حمل المسلمون المهاجرون إلى المدينة معهم نزعة قريش التجارية، فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٤ هـ) ما كاد يصل إلى المدينة حتى سأل عن السوق، وبدأ يبيع ويشتري حتى جمع مالا فتزوج «١»، وكان عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) ممن يتاجر بالسوق حتى قال: «ألهاني الصفق بالأسواق» «٢» .
لقد شعر النبي ﷺ في وقت مبكر بضرورة إنشاء سوق تجارية للمسلمين، يستطيع من خلالها أن يخلص الاقتصاد المدني من سيطرة اليهود وجشعهم «٣»، وكانت هذه السوق مكشوفة، وتباع فيها منتوجات المدينة والبوادي المجاورة وما يأتي إليها من الخارج، وذلك في إطار إجراات شرعية تنظيمية كان على التجار الالتزام بها «٤»، فقد منعت الدولة بيع السلع المحرمة (مثل الخمرة، والخنزير) «٥» ومنعت جميع أنواع الربا «٦» . ونهى النبي ﷺ عن بيع التصرية «٧» فقال ﵇: «من اشترى شاة مصراة أو لقحة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام » «٨»، ونهى عن الاحتكار فقال: «لا يحتكر إلا خاطئ» «٩» وعن بيع الثمار قبل أن
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٥، ص ٣٩، ٨٨) .
(٢) م. ن (ج ٣، ص ٧٢، ٨٦) .
(٣) عمر بن شبة، تاريخ المدينة (ج ١، ص ٣٠٤) . ابن ماجه، السنن (ج ٢، ص ٧٥١) .
(٤) إبراهيم بيضون، تجارة المدينة في صدر الإسلام، (بحث غير منشور)، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م)، (ص ١٩) .
(٥) انظر ايات تحريم الخمرة والخنزير: البقرة (اية: ١٧٣، ٢١٩)، المائدة (اية: ٣، ٩٠، ٩١)، الأنعام (اية: ١٤٥) . وانظر أحاديث الرسول ﷺ في: البخاري، الصحيح (ج ٦، ص ٦٧) . الترمذي، الصحيح (ج ٣، ص ٥٦٥) .
(٦) أنواع الربا: أ- ربا التفاضل: وهو بيع الكيل من التمر الجيد بالكيلين أو الثلاثة من رديء التمر. ب- ربا العينة: وهو أن يشتري شخص سلعة من اخر بثمن معلوم إلى أجل، ويقبض المشتري السلعة ثم يعود ويبيعها من صاحبها بثمن أقل من الثمن الذي اشتراها به، ثم يأخذ ثمنها نقدا على سبيل الدين. انظر: الشافعي، الأم، (ج ٣، ص ١٤، ١٥) . وانظر ايات تحريم الربا في: البقرة (اية: ٢٧٥- ٢٧٨) . وانظر أحاديث تحريم الربا في: البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩٢) . مسلم بشرح النووي (ج ٥، ص ٢) .
(٧) انظر تفاصيل ذلك: البطانية، الحياة الاقتصادية (ص ٣٣) .
(٨) البخاري، الصحيح (ص ٩٣) . الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٢٥١) .
(٩) الصنعاني، المصنف (ج ٨، ص ٢٠٢) . الترمذي، الصحيح (ج ٣، ص ٥٦٧) .
[ ١٦٩ ]
يبدو صلاحها (ثمار) «١»، كما نهى عن أن يبيع حاضر لباد «٢»، ونهى عن النجش «٣» وتلقي الركبان قبل وصولهم إلى السوق «٤»، وعن بيع الملامسة «٥»، والمنابذة «٦»، والمزابنة «٧»، ونهى عن السمسرة «٨»، والخداع «٩»، والغش «١٠»، والحلف «١١»، إلى غير ذلك من التشريعات التي نظمت عمليات البيع والشراء في سوق المدينة.
قامت الدولة بمنع التمايز بين التجار أو الخصومة، فقد أمر النبي ﷺ بإحراق خيمة أقامها أنصاري في السوق «١٢»، وذلك حتى لا يظهر مميزا عن بقية التجار، وكانت توجيهات النبي ﷺ تقضي بضرورة التسامح بين المتابعين فقال: «رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى» «١٣»، وتشير الاية الكريمة إلى هذا الخلق فقال تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] . وذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» «١٤» .
كان النبي ﷺ يراقب شؤون السوق بنفسه، وطلب منه بعض الصحابة أن يحدد تسعيرة المواد المعروضة في السوق، فذكر الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) رد النبي ﷺ على هؤلاء بقوله: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني أرجو أن ألقى ربي
_________________
(١) الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٢٢٩، ٢٣٠) . ابن حجر، فتح الباري (ج ٩، ص ٢١٣) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩٤) . الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٢٢٧) .
