تعني الخلافة أو الإمامة العظمى رئاسة الدولة الإسلامية، فالخليفة أو الإمام الأعظم هو رئيس الدولة الإسلاميةالأعلى.
ولما كانت الدولة الإسلامية قائمة على الإسلام الذي يسيطر على الأفراد والجماعات ويوجههم في حياتهم الدنيا وجهات معينة، كان للخليفة في رأي الفقهاء الإسلاميين وظيفتان: الأولى إقامته الدين الإسلامي وتنفيذ أحكامه. والثانية: القيام بسياسة الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام، على أننا نستطيع أن نكتفي بالقول بأن وظيفة الخليفة هي إقامة الإسلام، لأن الإسلام كما علمنا دين ودولة فإقامة الإسلام هي إقامة للدين وقيام بشؤون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام.
ولقد سبق أن بينا أن وظيفة الحكومة الإسلاميةهي إقامة
[ ١٢١ ]
أمر الله أي إقامة الإسلام، والخليفة هو رئيس الحكومة الإسلامية فتكون وظيفته هي إقامة الإسلام وإدارة شؤون الدولة في حدود الإسلام.
ولقد عرف الفقهاء الخلافة بما لا يخرج عن هذا المعنى، فعرفت بأنها رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي - ﷺ -، عرفت بأنها خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة (١).
وعرف الماوردي الإمامة بأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٢).
وعرفها ابن خلدون بأنها حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (٣).
وظاهر من تعاريف الفقهاء أنهم يعتبرون الخليفة قائمًا مقام النبي في رئاسة الدولة ناظرين في ذلك إلى أن النبي كان له وظيفتان: وظيفة التبليغ عن الله، ووظيفة القيام على أمر الله
_________________
(١) " المواقف ": ص ٦٠٣، " المسامرة ": جـ ٢ ص ١٤١، " أسنى المطالب " و" حاشية الشهاب "، الرملي: جـ ٤ ص ١٠٨.
(٢) " الأحكام السلطانية " للماوردي: ص ٣.
(٣) " مقدمة " ابن خلدون: ص ١٨٠.
[ ١٢٢ ]
وسياسة الدنيا به. فلما توفى الرسول انتهت وظيفة التبليغ، وبقيت الوظيفة الأخرى، فوجب أن يقوم بأدائها من يستطيع القيام بأعبائها، ولأنه يخلف الرسول في هذا الأمر سمي بالخليفة.
ولقد سمي أبوبكر - ﵁ - بخليفة رسول الله على هذا الأساس، ورأى البعض أن يسميه بخليفة الله ناظرًا في ذلك إلى أن الرسول كان قائمًا على أمر الله وأن أبا بكر قام به أيضًا، فكلاهما يعتبر خليفة الله، ولكن أبا بكر اختار أن يسمى خليفة رسول الله.
وبعض الفقهاء يجيز أن يسمى الآدميون خلفاء الله وحجتهم في ذلك أن الله استخلف البشر في الأرض فهم خلفاء الله وأنه جعل داود خليفة لقيامه على أمر الله، وبعض الفقهاء لا يجيز أن يسمى البشر خلفاء وحجتهم أن الاستخلاف يكون في حق الغائب والله لا يغيب، وهذا الرأي الأخير غير صحيح ولا يتفق مع النصوص الصريحة وإذا كان الاستخلاف بالنسبة للبشر لا يكون إلا في حق غائب فإن الاستخلاف بالنسبة لله إنما هو حق حاضر شاهد لا يغيب، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ولما استخلف عمر - ﵁ - رأى أن يسمى رئيس الدولة بأمير المؤمنين حتى لا تتكرر الإضافة إلى الخليفة السابق ثم سبقه وهكذا حتى تصل إلى رسول الله فجرى الناس من هذا التاريخ على تسمية رئيس الدولة الإسلامية بأمير المؤمنين
[ ١٢٣ ]
ولكن الوظيفة بقيت على تسميتها الأولى الخلافة أو الإمامة، والخلافة أشهر كما أن القائم بشؤون الوظيفة وأن نودي بأمير المؤمنين إلا أنه أصبح يسمى بالخليفة دون إضافة.
ويسمى الخليفة أحيانًا بالإمام الأعظم، وهذه التسمية تدخل تحت قوله تعالى ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، ويوصف الإمام بالأعظم تمييزًا له عن أي إمام آخر كالامام الذي يؤم الناس في الصلاة.