إن العالم الإسلامي حائر اليوم بين دين لا يسهل عليه العمل به والقيام بمطالبه لعادات نشأ عليها وحكومات أفسدته وتعليم أذابه وشهوات لا تتفق مع عقيدته ورسالته. وبين جاهلية لا ينشرح لها صدره لإيمان لا يزال له بقية فيه. وقومية عجنت مع الإسلام وحضارة تخمرت مع الدين.
إن العالم الإسلامي حائر بين شعوب مسلمة بسيطة في عقليتها ودينها وحكومات لم تنشرح صدور رجالها لهذا الدين ولم تطاوعهم نفوسهم على العمل به، ولكنهم يصرون على أن يحكموا هذه الشعوب التي تؤمن بهذا الدين، ولا يرون حياتهم وشرفهم إلا في البقاء في الحكومة، ولا يرون لهم محلا في الحياة إلا الزعامة والحكومة، ولا موضعا في العالم إلا المجتمع الإسلامي الذي ولدوا ونشأوا فيه، فالشعوب في تعب منهم وهم منها في بلاء وعناء.
إن العالم الإسلامي حائر بين فطرته التي تنزعه إلى الدين وتاريخه الذي يدفعه إلى الإيمان والجهاد، والكتاب الذي يقبل به على الآخرة ويبعث في نفسه
[ ٧ ]
الثورة على المجتمع الفاسد والحياة الزائفة، وبين التربية العصرية التي تزين له المادة وتطبعه على الجبن والضعف والزعامة التي تفرض عليه الاتكال على الغير والاعتماد على العدو والفرار من الزحف.
إن العالم الإسلامي حائر بين شباب ثائر ودم فائر وذهن متوقد وأزهار تريد أن تتفتح، وبين قيادة شائخة شائبة قد أفلست في العقلية والحياة، وحرمت الابتكار والابداع والشجاعة والمغامرة.
إن العالم الإسلامي حائر بين مواد خام من أقوى المواد وأفضلها في الإيمان والقوة والشجاعة، وبين موجهين وصناعيين لا يعرفون قيمة هذه المواد ولا يعرفون أين يضعونها ولا ماذا يصنعون بها ..
هذا هو العالم الإسلامي الذي يواجه العالم اليوم فلا يجد غناءه ولا يجد فيه غوثا ومعقلا عن لصوص العالم المنظمين وذئاب الإنسانية التي تحكمت وعاشت فيها.
ثم هذا العالم العربي .. إنه اليوم مع كل أسف أضعف أعضاء جسم العالم الإسلامي، وقد كان واجبا أن يكون أقواها وأصحها وأن يكون في العالم الإسلامي
[ ٨ ]
بمنزلة الرأس أو القلب من البدن، وقد تضافرت عليه عوامل الإفساد والضعف فأحدثت فيه عللا كثيرة، وقد ولد فيه ضعف الحكم التركي وغفلته عن تعليم الشعوب وتربيتها، وإنفاق الأموال في غير موضوع، وعسف في غير هوادة، أورث كل هذه البطالة وسقوط الهمة والجهل المطبق في كثير من البلاد العربية، وجاء الإستعمار الأوروبي فأورث التفسخ في الأخلاق والانحلال في الدين والاندفاع والتهور إلى المادية والتهالك على الشهوات، وقامت الحكومات الشخصية فأورثت التملق وكثرة المجاملات والنفاق والخنوع للقوة والمادة، ثم جنى عليها قربه من أوروبا، فكان هدفا لتياراتها المدنية ومنتجاتها الصناعية وأفكارها المتطرفة فأساء إليه موقعه الجغرافي وأهميته السياسية والاستراتيجية، فلج به الغرب وطمع فيه الاستعمار، وطوقته الجنود الأجنبية، وكان من بقايا الحضارة الشرقية والنظام الإقطاعي والحكم الشخصي المترف والبذخ والتفاوت الشديد بين الطبقات في المعيشة ثم كان أن خفت في العالم العربي صوت الدعوة الدينية من زمان، وانقرض الرجال الذين كانوا يكافحون المادية ويكبحون جماحها ويلطفون من حدتها بدعوتهم
[ ٩ ]
إلى الله وإلى الآخرة وإلى الزهد والاعتدال في الحياة وقمع الشهوات ويشعلون جمرة الإيمان، واستسلم العلماء ورجال الدين إلى تيار الغرب وتغيرات العصر فوضعوا أوزارهم للمدنية الغربية، وهجم عليه الأدب الشهواني والصحافة الماجنة، فحلت العقد ونفخت في الشهوات، واجتمع بعض ذلك إلى بعض، حتى أصبح هذا العالم منحلا منهارا متداعيا، يمسكه الإيمان، ولا تحفظه القوة المعنوية ولا تقف في طريق اندفاعه دعوة قوية.
في مثل هذه الفترات المظلمة والسحب المتراكمة كان الله يبعث الأنبياء والمرسلين في الزمن السابق، ولكن بعد نبوة محمد ﷺ، التي لم تكسف شمسها ولم يتوار نورها وأن دينه لا يزال حيا، وأن الكتاب الذي جاء به لا يزال محفوظا، وأن أمته التي أرسلت معه لتبليغ رسالته والقيام بدعوته لا تزال على وجه الأرض ولا تزال فيها الحياة والروح.
لقد أغنانا الله بفضل دينه المحفوظ وكتابه المتلو ونبوة محمد ﷺ الخالدة عن رسالة جديدة ورسول جديد.
[ ١٠ ]
ولكن لا بد من تجديد واسع، ودعوة صارخة وكفاح شديد يغير هذا الوضع الجاهلي الذي تورط فيه العالم الإسلامي تورطا قبيحا وأمعن فيه العالم العربي إلى أبعد حد، وقد وعد الله وأخبر رسوله باستمرار هذه الدعوة الإسلامية وبقاء التجديد ودوام الكفاح في تاريخ الإسلام ضد الجاهلية التي ترفع عقيدتها زمنا بعد زمن وحينا بعد حين، وقد أصبح خطب العالم الإسلامي وفساد أحوال المسلمين وانحرافهم عن جادة الإسلام وطغيان بحر المادية أعظم وأوسع من أن يتدارك بجهود فردية وخطب منبرية ودروس دينية ومباحث فقهية ومسائل جزئية ومحاربة الأفراد والأشخاص، إن السيل لا يمسكه إلا السيل مثله، والتيار لا يدفعه إلا تيار أقوى منه، فلابد من كفاح عنيف وصراع شديد يغير مجرى الزمن ويقلب تيار الحياة من جهة إلى جهة، ويحدث انقلابا في المجتمع والحياة وفي الأذواق والرغبات وفي قيم الأشياء وموازينها ..
وليس خطب الدعوة الدينية والتجديد الإسلامي بهين، فليس رسالتها ومهمتها قلب نظام أو تغيير وضع سياسي بوضع سياسي آخر ونظام اقتصادي بنظام اقتصادي آخر، ولا نشر الثقافة والعلم،
[ ١١ ]