لم يكن وضع الخطة من مسؤولية الأمير واحده، بل كان ذلك بعد المشاورة مع المقاتلة أو بعضهم، فقد استشار الرسول ﷺ أصحابه في بدر «١» وأحد «٢» كما استشار أصحابه في الخروج من المدينة أو البقاء فيها عند مهاجمة الأحزاب لهم في الخندق (٥ هـ) «٣» .
وقد اهتم القادة باختيار الموقع الملائم لميدان المعركة فقد أشار حباب بن المنذر على الرسول ﷺ عند نزوله على حصن النطاة بخيبر قائلا: «إن جميع مقاتلة خيبر فيه وهم يدرون أحوالنا ولا ندري أحوالهم وسهامهم تصل إلينا وسهامنا لا تصل إليهم ولا نأمن بياتهم» «٤» وقد قدر أهل ثقيف أهمية مرتفعات حنين فاحتلوها قبل وصول النبي ﷺ واحتلوا وادي حنين نفسه «٥» .
كان من خطط النبي ﷺ في غزواته محاولته قطع اتصالات الأعداء وإمداداتهم، فقد ذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ في غزوة خيبر (٧ هـ) نزل بجيشه بواد يقال له: الرجيع وذلك ما بين غطفان وأهل خيبر ليحول بينهم وبين أن يمدوا خيبر إذا كانوا مظاهرين لخيبر على رسول الله ﷺ «٦» .
واهتم الرسول ﷺ بطبيعة الأرض التي يقاتل عليها حيث نزل على أدنى ماء في بدر وبنى عليه حوضا وغوّر ما سواه من القلب «٧» . كما تجنب النزول في الأرض الموحلة كما فعلت قريش «٨»، قال ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) فأصاب رسول الله منها ما لبد
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٤٨) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٧٣- ٧٥) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢١٤) . البكري، غزوة أحد، ورقة (١٥) .
(٣) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٢٢٠) .
(٤) الديار بكري، تاريخ الخميس (ج ٢، ص ٥٠) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٣٨، ٤٣٩) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٢٨) .
(٦) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٩٢) (ابن إسحاق) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ١٨١) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٥٣، ٥٤) .
(٨) وقد وضحت الاية هذا المعنى فقال الله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: ١١] .
[ ٢١٢ ]
لهم من الأرض ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه «١» وقد أشار الحباب في التحول من قرب حصن النطاة في خيبر؛ وذلك لكونه بين نخيلات في مكان غائر وأرض وخيمة «٢» .
وينتظر الإفادة من طبيعة الأرض، فقد ذكر أن الرسول ﷺ جعل ظهره وعسكره إلى جبل أحد حين خرج للقاء المشركين هناك «٣» وقد استفاد النبي ﷺ في مسيره إلى أحد من الليل إذ أمر جيشه بالمسير بعد منتصف الليل، وسلك طريقا بين الضفتين حيث يختفي الأفراد، ويخفى الصوت والجلبة في نفس الوقت فقال ﵇: «من يخرج بنا على القوم عن كثيب- أي عن طريق قريب- لا يمر بنا عليهم» فمر به أبو خيثمة حتى دخل في بستان أحد المنافقين «٤»، واستفاد النبي ﷺ من جبل سلع في الخندق (سنة ٥ هـ) فجعله خلف ظهور المسلمين «٥» .
وقد تقام بعض العوائق في وجه تقدم العدو كالخنادق كما فعل الرسول ﷺ في غزوة الخندق «٦»، وكذلك اهتم المقاتلون بالظواهر الجوية السائدة في ميدان المعركة ففي بدر (٢ هـ) جعل الرسول ﷺ الشمس خلفه فكانت في عيون أعدائه فتضعف قوة أبصارهم وتغشي عيونهم عن رؤية خصومهم «٧»؛ ولهذا قال الهروي (ت ٦١١ هـ):
«فليجتهد في أن تكون الشمس في عين العدو» «٨» .
وكان من خطط الرسول ﷺ الحرص على التكتم والسرية في وضع خططه الحربية وتنفيذها؛ لأن ذلك من أهم متطلبات النجاح، فكان إذا أراد أن يغزو غزوة ورى (أظهر) بغيرها «٩»، وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن الرسول ﷺ كتب كتابا إلى
_________________
(١) ابن حزم، جوامع (ص ١١١، ص ١١٢) . ابن القيم، زاد (ج ٢، ص ٨٧) .
