وإذا كان الخليفة يعتبر شرعًا نائبًا عن الأمة في إقامة أمر الله وفي القيام على شؤون الأمة في حدود أمر الله وكان هذان العملان واجبين على الأمة بصفة دائمة، فإن نيابة الخليفة عن الأمة ليست موقوتة بمدة معينة، ولكنها تمتد ما طال عمر الخليفة وكان قادرًا على مباشرة عمله ولم يأت بما يستوجب عزله من النيابة، إذ لا معنى لتحديد مدة نيابة الخليفة ما دامت واجبة، وما دام هو قادرًا عليها صالحًا للقيام بشؤونها.
ولقد جرت السوابق الإسلامية على أن يبقى الخليفة في منصبه مدى حياته ما لم يرغب هو في اعتزال المنصب كما فعل الحسن بن علي ومعاوية بن يزيد، أو لم يعزل من منصبه لسبب ما كما عزل ابراهيم بن الوليد ومروان بن محمد الأمويان.
والواقع الذي تؤيده التجارب التاريخية أن بقاء الخليفة في
_________________
(١) " المدونة ": جـ ١٦ ص ٥٧، " مواهب الجليل ": جـ ٦ ص ٢٤٢، ٢٩٦، ٢٩٧، " الإقناع ": جـ ٤ ص ٢٤٤، ٢٤٥، " الشرح الكبير ": جـ ٩ ص ٣٤٢، ٣٤٣، " المهذب ": جـ ٢ ص ١٨٩، " الأم ": جـ ٦ ص ٣٦، " فقه القرآن والسنة ": ص ٩٧، " المحلى ": ص ٣٦١، ٣٦٢، " الملل والنحل ": جـ ٤ ص ١٧٥، ١٧٦.
[ ١٨٤ ]
منصبه إلى وفاته يؤدي إلى استقرار أمور الأمة وَيَحُولُ دون الخلاف على شخص الخليفة أو التنافس على منصب الخلافة إلا للضرورة القصوى، ويحصر هذه الضرورة في حالات ثلاث هي: حالة الموت وحالة العزل وحالة الاستقالة، والحالتان الأخيرتان نادرتان.
وليس ثمة نصوص صريحة توجب أن يكون الخليفة في منصبه إلى وفاته، ولكن إجماع الأمة على هذا يقوم مقام النص، لأن الإجماع من مصادر الشريعة الإسلامية.