الشورى دعامة من دعائم الإيمان، وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، سَوَّى اللهُ بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]. فجعل للاستجابة لله نتائج وَبَيَّنَ لنا أبرزها وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والإنفاق.
وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، لا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة.
وما دامت الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا
[ ١٩٣ ]
بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة والسياسة والتشريع، وكل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم.
ولقد أوجب الله على رسوله - وهو الذي ينزل عليه الوحي بالتشريع والتوجيه وحل المشكلات - أن يستشير المسلمين فقال - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فأمره أمرًا جازمًا بأن يستشيرهم، وما أمر الله نبيه - ﷺ - بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل، وأن يحملهم على الاقتداء بالرسول، وأن يرفع من أقدارهم بإشراكهم في الحكم، وتعويدهم على مراقبة الحكام، وأن يَحُولَ بين الحكام والاستئثار بالحكم والتعالي على الناس.
وروي عن الرسول أنه لما نزلت ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال: «أَمَا إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْهَا - أي المشورة - وَلَكِنْ جَعَلَهَا اللهُ رَحْمَةً لأُمَّتِي فَمَنْ اسْتَشَارَ مِنْهُمْ لَمْ يُعْدَمْ رُشْدًا وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُعْدَمْ غَيًّا» وفي هذا الحديث حض شديد على الشورى، فهو يبين لنا أن الشورى تهدي إلى الرشاد، وأن الاستبداد بالرأي يهدي إلى الغي والضلال، وروي عن الحسن
[ ١٩٤ ]
أنه قال في تفسير ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]: «قد علم الله ما به إليهم من حاجة ولكنه أراد أن يستن برسوله من بعده».
وللرسول - ﷺ - أحاديث أخرى في الحض على الشورى، فيروى عنه أنه قال: «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ» وقال: «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» وقال: «مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلاَّ هُدُوا [لأَرْشَدِ] أَمَرِهِمْ» (**).
وقد تنبه الفقهاء لهذا كله ولم يفتهم ما تحمل هذه النصوص جميعًا من المعاني فقرروا أن الشورى من أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها، ومن عزائم الأحكام التي لا بد من نفاذها، ورتبوا على ذلك أن من ترك الشورى من الأحكام فعزله واجب دون خلاف (١).