ولما حضرت الوفاة أبا بكر استشار كثيرًا من الصحابة في تولية عمر، ثم كتب للناس خطابًا جاء فيه: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وَلَمْ آلُكُمْ خَيْرًا». وأمر به أن يقرأ على الناس فجمعوا وقرئ عليهم، وكان أبو بكر قد أشرف عليه فقال «أَتَرْضُونَ بِمَنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ؟ فَإِنِّي مَا اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا».
ولما استشار أبو بكر بعض الصحابة في عمر قبل أن يكتب
[ ١٤٨ ]
للناس قال: «لَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُ عُثْمَانَ، وَالْخِيرَةُ لَهُ - أي لعمر - أَنْ لاَ يَلِيَ مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا» (١).
فهذا أبو بكر لا يفتات على الناس فهو يختار لهم ويجعل اختياره متوقفًا على رضائهم به ومتوقفًا على رضاء عمر، ولو رفض عمر ما وسعه أن يلزمه، ولو رفض الناس تولية عمر لما ألزمهم إياه، وإنما أحسن أبو بكر الاختيار ووثق به المسلمون وبحسن اختياره فكانوا عند حسن ظنه بهم، ولولا أنه كان يعلم الحق أنه نصح واجتهد للمسلمين في اختيار عمر لما فعلها.
ومن الخطأ أن نعتبر ما حدث من أبي بكر اختيارًا للخليفة من بعده، فلو كَانَ فِعْلُ أبي بكر في حقيقته اختيارًا لما سأل الناس أيرضون بعمر أم لا يرضون، وإنما كان فعل أبي بكر في حقيقته ترشيحًا لمن يراه أقدر على القيام بأمر الناس، وإذا كان الترشيح ممن يحسن الناس به الظن ويأمنونه على مصالحهم يعتبر في حكم الاختيار إلا أنه ليس ترشيحًا في واقع الأمور وفي فقه الفقهاء، والاختيار لا يكون ولا يصح إلا ممن لهم حق الاختيار.
وأبو بكر لا يملك أن يختار الخليفة بعده وإن كان يقوم على أمر الجماعة، لأنه نائب الجماعة استخلفه عليها لمهمة معينة يراعى فيها شخصية النائب، وليس للنائب أن يختار غيره
_________________
(١) " الكامل " لابن الأثير: جـ ٢ ص ١٧٨، ١٧٩.
[ ١٤٩ ]
ما دامت النيابة ملحوظًا فيها شخصية النائب، كذلك فإن الجماعة استخلفت أبا بكر لمدة حياته فإذا صح له أن يختار من ينوب عنه في حياته فليس له أن يختار من يقوم مقامه بعد وفاته، لأن نيابته تنتهي بوفاته فإذا اختار من يقوم على أمر الأمة بعد وفاته فقد خرج على حدود نيابته، أو لا يكون اختياره إلا ترشيحًا إن شاءت الجماعة التي هي صاحبة الحق في الاختيار أن تأخذ به فعلت، وإن شاءت رفضت ولا تثريب عليها.
ولو كان فعل أبي بكر اختيارًا واستخلافًا فعليًا لما كان هناك ما يدعو لأن يبايع الناس عمر بعد ذلك، فبيعة الناس لعمر هي التي جعلته خليفة وما انعقدت خلافته إلا بهذا دون غيره.
وإذا كان ما فعله أبو بكر ليس إلا ترشيحًا فينبغي أن نعلم أن أبا بكر لم يرشح عمر للخلافة إلا بعد أن استشار خاصة الصحابة، فلما قبلوا هذا الترشيح كتب وعلق الأمر على اختيار عامة الناس.
وبعد فإن أبا بكر أبر وأتقى من أن يعطل قول الله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، واختيار الخليفة القائم لمن يتولى بعده دون رجوع أهل الرأي وتكينهم من الاختيار في حرية تامة ليس إلا تعطيلًا صريحًا لهذا النص الذي أوجب الله على الأمة العمل به.