(٢) الديار بكري، تاريخ الخميس (ج ٢، ص ٥٠) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٥) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٥٠٧ (ابن إسحاق) . المسعودي، مروج الذهب (ج ٢، ص ٣٧٦، ٣٧٧) .
(٤) الحلبي، السيرة (ج ٢، ص ٢٩١) . وانظر: محمد أبو فارس، غزوة أحد (ط ١) عمان، دار الفرقان (١٤٠٢ هـ، ١٩٨٢ م)، (ص ٦٠) .
(٥) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٠٠) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٦٦، ٦٧) .
(٦) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٤٧٠) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢١٦) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٥٦٠) . وانظر: ابن العربي المالكي محمد بن عبد الله (ت ٥٤٣ هـ)، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت (ج ٧، ص ١٧٤، ١٧٥) .
(٨) الهروي، التذكرة (ص ٩٧) .
(٩) ابن سعد، الطبقات (ج ٨، ص ١٦٧) .
[ ٢١٣ ]
عبد الله بن جحش وأمره ألا يفتحه إلا بعد يومين من مسيره، وهو بذلك يكون أول من ابتكر أسلوب «الرسائل المكتومة» «١» للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن تحركات المسلمين، وفي غزوة بني سليم خرج الرسول ﷺ ولم يظهر وجها «٢»، وكذلك فعل في غزوة بني لحيان حيث أظهر أنه يريد الشام ليأخذ القوم على حين غرة، وكذلك فعل في غزوة الفتح فقد أسر الرسول ﷺ لكل قائد من قواده، وأمره أن يلقاه في موضع سماه له وأن يكتم ما قاله له «٣» .
ولقد حرص الرسول ﷺ في قيادته لجنده أن يرفع الروح المعنوية لديهم وبقاءها كذلك، فقد عمد الرسول ﷺ إلى مطاردة أعدائه بعد غزوة أحد حتى بلغ حمراء الأسد «٤»، وفي مؤتة (٨ هـ) خطب عبد الله بن رواحة وأثار فيها الروح المعنوية «٥»، وقال النبي ﷺ عندما رجعوا: «بل كرار إن شاء الله» «٦» وحرص النبي ﷺ كذلك على إخفاء بعض الأمور والأخبار التي تضعف الروح المعنوية، ففي أحد (٣ هـ) أمر عليّا أن يستطلع سير قريش وأن يخفي ذلك «٧» وفي الخندق (٥ هـ) بلغ رسول الله ﷺ نقض بني قريظة للعهد فبعث نفرا من المسلمين ليتبينوا الأمر وقال لهم: «انطلقوا فإن كان ما قيل حقّا فألحنوا لي لحنا أعرفه» «٨»، وكذلك حرص على عدم نشر الشائعات بين المسلمين، يتضح هذا من قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] .
وكانت «الخدعة» إحدى وسائل النبي ﷺ في حربه مع أعدائه فقال: «الحرب خدعة» «٩»، وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن الرسول ﷺ أذن للنفر الذين بعثهم لقتل ابن الأشرف (٣ هـ) أن يقولوا ما يشاؤون من كلام يخدعون به «١٠»، وفي الخندق تحرك النبي ﷺ من هذا المفهوم «الحرب خدعة» وراوغ عيينة بن حصن ليعطيه
_________________
(١) انظر: محمود شيت خطاب، الرسول القائد (ط ٥) بيروت، دار الفكر (١٣٩٤ هـ، ١٩٧٤ م)، (ص ٩٤) .
(٢) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١١٢) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٧٩) . ابن القيم، زاد المعاد (ج ٢، ص ١١٩) . الديار بكري، تاريخ الخميس (ج ٢، ص ٤) .
(٤) اليعقوبي، تاريخ (ج ٢، ص ٤٨) .
(٥) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ١٣٨) .
(٦) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٠٧، ١٠٨) .
(٧) م. ن (ج ٣، ص ٢٤، ١١٠) (ابن إسحاق) .
(٨) م. ن (ج ٣، ص ٢٧) .
(٩) الشيباني، شرح كتاب السير (ج ١، ص ١٢٠) . مسلم بشرح النووي (ج ١٢ ص ٤٢، ٤٣) .
(١٠) الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ٥٠، ٥١) .
