وتعتبر الخلافة فريضة من فروض الكفايات كالجهاد والقضاء، فإذا قام بها من هو أهل لها سقطت الفريضة عن الكافة، وإن لم يقم بها أحد أثم كافة المسلمين حتى يقوم بأمر الخلافة من هو أهل لها.
ويرى البعض أن الاثم يلحق فئتين فقط من الأمة الإسلامية أولها أهل الرأي حتى يختاروا خليفة والثانية من تتوفر فيهم شرائط الخلافة حتى يختار أحدهم خليفة (١).
والحق أن الإثم يلحق الكافة لأن المسلمين جميعًا مخاطبون بالشرع وعليهم إقامته، ومن أول واجباتهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وليس أحدهم مأمور بأن ينظر فقط إلى
_________________
(١) " الأحكام السلطانية " للفراء الحنبلي: ص ٣، و" الأحكام السلطانية " للماوردي: ص ٤.
[ ١٢٤ ]
نفسه وما في يده من الأمر، وإنما عليه أن يعمل على إقامة الدين على نفسه وعلى غيره، وعلى ما في يده وعلى ما في يد غيره، وإذا كان الإختيار متروكًا لفئة من الناس، فإن من واجب الأمة كلها أن تحمل هذه الفئة على أداء واجبها وإلا شاركتها في الإثم، بل من واجب الأمة أن تنحي هذه الفئة - إذا لم تقم بواجبها - وأن تقدم غيرها، لأن الأمة اختارتها وألقت إليها بأمرها لتمثل الجماعة الإسلامية فإن لم تؤدي واجبها سقطت عنها صفتها بما ارتكبت من إثم، وزالت عنها صفة النيابة عن الأمة وكان على الأمة أن تختار فئة أخرى تنوب عنها وتمثلها في اختيار الخليفة.
ولقد اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وفريضتها، وعلى أن إقامة إمام عادل في الأمة يقيم فيها أمر الله ويسوسها بأحكام الشرعية إنما هو من أوجب الواجبات على الأمة، ولم يشذ عن هذا الرأي من الأمة الإسلامية كلها إلا الأصم من المعتزلة وفريق النجدات من الخوارج وهي فرقة بادت ولم يبق منها أحد، فقد قالوا بأن إقامة الخلافة ليست فريضة وإنما الفريضة هي إقامة الشريعة وإمضاء أحكامها، وحجتهم أن الأمة إذا تواطأت على العدل وتنفيذ أحكام الإسلام، فلا حاجة لإمام، وإذا لم تكن حاجة لإمام فتعيينه غير واجب وإنما هو جائز (١).
_________________
(١) " المواقف ": ص ٦٠٣، " الملل والنحل ": جـ ٤ ص ٨٧، " المسامرة ": جـ ٢ ص ١٤٢، " مقدمة " ابن خلدون: ص ١٨١، ١٨٢.
[ ١٢٥ ]
وقول هؤلاء فيه ما يكفي للرد عليهم. فإذا كان الواجب بحسب قولهم هو إقامة الشريعة الإسلامية فإن أداء هذا الواجب يقتضي أن تختار الأمة شخصًا تكل إليه القيام بهذا الواجب، إذ لا يمكن عقلًا أن تتواطأ الأمة كلها على إقامة الشريعة، وإذا تواطأت على إقامتها فلا يمكن أن تتفق على طريقة التنفيذ، ولا يمكن أن تنفذ الشريعة وتقام إذا ترك لكل فرد أن يقيمها وينفذها بحسب ما يرى والأراء تختلف بطبيعة الحال، فوجب إذن أن تختار الأمة من تكل إليه إقامة الشريعة وإمضاء أحكامها، وإذا كان اختيار خليفة أو إمام أمرًا واجبًا لإقامة الشريعة وكانت إقامة الشريعة واجبة تعين أن يكون اختيار الإمام أو الخليفة أمرًا واجبًا أيضًا ما دام الواجب وهو إقامة الشريعة لا يتم إلا به وذلك طبقًا لقاعدة «مَا لاَ يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ» وهي قاعدة أساسها المنطق السليم.
على أن هؤلاء المخالفين إذا كانوا قد رأوا بصفة عامة أن الإمامة جائزة لا واجبة فإن منهم من أوجبها في بعض الأحوال وهؤلاء الموجبون لها في بعض الأحوال اختلفوا فمنهم من أوجبها عند الأمن وأجازها في الفتنة، ومنهم من أوجبها في الفتنة وأجازها في الأمن، وفي هذا التردد بين الوجوب والجواز وفي الخلاف على وقت الوجوب ووقت الجواز في ذلك كله ما يقطع بين هؤلاء المخالفين قد جانبوا الصواب.