السلطان في القديم والحديث لم يخرج عن أن يكون سلطانًا ماديًا، أو سلطانًا روحيًا، فإذا تكلمنا عن هذين النوعين من السلطان بالنسبة للدول فإن السلطان المادي هو سلطان الحكم، أما السلطان الروحي فهو سلطان الأنبياء والمصلحين وأصحاب الآراء على العموم.
والسلطان المادي يفرض من الخارج، تفرضه على الناس القوة والغلبة، أما السلطان الروحي فيفرض من الداخل، يفرضه الناس على أنفسهم وتلزمهم إياه قلوبهم وأرواحهم وعقولهم.
والسلطان المادي في الدولة يستمد من قوة الدولة ويتركز
[ ١١٤ ]
في أشخاص الحكام القائمين عليها، أما السلطان الروحي فيستمد مِمَّا يجيء به الرسول أو المصلح لا من شخصه.
والناس دائمًا يخشون السلطان المادي ولا يثقون فيه، ويهربون من السلطان المادي كلما استطاعوا، فلا يطيعونه إلا كارهين ولا يسالمونه إلا مغلوبين ولا يؤازرونه إلا طامعين، واذا استطاعوا أن ينفلتوا من حكمه وكان في ذلك منفعة لهم فلن يصدهم عن الانفلات عقل ولا ضمير. أما السلطان الروحي فإن الناس يطلبونه قبل أن يطلبهم ويعبدون أنفسهم له قبل أن يستعبدهم ويربطون أنفسهم به راضين مسرورين.
والسلطان الروحي بالرغم مِمَّا له من أثر في الأفراد قد يتعطل سيره أو يضعف عمله إذا كان السلطان المادي مضادًا له، لأن في طباع الكثيرين من البشر أن يؤثروا الأمن والسلامة فيهملوا العمل بما يؤمنون به خشية أن يصيبهم أذى، أو يكتموه في أنفسهم فلا ينتقل إلى غيرهم.
كذلك في طبيعة الأفراد أنهم يشق عليهم أن يلزمهم السلطان المادي ما يجنبهم إياه السلطان الروحي، وأنهم يميلون إلى مقاومة السلطان المادي للتخفيف عن أنفسهم وإرضاء ضمائرهم، وهذه المقاومة مهما كانت ضعيفة تؤدي بمرور الزمن إلى تفويض السلطان المادي أو إضعافه.
فإذا بني السلطان المادي على أساس من السلطان الروحي كان ذلك أدعى إلى إسعاد الجماعة وتضامنها وتوثيق الصلات
[ ١١٥ ]
بين أفرادها وبث الثقة بين المحكومين والحاكمين، بل إن ذلك يوفر على الحاكمين مشقة التنفيذ والمراقبة لأن كل فرد يقيم من نفسه رقيبًا على نفسه ويقبل على أداء واجبه إرضاء لضميره. لا خشية العقاب، والنتيجة الطبيعية لهذا كله هي ثبات الأنظمة وحرص الحاكمين والمحكومين عليها.
وبهذا الذي يلائم طبائع البشر ويدعو إلى استجوابتهم، ويوفر لهم السعادة والحب والأمن ويصرفهم إلى الخير، بهذا كله نزل القرآن على قلب مُحَمَّدٍ - ﷺ -، حيث ربط السلطان المادي وهو سلطان الدولة بالسلطان الروحي وهو سلطان الدين، وأقام السلطان المادي على دعامة من السلطان الروحي وفي حدوده، وجعل من الإسلام عقيدة ونظامًا ودينًا ودولة.