[ ٢١٤ ]
ثلث ثمار المدينة «١» على أن يعود هو وقومه عن حصار المدينة، وربما كان المقصود الحقيقي للنبي ﷺ من مراوغة عيينة هو إحداث شرخ كبير في صفوف المشركين وتمزيق روابطهم، وهو نموذج من نماذج السياسة الحكيمة التي أدار الرسول ﷺ بها الموقف «٢»، وكذلك توجيه رسول الله ﷺ لنعيم بن مسعود الذي أسلم حديثا في أنه يخذل عن المسلمين في غزوة الخندق «٣»، وهذا من قبيل السياسة الحكيمة التي أدار الرسول ﷺ بها الموقف التي يكون فيها الرأي أنفع من الشجاعة والمواجهة وتدخل تحت معنى «الحرب خدعة»، يقول ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ): «الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين وفي الحديث والإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه أكثر من الشجاعة» «٤» .
واستعمل النبي ﷺ في حروبه «الشعار والشارة» وهو ما يسمى في الجيوش الحديثة «بكلمة السر» فالشعار يوقظ في النفس العزة والشجاعة «٥» ويستعمل للأهمية «٦» فقد روى رافع بن خديج في حديثة عن غزوة أحد: «فكنا أتينا من قبل أنفنا ومعصية نبينا واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من العجلة والدهشة» «٧» وأضاف البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) «وضرب بعض المسلمين بعضا حين اختلطوا ولم يدركوا شعارا وأظهر المسلمون الشعار بعد ذلك فجعلوا يصيحون أمت أمت فكف المسلمون بعضهم عن بعض» «٨» وأشار الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) إلى أهمية الشعار ليلا في حديثه عن غزوة الخندق فقال: «خرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا ولا يشعر بعضهما ببعض ولا يظنون إلا أنهم العدو فكانت فيهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام (حم لا ينصرون) فكف بعضهم عن بعض، فكانوا بعد ذلك إذا دنا بعضهم من بعض نادوا بشعارهم» «٩» .
لقد كان لكل فرقة شعار خاص إضافة إلى شعار عامة الجيش؛ ولهذا قال الشيباني (ت ١٨٩ هـ): «وينبغي أن يتخذ كل قوم شعارا إذا خرجوا في مغازيهم، حتى إن
_________________
(١) الزهري، المغازي (ص ٧٩) .
(٢) عرجون، محمد رسول الله (ج ٤، ص ١٧٩) .
(٣) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٢٩- ٢٣١) . وانظر: عرجون، محمد رسول الله (ج ٤، ص ١٨١، ١٨٢) .
(٤) الشوكاني، نيل الأوطار (ج ٨، ص ٥٧، ٥٨) (ابن العربي) .
(٥) الجزائرلي، محمد بن محمود بن حسين (ت ١٢٦٧ هـ)، اختصار السعي المحمود في نظام الجنود (مخطوط) مصور في مركز الوثائق والمخطوطات، الجامعة الأردنية رقم الشريط (١٢) ورقة (٥) .
(٦) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٧١، ٢٣٤) .
(٧) م. ن (ج ١، ص ٢٣٣) .
(٨) البلاذري، أنساب (ج ١، ص ٣٢٢) .
(٩) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٢٧٤) . وانظر: المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٣٣٤) .
[ ٢١٥ ]
ضل الرجل عن أصحابه نادى بشعارهم، وكذلك ينبغي أن يكون لأهل كل راية شعار معروف، حتى إن ضل الرجل عن أهل رايته نادى بشعارهم فيتمكن من الرجوع إليهم» «١»؛ ولذلك فقد كان شعار عامة المسلمين في بدر «يا منصور أمت» «٢»، وكان شعار المهاجرين «يا بني عبد الرحمن»، وشعار الخزرج «يا بني عبد الله»، وشعار الأوس «يا بني عبيد الله» «٣»، واستعمل شعار «يا منصور أمت» في غزوة المريسيع «٤» وخيبر (٧ هـ) «٥» وفتح مكة (٨ هـ) وحنين (٨ هـ) والطائف (٩ هـ) «٦»، واستعمل شعار «أمت أمت» في أحد (٣ هـ) «٧» وفي سرية زيد بن حارثة «٨» .
وكان هناك نداات خاصة يصدرها القادة للجند فعند إغارة عيينة بن حصن على المدينة (٦ هـ) نادى ابن الأكوع «القزع. القزع» «٩» واستعمل نداء «يا خيل الله اركبي» «١٠» إذا ما أريد نداء الفرسان لركوب خيلهم فقد نودي بذلك في غزوة الخندق (٥ هـ) وبني قريظة (٥ هـ) وغزوة ذي قرد (٦ هـ) «١١» .
