٨»، وهناك رسائل موجهة للعشائر دون الأفراد، ولا ندري هل كان إغفال الرسول ﷺ لذكر أسماء أفراد بعينهم يرجع إلى عدم وجود رؤساء معتمدين فيها، أم أن هؤلاء لم يؤمنوا بالرسول ﷺ فتجاهلهم، وعلى أية حال، فإننا لا نعلم طريقة إدارة هذا
_________________
(١) عبد النافع محمود، المعاهدات في الإسلام، مجلة التمدن الإسلامي، مجلد ٣٦، سنة (١٣٨٦ هـ)، (ص ٣٦، ٣٧) .
(٢) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٣١/ أ)، (ص ١١٧، ١١٨) .
(٣) محمود، المعاهدات في الإسلام (ص ٣٧) .
(٤) انظر: معاهدة النبي ﷺ مع أهل أذرح والجرباء. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٣٢، ٣٣/ أ) (ص ١١٨، ١١٩) .
(٥) انظر صلح الحديبية في: ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٣٢٤) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٩٧) . البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٢١١) .
(٦) العلي، إدارة الحجاز (ص ٣٤، ٣٥) .
(٧) انظر: الطبري، تفسير (ج ١٤، ص ١٣٢) . السيوطي، الدر المنثور (ج ٤، ص ١٣٠، ١٣١) .
(٨) العلي، إدارة الحجاز (ص ٣٨) . انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١١١)، (ص ٢٣١) . رقم (١١٢)، (ص ٢٣٢) . رقم (٢٢)، (ص ٢٤٠) .
[ ١٣٨ ]
الصنف من العشائر «١» .
وكان الالتزام المفروض من خلال هذه المعاهدات على العشائر «طاعة الله ورسوله» «٢» وأضاف بعضها «الإسلام وطاعة الله ورسوله» «٣» وفي بعضها «الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» «٤» وزاد بعضها « ومفارقة المشركين» «٥» وفي بعضها «أقبل في حزب الله » «٦» .
إن طاعة الله ورسوله لابد أن تؤدي إلى الإسلام، كما أن الإسلام يستلزم طاعة الله ورسوله، والقيام بفرائضه، وإن عدم ذكر بعض الكتب شرط «مفارقة المشركين» يظهر أنه سمح لهم بإبقاء علاقاتهم بالمشركين ولا سيما أن المسلمين كانت بينهم وبين المشركين في هذه الفترة عهود ومواثيق أشار إليها القران «٧» .
وقد نصت بعض هذه المعاهدات على «أن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم..» «٨» .
ويتضح هذا في معاهداته مع ضمرة وغفار وأشجع وغيرها. وهذا يستدعي أن يقوم بحمايتهم من أي اعتداء أو هجوم. وقد أضاف على بني أسلم شرطا «أن عليهم نصر النبي ﷺ» «٩» فالاتفاقية معهم هجومية ودفاعية. وقد أقر لعدد من القبائل ولا سيما طيئ وثقيف وجرش، أن كلّا منهم له ما أسلم عليه من أرضه «١٠»، ويفترض أن يكون قد طبق هذه الشروط تجاه القبائل
_________________
(١) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٨١)، (ص ١٦٨) . رقم (١٣)، (ص ١٦٩) . رقم (٨٥)، (ص ١٧٠) . رقم (٨٩)، (ص ١٧٢) .
(٢) انظر هذه الوثائق في: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٢٢)، رقم (ص ٢٣٩) . رقم (١٠٩)، (ص ٢٦٢) . رقم (١٨٩)، (ص ٢٩٣٢) .
(٣) م. ن، وثيقة رقم (٧٢/ أ)، (ص ١٦٠) . رقم (١٠٩)، (ص ٢٢١) . رقم (١٥٢)، (ص ٢٢٦٢) . رقم (١٩/ ٢)، (ص ٢٩٣) . رقم (٢١٧)، (ص ٣٢١) .
(٤) م. ن وثيقة رقم (٤٠)، (ص ١٢٧، ١٢٨) . رقم (١٥٢)، (ص ٢٦٢) . رقم (١٦٥)، (ص ٢٧١) . رقم (١٧٣)، (ص ٢٧٨) . رقم (١٨٩)، (ص ٢٩٣) . رقم (١٩٣)، (ص ٢٩٨) . رقم (١٩٧)، (ص ٣٠١) .
(٥) م. ن، وثيقة رقم (٤١)، (ص ١٢٨) . رقم (٨١)، (ص ١٦٨) . رقم (٨٢)، (ص ١٦٩) . رقم (٨٥)، (ص ١٧٠) . رقم (٨٧)، (ص ١٧١) . رقم (١٩٤)، (ص ٢٩٩) . رقم (١٩٥)، (ص ٢٩٩، ٣٠٠) .
(٦) م. ن، وثيقة رقم (١٧٥)، (ص ٢٨٠) .
(٧) راجع سورة التوبة: الايات (١- ٤) .
(٨) انظر هذه المعاهدات في: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٦٦)، (ص ١٥٤، ١٥٥) . رقم (١٥٩)، (ص ٢٦٥) . رقم (١٦١)، (ص ٢٦٧) .
(٩) العلي، إدارة الحجاز (ص ٤٠) .
(١٠) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (١٢٠)، (ص ٢٣٨) . رقم (١٢٢)، (ص ٢٤٠) .
[ ١٣٩ ]
الاخرى، وإن لم ينصّ على ذلك في معاهداته معهم.
