كانت الأموال التي ترد إلى بيت المال في عصر الرسول ﷺ إما نقدية (ذهب، فضة، دينار، درهم)، وإما عينية (مزروعات، ثمار، حيوانات) . ولكل صنف من هذه الأصناف مكان خاص تحفظ به.
فأما «الأصول النقدية» فكانت تحفظ في بيت النبي ﷺ أو بيوت أصحابه، وتولى بعض الصحابة وظيفة حفظ هذه الأموال وكتابتها، فيذكر المسعودي (ت ٣٤٥ هـ) أن الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ)، وجهيم بن الصلت كانا يكتبان أموال الصدقات «١»، وقد حض الإسلام بشكل كبير على التوثيق، والكتابة في الأموال الخاصة «كالدين» «٢» وهذا ينطبق بشكل أكثر أهمية على أموال الدولة العامة، ويتضح هذا من إشارة الجهشياري (ت ٣٣١ هـ) إلى أن حنظلة بن الربيع كاتب رسول الله ﷺ كان يقوم بحفظ وتسجيل ما يرد إلى بيت المال من واردات، ثم يرفع تقريره عن محتويات بيت المال في مدة أقصاها ثلاثة أيام، فيقوم النبي ﷺ بتوزيعها «فلا يبيت وعنده شيء عنه» «٣» ويذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في هذا الصدد أن النبي ﷺ صلى العصر ثم أسرع فدخل بيته، فلما سئل عن سبب ذلك قال: «كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة، فكرهت أن أبيته فقسمته» «٤»، ويذكر مسلم (ت ٢٦١ هـ) أن قوما من مضر أتو النبي ﷺ فتمعر وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فدخل بيته فلم يجد شيئا، ثم خطب الناس فطلب منهم التبرع لسد حاجتهم «٥» .
وتشير المصادر إلى أن توزيع الأموال لم يكن له موعد ثابت، فروى البخاري (ت ٢٥٦ هـ): «أن رسول الله ﷺ أتي بمال من البحرين- ثماني مائة ألف
_________________
(١) المسعودي، التنبيه والإشراف (ص ٢٤٥، ٢٤٦) . وانظر: ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج ٢، ص ٢٩٥) . الأنصاري، المصباح المضئ (ج ١، ص ١١٤) .
(٢) راجع اية الدين سورة البقرة (اية: ٢٨٢) .
(٣) الجهشياري، الوزراء الكتّاب (ص ١٢، ١٣) . وانظر: ابن مسكويه، تجارب الأمم (ص ٢٩٢) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٤٠) .
(٥) مسلم بشرح النووي (ج ٧، ص ١٠٢، ١٠٣) .
[ ١٧٩ ]
درهم- فقال: انثروه في المسجد فما قام من محله حتى أمضاه «١» ولكن في كل الأحوال كانت هذه الأموال توزع في مدة أقصاها ثلاثة أيام من تاريخ وصولها إلى المدينة»» .
وكان التوزيع يتم بواسطة سجل تكتب فيه أسماء من يأخذون العطاء في المدينة، فقد ذكر الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ): «أن حكيم بن حزام محا نفسه من الديوان بعد وفاة رسول الله ﷺ» «٣»، ويتضح ذلك من خلال ما ذكره ابن مالك الأشجعي: «أنه كان يدعى إلى العطاء من قبل عمار بن ياسر أيام رسول الله ﷺ» «٤» .
أما «الأموال العينية» فكانت تجمع في مكان خاص تحت إشراف الرسول ﷺ، فقد ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ): «أن النبي ﷺ كان يستعمل دار رملة بنت الحارث كبيت للمال يجمع فيه الأسرى والغنائم» «٥»، وذكر أحمد (ت ٢٤١ هـ) في مسنده قول دكين بن سعيد المازني: «أتينا النبي ﷺ وكنا أربعين راكبا وأربعمائة نسأله الطعام فقال لعمر: «اذهب فأعطهم» فقال عمر: يا رسول الله، ما بقي إلّا اصع من تمر ما أرى أن يقضي، قال: اذهب فأعطهم، قال سمعا وطاعة، فارتقى بنا إلى علية فأخذ المفتاح من حجزته، ففتح» «٦»، ويفيد النص أن فائض المواد الغذائية كانت تحفظ في علية للرسول. وذكره البخاري (ت ٢٥٦ هـ): «أن هذه العلية كانت غرفة فوق مسجد وبيوت الرسول ﷺ وكان يخلو فيها أحيانا» وتشعر الرواية أن عمر كان يقوم بحفظ هذا الجزء من محتويات بيت المال. ويذكر ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) «أن بلال بن رباح كان خازن رسول الله ﷺ «٧»، وكان يجيز الوفود بأمر رسول الله ﷺ ويزودهم بجوائز نقدية وعينية «٨»، وذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) قول عطاء بن السائب أنه: «لما بويع أبو بكر بالخلافة أصبح غاديا إلى السوق، ومعه أثواب يتجر بها،
_________________
(١) البخاري، الصحيح (ج ٤، ص ١١٩) . وانظر العسكري، الأوائل (ص ١٠٣) .
(٢) إشارة إلى حديث حنظلة: «أن النبي ﷺ طلب منه أن يذكره بكل شيء لثالثه» . انظر: الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص ١٢، ١٣) .
(٣) الجاحظ، العثمانية (ص ٢٢٣) . وانظر: ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٢، ص ٤١) .
(٤) البيهقي، السنن (ص ٣٤٦) .
(٥) ابن سعد، الطبقات (ج ٢، ص ١٦١) .
