٤ - المكاتبات والعهود مع الملوك خارج جزيرة العرب: تختلف هذه المعاهدات عن سابقتها بأنها على مستوى الدول حيث إن الرسول ﷺ كاتب دولا أخرى أجنبية، أما المعاهدات السابقة فكانت مع أطراف خارج الدولة الإسلامية لا يمكن اعتبارها دولا؛ لعدم توافر أركان الدولة في أي منها، هي القبائل العربية، وليس الهدف من المكاتبات والمعاهدات في عهد رسول الله ﷺ هو التوسع السياسي، بل الهدف الرئيس هو تبليغ الدعوة وإيصال هذا الدين إلى الناس كافة.
كاتب رسول الله ﷺ ملوك وأمراء الدول الأجنبية يطالبهم وشعوبهم بالدخول في الإسلام، فكتب إلى هرقل، والنجاشي، والمقوقس، وكسرى، وملك البحرين، وأمير الغساسنة، وملك اليمن، وحاكم اليمامة، فمنهم من أسلم، ومنهم من اعترف بالدولة الإسلامية، ومنهم من مزق الكتاب، ومنهم من قتل مبعوث الرسول ﷺ، والمكاتبة بين رئيسي دولتين من الأمور الدستورية، واعتراف الدول الأخرى بدولة ما يعطي هذه الدولة مكانة دستورية أكبر.
وذكر ابن سعد (١) أن الرسول ﷺ لما رجع من الحديبية أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتبا، وأشار
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات، جـ١، ص ٢٥٨، طبع دار صادر بيروت.
[ ١٣٢ ]
عليه بعض أصحابه ببعض الأمور التي تتخذ لتكون العلاقة رسمية بين الدولتين مثل ختم الكتاب، وذلك أن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله ﷺ يومئذ خاتما من فضة، فصه منه، نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر من هؤلاء الرسل في يوم واحد، كل رسول يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم.
ومن أمثلة ذلك ما كتبه رسول الله ﷺ إلى هرقل ملك الروم، وجاء فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد: عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (١) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢) (٣) .