والأصل الأول للقانون هو أن قانون كل أمة إنما يشتق منها، ويرجع إليها، إنه قطعة من ماضيها الطويل وحاضرها الماثل. إنه يمثل نشأتها وتطورها ويمثل أخلاقها وتقاليدها، ويمثل آدابها ونظمها، ويمثل دينها ومعتقداتها.
وعلى هذا الأصل تختلف القوانين باختلاف الشعوب، فالقانون الياباني يختلف عن القانون الهندي بقدر ما يختلف الشعب الياباني عن الشعب الهندي في النشأة والتطور والأخلاق والتقاليد والآداب والنظم والدين والمعتقدات، والقانون الإنجليزي يختلف عن القانونين الياباني والهندي بقدر ما يختلف الشعب الإنجليزي عن الشعبين الياباني والهندي في كل ما سبق، والقانون الروسي يخالف كل ما سبق من القوانين بقدر ما بين الشعب الروسي والشعوب الأخرى من خلاف فيما ذكرنا من أوجه الخلاف، ومثل هذا يقال عن القانون الفرنسي والقانون الألماني وغيرهما من القوانين.
[ ٢٤ ]
وعلى هذا الأصل ينسب القانون للأمم والشعوب فيقال القانون الإنجليزي والألماني والياباني إلخ، ويثبت نسب القانون للأمة كلما ثبت ميلاده فيها أو اتصاله بتاريخها وتأثره بعاداتها وتقاليدها، ومسايرته لحالتها الاجتماعية والسياسية والدينية، وإذا ثبت انتساب القانون للأمة فقد ثبتت شرعيته وأهليته لحكمها، ولم تجد الأمة غضاضة في احترام القانون وطاعته، لأن الأمة في هذه الحالة إنما تحكم نفسها بنفسها، وتخضع لما تدين به من عاداتها وتقاليدها وآدابها ونظمها وعقائدها.
ولهذا كله حرص المُقَنِّنُونَ في كل بلاد العالم إذا ما أخذوا لأمة من قوانين أمة أخرى على أن يُعَدِّلُوا ما يأخذونه حتى يأتلف مع قوانين الأمة الآخذة ويتفق مع أنظمتها؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن إلزام أمة قانون أمة أخرى دون مراعاة لما بين الأمتين من تخالف معناه إلزام إحدى الأمتين التخلي عن عاداتها وتقاليدها وآدابها ومميزاتها ونظمها وشرائعها، بل قد يكون معناه إلزام إحدى الأمتين التخلي عن نظامها الاجتماعي والتفريط في دينها والتنكر لمعتقداتها.