كان الاستخلاف في أول الأمر مقصودًا به النصح للأمة وحفظ مصلحتها وجمع كلمتها على خليفة عادل تقي قوي، وهذا ما رمى إليه أبو بكر حين استخلف عمر وما رمى إليه عمر حين اختار أهل الشورى، ولكن أصحاب المآرب استغلوا هاتين السابقتين الكريميتين ليقولوا بولاية العهد وليزينوا لمعاوية أن يؤثر بها ولده يزيد من دون الناس، فلما فعلها معاوية خلق سابقة جديدة تختلف كل الاختلاف عن سابقة الاستخلاف وإن كان معاوية قد حاول جهده أن يبين للناس أنه لم يفعل أكثر مِمَّا فعل سابقوه.
والفرق بين الاستخلاف وولاية العهد ظاهر، فالاستخلاف يقوم على ترشيح الخليفة القائم رجلًا أو أكثر لولاية أمر الأمة بعده على أن يجتهد الخليفة في الاختيار وأن لا يكون بينه وبين المرشح صلة، أما ولاية العهد فهي ترشيح الخليفة القائم ولده أو إحدى ذوي قرباه ليتولى أمر الأمة بعده بقصد حفظ الأمر
_________________
(١) " الأحكام السلطانية " للماوردي: ص ٩، ١٠،" الأحكام السلطانية " للفراء: ص ٩، ١٠، " الملل والنحل ": جـ ٤ ص ١٦٧، " المسامرة ": جـ ٢ ص ١٧١، " مقدمة " ابن خلدون ": ص ١٩٨، ٢٠٠، " المواقف ": ص ٦٠٦، ٦٠٧، " حاشية ابن عابدين ": جـ ٤ ص ٤٠٨، " الخلافة ": ص ٣٤، ٣٥.
[ ١٦٣ ]
في أسرة الخليفة، وبغض النظر عما إذا كان المرشح صالحًا أو غير صالح.
وهكذا ينظر في الاستخلاف إلى مصلحة الأمة، وينظر في ولاية العهد إلى مصلحة أسرة الخليفة، ويقوم الاستخلاف على التجرد، وتقوم ولاية العهد على المحاباة، ويرمي الاستخلاف إلى إقامة الشورى التي فرضها الله والخلافة التي يتميز بها الإسلام أما ولاية العهد فترمي إلى إقامة الملك العضوض الذي يبغضه الله، والتمكين للاستبداد والاستعلاء الذي يحرمه الإسلام.
ولقد تطورت بدعة ولاية العهد أكثر من مرة فيوم ابتدعها معاوية كان العهد لشخص مكلف ولم ير معاوية بُدًّا من أن يأخذ الناس ببيعة ولي العهد طوعًا أو كرهًا مستعينًا في ذلك بالرشوة والخديعة وبما يملك من سلطان على الناس، ولكن من جاءوا بعد معاوية عهدوا إلى الأطفال وهو عهد غير صحيح وكانوا يأخذون لهم البيعة وقت العهد على أن تصحح البيعة بعد توليتهم الحكم وهو تصحيح شكلي محض فما كان ثمة من يجرؤ على مقاومة من تولى الحكم فعلًا أو يجرؤ على رفض البيعة له، وهكذا تبدأ البيعة باطلة ثم تصحح في ظل البطش والإكراه وبعد أن يتولى السطان الفعلي ذلك الذي لم تصح له بيعة، ثم تطورت ولاية العهد وتطورت حتى انتهت إلى أن يكون العهد بقانون إلى أطفال لم يولدوا بعد وإنما يعرفون بأوصافهم ودرجاتهم دون حاجة إلى بيعة في الحال أو في المستقبل.
[ ١٦٤ ]
ولقد كان للفقه أثره في تطور الاستخلاف إلى ولاية العهد، وفي تطور ولاية العهد من شكل إلى شكل آخر، فلعل بعض الفقهاء الذين باعوا الدنيا بالآخرة هم الذين أشاروا على معاوية بولاية العهد لولده يزيد وهم الذين زينوا له هذا الأمر وقربوا ما بين ولاية العهد والاستخلاف من بون شاسع، أو لعل معاوية هو الذي فكر في ولاية العهد فلما حقق ما أراد أخذ بعض الفقهاء تحت تأثير المجاملة أو الخوف يقيسون ولاية العهد بالاستخلاف وَيُحَمِّلُونَ الاستخلاف ما لا يحمله من المعاني ويرتبون عليه ما لا يترتب من النتائج ولما حاول بعض الحكام أن يعهدوا إلى الأطفال وجدوا من يفتيهم بجواز العهد إلى الأطفال، ولما حاول بعض الحكام أن يرجعوا إلى الأمة وجدوا من يفتيهم بأن عهد الحاكم يلزم الأمة وأن لا حاجة للرجوع إليها.
وهكذا تضافر الحكام المسلمون وبعض الفقهاء المسلمين - وَكِلاَ الفريقين أمين على مصالح الأمة - تضافروا جميعًا على خيانة الأمة الإسلامية، وسلبها حقوقها التي فرضها الإسلام، فالإسلام يعطي للأمة حق اختيار حكامها وعزلهم، ويجعلهم بمثابة النواب عنها، ولكن الحكام وبعض الفقهاء تآمروا على الأمة الإسلامية فسلبوها كل حقوقها، وجعلوا من أفرادها عبيدًا ومن الحكام سادة يأمرون فلا يرد لهم أمر ويتصرفون في حقوق الأمة ومستقبلها وأرواح أبنائها دون حسيب ولا رقيب.
[ ١٦٥ ]
وقد شارك في هذه الخيانة جماهير المسلمين بسكوتهم على الباطل، وبرضاء بعضهم به، وبعدم ثورتهم عليه، فتمت بذلك المؤامرة الكبرى التي أوشكت أن تقضي على الإسلام، والتي عطلت سيره وأوقفت اندفاعه من مئات السنين، وخان المسلمون جميعهم - عن جهل أو عمد - الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وتعرض لحملها الإنسان على ما فيه من جهل وظلم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
خان المسلمون أمانة خلافة الله في الأرض وكفروا بأنعمه عليهم، فلم يقيموا أمر الله فيما بينهم ولم يهتدوا بهديه، ولم ينتهوا عن نهيه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
وخانوا أمانة الاستخلاف في الحكم بعد أن مكن الله لهم، فلم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. ونسي الحكام المسلمون أن الحكم أمانة في عنق الحاكم: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ لَضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ» (١).
_________________
(١) سأل أبو ذر رسول الله أن يستعمله، فقال له: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ =
[ ١٦٦ ]
وخانوا الله الذي جعلهم في مركز الهداة للبشرية، المعلمين لدين الله والقائمين بدعوة الله والمتوسطين بين الأمرين يكشفون لهذا الطرف عن باطله، ولذاك الطرف عن باطله، ويدعونهما إلى الحق الذي هم عليه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وارتكب المسلمون حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ هذه الخيانات وقد نهاهم الله عن خيانة الأمانات وحذرهم منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، فجزاهم الله المهانة في الأرض، وسلط عليهم أعداءهم يملكون بلادهم، ويتقاسمون أوطانهم، وَيَحُولُونَ بينهم وبين نعيم الحياة ونعمة الكرامة والحرية.
ولقد انتهى هذا كله إلى أسوأ النهايات، فقد فسدت أداة الحكم في الدولة الإسلامية وتحولت عن غايتها التي رسمها الإسلام، وأصبحت مهمة الحكام أن يحكموا في حدود الهوى والمنفعة، وابتغاء الاستعلاء والسيطرة أو ابتغاء رضاء المستعمرين، بعد أن كان واجبهم الأول أن يحكموا في حدود الإسلام ابتغاء مصلحة الجماعة وابتغاء وجه الله.
_________________
(١) = وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الذِي عَلَيْهِ فِيهَا».
[ ١٦٧ ]
وحينما انفلت الحكام من حدود الدين انقلبت الموازين في أيديهم واختلطت الأوضاع عليهم، فهم لا يميزون الطيب من الخبيث ولا يعرفون الحق من الباطل ولا يفرقون بين الضار والنافع، لأنهم يتبعون أهواءهم، ويتخذون منها آلهة لهم ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].
وترتب على فساد الحكم وخروج الحكام على حدود الدين أن ابتعد الناس عن الدين، وفسدت الأخلاق، وشاعت الفاحشة، وضعف المسلمون، وتصدعت وحدتهم، وتعددت أحزابهم واتجاهاتهم، بما اتبعوا من أهوائهم، حتى أصبحت الفوضى شعارهم، والتفرق الذي نهوا عنه يميزهم عن غيرهم وحتى انتهوا إلى ما هم فيه من الاستعباد والذلة، يستعبدهم المستذلون ويغلبهم على أمرهم المشردون المغلوبون.
إن الفتن والانقلابات والحروب الداخلية في داخل البلاد الإسلامية ابتداء من فتنة عثمان، وحروب الخوارج وانقلاب بني العباس حتى فتنة عُرَابِي والثورة العربية، والإنقلاب التركي والإنقلابات السورية الأخيرة، كل ذلك إنما يرجع في الحقيقة لسبب واحد هو الانحراف عن الإسلام، وإذا كان هذا الانحراف قد بدأ بما نسب إلى عثمان من إيثار بعض ذوي قرباه ببعض وظائف الدولة، وَمِنْ مَنْحِهِ بعض الناس شيئًا من مال الدولة، فإن الانحراف قد انتهى إلى أسوأ نهاية إذ
[ ١٦٨ ]
انتهى باستبدال الحكام بكل أمور الأمة، وبإهمال مصالحها، وبالاستعلاء عليها، وحرمانها من استعمال حق الشورى استعمالًا صحيحًا، كما انتهى بالحيف على حقوق الأفراد، والاستئثار بالأمور العامة، وإقامة أمر الأمة على الأثرة والمحاباة والظلم والجور، حتى لقد أصبحت الحكومات الإسلامية مضرب المثل في العالم كله على الظلم والإستبداد، وأصبحت الشعوب الإسلامية مضرب المثل في العالم كله على التأخر والانحطاط.