الْحَبْس وَالْهِبَة وَالصَّدََقَة وَمَا يتَّصل بهَا من الْعُمْرَى والإرفاق والحيازة، قَالَ الغرناطي: تذكر فِي الْوَثِيقَة تَسْمِيَة الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ وَالْحَبْس وموضعه وتحديده والمعرفة بِقَدرِهِ وتوليته الْحِيَازَة لِبَنِيهِ الصغار إِلَى أَن يبلغُوا مبلغ الْقَبْض وَعقد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ وَمَعْرِفَة الشُّهُود لملك الْمحبس، فَإِن كَانَ سَاكِنا فِيهِ ضمنت مُعَاينَة الشُّهُود لإخلائه إِلَّا أَن يحبس بِكُل مَا فِيهَا فَلَا يحْتَاج إِلَى إخلائها وَإِن كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ مَالِكًا أمره ذكرت قَبضه للحبس ونزوله فِيهِ وقبوله وضمنت مُعَاينَة الْقَبْض، وَكَذَا تعقد فِي الصَّدقَات والهبات اه. قلت: أما تَسْمِيَة الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ وَالشَّيْء الْمحبس فَهِيَ أَرْكَان لَا بُد من ذكرهَا فَإِن سقط وَاحِد من الأول وَالثَّالِث بَطل، وَإِن سقط الْمحبس عَلَيْهِ وَقَالَ: دَاري حبس وَسكت فَإِنَّهُ يَصح وَتَكون وَقفا على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين عِنْد مَالك كَمَا فِي الْبُرْزُليّ، وَأما تحديده فَسَيَأْتِي عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه. أَنه شَرط فِي الحكم بِهِ لَا فِي صِحَة التحبيس، وَأما معرفَة قدره فَإِنَّهُ مَحْمُول على مَعْرفَته بل هبة الْمَجْهُول أَو تحبيسه جَائِز، وَأما تَوليته الْحِيَازَة لِبَنِيهِ فسقوطه من الْوَثِيقَة لَا يضر كَمَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيه الثَّالِث عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه، وَأما عقد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ فَهُوَ شَرط فِي الصَّغِير وَالْكَبِير كَمَا يَأْتِي فِي الْمحل الْمَذْكُور أَيْضا، وَأما معرفَة الشُّهُود لملك الْمحبس فَإِن عدم ذكره لَا يضر كَمَا مر فِي شَهَادَة السماع. نعم هُوَ شَرط فِي اسْتِحْقَاق الْملك بِالْحَبْسِ كَمَا مرّ هُنَاكَ، وَانْظُر مَا تقدم فِي البيع على الْغَائِب أَيْضا إِن شِئْت، وَأما معرفَة صغر الْبَنِينَ فَسَيَأْتِي أَيْضا فِي شرح الْبَيْت الْمُتَقَدّم، وَأما مُعَاينَة الشُّهُود للإخلاء فَهُوَ قَول النَّاظِم: وَمن يحبس دَار سكناهُ الخ، وَأما قبض الْمَالِك أمره فَهُوَ شَرط كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ. وَأما قبُوله فَإِنَّهُ لَا يضر سُقُوطه كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَلمن سيوجد الخ. ثمَّ قَالَ أول وَثِيقَة النِّكَاح: وَلَا بُد من ذكر الصِّحَّة أَي صِحَة الْعَاقِد فِي النِّكَاح والهبات وَالصَّدقَات والأحباس وكل مَا لَيْسَ فِيهِ عوض اه. وَمُقْتَضَاهُ أَن القَوْل لمُدعِي الْمَرَض عِنْد النزاع وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَقدم التَّارِيخ تَرْجِيح الخ. ثمَّ إِن الْوَقْف سنة قَائِمَة عمل بهَا النَّبِي ﷺ والمسلمون من بعده. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) اه. وَقد اتَّفقُوا على جَوَاز تحبيس الْمَسَاجِد والقناطر والطرق والمقابر، وَإِنَّمَا خَالف أَبُو حنيفَة فِي لُزُوم تحبيس غير مَا ذكر لَا
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فِي جَوَازه، فَإِنَّهُ يَقُول بِجَوَازِهِ لكنه عِنْده إِنَّمَا يلْزم بِحكم الْحَاكِم وَهُوَ قبل الحكم على ملك الْوَاقِف قبض أم لَا. وَله الرُّجُوع عَنهُ بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَيُورث عَنهُ عِنْده إِن مَاتَ قَالَه فِي المعونة. ابْن عَرَفَة: وَالْوَقْف إِعْطَاء مَنْفَعَة شَيْء مُدَّة وجوده لَازِما بَقَاؤُهُ فِي ملك معطيه وَلَو تَقْديرا فَتخرج عَطِيَّة الذوات وَالْعَارِية والعمرى وَالْعَبْد المخدم حَيَاته بِمَوْت قبل سَيّده لعدم لُزُوم بَقَائِهِ فِي ملك معطيه لجَوَاز بَيْعه بِرِضَاهُ مَعَ معطاه اه. فَخرج بقوله: مَنْفَعَة إِعْطَاء الذوات، وَقَوله شَيْء يشْعر بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يكون متمولًا لَا تافهًا، وَقَوله مَنْفَعَة هَذَا هُوَ الأَصْل وَإِن كَانَ الْحَبْس قد يكون للِانْتِفَاع كالمدارس لِأَن الِانْتِفَاع إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِن شَرطه الْمحبس أَو جرى عرفه بِهِ، وَالْفرق أَن مَالك الْمَنْفَعَة لَهُ أَن يكريها ويعيرها لغيره بِخِلَاف مَالك الِانْتِفَاع فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الِانْتِفَاع بِنَفسِهِ فَلَا يكْرِي وَلَا يعير، وَبِقَوْلِهِ: مُدَّة وجوده الْعَارِية والعمرى وَهُوَ مَبْنِيّ على أَن الْحَبْس لَا يكون إِلَّا مُؤَبَّدًا وَإِطْلَاق الْحَبْس على غير المؤبد مجَاز عِنْده كَمَا صرح بِهِ هُوَ بِنَفسِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالرِّوَايَات وَاضِحَة بِإِطْلَاق الْحَبْس على مَا حبس مُدَّة يصير بعْدهَا ملكا وَهُوَ مجَاز اه. وعَلى ذَلِك يَنْبَنِي قَوْله: لَازِما بَقَاؤُهُ الخ. وَأخرج بِهِ العَبْد المخدم وَإِنَّمَا قَيده بقوله: يَمُوت قبل سَيّده لِأَنَّهُ فِيهِ يظْهر قَوْله مُدَّة وجوده، وَأما إِن مَاتَ سَيّده قبله فَإِنَّهُ يبطل إخدامه وَيرجع للْوَرَثَة فَهُوَ خَارج حِينَئِذٍ بقوله مُدَّة وجوده. وَقَوله: وَلَو تَقْديرا يحْتَمل أَن يكون مُبَالغَة فِي الْإِعْطَاء أَي: وَلَو كَانَ الْإِعْطَاء تَقْديرا كَقَوْلِه: إِن ملكت دَار فلَان فَهِيَ حبس، وَيحْتَمل أَن يكون رَاجعا لِمَعْنى قَوْله: لَازِما بَقَاؤُهُ فِي ملك معطيه أَي لَا يخرج عَن ملكه وَلَو تَقْديرا. وَقَوله: حَيَاته يَعْنِي حَيَاة السَّيِّد أَو حَيَاة العَبْد أَو المخدم بِالْفَتْح فَإِن أطلق فَيحمل على حَيَاة العَبْد وَالْكل خَارج بِمَا ذكر إِلَّا أَنه إِن أخدمه حَيَاة العَبْد وَمَا بعده فَإِن الْخدمَة لَا تبطل بِمَوْت السَّيِّد لِأَنَّهَا مَنْفَعَة قد حيزت بحوز أَصْلهَا وتورث عَن المخدم بِالْفَتْح فِي إخدامه حَيَاة العَبْد أَو إِطْلَاقه كَمَا يدل لَهُ قَول (خَ) فِي الْوَصِيَّة: وبمنافع عبد ورثت عَن الْمُوصى لَهُ. تَنْبِيه: من حبس على بنيه الصغار جَمِيع أملاكه وَقَالَ فِي تحبيسه: كل مَا يملكهُ مُدَّة حَيَاته فَهُوَ حبس فَإِن كل مَا يملكهُ بعد التحبيس لَاحق بِالْحَبْسِ إِن ملكه وَهُوَ سَالم من الدّين الْمُسْتَغْرق وَكَانَ صَحِيح الْجِسْم، فَإِن كَانَ يَوْم ملكه مدينا فَلَا حبس إِلَّا فِيمَا تقدم الدّين، وَكَذَا إِن كَانَ مَرِيضا وَمَات من مَرضه ذَلِك قَالَه فِي معاوضات المعيار. الحَبْسُ فِي الأُصُولِ جَائِزٌ وَفِي مُنَوَّعِ العَيْن بِقَصْدِ السَّلَفِ (الْحَبْس) بِالسُّكُونِ تَخْفِيفًا للوزن (فِي الْأُصُول) كالدور وَالْأَرضين والحوائط والطرق والآبار والمصانع وَهِي الْحِيَاض يجمع فِيهَا مَاء الْمَطَر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
تخلدون﴾ (الشُّعَرَاء: ١٢٩) (جَائِز) بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة كَمَا تقدم وَهُوَ لَازم بالْقَوْل عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَخَالف أَبُو حنيفَة فِي غير تحبيس الْمَسَاجِد وَنَحْوهَا كَمَا مرّ وَقَالَ: لَا يلْزم إِلَّا بالحكم كَمَا مر، وَعنهُ أَيْضا أَنه لَا يجوز فِي غير الْمَسَاجِد وَنَحْوهَا لقَوْله تَعَالَى: مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٣) وَقَوله تَعَالَى: وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث﴾ الْآيَة (الْأَنْعَام: ١٣٦) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَلَا حجَّة لَهُ فِي ذَلِك لِأَن الْآيَة إِنَّمَا تَقْتَضِي التوبيخ على مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تحرمه على نَفسهَا تدينًا وافتراء على الله