الأصل في الشريعة الإسلامية أنها جاءت للناس لتحكمهم في كل حالاتهم، وليحكموها في شؤون دنياهم وآخرتهم، ولكن الشريعة مع هذا لم تأت بنصوص تفصيلية تبين حكم كل الحالات الجزئية والفرعية، وإنما اكتفت الشريعة في أغلب الأحوال
[ ٢٣٢ ]
بإيراد الأحكام الكلية والمبادئ العامة، فإذا تعرضت لحكم فرعي فنصت عليه فإنما تنص عليه لأنه يعتبر حُكْمًا كُلِّيًّا أو مبدأ عامًا بالنسبة لما يدخل تحته من فروع أخرى.
والأحكام الكلية والمبادئ العامة التي نصت عليها الشريعة تعتبر بحق القواعد العامة للتشريع الإسلامي، والهيكل الذي يمثل معالم التشريع الإسلامي، والضوابط التي تحكم التشريع الإسلامي.
وقد تركت الشريعة لأولي الأمر والرأي في الأمة أن يتموا بناء التشريع على هذه القواعد، وأن يستكملوا هذا الهيكل فيبينوا دقائقه وتفاصيله في حدود المبادئ والضوابط التي جاءت بها الشريعة.
والطريقة التي التزمتها الشريعة في التشريع هي الطريقة الوحيدة التي تتلاءهم مع شريعة كُتِبَ لها الدوام وجعل من صفاتها السمو والكمال، فصفة الدوام تقتضي أن لا ينص على حالات مؤقتة تتغير أحكامها بتغير الظروف وتوالي الأيام.
والسمو والكمال يقتضيان النص على المبادئ والنظريات الإنسانية والاجتماعية التي تكفل حياة سعيدة للجماعة، وتحقق العدل والمساواة والبر والتراحم بين أفرادها.
وإذا كانت الشريعة قد أعطت أولي الأمر والرأي في الأمة حق التشريع فإنها لم تعطهم هذا الحق مطلقًا من كل قيد، فحق هؤلاء التشريع مقيد بأن يكون ما يصنعونه من
[ ٢٣٣ ]
التشريعات متفقًا مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية. وتقييد حقهم في التشريع على هذا الوجه يجعل حقهم مقصورًا على نوعين من التشريع:
[أ] تشريعات تنفيذية: يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية، والتشريع على هذا الوجه يعتبر بمثابة اللوائح والقرارات التي يصدرها الوزراء اليوم كل في حدود اختصاصه لضمان تنفيذ القوانين الوضعية.
[ب] تشريعات تنظيمية: يقصد بها تنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة العامة، وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت فيه بنصوص خاصة:
ويشترط في هذا النوع من التشريعات أن يكون قبل كل شيء متفقًا مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، وإلا كان باطلًا بطلانا مطلقًا، فليس لأحد أن ينفذه وليس لأحد أن يطيعه.
ويمارس الإمام وحده السلطة التشريعية فيما يصدر من تشريعات تنفيذية، لأنها تعتبر من أعمال التنفيذ الحقيقية وإن كانت في شكلها تشريعًا.
ويمارس الإمام بالاشتراك مع أهل الشورى السلطة التشريعية فيما عدا ذلك في حدود الشورى وبقيودها التي سبق
[ ٢٣٤ ]
بيانها، فإذا ما انتهت بهم الشورى إلى إقرار تشريع ما استقل الإمام بتنفيذه، لأنه هو القائم على سلطة التنفيذ.