(٣) النجش: بأن يزيد في السلعة ولا يريد شراءها. انظر: البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩١) . الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٢٢٩، ٢٣٠) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩٥) . الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٢٢٧- ٢٢٩) .
(٥) الملامسة: وهو اللمس باليد كأن يقول: إذا لمست المبيع وجب البيع. انظر: البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩١) . مسلم بشرح النووي (ج ٥، ص ٢) .
(٦) المنابذة: بأن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينذر إليه الاخر بثوبه دون تراضى أو نظر. انظر: البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩٢) . مسلم بشرح النووي (ج ٥، ص ٢) .
(٧) المزابنة: وهو شراء التمر بالتمر وهو على رؤوس النخل، ينظر: مسلم بشرح النووي (ج ٥، ص ١٦، ١٧) . أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٦٥٨) . الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٣٣٢) .
(٨) السمسرة: وهو أن يتوكل الرجل من الحاضرة للبادية فيبيع ما يجلبونه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٤، ص ٣٨٠) .
(٩) الدارمي، السنن (ج ٢، ص ٢٤٨) . الترمذي، الصحيح (ج ٦، ص ٥٥) .
(١٠) م. ن (ج ٢، ص ٢٤٨) . م. ن (ج ٦، ص ٥٥) .
(١١) الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٢١٤) .
(١٢) السمهودي، وفاء الوفا (ج ٢، ص ٢٤٩) . بيروت، طبعة إحياء التراث العربي.
(١٣) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٥٧) .
(١٤) م. ن (ج ٣، ص ٧٧) .
[ ١٧٠ ]
وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه بدم ولا مال»» .
وترد إشارة إلى أن النبي ﷺ في فترة لاحقة ولى عمر بن الخطاب أمر السوق في المدينة، في حين ولى سعيد بن العاص أمر السوق في مكة «٢» .
ولقد قامت الدولة بتنظيم شؤون التجارة، فكان لابد من كتابة الديون كنوع من التوثيق من أجل حفظ حقوق الاخرين، وتشير الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] وكان النبي ﷺ يكتب ما يبيعه وما يشتريه فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) نص هذا الكتاب، حيث جاء فيه «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ، اشترى عبدا أو أمة (شك الراوي) لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم» «٣» .
وكانت المرونة والحرية والانفتاح سمة من سمات الدولة في فترة الرسالة، حيث سمح للمسلمين بالتعامل التجاري بحرية حتى مع الكفار، روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن النبي ﷺ اشترى شاة من مشرك «٤»، وتبايع مع اليهود واقترض منهم فقد اشترى النبي ﷺ طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد «٥» .
أما «النقود المتداولة» في فترة الرسالة، فكانت تتمثل في «الدينار» «٦» وهو عملة مضروبة في بيزنطة من الذهب الخالص «٧»، وكان الناس يتعاملون به وزنا إذا كثر، وعدّا إذا قل، وقد أقر الرسول ﷺ التعامل مع هذه الدنانير على ما كانت عليه في الجاهلية، وكان «الدرهم» «٨» من النقود التي تعامل بها الناس، وهو مضروب في
_________________
(١) الدارمي، الصحيح (ج ٢، ص ٢٤٩) .
(٢) الحلبي، السيرة (ج ٣، ص ٣٤٥) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٦٧) . الترمذي، الصحيح (ج ٥، ص ٢٢٠، ٢٢١) . حميد الله، مجموعة الوثائق (ص ٣١٧) . داء: العيب الباطن في السلعة. غائلة: المغيبة أو المسروقة. الخبثة: الضالة. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ١١، ص ٥٠٩)، (ج ١٤، ص ٢٨٩) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ١٠٥) .
(٥) م. ن (ج ٣، ص ٧٤، ١٦٨) .
(٦) سمير شما، النقود المتداولة في عصر الرسول وعصر الخلفاء الراشدين، بحث مقدم إلى الندوة الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية، جامعة الرياض، (١٤٠٢ هـ، ١٩٨٢ م)، (ص ٥، ٦) .
(٧) الدينار، يزن (٤، ٢٥) جرام من الذهب. انظر: شما، النقود المتداولة (ص ٦) .
(٨) الدرهم، يساوي ستين شعيرة. انظر: الريس، الخراج (ص ٣٦٣) . صبحي الصالح، النظم (ص ٤٢٧) . شما، النقود المتداولة (ص ٦) .
[ ١٧١ ]
بلاد فارس، وكانت هذه الدراهم تختلف من حيث الوزن والحجم اختلافا كبيرا مما أدى إلى أن يتعامل الناس بها وزنا لا عدّا «١» .
ويلاحظ أن الدرهم كان مستعملا بشكل كبير، ولذا فقد كان صداق الرسول ﷺ لنسائه- في الغالب- خمسمائة درهم «٢» .
