هذه هي سلطة الأمة جمعاء في مراقبة الحكام وتقويمهم، وينوب عن الأمة في القيام بها أهل الشورى والعلماء والفقهاء.
[ ٢٤١ ]
وهذه السلطة مقررة للأمة من وجهين:
أحدهما: أن الأمة يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب الله على الأمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ولقد بين لنا الرسول - ﷺ - أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى الفساد فقال: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ» وأوجب على كل قادر على تغيير المنكر أن يغيره ما استطاع لذلك سبيلًا، وجعل أدنى درجات التغيير عند العاجز أن يكره المنكر بقلبه، وأن يبغض فاعليه ويمقتهم عليه: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».
وثانيهما: أن الأمة هي مصدر سلطان الحكام باعتبارهم نوابًا عنها، وبما يلزم الله الحكام من الرجوع إلى الأمة واستشارتها في كل أمور الحكم والتزام ما يراه ممثلوها: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
[ ٢٤٢ ]
وإذا كانت الأمة هي مصدر سلطان الحكام، وكان الحكام نوابًا عنها، فللأمة أن تراقبهم في كل أعمالهم، وأن تردهم إلى الصواب كلما أخطأوا، وتقومهم كلما اعوجوا.
وسلطة الأمة في مراقبة الحكام وتقويمهم ليست محل جدل، فالنصوص التي جاءت بها قاطعة في دلالتها وصراحتها، وخلفاء الرسول - ﷺ - كانوا أول من عمل بها وطبقها، وما عطل هذه النصوص وأنكر سلطان الأمة إلا الذين فسقوا عن أمر الله، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، نصبوا من أنفسهم جبابرة على هذه الأمة يسلبونها حقوقها، وينكرون سلطانها، ويستعملون عليها وما فعلوا ذلك وما جرأهم عليه إلا سكوت الأمة عن إقامة أمر ربها، وتهاونها في الدفاع عن حقوقها والتمسك بسلطانها.
ولقد ولى أبو بكر الحكم بعد رسول الله - ﷺ - فكان أول ما تفوه به هو اعترافه بسلطان الأمة عليه وحقها في تقويم إعوجاجه. خطب أول خطبة له بعد المبايعة فقال فيها: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي».
وولى عمر الحكم فكان يقول في خطبة: «مَنْ رَأَى فِيَّ اعْوِجَاجًا فَلْيُقَوِّمْهُ» حَتَّى قَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: «وَاللهِ لَوْ رَأَيْنَا فِيكَ اعْوِجَاجًا لَقَوَّمْنَاهُ بِسُيُوفِنَا».
وكان عثمان يقول: «إِنْ وَجَدْتُمْ فِي كِتَاب اللهِ أَنْ تَضَعُوا
[ ٢٤٣ ]
رِجْلَيَّ فِي القَيْدِ، فَضَعُوا رِجْلَيَّ فِي القَيْدِ».
وكان أول ما قاله علي: «إِنَّ هَذَا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلاَّ مَنْ أَمَرْتُمْ. أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَمْرٌ دُونَكُمْ».
بل كان عليه صلحاء الأمة في العصور الأولى فما كانوا يتأخرون في الدفاع عن حقوق الأمة وسلطانها كلما واتتهم الفرصة.
كان بين عمر بن الخطاب ورجل كلام في شيء فقال له الرجل: «اِتَّقِ اللهَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ»، فَقَالَ لَهُ رَجِلَ مِنْ القَوْمِ: «أَتَقَُولُ لأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ اِتَّقِ اللهَ؟»، فَقَالَ عُمَرُ: «دَعْهُ فَلْيَقُلْهَا لِي نِعْمَ مَا قَالَ. لاَ خَيْرَ فِيكُمْ إِذَا لَمْ تَقَُولُوهَا لَنَا، وَلاَ خَيْرَ فِينَا إِذَا لَمْ نَقْبَلْهَا مِنْكُمْ».
وَصَعَدَ عُمَرُ المِنْبَرَ يَوْمًا وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ - وَالحُلَّةُ ثَوْبَانِ - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟»، فَقَالَ سَلْمَانُ: «لاَ نَسْمَعُ»، فَقَالَ عُمَرُ: «وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟»، قَالَ: «إنَّك قَسَّمْت عَلَيْنَا ثَوْبًا ثَوْبًا وَعَلَيْك حُلَّةٌ»، فَقَالَ: «لاَ تَعْجَلْ. يَا أبَا عَبْدِ اللَّهِ»، ثُمَّ نَادَى عَبْدَ اللَّهِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ»، فَقَالَ: «لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ»، فَقَالَ: «نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أَهْوَ ثَوْبُكَ؟»، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فَقَالَ سَلْمَانُ: «أَمَّا الآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ».
وحبس معاوية العطاء عن الناس ذات مرة فقام إليه أَبُو مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيِّ، فَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ وَلاَ مِنْ كَدِّ
[ ٢٤٤ ]
أَبِيكَ وَلاَ كَدِّ أُمِّكَ»، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَنَزَلَ عَنْ المِنْبَرِ، وَقَالَ لِلْنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ»، وَغَابَ عَنْهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ اغْتَسَلَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَلَّمَنِي بِكَلاَمٍ أَغْضَبَنِي، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ"، وَإِنِّ دَخَلْتُ فَاغْتَسَلْتُ، وَصَدَقَ أَبُو مُسْلِمٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّي وَلاَ مِنْ كَدِّ أَبِي فَهَلُمُّوا إِلَى عَطَائِكُمْ».
وأدخل سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور، فقال له: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فقال: «اتَّقِ اللهَ فَقَدْ مَلأْتَ الأَرْضَ ظُلْمًا وَجَوْرًا»، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فَقَالَ: «إِنَّمَا أُنْزِلْتَ فِي هَذِهِ المَنْزِلَةِ بِسُيُوفِ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا فَاتَّقِ اللهَ وَأَوْصِلْ إِلَيْهِم حُقُوقَهُم»، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فَقَالَ: «حَجَّ عُمَرُ فَقَالَ لِخَازِنِهِ: " كَمْ أَنْفَقْتَ؟ "»، قَالَ: «بِضْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَرَى هَاهُنَا أَمْوَالًا لاَ تُطِيقُ الجِمَالُ حَمْلَهَا»، ثُمَّ خَرَجَ.
فهؤلاء لم يواجهوا الخلفاء هذه المواجهة إلا بما للأمة من سلطان مراقبة الحكام وتقويم اعوجاجهم، وما قبل منهم الخلفاء هذا التحدي وما استجابوا لهم إلا لعلمهم أن للأمة سلطانًا، وأن عليهم أن يطأطئوا رؤوسهم لهذا السلطان.
[ ٢٤٥ ]