ولقد حاول محاول أن يشكك في تكوين الدولة الإسلامية في عهد الرسول - ﷺ -، فقال إن النبي لم يؤسس دولة، وبني ذلك على ما يظنه من فقدان بعض أركان الدولة ودعائم الحكم، وحدد هذا المفقود فقال: لماذا لم يعرف نظام الرسول في تعيين القضاء والولاة، ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وقواعد الشورى، ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه، ولماذا لم يكن للدولة ميزانية ودواوين تضبط شؤونها الداخلية والخارجية.
[ ١١٦ ]
وما زاد على أن خدع نفسه حين حاول أن يخدع الناس " ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٩، ١٠].
إن أركان الدولة طبقًا للفقه الدستوري والإداري لا تزيد على أربعة هي:
١ - وجود شعب، ولا شك في وجود الشعب في الدولة الإسلامية من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة.
٢ - الإستقلال السياسي، ويتوفر إذا لم تخضع الجماعة لغيرها، ولا جدال في أن المسلمين تمتعوا بهذا الإستقلال من يوم أن تجمعوا بالمدينة، فما عرف عنهم أنهم خضعوا في أمورهم الداخلية والخارجية لأي جماعة أخرى أو لغير توجيه الإسلام الذي دانوا به.
٣ - وجود إقليم تعيش عليه الجماعة بصفة مستمرة، ولقد كانت المدينة هي إقليم الدولة الإسلامية عاش فيه المسلمون بصفة مستمرة، وبدأ صغيرًا لا يتجاوز المدينة وبعض ضواحيها، ثم أخذ يتسع حتى شمل كل جزيرة العرب قبل وفاة الرسول - ﷺ -.
٤ - السلطان أو السيادة، وتكون إذا وجدت سلطة عامة يخضع لها جميع الأفراد، ولهذه السيادة وجهان: وجه داخلي
[ ١١٧ ]
بحيث يكون للقائمين على السلطان حق إصدار الأوامر لجميع أفراد الجماعة، ووجه خارجي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق تمثيل الجماعة أو الأمة والتصرف باسمها، وليس ثمة شك في أن هذا السلطان بوجهيه كان قائمًا في الدولة الإسلامية من يوم تجمع المسلمين في المدينة، وكان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي يمثل الجماعة الإسلامية في الخارج فيعقد مع الجماعات الأخرى المعاهدات والصلح ويعلن الحرب كما حدث في عهده لليهود وفي معاهدة الحديبية وفي غزوة بدر وغيرها من الغزوات، كذلك كان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي كان له حق إصدار الأوامر لجميع أفراد الأمة الإسلامية وكان عليهم واجب السمع والطاعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩].
وإذا كانت هذه الأركان الأربعة متوفرة في الوحدة التي ألفها المسلمون برئاسة النبي - ﷺ - فقد تكونت الدولة الإسلامية بحكم الفقه وبحكم الواقع، والتعلق بعد ذلك بالتنظيمات الداخلية إنما هو تعليق بما لا يفيد ولا ينتج.
إن الجهل بالتنظيمات الداخلية لدولة ما ليس حجة على أنها لم تكن دولة، وعدم تدوين تنظيمات هذه الدولة بدقة لا يطعن في وجود هذه الدولة وإلا اضطررنا أن نمحو من سجل الدولة كل دولة لم يثبت المؤرخون تفاصيل تنظيماتها أو لم يثبتوا شيئًا منها.
[ ١١٨ ]
وإذا كنا لم نعرف تفاصيل النظام الذي كان يتبعه الرسول في تعيين الولاة والقضاة فيكفي أن تعلم أنه عَيَّنَ ولاة وقضاة في جهات معينة، لنعلم أنه كان يفعل ذلك في الجهات الأخرى، وأنه بذلك يباشر سلطان الدولة من الوجهة الداخلية.
وليس سكوت الرسول عن التحدث عن نظام الحكم وقواعد الشورى بمؤثر على قيام الدولة التي قامت فعلًا بتوفر أركانها، على أن الرسول - ﷺ - لم يسكت عن نظام الحكم بل بينه خير بيان فالقرآن جعل أمر المسلمين شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وأمر الرسول أن يشاورهم في الأمر ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والتاريخ حافل بذكر الوقائع التي شاورهم فيها حتى لقد كان يشاورهم في تعيين الولاة ويروى عنه في ذلك قوله: «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا دُونَ مَشُورَةِ المُؤْمِنِينَ، لأَمَّرْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ» وهكذا جاء الرسول بمبدأ الشورى في الحكم وإقامه حكمه عليه، وإذا كان لم ينظم هذا المبدأ تنظيمًا نهائيًا فذلك لأن التنظيمات النهائية يجب أن لا تقبل التعديل بطبيعتها وكل تنظيم لمبدأ الشورى لا يمكن أن يكون إلا مؤقتًا لأن التنظيم ينظر فيه إلى ظروف الأشخاص وظروف الزمان والمكان وهي جميعًا ظروف متغيرة.
أما الاحتجاج بعدم وجود ميزانية ودواوين فهو من أعجب صور الاحتجاج، خصوصًا إذا كان هذا المحتج يقرر أن الدولة الإسلامية تكونت يوم استخلف ابو بكر، ولا شك أننا جميعًا نعرف أنه لم تكن ثمة ميزانية في عهد أبي بكر وأن
[ ١١٩ ]
الدواوين لم تدون إلا في عهد عمر فأي احتجاج أعجب من هذا الاحتجاج؟ وأي تناقض أبعد من هذا التناقض؟.