اه. وَصرح الْبَاجِيّ بِأَنَّهُ بَاقٍ على ملك الْمحبس قَالَ: وَهُوَ لَازم تَزْكِيَة حَوَائِط الأحباس على ملك محبسها (خَ): وَالْملك للْوَاقِف، وَقَالَ أَيْضا فِي الزَّكَاة كنبات وحيوان ونسله على مَسَاجِد الخ. (و) جَائِز أَيْضا (فِي منوع الْعين) من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف أَي الْعين المنوعة إِلَى ذهب وَفِضة (بِقصد السّلف) كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَة فِي كتاب الزَّكَاة وَهُوَ الْمَشْهُور. وَلا يَصِحُّ فِي الطَّعَامِ واخْتَلَفْ فِي الحَيوانِ والعُرُوضِ مَنْ سَلَفْ (وَلَا يَصح) الْحَبْس (فِي الطَّعَام) وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يعرف بِعَيْنِه إِذا غيب عَلَيْهِ، وَظَاهره وَلَو للسلف وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ابْن شَاس وَابْن سَلمُون وَغَيرهمَا قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا مَعَ اسْتِهْلَاك عينه وَالْمذهب جَوَاز وَقفه للسلف أَيْضا كَالْعَيْنِ وَينزل رد مثله بِمَنْزِلَة دوَام عينه وتزكي الْعين على ملك رَبهَا كَمَا قَالَ (خَ): وزكيت عين وقفت للسلف الخ. فَكَانَ حق النَّاظِم أَن لَا يفرق بَين الطَّعَام وَالْعين. (وَاخْتلف) بِفَتْح اللَّام (فِي) جَوَاز تحبيس (الْحَيَوَان) ناطقًا أم لَا (وَالْعرُوض) من سلَاح وَثيَاب وَنَحْوهمَا وَعدم جَوَاز تحبيس ذَلِك (من سلف) فَاعل بقوله: اخْتلف، وَالْقَوْلَان مرويان عَن الإِمَام، وَالْمَشْهُور الْجَوَاز لحَدِيث: (من حبس فرسا فِي سَبِيل الله إِيمَانًا بِاللَّه وَتَصْدِيقًا بوعده كَانَ شبعه وريه فِي مِيزَانه) . وَعَلِيهِ عول (خَ) إِذْ قَالَ: صَحَّ وقف مَمْلُوك وَلَو حَيَوَانا ورقيقًا كَعبد على مرضى وَفِي وقف كطعام تردد الخ. وَظَاهره كالناظم أَن الْمَمْلُوك يَصح وَقفه وَلَو جُزْءا شَائِعا وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي فِي قَول النَّاظِم: وَفِي جُزْء مشَاع حكم تحبيس قفي الخ.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
ولِلْكِبارِ والصِّغارِ يُعْقَدُ ولِلْجَنِينِ ولِمَنْ سَيُولَدُ (و) يشْتَرط فِي الْمحبس عَلَيْهِ أَن يكون أَهلا للتَّمَلُّك حَقِيقَة كزيد والفقراء أَو حكما كقنطرة وَمَسْجِد وَلَا يشْتَرط كَونه كَبِيرا وَلَا مَوْجُودا بل (للكبار وَالصغَار يعْقد وللجنين) الْمَوْجُود فِي بطن أمه بل (وَلمن) لم يُوجد فِي الْبَطن وَلَكِن (سيولد) فِي الْمُسْتَقْبل وَالْهِبَة وَالصَّدََقَة وَالْوَصِيَّة مثل الْحَبْس فِي ذَلِك، وَيتم ذَلِك وَيلْزم باستهلال من فِي الْبَطن أَو سيوجد (خَ) كمن سَيكون إِن اسْتهلّ أَي إِذا قَالَ: هُوَ حبس أَو صَدَقَة على من سيولد لفُلَان فَإِن ذَلِك صَحِيح قبل الْولادَة غير لَازم للمحبس وَنَحْوه حَتَّى يُوجد ويستهل، وَلذَا كَانَ للمحبس وَنَحْوه أَن يَبِيع أَو يهب قبل الْولادَة بِالْكُلِّيَّةِ على الْمَذْهَب فَإِن بَاعَ بعد أَن ولد لَهُ وَمَات الْوَلَد وَلم يحصل الْيَأْس من ولادَة غَيره فَلَا يجوز اتِّفَاقًا، وَيفهم من هَذَا أَنه لَو قَالَ: هُوَ حبس على مَا يُولد لي أَو لفُلَان وبعدهم على الْمَسَاكِين فَمَاتَ قبل أَن يُولد لَهُ أَو حصل لَهُ الْيَأْس من ولادتهما أَن الْحَبْس يبطل وَيرجع مِيرَاثا، وَأما إِن وجد الْوَلَد وَمَات فَإِنَّهُ يسْتَمر حبسا على الْمَسَاكِين، وَيفهم من هَذَا أَيْضا أَن الْغلَّة لَا توقف بل هِيَ للمحبس أَو ورثته حَتَّى يُوجد الْوَلَد ويستهل وَهُوَ كَذَلِك على الْمَعْمُول بِهِ لِأَنَّهُ لَا يلْزم إِلَّا بالاستهلال كَمَا مرّ. تَنْبِيهَانِ. الأول: يشْتَرط قبُول الْمحبس عَلَيْهِ حَقِيقَة أَو حكما كَمَا لَو قَبضه وَصَارَ يتَصَرَّف فِيهِ لِأَن ذَلِك أقوى فِي الدّلَالَة على الرِّضَا من التَّصْرِيح بِهِ، فَإِذا سقط لفظ الْقبُول من الْوَثِيقَة فَإِن ذَلِك لَا يضر حَيْثُ وجد الْقَبْض الْمَذْكُور