(٦) أحمد، المسند (ج ٤، ص ١٧٤) . وانظر: أبو داود، السنن (ج ٥، ص ٤٠٣) . حجزته: ثناء المنطق أو دكة السروال. انظر: الرازي، مختار الصحاح (ص ١٢٤) .
(٧) البخاري، الصحيح (ج ٣، ص ١٠٦) .
(٨) ابن حجر، الإصابة (ج ١، ص ١٦٥) .
[ ١٨٠ ]
فلقيه عمر بن الخطاب، فقال: كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟، قال: فمن أين أطعم عيالي؟، قال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة عامر بن الجراح..» «١» ويمكن القول من خلال مجموعة من النصوص السابقة: إنه لم يكن هناك وظيفة ثابتة تسمى «أمين بيت المال» لشخص معين، وإن كان تولاها بشكل كبير بتكليف من النبي ﷺ كل من بلال بن رباح وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح.
وذكر أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) أنه كان للنبي (وكيل على أموال خيبر يحافظ عليها، ويعطي فيها بأمر الدولة، فقد ذكر قول جابر بن عبد الله (ت ٧٤ هـ) الذي جاء فيه: «أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله ﷺ فقال: «إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك اية، فضع يدك على ترقوته» «٢» .
وهذا يفيد بوجود علاقة سرية بين رسول ﷺ وبين وكيله «٣»، مما يدل على الدقة المتبعة في إدارة المال والمحافظة عليه، وتوثيق المصروفات التي يقوم بها الوكيل بأمر الرسول ﷺ وكانت «الأنعام» تشكل جزا من الإيرادات العينية تؤخذ صدقة أو فيئا أو خمسا، فكانت تجمع في مكان خاص، ويقوم الرسول ﷺ بإحصائها ووسم ما للصدقة منها؛ لتميزه عن غيره، يتضح هذا مما رواه البخاري (ت ٢٥٦ هـ) عن أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) قال: «غدوت إلى رسول الله ﷺ فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة» «٤» .
وكانت هذا الأنعام تمكث فترة معينة قبل قسمتها، وهذا يتطلب أن يهيئ لها مساحات واسعة لمعيشتها ورعيها، فظهر نتيجة لذلك ما يسمى «بالحمى»، فحمى النبي ﷺ أرض النقيع «٥»، فكانت ترعى فيه الإبل والخيل المعدة للغزو في سبيل الله «٦» .
لقد راعت الدولة في «الحمى» ألايؤدي إلى التضييق على إبل المسلمين
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٩٩، ٣٢٣، ٣٣٣، ٣٤٧، ٢٥٦) . ابن الجوزي، تلقيح مفهوم الأثر (ص ١٢٨) .
(٢) ابن حجر، فتح الباري (ج ٤، ص ٣٠٤) .
(٣) أبو داود، السنن (ج ٤، ص ٤٨)، وذكر ابن الأثير أن هذا الوكيل هو مروان بن الأجدع الانصاري. انظر: ابن الأثير، أسد الغابة (ج ٤، ص ٣٤٨) .
(٤) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٦٠) .
(٥) الشافعي، الأم (ج ٤، ص ٤٧) . أبو عبيد، الأموال (ص ٤١٧) . البلاذري، أنساب الأشراف، بغداد، مكتبة المثنى، د. ت (ج ٥، ص ٣٨) . وانظر: صالح أحمد العلي، الحمى في القرن الأول الهجري، مجلة العرب، الرياض، (١٣٨٩ هـ، ١٩٦٩ م)، مجلد (٣)، (ج ٧، ص ٥٧٧- ٥٩٩) . قال الواقدي: والنقيع على بعد ليلتين من المدينة. وانظر: ياقوت، معجم البلدان (ج ٥، ص ٣٠١، ٣٠٢) .
(٦) أبو عبيد، الأموال (ص ٤١٧) .
[ ١٨١ ]
ومواشيهم، يقول الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): «إنه بلد- أي النقيع- ليس بالوسيع حين حماه رسول الله ﷺ ووضعه تحت الأحماء لا يضر بأهل المواشي حوله إذ كانوا يجدون فيما سواه سعة لأنفسهم، مواشيهم» «١» وتشير المصادر إلى أن الدولة كانت تستخدم هذه الإبل قبل تقسيمها في المصالح العامة، فذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) «أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة أي لم يناسبهم جوها، فمرضوا فرخص لهم الرسول ﷺ أن يخرجوا إلى مكان إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها ويغيروا هواءها ففعلوا» «٢» وروى أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) أن النبي ﷺ استخدم إبل الصدقة في الجهاد «٣» .
أما تنظيم حفظ المال في الأمصار فصورة غير واضحة وربما كانت بيوت الولاة والعمال أو المساجد هي الأماكن المعدّة لحفظ المال كما كان الأمر في عاصمة الدولة ذلك بأنّ كثيرا من هذه الأموال تحتاج إلى وقت طويل حتى يتم جمعها وتوزيعها، وكذلك لا تستحق الصدقة عليها في وقت واحد لاختلاف أنواعها ومواسمها.
_________________
(١) الشافعي، الأم (ج ٤، ص ٤٧) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٦) .
(٣) أبو داود، السنن (ج ٣، ص ٦٥٣) .
[ ١٨٢ ]
الإدارة في عصر الرّسول ﷺ
الفصل الخامس الإدارة العسكرية
أولا: التمويل.
ثانيا: الخدمات المساعدة.
ثالثا: القيادة.
رابعا: التخطيط وأساليب القتال.
[ ١٨٣ ]