مهمة هذه السلطة هي توزيع العدالة بين الناس والحكم في المنازعات والخصومات والجرائم والمظالم، واستيفاء الحقوق ممن مطل بها وإيصالها إلى مستحقيها والولاية على فاقدي الأهلية والسفهاء والمفلسين، والنظر في الأوقاف وأموالها وغلاتها إلى غير ذلك مِمَّا يعرض على القضاء.
والإسلام يوجب على القضاة أن لا يجعلوا لأحد عليهم سلطانًا في قضائهم، وأن لا يتأثروا بغير الحق والعدل، وأن يتجردوا عن الهوى وأن يسووا بين الناس جميعا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥].
وتاريخ القضاء الإسلامي قاطع في أن القضاة كانوا دائمًا مستقلين في عملهم لا سلطان لأحد عليهم إلا الله، ولا يخضعون
[ ٢٣٥ ]
في قضائهم إلا لما يقضي به الحق والعدل.
من ذلك أن ابراهيم بن اسحق قاضي مصر سنة ٢٠٤ هـ اختصم إليه رجلان فقضي على أحدهما فشفع إلى الوالي فأمره الوالي أن يتوقف في تنفيذ الحكم، فجلس القاضي في منزله حتى ركب إليه الوالي وسأله الرجوع إلى عمله، قال: لا أعود إلى ذلك المجلس أبدًا، ليس في الحكم شفاعة. ووقع بين أم المهدي وبين أبي جعفر المنصور خصومة، فتحاكما إلى غوث بن سليمان قاضي مصر، فحكم لصالح أم المهدي ضد الخليفة.
وقضي خير بن نعيم على أحد الجنود بالحبس فأخرجه الوالي من المحبس، فاعتزل خير بن نعيم وجلس في بيته فلما طلب منه الوالي الرجوع لعمله قال: لا حتى يعود الجندي إلى المحبس.
ولقد قضى شريح على عمر بن الخطاب في خلافته، وقضى ضد علي بن أبي طالب في خلافته، وكلاهما ترافع إليه وهو يعتقد أنه على حق، والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًا.
والإمام هو الذي يولي القضاة بصفته نائبًا عن الأمة، وله الإشراف عليهم وعزلهم بهذه الصفة ولا يعتبر القضاة بمجرد تعيينهم نوابًا عن الإمام، إنما يعتبرون نوابًا عن الأمة، ولذلك لا يعزلون عن عملهم بموت الإمام أو عزله،
[ ٢٣٦ ]
كما أن الإمام لا يملك عزلهم لغير سبب يوجب العزل.
وعلى هذا الأساس يعتبر القضاة سلطة مستقلة مصدرها الأمة، وإذا كان الإشراف على هذه السلطة للإمام فإنما يشرف عليها بصفته نائبًا عن الأمة.
ويلاحظ أن التقاليد الإسلامية جرت من أول عهد الإسلام على أن يباشر رئيس الدولة القضاء، فقد كان رسول الله - ﷺ - يقضي بين الناس وكذلك كان الخلفاء الراشدون، وكان المتفقهون من الخلفاء بعدهم يقضون، ثم انتهى الأمر إلى ترك القضاء للقضاة المختصين به، ولعل ذلك راجع إلى عدم إلمام الخلفاء بالفقه أو عدم مرانهم على القضاء.