وبما أن القبائل كانت تأنف أن يتولى عليها أمير من غيرها، فقد اشترط بعضهم هذا الشرط، ويتضح هذا في معاهداته مع أهل مقنا وبني وائل «١»، وفي كتابه إلى وائل بن حجر ذكر أنه «يستقي ويترفل على الأقيال» «٢» ويفيد ذلك أن النبي ﷺ أراد أن يربط هذه الواحدات الإدارية الصغيرة في سلسلة ضمن إطار واحد حتى يسهل على المركز إدارتها ومراقبتها. وقد ذكرت بعض هذه المعاهدات شروطا منفردة، منها: «النصح للمسلمين» «٣»، «وضيافتهم» «٤» أو «السماح لهم باستعمال المياه» «٥» أو «السماح لهم بالمرور من الطرق»» .
وكانت هذه المعاهدات تعطي لهؤلاء «ذمة الله ورسوله» «٧» و«أمان الله ورسوله» «٨» وقد استعملت ذمة الله وأمان الله بشكل ثابت، أما ذمة الرسول فكانت تذكر أحيانا، وجاء في بعضها: «إن الله ورسوله جار على ذلك» «٩»، وفي كتاب: «إن الله ومحمد جار» «١٠»، وكان المقصود بالأمان والذمة والجوار أنها اتفاقيات صداقة يضمن فيها الرسول ﷺ لهذه القبائل عدم الاعتداء، وكانت كلمة «ذمة» تدل على ضمان حمايتهم من أي اعتداء تقوم به القبائل والقوى الاخرى ضدهم «١١» .
_________________
(١) م. ن، وثيقة رقم (٣٣)، (ص ١٢٠) .
(٢) م. ن، وثيقة رقم (٩٨)، (ص ١٩١) . يترفل على الأقيال، أي يتأمر عليهم.
(٣) م. ن، وثيقة رقم (٩٨)، (ص ١٩١) .
(٤) م. ن، وثيقة رقم (٦٥)، (ص ١٥٣، ١٥٤) . رقم (١٢٤)، (ص ٢٤١) .
(٥) م. ن، وثيقة رقم (٢٠٢)، (ص ٣٠٣) .
(٦) م. ن، وثيقة رقم (٨٧)، (ص ١٧١) . (١٢٤)، (ص ٢٤٩) . رقم (١٩٦)، (ص ٣٠٠) .
(٧) حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (٤١)، (ص ١٢٨) . رقم (٩٠)، (ص ١٧٢) . رقم (٩٤)، (ص ١٧٨) . رقم (١١١)، (ص ٢٣١)، (ص ١١٣٧)، (ص ٢٥٢) . رقم (١٥٩)، (ص ٢٦٧) . رقم (١٦١)، (ص ٢٦٨) . رقم (١٦٦) (ص ٢٧١) . رقم (١٨١)، (ص ٢٨٤) . رقم (٢٤٧، ٢٤٨)، (ص ٣٣٤) .
(٨) م. ن، وثيقة رقم (٧٢)، (ص ١٥٩)، رقم (٩٦، ٩٧)، (ص ١٨١)، رقم (١٥٢)، (ص ٢٦٢) . رقم (١٥٣)، (ص ٢٦٣) . رقم (٢٣٢)، (ص ٣٢٢) .
(٩) م. ن، وثيقة رقم (٩٥)، (ص ١٧٩)، رقم (١٣١)، (ص ٢٤٦) .
(١٠) م. ن، وثيقة رقم (١٣٢/ أ)، (ص ٢٤٨) .
(١١) ابن منظور، اللسان (ج ١٢، ص ١٢١) .
[ ١٤٠ ]
لقد أراد النبي ﷺ بهذه المعاهدات أن يربط هذه القبائل مع الدولة الجديدة، وهي إجراات ضرورية لحماية القوات الإسلامية في صراعها مع الروم الذي ظهرت أول أماراته في معركة مؤتة (٨ هـ)، وهذا يبين أن صورة العالم الذي ستجري عليه الحوادث المقبلة كانت واضحة في ذهن الرسول ﷺ «١» .
ويتبين من خلال هذا العرض لمعاهدات الرسول ﷺ مع القبائل أو رجالها أن أهم ما كان يقدمه لهم هو «الحماية»، وأهم ما يطلبه هو «الطاعة»، وترك القبائل تسير حسب نظمها القديمة على ألاتمس سيادة الإسلام، وربما كان انشغال الرسول ﷺ بالقضايا الكثيرة التي واجهته بعد فتح مكة (٨ هـ) جعلته ينصرف عن العمل على تبديل شكل الهيكل الإداري، ذلك الانصراف الذي أدى إلى قلة الشكاوى والمشاكل التي واجهها «٢»؛ إذ لم يرسل النبي ﷺ لهذه القبائل من رجال إدارته إلا بعض عمال الصدقات الذين أرسلوا من مركز الدولة في المدينة المنورة.
_________________
(١) انظر: صالح درادكة، مقدمات في فتح بلاد الشام، الندوة الثانية للمؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام الرابع، مجلد ٢، عمان، (١٩٨٧ م)، (ص ١٢٤- ١٢٦) .
(٢) العلي، إدارة الحجاز (ص ٤٠، ٤١) .
[ ١٤١ ]
الإدارة في عصر الرّسول ﷺ
الفصل الرّابع الإدارة المالية
أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة.
ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول ﷺ.
ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة.
رابعا: تنظيم شؤون التجارة.
خامسا: تنظيم شؤون الصناعة.
سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة.
[ ١٤٣ ]