ولقد أعيا البعض أن يفهم كيف يكون الرسول - ﷺ - رئيس الدولة والمرجع الأول في إدارتها وتوجيه سياستها ثم لا يتخذ لنفسه أي مظهر من مظاهر الحكم، ولا يلقب نفسه بما يلقب به عادة أصحاب السلطان من ألقاب الإمارة والملك والخلافة. ولعل هؤلاء لا يعلمون أن النبي - ﷺ - كان خلقه القرآن كما قالت عائشة، وأنه قال: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» وأنه قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» وقال: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» ولعل هؤلاء لا يعلمون أن الإسلام يدعو إلى التواضع والبساطة والرحمة، ويكره التعالي والظهور، بل أنه ليجعل الدار الآخرة للذين لا يريدون عُلُوًّا في الأرض ولا تَرَفًا ولا عظمة ولا فسادًا ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وما يليق بالرسول إلا يكون مثلًا لما جاء به، وأن يتخلق بأخلاق القرآن.
ثم إن ألقاب الإمارة والملك والخلافة ليست شيئًا بجانب
[ ١١٠ ]
النبوة والرسالة، وما يحاول عاقل أن يستبدل الأدنى بالذي هو خير، أو أن يضيف أدنى الألقاب إلى أعلاها وأسماها، فلقب النبوة والرسالة يحجب كل لقب غيرها، ومظهر النبوة والرسالة هو المظهر الوحيد الذي يلائم النبي والرسول سواء أكان حاكمًا أم غير حاكم مالكًا أو غير مالك.
وإذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد بين لنا أن بعض الأنبياء كانوا ملوكًا أو خلفاء كداوود الذي آتاه الله الملك والحكمة ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وجعله خليفة في الأرض ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. إذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد بَيَّنَ لنا هذا فإنما ذلك لبيان نعمه التي أنعم بها على عباده ورسله وليس معنى ذلك أن داود كان يلقب نفسه بالملك مع النبوة أو كان يترك لقب النبوة ليلقب نفسه بالخلافة أو الملك، وليس أدل على ذلك من أن داود وهو ملك وخليفة كان يأكل من عمل يده كما قال رسول الله - ﷺ - «وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، وكما ذكر لنا القرآن الكريم: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وما أكل داود من عمل يده إلا لتمسكه بلقب النبوة ومظهرها ولأنه ألغى من حياته كل ما للملك والخلافة من ألقاب ومظاهر كما كان يفعل مُحَمَّدٌ - ﷺ -.
[ ١١١ ]
ولن يفوتنا هنا أن نعرض لما روي عن الرسول من أنه قال لرجل قام بين يديه فأخذته رعدة «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ وَلاَ جَبَّارٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ» فإن نفي الملك والتجبر عن الرسول لا يستلزم نفي صفة الحكم ورئاسة الدولة، وكل ما يعنيه الحديث أن الرسول ليس فيه ما يخيف ويرهب فما هو بالملك الذي يستطيل بالملك، ولا بالجبار الذي يأخذ الناس بلا حق.
كذلك الأمر في حديث الرسول الذي اختاره فيه أن يكون نبيًا عبدًا لا نبيًا ملكًا. فإن معنى الحديث لا يفيد التخلي عن الحكم والسلطان وإنما يعني كراهة المال والاستطالة على الناس، بل إن مغزى الحديث هو أن الرسول ليس له أن يشكو الفقر فالله أعلم به ولو شاء لأعطاه، ونص الحديث وظروفه تقطع بهذا فقد روي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان ذات يوم وجبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - على الصفا فقال رسول الله: «يَا جِبْرِيلُ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَمْسَى لآلِ مُحَمَّدٍ سَفَّةٌ مِنْ دَقِيقٍ، وَلاَ كَفٌّ مِنْ سَوِيقٍ»، فَلَمْ يَكُنْ كَلاَمُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ [سَمِعَ] هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَرَ اللَّهُ القِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟» فَقَالَ جِبْرِيلُ: لاَ، وَلَكِنْ أَمَرَ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ، فَنَزَلَ إِلَيْكَ حِينَ سَمِعَ كَلاَمَكَ، فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَمِعَ مَا ذَكَرَتْ، فَبَعَثَنِي إِلَيْكَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَأَمَرَنِي أَنْ [يُعْرَضْنَ عَلَيْكَ إِنْ أَحْبَبْتَ] أَنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّدًا، ويَاقُوتًا، وَذَهَبًا، وَفِضَّةً فَعَلْتُ، فَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا؟، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعَ، فَقَالَ:
[ ١١٢ ]
«بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا»، ثَلاَثًا (*) وفي رواية أخرى أَنَّ إِسْرَافِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ أَمَلِكًا أَجْعَلُكَ أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ - قَالَ: «لاَ بَلْ عَبْدًا رَسُولًا» فظاهر نص الحديث أن النبي لم يكن يجد شيئًا وأن إسرافيل عرض عليه أن يحول له الجبال زمردًا وياقوتًا وفضة وذهبًا، ولم يعرض عليه ممالك ولا بلادًا فاختار أن يبقى كما هو، والأصل أن لفظ ملك يعني لغة كثرة الملك، فيقال لمن يملك الأموال الكثيرة أنه ملك، ويقال للواحد من الملوك الحاكمين أنه ملك لأنه عادة يملك المال الكثير كما يملك الحكم، فإذا كان الرسول يشكو الفقر وكان ما عرض عليه هو المال فقط فيكون الملك الذي رفضه هو ملك المال لا ملك الحكم.
وأخيرًا فإن الملك والإمارة والخلافة والإمامة في قديم الزمان إنما كانت تدل على سلطان الحكم قبل أن تدل على شيء آخر، وهذا داود - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - آتاه الله الملك وجعل له الخلافة في الأرض ولم يجعل لملكه وخلافته إلا مقتضى واحدًا هو أن يحكم بين الناس بالحق ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].
وإذا كان هذا هو أمر الملك والخلافة والإمارة في القديم، فذلك هو أمرها نفسه في العصر الحديث، فرئيس الدولة أَيًّا كان اسمه سواء أكان أميرًا أو مَلِكًا أو خليفة أو إمامًا أو زعيمًا أو رفيقًا أو رئيس جمهورية إنما يمثل سلطان الدولة، وما للدولة من سلطان إلا سلطان الحكم.
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " المعجم الأوسط " للطبراني: تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ٧/ ٨٨، حديث رقم ٦٩٣٧، طبعة سنة: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، نشر دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع - القاهرة.
[ ١١٣ ]
وإذا كان مُحَمَّدٌ - ﷺ - لم يلقب نفسه بلقب الإمارة أو الملك أو ما يماثلهما، ورضي لنفسه أن يكون بحيث اختاره الله نبيًا ورسولًا، فلن يمنع ذلك من أن مُحَمًّدًا كان رئيس الدولة الإسلامية، وكان له من سلطان الحكم ما كان لداود الملك والخليفة، لقد قال الله لداود:" ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقال لِمُحَمَّدٍ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقال له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] فالسلطان الذي أعطى للنبي الذي وصف بالعبودية، والحكم الذي منحه هذا هو الحكم نفسه الذي منحه ذاك، فلا فرق إلا لقب الملك والخليفة ولهما من قيمة كما قلنا مع لقب النبوة والرسالة.