ويذكر أن بعض المقاتلة كانوا يتخذون «سيما» «١٢» يعرفون بها في أثناء القتال وهي عبارة عن علامة يعلّم بها المقاتل أو مجموعة من المقاتلين، ففي بدر (٢ هـ) نزلت الملائكة مسوّمة (معلّمة) يشير إلى ذلك القران الكريم بقوله: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ال عمران: ١٢٥] وكان النبي ﷺ قد طلب من أصحابه أن يسوموا فقال: «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت» «١٣» ويذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ)
_________________
(١) الشيباني، شرح كتاب السير (ج ١، ص ٧٣) .
(٢) م. ن (ج ١، ص ٧٣) .
(٣) الشيباني، شرح كتاب السير (ج ١، ص ٧٤) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٦٧) . الجزائرلي، اختصار ورقة (٥) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٣٢٨) .
(٤) الشيباني، شرح كتاب السير (ج ١، ص ٧٤) .
(٥) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٣١١) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ١، ص ٦٣٤) (م ٢، ص ٢٩٤) .
(٧) م. ن (م ٢، ص ٦٨) .
(٨) ابن سعد، الطبقات (ج ٢ ص ٨٧) .
(٩) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٢٨٢) .
(١٠) الواقدي، المغازي (ج ٢ ص ٤٦٦) .
(١١) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٨٠) . الزمخشري، الفائق (ج ١، ص ٢٩٩) . الديار بكري، تاريخ الخميس (ج ٢، ص ٦) .
(١٢) أبو عبيدة، مجاز القران (ج ١، ص ١٠٣) . الجزائرلي، اختصار، ورقة (٥) .
(١٣) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٧٦) . ابن قتيبة، تفسير (ص ١٠٩) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٨٦) . الجزائرلي، اختصار، ورقة (٥) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٣٢٩) .
[ ٢١٦ ]
أن أبا دجانة عصب رأسه بعصابة حمراء في بدر، وكان إذا عصبها علم الناس أنه سيقاتل «١»، وأشار ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن المسلمين كانت شارتهم في بدر الصوف الأبيض يعلقونه في نواصي الخيل واذانها «٢» وكان على الزبير في بدر عصابة صفراء «٣»، وفي أحد (٣ هـ) كان حمزة معلّما بريشة نعامة يغرزها في صدره دائما «٤» وكذلك علّم عبد الله بن جبير (ت ٣ هـ) أمير الرماة بثياب بيض «٥»، وكان بنو سليم يعرفون بأنهم إذا خرجوا للقتال وضعوا رماحهم بين اذان خيلهم «٦» وأن الأوس والخزرج كان يعرضونها على خيلهم «٧»، ويؤيد هذا المعنى أن وفد بني سليم عندما جاؤوا لعرض إسلامهم على الرسول ﷺ اشترطوا عليه أن يجعل لواءهم أحمر وأن يجعله شعارهم وشارتهم فأجابهم إلى طلبهم «٨» وذكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ): «أن الاشتهار بالعلامة في الحرب سنة ماضية، وهي هيئة باهية قصد بها الهيبة على العدو، والإغلاظ على الكفار، والتحريض للمؤمنين، والأعمال بالنيات، وهذا من باب الجليات لا يفتقر إلى برهان» «٩» .
ويبدأ القتال عادة بتحريش أحد الطرفين بالاخر، ففي بدر أمر المشركون عمير بن وهب أن يحرش بين الناس، فحمل وناوش المسلمين «١٠» . وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن أول من أنشب القتال في أحد أحد المشركين إذ طلع في خمسين من قومه مع عبيد قريش فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى تراضخوا بها ساعة «١١» .
ويتلو التحريش عادة طلب المبارزة، وتتخذ المبارزة صورة فردية حينا، ففي بدر خرج عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة وطلبوا المبارزة «١٢» .
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٧٦) . ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٦٦) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٥) (عروة) .
(٢) م. ن (ج ١، ص ٧٦) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٨٧) .
(٣) المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٧٦) .
(٤) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٥٩) . ابن قتيبة، تفسير (ص ١٠٩) . وانظر: عون، الفن الحربي (ص ٢٥٦) .
(٥) ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ١٠) .
(٦) ابن هشام، السيرة (م ٢، ص ٤٥٦) .
(٧) م. ن (م ٢، ص ٤٥٦) . والكتاني، التراتيب الإدارية (ج ١، ص ٣٢٣) .