فالقبض يسْتَلْزم الْقبُول وَالْقَبُول لَا يسْتَلْزم الْقَبْض، وَلذَا إِذا لم يقبض الْحَبْس حَتَّى مَاتَ الْمحبس أَو الْمحبس عَلَيْهِ الْمعِين لَهُ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّهُ يبطل وَلَو تضمن الرَّسْم الْقبُول فَإِن حبس شِقْصا على شخص أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ وعرفه بذلك فَسكت وَلم يقل قبلت وَترك ذَلِك زَمَانا، ثمَّ قَامَ وَأَرَادَ قبض ذَلِك وحيازته فَلهُ ذَلِك حَيْثُ لم يكن مَانع من موت أَو مرض أَو فلس، فَإِن طلب غلَّة ذَلِك حلف أَنه لم يسكت على وَجه التّرْك وَرجع بهَا قَالَه فِي الِاسْتِغْنَاء وَنَقله ابْن عَرَفَة قَالَ: وَفِيه مَعَ ركنية الْقبُول نظر الْأَعْلَى أَن بت الْخِيَار مُوجب بته يَوْم
[ ٢ / ٣٧٠ ]
عقده اه. أَي: لِأَن الْقبُول إِذا كَانَ ركنا فمعلوم أَن الْمَاهِيّة تنعدم بانعدام بعض أَرْكَانهَا وَذَلِكَ مُوجب لكَونه لَا غلَّة لَهُ، نعم مَا فِي الِاسْتِغْنَاء هُوَ الْجَارِي على من تصدق بِأمة فَلم يقبلهَا الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ حَتَّى ولدت أَوْلَادًا فَإِنَّهَا تكون لَهُ هِيَ وَأَوْلَادهَا، وَلَو أَخذ السَّيِّد أرش قتل بعض أَوْلَادهَا فَإِن الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يرجع عَلَيْهِ بِهِ قَالَه فِي سَماع عِيسَى، وَلَا يظْهر فرق بَين أَوْلَاد الْأمة وَالْغلَّة الْمَذْكُورَة، وَبحث ابْن عَرَفَة وَغَيره. لَا يدْفع الْفِقْه كَمَا تقرر عِنْدهم وَالله أعلم. وَأما الْمَحْجُور من صَغِير وسفيه فَإِنَّهُ يُقَام لَهُ من يقبل من وَصِيّ ومقدم، فَإِن لم يقبل من لَهُ أَهْلِيَّة الْقبُول دفع لغيره مِمَّن يسْتَحق ذَلِك بِاجْتِهَاد الْحَاكِم وَلَا يرد للمحبس، فَإِن لم تكن فِيهِ أَهْلِيَّة للقبول كالمساجد والقناطر والفقراء فَلَا يشْتَرط قبولهم، وَالْوَصِيّ وَنَحْوه لَيْسَ لَهُ أَن يرد مَا وقف على مَحْجُوره فَإِن رد لم يَصح رده. الثَّانِي: إِذا قَالَ: حبس على فلَان وَأطلق وَلم يُقيد بِأَجل وَلَا بحياته فَإِنَّهُ يرجع بعد موت الْمحبس عَلَيْهِ ملكا على الْمُعْتَمد، وَأَحْرَى إِن قيد بِالْحَيَاةِ أَو بالأجل وَاخْتلف إِذا قَالَ: هُوَ صَدَقَة عَلَيْك وعَلى ولدك أَو على عقبك هَل يكون ملكا أَو حبسا. اللَّخْمِيّ: وَالْأول أحسن وَلَكِن يمْنَع الأول من التفويت لحق الثَّانِي كَذَا قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة، وَسَيَأْتِي نَفسه فِي الْهِبَة إِن شَاءَ الله. ويَجِبُ النَّصُّ عَلَى الثِّمَارِ وَالزَّرْع حَيْثُ الحَبْسُ لِلصِّغار (و) إِذا كَانَ فِي الأَرْض أَو فِي الْأَشْجَار المحبسة زرع أَو ثَمَر مَأْبُور فِي رؤوسها ف (يجب النَّص على) إِدْخَال تِلْكَ (الثِّمَار و) ذَلِك (الزَّرْع) فِي الْحَبْس فَإِن لم ينص على دخولهما وَحصل مَانع قبل الْجذاذ والحصاد بَطل (حَيْثُ) كَانَ (الْحَبْس) من الْأَب (للصغار) من بنيه لِأَنَّهُ قد شغل الْحَبْس بزرعه وثمرته فَلم تتمّ فِيهِ حيازته لَهُم، وَهَذَا إِذا كَانَ الزَّرْع وَالثَّمَر فِي أَكثر الحباسة فَإِن كَانَا فِي ثلثه فَأَقل نفذ الْحَبْس فِي الْأَمْلَاك دون الثَّمَرَة لِأَنَّهُ يجوز لَهُ أَن يسْتَثْنى من حَبسه أَو صدقته قدر ثلث المساكن فِي الدَّار وَثلث الْغلَّة فِيمَا لَهُ غلَّة ثمَّ يلْحق بعد مَوته بِالْحَبْسِ أَو الصَّدَقَة قَالَه
[ ٢ / ٣٧١ ]
فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَفِي المعيار: أَن هبة الدَّار المكتراة لَا بُد أَن يدْخل الْكِرَاء فِي هبة الدَّار وإلاَّ جرى فِيهَا مَا تقدم، ثمَّ إِنَّمَا يتم إِلْحَاقه بعد مَوته إِذا كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ غير وَارِث وَحمل ذَلِك ثلثه قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة أَيْضا. فَقَوْل النَّاظِم: وَيجب الخ يَعْنِي على جِهَة الْأَوْلَوِيَّة لِأَنَّهُ إِذا لم ينص على ذَلِك أَو لم يرد إِدْخَال ذَلِك فِي الْحَبْس وَلم يحصل مَانع قبل الْجذاذ والحصاد فالحيازة تَامَّة، وَقَوْلِي: مَأْبُور احْتِرَازًا من غَيره فَإِنَّهُ للمحبس عَلَيْهِ فَلَا تَأتي فِيهِ الْعلَّة الْمُتَقَدّمَة، وَمَفْهُوم للصغار وَمن فِي معناهم من سَفِيه ومعتوه أَنه إِذا حَبسه على الْكِبَار الرشداء وقبضوا الْأُصُول بِمَا فِيهَا فَإِن حيازتهم تَامَّة وَإِن كَانَت الثَّمَرَة لِرَبِّهَا، وَكَذَا لَو حبس على غَيرهم دَار فقبضوها وفيهَا مَتَاع لَهُ فَإِن الْحِيَازَة تَامَّة لأَنهم قبضوها وزائدًا مَعهَا كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة وَابْن سَلمُون. وَانْظُر مَا يَأْتِي آخر الْهِبَة من أَنه يجوز أَن يهب لَهُ أَرضًا ويستثني غَلَّتهَا سِنِين وَهَذَا فِي غير دَار سكناهُ كَمَا قَالَ: وَمَنْ يُحَبِّسْ دارَ سُكْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ إلاّ أنْ يُعَايَنَ الْخَلَا (وَمن يحبس دَار سكناهُ) على بنيه أَو على غَيرهم (فَلَا يَصح) الْحَوْز (إِلَّا أَن يعاين الخلا) مِنْهَا وَيشْهد عَدْلَانِ بمعاينتها خَالِيَة من شواغل الْمحبس وَيسْتَمر على خُرُوجه مِنْهَا عَاما كَامِلا، فَإِن رَجَعَ لسكناها قبله وَبَقِي فِيهَا حَتَّى مَاتَ أَو حصل مَانع بَطل إِلَّا أَن يكون الْمحبس مَرِيضا أَو طريدًا فآواه الْمحبس عَلَيْهِ فَمَاتَ فَذَلِك كلا رُجُوع كَمَا فِي كتاب الصَّدَقَة من ابْن سَلمُون (خَ) عاطفًا على المبطلات أَو عَاد لسكنى مَسْكَنه قبل عَام، وَظَاهر هَذَا وَلَو رَجَعَ إِلَيْهَا بكرَاء عقده فِيهَا بِأَن قَومهَا أَرْبَاب الْمعرفَة بكرَاء قدره كَذَا وسكنها بذلك الْكِرَاء، وَبِه صرح المتيطي فِي الصَّدَقَة قَالَ: وَلَو جَازَ ذَلِك بالكراء لجَاز بِغَيْر كِرَاء. قَالَ: فَإِن لم يسكنهَا وَلَكِن أسكنها غَيره فَإِن أسْكنهُ إِيَّاهَا على وَجه الْعُمْرَى أَو الإسكان بطلت، وَإِن كَانَ بكرَاء صحت، وَإِن شكّ هَل بكرَاء أَو إسكان صحت، وَأما غير دَار السُّكْنَى إِذا عَاد إِلَيْهِ قبل الْعَام بكرَاء كَمَا لَو وهب لصغير فدانًا من أَرض ثمَّ حرثه قبل الْعَام بكرَاء قوَّمه بِهِ أَرْبَاب الْمعرفَة فَإِنَّهُ لَا يبطل كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي هبات المعيار. إِلَّا أَن يعاين الْخَلَاء يَعْنِي لكلها أَو جلها كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْهِبَة: وَدَار سكناهُ إِلَّا أَن يسكن أقلهَا ويكرى لَهُ الْأَكْثَر وَإِن سكن النّصْف بَطل فَقَط، وَالْأَكْثَر بَطل الْجَمِيع الخ. وَالْهِبَة وَالْحَبْس من وَاد وَاحِد كَمَا يَأْتِي، وَظَاهره أَنه لَا بُد من إخلائها وَلَو حَبسهَا على مَحْجُوره مَعَ مَا فِيهَا من الْأَمْتِعَة. انْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله فِي الْهِبَة: وَإِن يكن مَوضِع سكناهُ وهب الخ. وَنَافِذٌ تَحْبِيسُ مَا قَدْ سَكَنَهْ بِما كالاكِتراءِ مِنْ بَعْدِ السَّنَهْ (ونافذ تحبيس مَا قد سكنه) بعد تحبيسه (بِمَا كالاكتراء من بعد السنه) الظَّاهِر أَن مَا وَالْكَاف زائدتان، وَظَاهره أَن الْكِرَاء شَرط فِي صِحَة حيازته وَلَيْسَ كَذَلِك بل مهما رَجَعَ بعد السّنة
[ ٢ / ٣٧٢ ]
فالحيازة تَامَّة على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ، وَلَو رَجَعَ بِغَيْر كِرَاء كَمَا أَن قَوْله: إنْ كانَ مَا حُبِّسَ لِلْكِبَارِ وَمِثْلُ ذاكَ فِي الهباتِ جَارِي (إِن كَانَ مَا حبس للكبار) إِنَّمَا يتمشى على طَريقَة ابْن رشد، وَأما على الْمَشْهُور فَلَا مَفْهُوم للشّرط الْمَذْكُور كَمَا هُوَ ظَاهر مَفْهُوم نَص (خَ) الْمُتَقَدّم. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فرق بَين الصغار والكبار فِي صِحَة الْحَبْس إِن رَجَعَ بعد الْعَام كَانَ رُجُوعه بكرَاء أَو إرفاق أَو غير ذَلِك كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة قَائِلا: لَو تصدق عَلَيْهِ بدار حازها لَهُ سنتَيْن ثمَّ سكنها بكرَاء أَو غَيره وَمَات فِيهَا فَهِيَ مَاضِيَة اه. وَنَحْوه فِي الْمجَالِس والمفيد وَغَيرهمَا خلافًا لما فِي زمن أَنه إِذا رَجَعَ إِلَيْهَا بإرفاق بَطل لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتمشى على طَريقَة ابْن رشد الَّتِي درج النَّاظِم عَلَيْهَا وَهِي مُعْتَرضَة كَمَا نظم ذَلِك الإِمَام المزواري بقوله: رُجُوع وَاقِف لما قد وَقفا بعد مُضِيّ سنة قد خففا على صبي كَانَ أَو ذِي رشد واعترضت طَريقَة ابْن رشد (وَمثل ذَاك) الحكم الْمَذْكُور فِي الْحَبْس (فِي الهبات) وَالصَّدقَات (جَار) لِأَنَّهَا من وَاد وَاحِد فِي وجوب الْحِيَازَة. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا ثَبت رُجُوعه قبل السّنة أَو بعْدهَا فَلَا إِشْكَال وَإِن جهل الْحَال هَل رَجَعَ قبل السّنة أَو بعْدهَا فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الوانشريسي وَنَقله الفاسي فِي جَوَاب لَهُ: أَنه يحمل على رُجُوعه قبل السّنة وَلَا يُعَارضهُ مَا فِي أحباس المعيار فِيمَن حبس على صَغِير ثمَّ بَاعه من أَنه إِذا ثَبت أَن بَيْعه قبل الْعَام فَالْبيع صَحِيح وَلَا قيام للمحبس عَلَيْهِ وَلَا لمن مرجعه لَهُ، أما لَو تمّ الاحتياز بانصرام الْعَام فَالْبيع مفسوخ وَيجب الرُّجُوع بِالثّمن على البَائِع أَو على تركته إِن مَاتَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تكلم على مَا إِذا ثَبت ذَلِك قبل الْعَام أَو بعده، وَأما عِنْد الْجَهْل فَلم يتَكَلَّم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قَوْله: إِذا ثَبت أَن بَيْعه قبل الْعَام الخ. رُبمَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنه إِذا لم يثبت وَجَهل أمره يحمل على مَا بعد الْعَام الخ. لِأَنَّهُ لَا يُعَارض صَرِيح بِظَاهِر وَلَا بمحتمل، وَانْظُر مَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: والحوز شَرط الخ.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
الثَّانِي: لَا بُد أَن يضمن الشُّهُود فِي الرَّسْم معرفَة صغر الْمحبس عَلَيْهِ لِئَلَّا يقوم عَلَيْهِ قَائِم وَهُوَ كَبِير فَيَقُول لَهُ: لم يتَصَدَّق عَلَيْك إِلَّا وَأَنت كَبِير وَلم تحز، وَيَقُول هُوَ: كنت صَغِيرا، وَقد اخْتلف فِي قَول أَيهمْ يقبل، وَالظَّاهِر أَنه يقبل قَول الصَّغِير لِأَنَّهُ يَدعِي الصِّحَّة فَإِن مَاتَ الْأَب بعد بُلُوغ الابْن وَالْحَبْس أَو الْهِبَة بِيَدِهِ فَإِن كَانَ الابْن مَعْرُوف الرشد وَقت بُلُوغه بَطل، وَإِن كَانَ مَعْرُوف السَّفه صَحَّ، وَإِن كَانَ مشكوكًا وَمَضَت لَهُ سنة من موت الْأَب بَطل قَالَه فِي هبات المعيار. وَإِذا بلغ بَعضهم وَلم يبلغ الْبَعْض الآخر حَاز الْكَبِير لنَفسِهِ وللصغار بوكالة الْأَب، وَظَاهر الْمُدَوَّنَة أَنهم محمولون على السَّفه حَتَّى يتَبَيَّن الرشد وَهُوَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى: فان آنستم مِنْهُم رشدا﴾ (النِّسَاء: ٦) وَعَلِيهِ فَإِذا مَاتَ الْأَب بعد الْبلُوغ لَا تبطل الْهِبَة قَالَه أَبُو الْحسن. وَقَوله: بوكالة الْأَب لَا مَفْهُوم لَهُ، وَقَوله: لَا تبطل الْهِبَة يَعْنِي حَتَّى يمْضِي لَهُ عَام من يَوْم موت الْأَب كَمَا مر، وَقَوْلهمْ: إِذا رشد وَلم يحز لنَفسِهِ بَطل مَحَله إِذا لم يكن الْأَب قدم من يحوزه كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَينفذ التحبيس فِي جَمِيع مَا. الخ. الثَّالِث: إِشْهَاد الْوَلِيّ بِالْحَبْسِ على مَحْجُوره لَا بُد مِنْهُ وَذَلِكَ حوز لِابْنِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يَقُول: رفعت يَد الْملك وَأثبت يَد الْحَوْز، وَلَا إِلَى أَن يَقُول الموثق وَحَازَ لَهُم إِلَى أَن يبلغُوا مبلغ الْحَوْز كَمَا فِي المعيار وَابْن سَلمُون فِي فصل الصَّدَقَة وَيتم