٢ - الخلافة والبيعة: لعل من أهم الوقائع الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ أمر الخلافة والبيعة، حيث لم يحدد الرسول ﷺ الطريقة التي تتبع في اختيار الحاكم، وإنما اكتفى بإيضاح القواعد العامة التي يجب أن تراعى، وبين بسنته القولية والعملية المثل العليا التي يجب على الحاكم والمحكومين الالتزام بها، دون ذكر تفاصيل نظام الحكم، إذ أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية وغيرها متغيرة ومتبدلة من زمن لآخر، وهي بلا شك مؤثرة في النظام السياسي.
وبناء عليه فإن على المسلمين في كل عصر تحديد ما يصلح لذلك العصر في إطار القواعد الرئيسة، والمثل العليا، والمبادئ التي جاء بها الإسلام، فالصحابة رضوان الله عليهم واجهوا بعد وفاة الرسول ﷺ أمر الخلافة بحزم وعزيمة، حتى استقروا على رأي واحد، حتى أنهم - خوفا من أن ينفلت زمام الأمر قدموا البحث فيه على دفن الرسول ﷺ وتجهيزه؛ مراعاة للمصلحة وتقديما للأهم قبل المهم.
لقد بادر الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة لبحث أمر رئاسة الدولة بعد وفاة الرسول - ﷺ - فعلم بذلك
_________________
(١) د. محمد حسين عبد العال - القانون الدستوري، ص ٨٩.
[ ١٤٢ ]
المهاجرون، وأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيد ﵃ للقاء إخوانهم من الأنصار للمشاركة في اتخاذ القرار، فكان النقاش بينهم الذي يمكن بلورته في آراء ثلاثة هي:
أ - رأي الأنصار بأحقيتهم في الخلافة.
ب - رأي المهاجرين، وعبر عنه أبو بكر، وهو الاعتراف بفضل الأنصار، ولكن هذا الفضل لا يلزم أن تكون الخلافة فيهم، ثم ذكر فضل المهاجرين إلى أن قال: " إن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا " (١) أي أن الأمر لا بد أن يكون في قريش.
جـ - الرأي الثالث هو رأي الحباب بن المنذر - وهو من الأنصار - يرى بأن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير.
ودار النقاش بين المجتمعين في أروع صورة للشورى، حيث تكلم كل فريق بما يراه وما يسند رأيه من حجج، وبصراحة تامة لا لبس فيها، بحيث لا يبقى مجال لبس عند اتخاذ القرار، ولم يكن ما حدث في الحقيقة نزاعا من أجل السلطة، أو انتصارا للرأي الشخصي المجرد، بل على العكس من ذلك فهي الشورى بعينها التي حض عليها الإسلام ومدح الله المسلمين بها.
ويشبه بعض الباحثين (٢) اجتماع السقيفة بجمعية تأسيسية قامت بوضع مستقبل الأمة السياسي.
وبعد مداولة الرأي استقر رأي المجتمع على اختيار أبي بكر الصديق ﵁ خليفة للمسلمين، وتمت البيعة له ممن حضر الاجتماع،
_________________
(١) سيرة ابن هشام، جـ ٢ ص ٦٥٩.
(٢) الدكتور. محمد ضياء الدين الريس في كتابه النظريات السياسية الإسلامية، ص ٢٧ - ٣٢، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الخامسة ١٩٦٩ م.
[ ١٤٣ ]
وهي البيعة الخاصة، وفي اليوم التالي تمت البيعة العامة في المسجد النبوي لأبي بكر من قبل المسلمين في المدينة.
واستمر بعد ذلك نظام رئاسة الدولة مع اختلاف صورة اختيار الخليفة، أو الإمام أو الملك أو الأمير، وكان اختيار رئيس الدولة يتم عن طريق البيعة التي تتم بإحدى طرق أربع (١) هي:
أ - الاختيار، كاختيار أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄.
ب - الاستخلاف، كاختيار عمر ﵁.
جـ - الاختيار بين معينين، كاختيار عثمان ﵁.
د - ولاية العهد، كما في الدولة الأموية والعباسية.
ويمكن تلخيص النقاط التي تستنتج من وقائع اختيار الخليفة والبيعة في عهد الخلفاء الراشدين في النقاط التالية:
أ - تأكيد أن أمر اختيار الخليفة أو رئيس الدولة الإسلامية متروك للمسلمين، يقررون فيه ما يلائم مصالحهم.
ب - تكريس تطبيق مبدأ الشورى دون تحديد طريقة معينة بذاتها، ويتضح هذا من خلال اختيار الخلفاء الراشدين ومبايعتهم.
جـ - تحديد تسمية الخلافة، لتكون هذه التسمية في ذلك الوقت علما على هذا النظام المتميز بالاقتداء برسول الله ﷺ، وقد حدد الفقهاء مدلول الخلافة: بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٢) .
_________________
(١) د. ماجد راغب الحلو، الاستفتاء الشعبي بين الأنظمة الوضعية والشريعة الإسلامية، ص ١٢، طبعة أولى، ١٤٠٠هـ، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت.
(٢) الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص ٥. مصطفى الحلبي، ١٣٨٦هـ. مقدمة ابن خلدون، ص ١٣١.
[ ١٤٤ ]
د - الشعور بأهمية القيادة السياسية فإن اختيار أبي بكر ﵁ تم بأسرع وقت، بل وحتى قبل دفن الرسول ﷺ، حيث كره أصحاب رسول الله أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة، فكان هذا الوعي السياسي في اجتماع كلمة المسلمين وتجنب الفتن والخلاف.
بالإضافة إلى أن وجود القيادة السياسية يكفل استمرار مسيرة الدعوة الإسلامية التي بدأها الرسول ﷺ ويجعل الدولة (سندا للدين) (١) .