(٨) الجاحظ عمرو بن بحر (ت ٢٥٥ هـ)، البيان التبيين، تحقيق فوزي عطوى، بيروت، (١٩٦٨ م)، (ج ٣، ص ٩٩) .
(٩) ابن العربي، أحكام القران (ج ١، ص ٢٩٧) .
(١٠) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٥) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٧) . الذهبي، تاريخ (ج ١، ق ١، ص ٩٧) .
(١١) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٤٠) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ١٢٣) .
(١٢) الشيباني، شرح (ج ١، ص ١٧٤) . الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٨) . ابن سعد، الطبقات (ج ٢، -
[ ٢١٧ ]
ولقد كان النبي ﷺ يوجه جنده إلى أساليب القتال فقال لهم يوم بدر: «إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» «١» وكان يقول: «إذا جاؤوكم يزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا ثم قولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» «٢» .
وقد يتفق أميرا الجيشين المتنازعين على أن المبارزة تحسم النزاع وتحقن دماء الناس، وإذا لم تحقن المبارزة دماء الفريقين بيدأ التزاحف ويلتقي الجيشان كما حصل في بدر «٣» وأحد «٤»، وعند اقتراب المهاجمين من صفوف المسلمين تستخدم الرماح وعند الالتحام يفضي المقاتلة إلى السيوف «٥»، فقد أوصى النبي ﷺ في بدر أصحابه «إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» «٦» وطبق المسلمون ذلك بدقة، يقول أحد الصحابة: «فرأيت أصحاب رسول الله يوم بدر لا يسلّون السيوف وقد انتضوا القسي وقد تترس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة لا فرج بينها، والاخرون قد سلّوا السيوف حين طلعوا، فعجبت من ذلك فسألت أحد المهاجرين بعد ذلك فقال: أمرنا رسول الله ألّا نسلّ السيوف حتى يغشونا» «٧» .
وكانت أحب أوقات اللقاء إلى رسول الله ﷺ أول النهار، فإن لم يقاتل أول النهار أخر ذلك إلى وقت الزوال حتى يحل وقت الصلاة وتهب الرياح ويدعو المسلمون «٨» .
وعن أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) قال: «كان رسول الله إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار» «٩»، وعندما غزا النبي ﷺ خيبر لم يغر عليهم حتى أصبح «١٠»، وكان من جملة وصايا القادة للمقاتلة أن يلزموا الصمت عند احتدام المعارك، فقد ذكر عبد الله بن عمر (ت ٧٣ هـ) قول
_________________
(١) - ص ١٧) . الطبري، تاريخ (ج ٢، ص ٤٤٥) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٧) . البيهقي الدلائل (ج ٣، ص ٧٠) .
(٣) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٧) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ٤٠، ٤١) . الذهبي، تاريخ (ج ١، ق ١، ص ٩٦، ٩٧) .
(٥) ابن كثير، البداية والنهاية (ج ٤، ص ١٠٥) .
(٦) انظر قول عبد الله بن حرام في بيعة العقبة الثانية في: ابن سعد، الطبقات (ج ٤، ص ٧، ٨) .
(٧) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٧) .
(٨) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٧، ٦٨) .
(٩) مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٣٦٢) . ابن حجر، الفتح (ج ١٢، ص ٢٠١) . المالقي، الشهب (ص ٤٠٢) .
(١٠) أبو يوسف، الخراج (ص ٢٠٨) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ١٧٠) .
(١١) . الترمذي، الصحيح (ج ٧، ص ٣٥١) .
[ ٢١٨ ]
الرسول ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن اجتمعوا وصاحوا فيكم فعليكم بالصمت» «١»؛ ولهذا فقد قال عمير بن وهب لأصحابه يوم بدر: «أما ترونهم خرسا يتلمّظون تلمظ الحيّات» «٢» وتتضح حكمة ذلك من قول ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ): «ولعل ذلك أن كثرة الصوت اللفظي والصراخ مكروهة؛ لأن التصويت في ذلك الوقت ربما يكون مشعرا بالفزع والفشل، وفيه دليل على الثبات ورباط الجأش» «٣» .
أما في حالة الانتصار فكان الرسول ﷺ يبعث مجموعة من الخيالة لاتباع فلول العدو، فذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن النبي ﷺ بعث في غزوة الفتح نفرا من أصحابه على الطلب فبعث خالد بن الوليد على وجه، وعمرو بن العاص على وجه، وبعث أبا عامر الأشعري إلى عسكر بأوطاس «٤»، وكذلك فعل الرسول ﷺ في حنين عقد لأبي عامر الأشعري على خيل الطلب، وأمره أن يطلب فلول المشركين حيث انهزمت «٥» .
