ومكافحة الأمية والجهل أو محاربة البطالة والتعطل، أو معالجة عيوب اجتماعية أو خلقيه، إلى غير ذلك مما يقوم له الدعاة المصلحون في أوروبا وفي الشرق وإنما هي دعوة الإسلام التي تشمل العقيدة والأخلاق والأعمال والعبادة والسلوك الفردي والاجتماعي، وتتناول العقل والقلب والروح والجسم، وتعتمد على تغير عميق في القلب والنفسية والعقيدة والعقلية وتنبع من القلب قبل أن تنبع من قلم أو صحيفة أو كتاب أو منصة خطاب وتنفذ على جسم الداعي وحياته قبل أن يطالب بتنفيذها على المجتمع والأمة ..
هذه الدعوة كانت جديرة في الحقيقة بالأنبياء ومواهبهم وقواهم ورسالتهم وإيمانهم وجهادهم وثباتهم وفقههم وحكمتهم وإخلاصهم، ولكنها ليست خاصة بالأنبياء بل هي دعوة خلفائهم وأتباعهم كذلك، ودعوة كل عصر ومصر .. وحاجة الانسانية كلها والعصور كلها .. فلابد أن تجدد في كل زمان وفي كل محيط. وتكون على أساس دعوتهم مطابقة لسيرتهم .. مقتبسة من مشكاتهم، فلنرجع إلى هذا المصدر، ولندرسه دراسة عميقة ..
وإذا تتبعنا سيرة الأنبياء ﵈ في دعوتهم رأينا جوانب كثيرة تمتاز بها سيرتهم وتقوم عليها
[ ١٢ ]
دعوتهم، عن تلك التي تميز بها القادة والمصلحون من عامة البشر ..
١ - الإلتجاء إلى الله في جميع مراحل الدعوة والجهاد .. بل في جميع مراحل الحياة .. والاطراح على عتبة عبوديته اطراح الفقير الكسير، والارتماء في أحضان رحمته ارتماء الطفل الصغير في أحضان أمه والإيمان القوي بأنه هو النافع الضار، والناصر الخاذل وأن لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا كاشف لضره، ولاممسك لرحمته ولا سهل إلا ما جعله سهلا وهو يجعل الحزن سهلا، وينصر الضعيف على القوي والقليل على الكثير، والضعيف مع نصره قوي، والقليل مع رحمته كثير. هذا الإيمان كان يوحي إليهم بالابتهال في الدعاء وإطالة الوقوف ببابه وشدة الالتزام بأعتابه والالحاح في المسألة، وبذلهم المعاني العجيبة والتعبيرات الرقيقة، ولننظر إلى قول سيد الأنبياء وسيد الدعاة إلى الله إلى يوم القيامة وهو يمثل خير تمثيل لإيمانه وشعوره بفقره وضعفه وافتقاره إلى رحمة الله «اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمرى، وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر بدنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك
[ ١٣ ]
دعاء الخائف، ودعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذل لك جسمه، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن لي رؤوفا رحيما يا خير المسئولين ويا خير المعطين» ولنذكر دعاءه ﷺ في الطائف وقوله «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل بي غضبك أو ينزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» ونذكر موقفه في بدر، قال ابن إسحق «ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف، ورجع إلى العريش فدخل ومعه فيه أبو بكر ليس معه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعد من النصر ويقول فيما يقوله «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد».
هذه كانت عدة الأنبياء ﵈، وقوتهم ومفتاح دعوتهم، فقد امتازت دعوتهم بتقديم الدعاء
[ ١٤ ]
والاهتمام به والابتهال فيه، وليس الدعاء إلا رمزا للإنابة إلى الله والاعتماد عليه والاعتزاز به، فامتازت دعوتهم وجهادهم في سبيلها بطابعهما الروحي والإيماني، وقد روي أنه كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ ولا شك أن جهاد الدعوة أعظم من أن يضطلع به الإنسان بقوته الجسدية وعدته المادية وكفايته العقلية والعلمية، ولا يستقل به إلا بالقوة الروحية ونصر الله ومعونته. وأن هذه الصخور العظيمة بل الأطوار الشامخة التي تقف في سبيل الدعوة، وتهجم على رؤوس الدعاة وتصطدم بجهودهم لا تذوب إلا بنصر الله الذي يستنزل بالدعاء والالتجاء إلى الله.
