ولقد أوجد الإسلام من يوم إنشاء الدولة الإسلامية سلطة مستقلة أخرى لم تكن معروفة من قبل ولم يعرفها العالم كله إلا في هذا القرن، تلك هي السلطة المالية، فقد كان الرسول - ﷺ - يُعَيِّنُ عُمَّالًا يستقلون بأمر القضاء. وَعُمَّالًا يستقلون بأمر الإدارة وَعُمَّالًا يستقلون بأمر الصدقات يجمعونها من الأغنياء في كل منطقة ليردوها على فقراء المنطقة، فما بقي منها نقل إلى بيت المال.
ولما فتح الله على المسلمين اتسع اختصاص القائمين على السلطة المالية فكان يشمل الصدقات والخراج والجزية والفيء والغنيمة، وكان المال الذي يجمع من هذه المصادر يوزع طبقًا
[ ٢٣٨ ]
لما جاء في كتاب الله وعلى ما جرت به سنة رسول الله - ﷺ -، فما كان من نصيب أفراد معيين وطوائف معينة وزع عليهم، وما كان من حق الجميع أرسل إلى بيت المال ليوزع على الجميع وليأخذ كل منه بنصيب حتى لقد فرض عمر في بيت المال فروضًا شهرية لكل رجل ولكل امرأة ولكل كبير وصغير، بل إنه فرض لكل طفل يولد بمجرد ولادته، وظلت هذه الفروض قائمة في بيت المال زمنًا طويلًا.
ولقد كان عمر بن الخطاب يحلف على أيمان ثلاث يقول: «وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا المَالِ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلاَّ وَلَهُ فِي هَذَا المَالِ نَصِيبٌ إِلاَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَالرَّجُلُ وَبَلاؤُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَقَدَمُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَغَنَاؤُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَوَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ، لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا المَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ».
وإذا كان عمر قد ميز بالسابقة والقدم في الإسلام، فميز المهاجرين على الأنصار وأصحاب بدر على غيرهم وهكذا، إلا أنه رأى أخيرًا أن يعدل عن هذا التمييز ويعود إلى ما كان يفعله أبو بكر من التسوية بين الجميع.
وكان أبو بكر وعلي يسويان بين الناس في قسمة المال العام، أما عثمان فكان على ما كان عليه عمر من المفاضلة
[ ٢٣٩ ]
والتمييز، وكان أبو بكر يقسم بين الحر والعبد، أما عمر فمنع العبيد اجتهادًا لأنهم لا ملك لهم، على أن الثابت أن النبي - ﷺ - أعطى الأَمَةَ ولا فرق بين الأَمَةِ وَالعَبْدِ.
والتسوية أقرب إلى عمل رسول الله - ﷺ - وقوله، فَقَدْ سَأَلَهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ القَوْمِ، أَيَكُونُ سَهْمُهُ وَسَهْمُ غَيْرِهِ سَوَاءً؟ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ، وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ».
أما اعتبار المال مال الله ليس أحد أحق به من غيره فهو قوله - ﷺ - «مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» وعن الرسول أخذ عمر مقالته، وعنه قال علي بن أبي طالب ما أثر عنه: «أَلاَ إِنَّ مَفَاتِيحَ مَالِكُمْ مَعِي أَلاَ وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ دِرْهَمًا دُونَكُمْ».
والإمام بصفته نائبًا عن الأمة كلها هو المشرف على القائمين على السلطة المالية، يوليهم ويعزلهم ويراقبهم بصفته هذه، ولكنهم يعتبرون نوابًا عن الأمة لا عنه بمجرد تعيينهم كما هو شأن القضاة، فما يعزلون بموت الإمام ولا يجوز له عزل أحدهم إلا بسبب يوجبه، ومِمَّا يؤثر في هذا الباب أن خازن بيت المال في عهد عثمان اعترض على صرف أموال لم ير جواز صرفها، فقال له عثمان: إنك خازن، فرد عليه بأنه خازن بيت مال المسلمين لا خازنه الخاص.
[ ٢٤٠ ]
فالقائمون على السلطة المالية مستقلون في عملهم ليس لأحد عليهم سلطان إلا ما جاء به القرآن والسنة، فهو رائدهم يتبعونه ويلتزمونه، وعلى هذا جرى العمل حتى انحرف الحكام بالإسلام عن طريقه وحرفوا أحكامه.
والأموال التي تحصل محدودة النسب معلومة المقادير في الأموال العادية، ويمكن زيادتها في الأموال الاستثنائية بموافقة أهل الشورى إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، وليس للقائمين على السلطة المالية أو للإمام وهو المشرف عليهم أن يتصرفوا بأي حال في هذه الأموال إلا في الوجوه التي حددها الإسلام، وليس لهم أن يأخذوا منها لأنفسهم أكثر من مرتباتهم التي تحدد لهم في حدود حاجاتهم المختلفة وفي حدود قول الرسول: «مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ» وفي حدود قول الرسول: «مَنِ [اسْتَعْمَلْنَاهُ] عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ».