٦ - وقائع الشورى: تعتبر الشورى مبدأ مهما من مبادئ نظام الحكم في الإسلام، وتهدف الشورى إلى تحري المصلحة العامة، ومشاركة الأمة للقائد في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الحكم، حيث تظهر أفضل الحلول للمسائل محل الشورى من خلال مقابلة الآراء بعضها ببعض ونقدها وتمحيصها، وتبين أسباب الخلاف، وإيجابيات كل رأي وسلبياته، وتبرز ضرورة الشورى في أنها تساعد على ترابط واتحاد المجتمع المسلم، لإحساس أفراده بقيمتهم في اتخاذ القرار، وتساعد كذلك على التزام المسلمين بطاعة أولي الأمر منهم، الذين أتاحوا لهم فرصة تداول الرأي في الأمور العامة، وكانت الشورى إحدى دعائم الحكم في العهد النبوي، حيث أمر الله ﷾ رسوله بمشاورة المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤)
_________________
(١) مقنا: قرية على ساحل البحر الأحمر وأهلها يهود.
(٢) بني جبنة: من اليهود.
(٣) عون الشريف قاسم، دبلوماسية محمد، ص ٢٦١ - ٢٦٢.
(٤) سورة آل عمران، آية ١٥٩.
[ ١٣٤ ]
وقوله ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] (١) وقد طبق رسول الله ﷺ مبدأ الشورى في مواقف كثيرة، وسأتعرض فيما يلي لبعض وقائع الشورى وتطبيقاتها في العهد النبوي:
أ - ما حدث في غزوة بدر حين نزل الرسول ﷺ بجيش المسلمين عند أول ماء وجده، فقام إليه أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر ﵁ وقال له: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته، منزل أنزلك الله إياه، فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: بل منزل نزلته للحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب ونسقي الحياض، فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فقال له الرسول ﷺ: لقد أشرت بالرأي وسار بالجيش إلى المكان المشار به (٢) .
ب - مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه في شأن أسرى بدر، حيث أشار عليه أبو بكر الصديق - ﵁ باستبقائهم واستتابتهم أو فك أسرهم وافتدائهم بالمال، وأشار عمر ﵁ بضرب أعناقهم، فأخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر، ولكن الله عاتب نبيه على ذلك (٣) .
جـ - وتبرز صورة الشورى في أروع معانيها في مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه في أمر الخروج لملاقاة الأعداء في غزوة أحد،
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ٣٨.
(٢) ابن هشام، السيرة النبوية، جـ٢ ص٦٢، روى حديث الحباب هذا ابن هشام عن ابن إسحاق، ورواه الحاكم كذلك (٣ / ١٢٦، ١٢٧) .
(٣) ابن كثير، البداية والنهاية، جـ٣، ص ٣٠٦. روى الحديث ابن عباس وأخرجه مسلم: في الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
[ ١٣٥ ]
حيث نزل الرسول ﷺ على رأي الأغلبية، وهو الخروج لملاقاة العدو، وعدم البقاء في المدينة، بينما كان رأي الرسول ﷺ الشخصي هو البقاء في المدينة للدفاع عنها بدلا من الخروج، فلما رأى البعض أنهم قد أكرهوا الرسول على الخروج، وأرادوا التراجع عن رأيهم، رفض الرسول ﷺ ذلك؛ لأن الأمر قد قطع بالشورى وقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» (١) .
د - ومن وقائع الشورى في العهد النبوي حفر الخندق في غزوة الأحزاب حيث كان من نتيجة مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه أن اقترح سلمان الفارسي ﵁ حفر الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ بهذا الرأي.
هذه نماذج من تطبيقات الشورى في عهد رسول الله ﷺ في أمور عامة ذات صبغة سياسية وعسكرية مهمة مما هو من صميم الموضوعات الدستورية.