٢ - امتازت دعوة الأنبياء وجهودهم بتجردها من التفيكر في المنافع المادية والثمرات العاجلة فكانوا لا يبتغون بدعوتهم وجهادهم إلا وجه الله، وامتثال أوامره وتأدية رسالته، تجردت عقولهم وأفكارهم من العمل للدنيا ونيل الجاه وكسب القوة لأسرتهم أو أتباعهم والحصول على الحكومة .. وحتى لم يخطر ذلك ببال أصحابهم وأتباعهم، وكانت هذه الحكومة التي قامت لهم في وقتها والقوة التي حصلت لهم في دورها لم تكن إلا جائزة من الله ووسيلة للوصول
[ ١٥ ]
إلى أهداف الدين وتنفيذ أحكامه وتغيير المجتمع وتوجيه الحياة كما قال الله تعالى ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ ولم تكن هذه الحكومة قط غاية من أهدافهم أو حديثا من أحاديثهم أو حلما من أحلامهم، إنما كانت نتيجة طبيعية للدعوة والجهاد كالثمرة التي هي نتيجة طبيعية لنمو الشجرة وقوة أثمارها، وقد قال كاتب هذه السطور في رسالته «بين الهداية والجباية» ما يحسن نقله هنا:
«بعث محمد ﷺ ودعا الناس إلى الإسلام فالتف حوله ﴿فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذًا شططا، هؤلاء قومنا اتخدوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين. فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ .. وكان هؤلاء الفتيان هدف كل قسوة وظلم واضطهاد وبلاء وعذاب، وقد قيل لهم من قبل ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ فصمدوا لكل ما وقع لهم وثبتوا كالجبال، وقالوا: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله
[ ١٦ ]
وصدق الله ورسوله﴾ .. حتى أذن الله في الهجرة ولم تزل الدعوة تشق طريقها وتؤتي أكلها حتى قضى الله أن يحكم رجالها في العالم .. ويقيموا القسط ويخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، فقد عرف أنهم إذا تولوا وسادوا ﴿أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾
وهكذا جاءت الدعوة بالحكومة، كما تأتي الأمطار بالخصب والزرع، وكما تأتي الأشجار بالفاكهة والثمر فلم تكن هذه الحكومة إلا ثمرة من ثمرات هذه الدعوة الإسلامية ولم تكن هذه العزة والقوة إلا نتيجة ذلك العذاب الذي تحملوه من قريش وغيرهم وذلك الهوان الذي لقوه في مكة وغيرها.
وفرق كبير بين الغاية التي تقصد والنتيجة التي تظهر. ويظهر هذا الفرق في نفسية العامل والساعي، فالذي يقصد الحكومة يتوانى ويقعد إذا لم ينلها أو انقطع أمله فيها، ويشتغل بها عن الدعوة ويطغى إذا نالها. وخطر على كل جماعة تتكون عقليتها بحب الحكومة والسعي لها أن تقعد عن الجهاد في سبيل الدعوة أو تنحرف وتزيغ في قصدها، لأن أساليب
[ ١٧ ]
الوصول إلى الحكومة تخالف أساليب الدعوة. فيجب علينا أن ننقي عقولنا ونفوسنا ونجردها للدعوة وللدعوة فحسب والخدمة والتضحية والإيثار وإخراج الناس بإذن الله من الظلمات إلى النور ومن الجاهلية إلى الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان المحرفة والنظم الجائرة والمذاهب الغاشمة إلى عدل الإسلام وظله، ولا يكون دفعنا إلى العمل والجهاد إلا إمتثال أمر الله والفوز في الآخرة وما أعد الله لعباده من الأجر والثواب، ثم الشفقة على الخلق والرحمة بالإنسانية المعذبة والحرص على نجاة الإنسان، فإذا كان ذلك لا يمكن في مرحلة من مراحل الدعوة أو في فترة من فترات التاريخ -بعد تغلغل مبادئ الدعوة في نفوس الدعاة ورسوخ العقيدة فيهم- إلا بالحكومة سعيا لها بمصلحة الدعوة والدين كما نسعى إلى الماء للوضوء ونجتهد لهذا السبب بنفس العقلية وبنفس السيرة وبنفس العفة والنزاهة والصدق والأمانة والخشوع والتجرد الذي نجتهد معه لواجبات الدين وأركانه والعبادات الأخرى، فلا فرق للمؤمن بين الحكومة وبين العبادات إذا حصل الإخلاص وصحت النية فكل في رضا الله وكل في سبيل الله وكل عبادة يتقرب بها العبد إلى الله.
[ ١٨ ]
٣ - ومما امتازت به حياة الأنبياء وسيرتهم النبوية المثابرة على الدعوة والصبر عليها، فلا يتخطون هذه المرحلة التي هي الأساس بسرعة وعجلة، ولا يطفرون منها طفرا إلى مرحلة أخرى بل يقضون فيها سنين طوالا ولا يشتغلون بغيرها ولا يطمئنون إلى أن المجتمع قد عقل دعوتهم واستساغها ولا إلى الدعاة أنهم قد بلغوا رسالتهم وأدوا مهمتهم ولا إلى النفوس أنها قبلت هذه الدعوة وهضمتها هضما صحيحا وأحلتها محلا لائقا وأنست النفوس باتباع الأحكام وانقاد لها جماحها ولانت لها قناتها لا يطمئنون إلى كل هذا حتى يتحققوه ويختبروه مرة بعد مرة فلا يخدعون أنفسهم ولا تغرهم بهرجة الكلام فتكون نتيجة هذه التربية المتينة والدعوة الطويلة أنها تؤتي أكلها ناضجة شهية ولا تخدع الدعوة نتائجها فإذا قامت الحكومة قامت على أساس متين من الأخلاق وعلى أكتاف رجال أقوياء أقوياء في عقيدتهم أقوياء في سيرتهم أقوياء في خلقهم أقوياء في عبادتهم أقوياء في سياستهم لا يندفعون مع التيار ولا تجرف بهم المدنية ولا يلعب بعقولهم الغنى بعد الفقر واليسر بعد العسر والقوة بعد الضعف ولا تميل بهم المحسوبيات والأرحام والصداقات ولا تستهويهم المطامع والمنافع هذا كان شأن الخلافة الراشدة وهذه كانت سيرة الخلفاء
[ ١٩ ]
الراشدين وهنا أنقل مرة ثانية ما قلته في رسالتي (بين الجباية والهداية) «تأسست دولة الإسلام وفتحت فارس وبلاد الروم والشام ونقلت إلى عاصمة الإسلام -المدينة المنورة- كنوز كسرى وقيصر وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وترفها وزخارفها ما لم يدر قط بخلدهم وقد انقضى على إسلامهم ربع قرن وهم في شدة وجهد من العيش وفي خشونة المطعم وخشونة الملبس لا يجدون من الطعام إلا ما يقيم صلبهم ولا من اللباس إلا ما يقيهم من البرد والحر فإذا بهم اليوم يتحكمون في أموال الأباطرة والأكاسرة ولو أراد الواحد منهم أن يلبس تاج كسرى وينام على بساط قيصر لفعل لقد كانت هذه والله محنة عظيمة تزول فيها الجبال الراسيات وتطير لها القلوب من جوانحها وتعمى العيون ولكنهم ما فطنوا أنهم ما وقفوا بين الفقر والغنى فحسب بل أنهم خيروا بين أن يتنازلوا عن دعوتهم وأمانتهم ومبادئهم وينفضوا منها يدهم فلا يطمعوا فيها أبدا وبين أن يحافظوا على روح هذه الدعوة النبوية وعلى سيرة رجالها اللائقة بخلفاء الأنبياء والمرسلين وحملة الدعوة والمؤمنين المخلصين.
كان لهم أن يؤسسوا ملكا عربيا عظيما على أنقاض الدولة الرومية والفارسية وينعموا كما نعم ملوكها
[ ٢٠ ]
وأمراؤها من قبل فقد ورثوا الامبراطوريتين الفارسية والرومية وجمعوا بين موارد دولتين فإذا كان كسرى يترفه بموارد فارس فقط وإذا كان هرقل يبذخ بموارد الروم فقط فهذا عمر بن الخطاب يمكنه أن يترف بموارد الامبراطوريتين ويبذخ بذخا لم يبذخه أحدهما.
كان له ولأصحابه كل ذلك بكل سهولة ولكنهم سمعوا القرآن يقول ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ وكأنهم يسمعون نبيهم ﷺ يقول قبل وفاته لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم فهتفوا عن آخرهم قائلين «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فإغفر للأنصار والمهاجرة».
وهكذا حافظوا على روح الدعوة الإسلامية وسيرة الأنبياء والمرسلين وعاشوا في الحكومة كرجال الدعوة وفي الدنيا كرجال الأخرى وملكوا أنفسهم في هذا التيار الجارف الذي مال قبلهم بالمدنيات والحكومات والشعوب والأمم ومال بالمبادئ والأخلاق والعلوم والحكم.
مازال الناس يعدون اقتحام المسلمين دجلة بخيلهم وجندهم تحت قيادة سعد بن أبي وقاص ووصولهم
[ ٢١ ]
إلى الشط الثاني -من غير أن يصابوا في نفس أو مال أو متاع- حادثا غريبا من أغرب ما وقع في التاريخ أن الحادث لغريب، ولكن أشد منه غرابة وأدعى للعجب أن المسلمين في عهد الخلافة الراشدة والفتوح الإسلامية الأولى خاضوا في بحر مدنية الروم وفارس وهو هائج مائج وعبروه ولم يفقدوا شيئا من أخلاقهم ومبادئهم وعاداتهم ووصلوا إلى الشط الثاني ولم تبتل ثيابهم ولم يزل الخلفاء الراشدون وأمراء الدولة الإسلامية من أصحاب النبي ﷺ محتفظين بروحهم ونفسيتهم وزهدهم وبساطتهم في المعيشة وتخشنهم في أوج الفتوح الإسلامية.
٤ - ومن مزايا الأنبياء والدعاة إلى الله التجرد للدعوة والتفرغ لها بالقلب والقالب والنفس والنفيس والوقت والقوة فمن شأنهم أنهم يركزون جهودهم ومواهبهم ويوفرون أوقاتهم وقواهم لهذه الدعوة ونشرها والجهاد في سبيلها ويعطونها كلهم ولا يضنون عليها بشيء مما عندهم ولا يحتفظون بشيء ولا يؤثرون عليهم شيئا لا وطنا ولا أهلا ولا عشيرة ولا هوى ولا مالا ثم تثمر جهودهم وقد لا تثمر في الدنيا وقد تثمر بعد حياتهم فهذا هو النبي ﷺ يخاطب بقوله تعالى ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم
[ ٢٢ ]
أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ (يونس) وإذا كان هذا شأن الدعوة بعد ما أعطاها الأنبياء كل ما عندهم فكيف بها إذا أعطيناها بعض ما عندنا وكانت الدعوة تملك عليهم عقولهم ومشاعرهم وتملك عليهم تفكيرهم وصحتهم فما زال القرآن يسلي النبي ﷺ ويقول له ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ (الكهف).
٥ - ومن مزايا الأنبياء ﵈ ومن كان على طريقهم في الدعوة إلى الله أن هذه الدعوة إلى الله وإلى الدار الآخرة تسري في حياتهم كما يسري الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك وتظهر في أخلاقهم وعباداتهم فترق قلوبهم وتخشع نفوسهم وتزداد رغبتهم في العبادة ويشتد اهتمامهم بها وحرصهم عليها وإبقاؤهم لحقوقها فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه فقيل له قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال «أفلا أكون عبدا شكورا» وعن عائشة ﵂ قالت قام النبي ﷺ بآية من القرآن ليلة، والآية هي ﴿إن تعذبهم
[ ٢٣ ]
فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ وانتقلت هذه اللذة بالعبادة والاهتمام بها إلى الصحابة ﵃ في أشد الأوقات شغلا وأقلقها خاطرا حتى كان أعداؤهم يعرفون ذلك عنهم وقد وصفهم رجل عن الروم بقوله هم «فرسان بالنهار رهبان بالليل» ويقول قائل لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر.
٦ - ومن مزايا الأنبياء ﵈ ومن كان على قدمهم أنهم يأخذون بالعزيمة في الدين ولا يأخذون بالرخصة - إلا بيانا للحكم الشرعي وشكرا لنعمة الله ورفعا للحرج عن الأمة ولا يعفون أنفسهم ولا يتساهلون في العبادات لأن إتباع الناس للدين وعملهم به بمقدار تصلب هؤلاء السادة في الدين وتمسكهم به فإذا اهتم هؤلاء بالنوافل اهتم الناس بالفرائض وإذا اكتفى القادة بالفرائض استرسل الناس إلى تركها والاستهانة بحقها لذلك كان الصحابة ﵃ وقادة هذه الأمة يشمرون عن ساق الجد في العبادات والمحافظة على الجماعات والعمل بالسنن الدقيقة والاهتمام
[ ٢٤ ]
بالآداب ولا يكتفون بالأدنى ولا يقفون عند الفريضة وبذلك استطاعوا أن يورثوا الدين موفورا غير منقوص وهو أمانة عند هذا الجيل فلينظر كيف يورثه الأجيال الآتية.
٧ - وما يمتاز به الأنبياء والمرسلون عن الحكماء والمؤلفين والعلماء المحققين أنهم يعنون بتربية النفوس والأشخاص الذين يضطلعون بأعباء الدعوة بعدهم وينفذون تعاليمهم ورسالاتهم علما وعملا ومعلوم أن دعوتهم العظمى لا تقوم إلا على أكتاف الأصحاء الأقوياء الحنفاء المخلصين في إيمانهم والمخلصين في تفكيرهم والمخلصين في نياتهم الذين قد تنقت رؤوسهم وصدورهم من ألواث الجاهلية والذين هضموا الإسلام هضما صحيحا وانقطعت كل صلة في حياتهم عن الجاهلية بأوسع معانيها وخلقوا في الإسلام خلقا جديدا.
ونرى ذلك واضحا في حياة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فلما كان بنو إسرائيل قد نشأوا في حياة العبودية والذل والاضطهاد والسخرة الظالمة وماتت رجولتهم وأباؤهم ووردوا على
[ ٢٥ ]
الخنوع والاستكانة والخضوع للقوي الغالب وعلى الجبن والحرص الشديد على الحياة والخوف الشديد من الموت وأسبابه حتى قال لهم نبيهم ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ ولم يشجعهم على التقدم والقتال قول موسى ﵇ كتب الله لكم مع أنه كان ضمانا لانتصارهم وأخيرا قالوا بكل صراحة ووقاحة ياموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فظهر أن نشأتهم الأولى تأبى عليهم أن يخوضوا في معركة ويدخلوا في امتحان ويعرضوا أنفسهم للخطر وقطع موسى من هذا الجيل الفاسد الرجاء وقال ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ هنالك أمره الله بالاعتزال مع قومه (لا عن قومه) في بيداء سيناء حيث الشظف وخشونة الحياة وهنالك ينقرض هذا الجيل الفاسد الذي شب على الجبن والضعف وشاب عليه وينشأ الأولاد والشباب الإسرائيلي الذين لايزالون في مقتبل العمر-على التخشن والجلادة
[ ٢٦ ]
وتحمل شدائد الحياة- ومكارهها وينشأ جيل جديد يولد في هذه العزلة والبداوة على معاني الرجولة والفروسية وهكذا تتكون أمة جديدة تقوم بدعوة النبي وتطبيق تعاليمه ومبادئه وتجاهد في سبيلها.