لقد امتهن بعض الصحابة مهنة «الصيرفة» اتضح ذلك من قول بعض الصحابة:
«كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألناه عن الصرف، فقال: «إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسّاء فلا يصلح» «٣»، ويذكر أن النبي ﷺ اعتمد سعر السوق اليومي في الصيرفة، روى أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) قول ابن عمر (ت ٦٨ هـ):
«قلت: يا رسول الله إنى أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير واخذ الدراهم، وأبيع الدراهم واخذ الدنانير، اخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» «٤»، وهذا يوضح مدى انتشار هذه المهنة في زمن الرسول ﷺ.
أما «الأوزان والمكاييل» المستعملة في هذه الفترة، فهي ذاتها التي عرفت قبل الإسلام ولكنها أصبحت مراقبة ومحددة وفقا للمعيار الذي يفرضه صاحب السوق، فعرفت في مكة «الأوزان» لأن طبيعة التعامل يقوم على التجارة في حين عرفت المكاييل في المدينة؛ لأنها ذات طابع زراعي «٥»، وقد جاء في الحديث: «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» «٦»، واندرجات وحدات الكيل ما بين المد، والصاع، والوسق «٧» والجريب، والقفير، الذي يستخدم أيضا- شأنه شأن الجرايب- كمقياس أرضي «٨»، وكذلك واحدات الوزن متفاوتة بين الدرهم والثقال
_________________
(١) البلاذري، فتوح (ص ٦٥٢، ٦٥٣) . وقال ابن منظور (ت ٧١١ هـ): تزن كل سبعة دنانير عشرة من الدراهم، والدنانير الكثيرة عند العرب إذا بلغت أربعة الاف سميت «قنطارا» . اللسان (ج، ص ١١٩) .
(٢) ابن سلام، الأموال (ص ٥٠٠) . الماوردي، الأحكام (ص ١١٩) . وانظر: أبا يعلى، محمد بن الحسين بن الفراء (ت ٤٥٨ هـ)، الأحكام السلطانية، تحقيق محمد حامد الفقي (ط ٣) بيروت دار الفكر، (١٣٩٤ هـ، ١٩٧٤ م)، (ص ١٢٥) .
(٣) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ٩٨) .
(٤) أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٦٥٠، ٦٥١) .
(٥) بيضون، تجارة المدينة (ص ٢١- ٢٢) .
(٦) أبو داود، السنن (ج ٣ ص ٦٣٣- ٦٣٦) . النّسائي، السنن (ج ٧، ص ٢٨٤) .
(٧) الوسق، ستون صاعا بصاع النبي ﷺ. انظر: أبو يوسف، الخراج (ص ٥٣) .
(٨) أبو يوسف، الخراج. والريس، الخراج (ص ٢٩٠) .
[ ١٧٢ ]
والقيراط والأوقية والرطل والقنطار «١»، والتي اعتبرت الواحدات الأساسية للوزن في العهد الأول «٢» .
وتشير الروايات إلى أنه كان يقوم بالأسواق من يزن للناس، وكانت هذه وظيفة خاصة، يقوم بها بعضهم مقابل الأجر، فقد روى الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) أن النبي ﷺ مر بالسوق، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال النبي ﷺ: «زن وأرجح» «٣»، ووجدت هذه الوظيفة في سوق مكة، روى النّسائي (ت ٣٠٣ هـ) عن سماك بن سويد أن قيسا قال: جلبت أنا ومخرقة العبدي بزّا من هجر فأتانا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ووزان يزن بالأجر، فاشترى منا سراويل، فقال للوزان: «زن وأرجح» «٤»، ومما يشعر بوجود هذه الوظيفة في زمن الرسول ﷺ أن البخاري (ت ٢٥٦ هـ) وضع بابا سماه «الكيل على البائع والمعطي» «٥» وقد علق عليه ابن حجر (ت ٨٥٤ هـ) بقوله:
«أي مؤنة الكيل على المعطي، بائعا كان أو موفي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن» «٦» .
لقد كانت هذه التنظيمات تتناسب مع أهداف الإسلام العامة، في تحقيق معنى العدالة، وبناء مجتمع فاضل يقوم أساسه على الرحمة والحب والإخاء والتعاون.
_________________
(١) ابن منظور، اللسان (ج ٥، ص ١١٨، ١١٩) .
(٢) بيضون، تجارة المدينة (ص ٢١، ٢٢) .
(٣) الدارمي، السنن (ج ٢ ص ٢٦٠) . أبو داود، السنن (ج ٣ ص ٦٣١) . الترمذي، الصحيح (ج ٧، ص ٢٨٤) . النّسائي، السنن (ج ٦، ص ٣٩، ٤٠) . الكتاني، التراتيب (ج ٢، ص ٣٢) .
(٤) النّسائي، السنن (ج ٧، ص ٢٨٤) .
(٥) ابن حجر، فتح الباري (ج ٩، ص ٢٠٠) .
(٦) م. ن (ج ٩، ص ٢٠٠) .
[ ١٧٣ ]
الفصل الرابع الإدارة المالية