وأخيرا فإن للقتال عند المسلمين ادابا حرصوا عليها، فقد حرّم الإسلام قتل من لا يقدر على القتال من عدوهم، فقد أوصى الرسول ﷺ قوّاده بقوله: «ولا تقتلوا وليدا» «٦»، ذكر ابن عمر (ت ٧٣ هـ) أن الرسول ﷺ وجد امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر فعل ذلك «٧»، وكان يقول: «ولا تقتلوا وليدا أو امرأة » «٨»،
وأوصى النبي ﷺ أصحابه بعدم الغدر « ولا تغدروا » «٩»، وعدم المثلة «.. ولا تمثّلوا » «١٠»، وعدم الاعتداء على الأرض أو العاملين فيها إلا إذا كانت الأرض تزود الأعداء بالمؤن، فقال: «لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا» «١١»، وقام
_________________
(١) منكلي محمد بن محمود (ت ٧٧٨ هـ)، التدبيرات السلطانية في سياسة الصناعة الحربية، تحقيق صادق محمد الجميلي، مجلة المورد، بغداد، (١٤٠٤ هـ، ١٩٨٣ م)، (م ١٢، ص ٤، ٣٣٨) .
(٢) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٦٢) .
(٣) أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٤) .
(٤) الواقدي، المغازي (ج ٢، ص ٨١٠) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ٧، ص ٤٠٠) .
(٦) الشيباني، شرح (ج ١، ص ٩٣) . مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٣٥٧) .
(٧) مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٣٦٤) . المقريزي، إمتاع (ج ١، ص ٤١٢) .
(٨) مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٣٦٤) . ابن سلام، الأموال (ص ٥٣) .
(٩) الشيباني، شرح (ج ١، ص ٩٣) . مسلم، الصحيح (ج ٣، ص ١٣٥٧) .
(١٠) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٢٩٠) . النيسابوري، أسباب (ص ١٩٢) . الزمخشري، الكشاف (ج ٢، ص ٤٣٥) .
(١١) ابن سلام، الأموال (ص ٥٣) .
[ ٢١٩ ]
النبي ﷺ بقطع نخل بني النضير، وحرق أولها حتى يضعف شوكة اليهود «١»، وقد جاءت الإشارة القرانية تؤيد هذا الفعل فقال تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: ٥] وذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن النبي ﷺ أوصى أسامة أن يغير صباحا ويحرّق «٢»، وفي غزوة الطائف أمر النبي ﷺ بقطع الكروم حتى يضعف من مقاومة أهلها «٣»، ويذكر أن النبي ﷺ مّر بأوطاس- يريد الطائف- فمرّ بقصر بقصر مالك بن عوف فأمر به فحرق «٤» .
لقد كانت اداب الإسلام تقضي ألايجهز على جريح، فقال الرسول ﷺ يوم فتح مكة: «ألا لا تجهزنّ علي جريح » «٥»، وألّا يتبع من هرب من ساحة القتال لقتله « ولا يتبعنّ مدبرا » «٦»، وكذلك أمر الإسلام بالإحسان إلي الأسرى وعدم قتلهم « ولا يقتلن أسيرا » «٧»، وجاءت الاية الكريمة تشعر بذلك فقال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان: ٨] .
_________________
(١) الواقدي، المغازي (ج ١، ص ٣٧٢) . الشافعي، الأم (ج ٤، ص ٢٥٨) . البيهقي، دلائل (ج ٣، ص ١٨٤) .
(٢) الشيباني، شرح (ج ١، ص ٥٤) . وانظر: الشافعي، الأم (ج ٤، ص ٢٥٨) .
(٣) الشيباني، شرح (ج ١، ص ٥٥) الشافعي، الأم (ج ٤، ص ٢٥٨) . الطبري، تاريخ (ج ٣، ص ١٣٣) (الواقدي) .
(٤) الشيباني، شرح (ج ١، ص ٥٤) .
(٥) ابن سلام، الأموال (ص ٩١) .
(٦) م. ن (ص ٩١) .
(٧) م. ن (ص ٩١) .
[ ٢٢٠ ]
الإدارة في عصر الرّسول ﷺ
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء
أولا: القضاء في المدينة المنورة.
ثانيا: القضاء في الأمصار.
ثالثا: المظالم.
رابعا: الحسبة.
[ ٢٢١ ]