وذلك معنى بليغ من معاني الهجرة النبوية فقد اسطاع سيد الأنبياء وسيد الدعاة إلى الله - ﵊ بانتقاله مع أصحابه من ضيق مكة إلى سعة المدينة وحريتها أن يكمل تربية أصحابه وأن ينشئ الجيل الإسلامي الجديد الذي لم يلبث أن اضطلع بأعباء الدعوة المحمدية ومثل والإسلام تمثيلا كاملا.
كذلك الدعوة الإسلامية تفرض إنشاء جيل جديد للإسلام جديد في قوة إيمانه جديد في حماسته وثقته جديد في أخلاقه جديد في تفكيره وعقليته جديد في كفايته العلمية واستعداده العقلي وأن النجاح في هذا الانتاج البشري مقياس نجاح الدعوة فكلما كان النجاح كبيرا في إيجاد هذا الجيل وتكوين هذا الشباب كان النجاح باهرا في الدعوة والرسالة ومعلوم أن
[ ٢٧ ]
إنشاء الجيل الجديد أو تقويم الجيل المعاصر الذي لم يفقد صلاحيته ونموه - ليس بالأمر الهين إنها مهمة لتنوء بالعصبة أولي القوة إنها تحتاج إلى تكريس الجهود وتركيز القوى على هذه الغاية والتفكير العميق الواسع والتعاون الشامل والتصميم الحكيم أنها تتطلب أساليب التربية الحكيمة العميقة الأثر وجهودا عملية في ميدان الدعوة والإصلاح إنها تتطلب حركة التأليف والإنتاج الواسعة ومقدارا كبيرا من الابتكار إنها تتطلب وضع منهاج جديد على أساس جديد للدراسات ومثالا جديدا من المدارس والكليات والجامعات ومؤلفات ومنشورات جديدة في شرح الدين الإسلامي وعرض الفكرة الإسلامية وتأليفات جديدة في السيرة النبوية وتدوين جديد للتاريخ الإسلامي وسبك جديد للعلوم الإسلامية وتفسير جديد للعلوم الكونية وتلقيح علمي جديد للصحافة والأدب والروايات والشعر، إننا أمام انقاض عقلية وركام بشري وخامات مهملة تبني بها بيتا جديدا ونصنع بها سفينة جديدة تمخر عباب الحوادث والموانع وعلينا أن نبدأ في عمل جديد وجهاد جديد يستغرق وقتا طويلا ويستنفذ جهودا عظيمة وذلك إن كان عملا
[ ٢٨ ]
شاقا طويلا متعبا مملا متعبا ولكن لابد من إنجاز هذا العمل ومن مواجهة هذه الحقيقة والتغلب على العقبات التي تعترض سبيلها.
هذه مزايا الدعوة النبوية ومزايا الدعوة التي تكون على قدم النبوة وواجباتها وبذلك تمتاز عن الحركات القومية والاصلاحات الاجتماعية والثورات السياسية والاقتصادية ومن هذه المنابع نستمد القوة والروح ونستحق من الله النصر ونجلب الرحمة فلنحافظ عليها محافظتنا على الشعائر والعقيدة ولنحرص عليها حرصنا على الحياة والقوة.
[ ٢٩ ]