المبحث الثاني: تطبيقات دستورية في عهد الخلفاء الراشدين: لم يلحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى إلا بعد أن ربى أصحابه تربية كاملة، تؤهلهم لمواصلة المسيرة؛ لنشر دين الله في الأرض، تحت ظل الدولة الإسلامية التي أنشأها الرسول ﷺ فسار الصحابة من بعده على المنهج الذي اختطه لهم ﷺ فكانوا بذلك أفضل الأمة من بعده ﷺ؛ لتربيتهم على يده وحرصهم الشديد على اقتفاء أثره ﷺ في كل شؤونهم، فكان عصر الخلافة الراشدة الذي توالى فيه أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي ﵃ أجمعين استمرارا لعهد الرسول ﷺ، فقد سار الخلفاء الأربعة على منهاج النبوة واتخذوا ما كان عليه العمل في عهد رسول الله ﷺ قاعدة لهم، واجتهدوا فيما استجد من وقائع ضمن إطار من الكتاب والسنة، واستمروا في نشر دين الله في الأرض، فتوسعت الدولة الإسلامية، وواجهوا أوضاعا ووقائع لم تكن موجودة في عهده ﷺ فاجتهدوا فيها على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ومشاورة لأصحابه ﵃.
ويختص هذا المبحث بذكر بعض الوقائع الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين الذي يعتبر بعد عهد النبوة الأساس العملي الثاني في بناء النظام السياسي الإسلامي، حيث تكونت من قواعد وتطبيقات العهد النبوي واجتهادات وتطبيقات هذا العهد سوابق دستورية، تعد معيارا للحكم على ما تلا ذلك من العهود من تطبيقات عملية، وأساسا لكافة الآراء المتعلقة بالجانب السياسي والدستوري من حياة المسلمين، فهذه السوابق الدستورية - فيما يتعلق بالثوابت منها - تعتبر ملزمة للمسلمين
[ ١٣٩ ]
في كل وقت، وما كان من المتغيرات فلا إلزام فيه؛ لأن الحكم فيما يتعلق بالمتغيرات يختلف حسب الظروف والمصلحة، وهذا متسق مع طبيعة التشريعات الإسلامية كلها، في اتسامها بالمرونة والصلاحية للتطبيق، عن طريق البناء على أسسها، والتخريج على أحكامها في كل العصور، ونعرض في هذا المبحث بعض الوقائع التطبيقية الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين ﵃.
١ - عدم تدوين الدستور: استقر العرف الدستوري في عهد الخلفاء الراشدين، على عدم وجود دستور مدون في شكل وثيقة واحدة، تحوي كافة الأحكام الدستورية، وذلك أن العمل الدستوري استمر في هذا العهد بناء على قواعد دستورية ثابتة في الكتاب والسنة، وبناء على الاجتهاد فيما يستجد من حوادث في إطار الكتاب والسنة، فأبو بكر ﵁ لم يدون دستورا للدولة الإسلامية في عهده، واكتفى بالميراث النبوي وبالاجتهاد والشورى فيما يستجد من وقائع، وكذلك عمر اكتفى بالميراث السابق لعهده، وهكذا عثمان وعلي ﵃ جميعا.
ولا يمكن اعتبار أحكام الدستور هذه أحكاما عرفية، أو أن يكون الدستور عرفيا لعدم التدوين؛ لأن الأساس والمرجع لهذا الدستور هو شرع الله، وما كان فيه من بعض الجزئيات فإنما تكون من باب الوسائل، فإنه قد يستقر العرف على حكم أو أحكام منها ويجرى العمل به.
ولكن هذا لا يجعل الدستور في النظام الإسلامي دستورا عرفيا كما يرى البعض (١) .
_________________
(١) أمثال: الدكتور سليمان الطماوي، والدكتور عبد المنعم جابر أبو قاهوق، والدكتور: إسماعيل بدوي وغيرهم، انظر في ذلك: عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة، د. سليمان الطماوي ص ١٤٧، طبع دار الفكر العربي، مبادئ القانون الدستوري، د. إسماعيل بدوي، ص ١٣٨.
[ ١٤٠ ]
فالدستور العرفي هو الذي يكون العرف مصدرا له، والدستور في النظام الإسلامي مصدره الوحي وما انبثق عنه من مصادر، وبالتالي فلا يمكن اعتباره دستورا عرفيا، كما قد يتبادر إلى الذهن لكونه غير مدون فقط، والذين نحوا هذا المنحى استخدموا المصطلحات الدستورية الغربية دون تمحيص، إذ أنه وفق هذه المصطلحات الغربية إذا لم يكن الدستور مدونا عد دستورا عرفيا، كما في بريطانيا مثلا، فاستخدام المصطلحات الغربية على عواهنها غير مسلم به، فالظروف والمتغيرات الحضارية والسياسية تختلف في النظام الإسلامي عنها في النظم الغربية، ففي النظام الإسلامي هناك الشريعة الإسلامية التي يحتكم إليها الجميع، وهي الأساس لكافة الأحكام الدستورية منها وغيرها، أما في النظم الغربية فأساس التشريع هم البشر، سواء عن طريق التشريع العادي، أو العرفي، أو القضائي، أو الفقهي، وبالتالي فلا يعتبر الدستور في الإسلام بأي حال دستورا عرفيا بالمصطلح الغربي.
وتدوين الدستور وعدمه أمر يرجع لظروف كل دولة، ففي عصر الخلفاء الراشدين لم يكن هناك ضرورة لتدوين الدستور؛ لقرب الناس من العهد النبوي ولالتزام الجميع التزاما ذاتيا بأحكام الشرع، وهذا بحد ذاته يعتبر ميزة دستورية لهذا العصر، وليس معنى عدم وجود الدستور المدون أن الدولة غير قانونية؛ لأن المقصود بوجود الدستور - مقوما للدولة القانونية - هو وجود القواعد الدستورية أو الأساسية التي تحكم أمور الدولة الرئيسة، وما يتعلق بالسلطات وحقوق الأفراد سواء أدونت هذه القواعد في وثيقة واحدة، أم لم تدون في هذه الوثيقة، كما يجب أن نفرق هنا بين مصطلحي الدستور العرفي والعرف الدستوري، فالدستور العرفي يخص الدول التي لم تدون القواعد الدستورية فيها في وثيقة مكتوبة تجمعها ويعد العرف هو المصدر الرئيس للقواعد الدستورية فيها، أما
[ ١٤١ ]
العرف الدستوري فينصرف إلى مجموعة القواعد الدستورية التي تتولد عن العادات والسوابق في ظل دستور دولة معينة (١) والعرف الدستوري قد يوجد في ظل النظام الدستوري الإسلامي فقد تتكون عادات وسوابق دستورية في ظل دستور هذه الدولة الإسلامية، سواء أكان دستورها مدونا أم غير مدون.