حوزه لَهُ بعد الْإِشْهَاد بِصَرْف الْغلَّة فِي مصَالح ابْنه تَحْقِيقا أَو احْتِمَالا، فَإِن علم أَنه كَانَ يصرف الْغلَّة فِي مصَالح نَفسه دون مصَالح ابْنه بَطل، وَالْعلم بذلك إِنَّمَا هُوَ بِإِقْرَارِهِ أَو بِقَرِينَة كَمَا فِي الدّرّ النثير، فَإِذا أقرّ أَنه صرفهَا لنَفسِهِ أَو فِي مصَالح ابْنه فَإِنَّهُ يصدق وَتُؤْخَذ من تركته فِيمَا إِذا قَالَ: إِنَّهَا مَوْضُوعَة تَحت يَده قدرهَا كَذَا فَإِن لم يقر بِشَيْء حَتَّى مَاتَ فَهُوَ مَحْمُول على أَنه صرفهَا لِابْنِهِ، وَكَذَا يُقَال فِي الْهِبَة وَالصَّدََقَة، وَمَا للشَّيْخ الرهوني فِي بَاب الْهِبَة مِمَّا يُخَالف هَذَا لَا يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهِ. وَانْظُر مَا يَأْتِي فِي الْهِبَة وَقد أَفْتيت فِي بَيِّنَة جَاءَت من سجلماسة شهِدت بِأَن الْمحبس كَانَ ىأكل غلَّة مَا حَبسه على صغَار بنيه بِمَا نَصه: هَذِه الْبَيِّنَة قد أجملت فِي مُسْتَند علمهَا هَل كَانَ ذَلِك بمحضرها أَو بِإِقْرَارِهِ لَدَيْهَا، وَلَا يتم أَن يكون ذَلِك بمحضرها إِلَّا إِذا كَانَت تصاحبه فِي أوقاته كلهَا وَذَلِكَ مُتَعَذر، وَلذَا قَالَ ابْن لبَابَة: هُوَ من الْغمُوس الَّذِي لَا يجوز، وَأَيْضًا فَإِن قَوْلهَا ذَلِك مهمل مِمَّا لَا يدل على تَعْمِيم أَو تبعيض، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مَحْمُول على التَّبْعِيض لِأَنَّهُ الْمُحَقق وَغَيره مَشْكُوك، فَيكون الْمَعْنى أكل بعض ثمره أَو زرعه، وعَلى أَنه أكل الْجَمِيع فَيحْتَمل أَن يكون أكل الْجَمِيع فِي بعض السنين دون بعض، وَهَذَا الْبَعْض إِمَّا الجل أَو النّصْف أَو الْأَقَل وَلَا يبطل شَيْء من العطايا باستغلال الْأَقَل فَلَا يبطل الْحَبْس الْمَذْكُور إِلَّا بِثُبُوت أكل الْجَمِيع أَو الْأَكْثَر وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ وَالله أعلم. ثمَّ أَن الْإِشْهَاد شَرط صِحَة فِي التَّبَرُّعَات من حَيْثُ هِيَ وَفِي كل مَا كَانَ من غير عوض كالتوكيل وَالضَّمان وَنَحْوهمَا، وَلَا يخْتَص الْإِشْهَاد بالتبرع على الصَّغِير فَقَط إِذْ لَا معنى لكَونه شرطا فِي الصَّغِير دون الْكَبِير كَمَا قد يتَبَادَر، وَحِينَئِذٍ فَإِذا قَالَ: حبست أَو تَصَدَّقت أَو وكلت أَو أوصيت وَلم يقل اشْهَدُوا عَليّ بذلك وَلم يفهم من حَاله أَنه قصدهم إِلَى الْإِشْهَاد عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصح شَيْء من ذَلِك، وَكَذَا لَو كتب ذَلِك وَلم يشهدهم عَلَيْهِ فَلَا ينفذ شَيْء مِنْهُ لِأَنَّهُ قد يَقُول أَو يكْتب وَهُوَ غير عازم على شَيْء من ذَلِك كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْوَصِيَّة. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: مثله فِي الرجل يَقُول لوَلَده: أصلح نَفسك وَلَك كَذَا فَإِنَّهُ إِذا لم يشْهد لَا شَيْء لَهُ لاحْتِمَال أَنه يُرِيد التحريض
[ ٢ / ٣٧٤ ]
نَقله (ح) فِي بَاب الْهِبَة، وَقَالَ ابْن سَلمُون فِي فصل بيع الْوَكِيل: فَإِن لم يبينا فِي شَهَادَتهمَا أَن الْمُوكل أشهدهما بِالْوكَالَةِ فشهادتهما بَاطِلَة لَا يعْمل بهَا اه. وَقد قَالُوا أَيْضا: إِن الْمَوْهُوب لَهُ إِذا وهب الْهِبَة وَأشْهد فَذَلِك حوز وإلاَّ فَلَا كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْهِبَة: أَو وهب إِذا أشهد وأعلن الخ. وَإِذا لم يكن حوز إِلَّا مَعَ الْإِشْهَاد فَكَذَلِك لَا تكون هبة إِلَّا مَعَه أَيْضا. الرَّابِع: إِذا حبس الْوَلِيّ على محجورة جُزْءا شَائِعا فِي جَمِيع مَاله وَله أصُول وَربَاع وعروض ورقيق وماشية وناض وَطَعَام صَحَّ ذَلِك على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَرِوَايَته عَن مَالك فِي جَمِيع مَا كَانَ يملك يَوْم الْهِبَة من الْأُصُول والرباع وَالْعرُوض والماشية حاشا مَا سكن من الدَّار أَو لبس من الثِّيَاب، وَأما الطَّعَام والناض فَيبْطل الْحَبْس فِيهِ إِذْ لَا يعرف بِعَيْنِه إِلَّا أَن يَضَعهُ على غير يَده قَالَه فِي الْبَيَان، وَنَحْوه لِابْنِ نَاجِي أول كتاب الْهِبَة من الْمُدَوَّنَة قَائِلا: الْمَشْهُور صِحَة هبة الْمشَاع مَعَ بَقَاء يَد الْوَاهِب تجول فِيهِ مَعَ الْمَوْهُوب لَهُ اه. لَكِن الْكَبِير لَا بُد أَن يتَصَرَّف مَعَ الْوَاهِب، وَأما الصَّغِير فَإِن حوز الْأَب لَهُ كَاف كَمَا مرّ. وَقَوله فِي الْبَيَان: صَحَّ ذَلِك حَتَّى فِي الْعرُوض والماشية الخ. هَذَا إِذا لم يكن هُنَاكَ مُنَازع وإلاَّ فَلَا يقْضِي للِابْن إِلَّا بِمَا عين مِنْهُمَا بتوقيف الشُّهُود عَلَيْهِمَا أَو بِوَصْف يتَحَصَّل بِهِ تمييزها كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَابْن عتاب، وَمَا ذَلِك إِلَّا لالتباسهما بِمَا اكْتَسبهُ الْأَب بعد الْهِبَة بشرَاء وَنَحْوه فَلَا يحكم للِابْن إِلَّا بِمَا شهِدت الْبَيِّنَة أَن الْحَبْس أَو الْهِبَة وَقعا على عينه بِخِلَاف الْأُصُول، فَإِن الْغَالِب عدم الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَإِن زَاد شَيْئا فَإِن الْغَالِب شهرته عِنْد النَّاس كَمَا قَالُوهُ فِيمَن أنكر أصل الْمُعَامَلَة فَقَامَتْ بَيِّنَة بِالْقضَاءِ، وَلذَا قَالَ ابْن سهل فِي بَاب الْوَصَايَا عَن ابْن لبَابَة وَغَيره: أَن الصَّدَقَة إِذا كَانَت على ابْنه بِجَمِيعِ مَاله فَلَا حِيَازَة على الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يَعْنِي عِنْد إِرَادَة الحكم، وَإِن كَانَ تصدق بأحقال بِأَعْيَانِهَا فَالْمَال موروث حَتَّى تحوز الْبَيِّنَة الأحقال لِأَنَّهَا لَا تتَمَيَّز من الْمَوْرُوث إِلَّا بالحيازة والتحديد، وَهَذَا إِذا تنازعوا فِي الْحُدُود وإلاَّ فَسَيَأْتِي عِنْد قَول النَّاظِم:
وناب عَن حِيَازَة الشُّهُود توَافق الْخَصْمَيْنِ فِي الْحُدُود
وَهَذَا يبطل مَا فِي المعيار عَن العبدوسي فِيمَن حبس جَمِيع مَا يملكهُ بقرية كَذَا من الدّور والجنات على صغَار بنيه وحازه لَهُم ثمَّ توفّي قَالَ فِي الْجَواب: إِن الْحَبْس بَاطِل لعدم تعْيين الْأَمْلَاك المحبسة الخ. وَلما نقل ابْن رحال جَوَاب العبدوسي قَالَ: الْحق فِي النَّازِلَة أَن الْحَبْس صَحِيح وكل مَا عرف للمحبس بِتِلْكَ الْقرْيَة فَلَا إِرْث فِيهِ الخ. وَكَأَنَّهُ لم يقف على مَا تقدم عَن ابْن سهل وإلاَّ فَهُوَ أولى مَا يرد بِهِ جَوَاب العبدوسي، وَقَالَ الإِمَام القَاضِي سَيِّدي عِيسَى السجتاني فِي نوازله: إِنَّمَا يشْتَرط التَّحْدِيد فِي صِحَة الحكم بِالْحَبْسِ، وَمن ظن أَنه شَرط فِي صِحَة الْحَبْس فَهُوَ غالط نعم يشْتَرط معرفَة الشَّيْء الْمحبس عِنْد إِرَادَة الحكم لِئَلَّا يلتبس بِالْمِيرَاثِ. وَحَيْثُ لَا لبس لَا يضر عدم التَّحْدِيد كَمَا إِذا قَالَ الْمحبس: حبست جَمِيع الْملك الْفُلَانِيّ فِي مَوضِع كَذَا اه. وَهَذَا كُله كَاف فِي رد جَوَاب العبدوسي، وَأما إِن تصدق عَلَيْهِ بِعَدَد كمائة من غنمه أَو عبيده فَإِن وسم الْغنم أَو وصفت بِأَعْيَانِهَا صحت وإلاَّ بطلت قَالَه الإِمَام مَالك. ابْن رشد: قَوْله هَذَا فِي الَّذِي تصدق على ابْنه بِعَدَد من غنمه أَو خيله هُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ وَقد كَانَ يَقُول فِي حيازته للعدد جَائِزَة وَإِن لم يسمهَا وَلَا قسمهَا كالجزء الْمشَاع اه. وَقد تحصل أَنه إِذا تصدق عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٧٥ ]
بِجَمِيعِ ملكه الَّذِي فِي مَحل كَذَا فَلَا حِيَازَة عِنْد إِرَادَة الحكم بل كل مَا عرف للمحبس أَو الْمُتَصَدّق بذلك الْمحل فَهُوَ للمحبس أَو الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بأحقال وَلم يتوافقا على حُدُودهَا فَلَا بُد من الْحِيَازَة عِنْد إِرَادَة الحكم، وَأما إِن تصدق بِجُزْء مشَاع أَو بِعَدَد من مائَة مثلا فالأقوال ثَلَاثَة، الصِّحَّة فيهمَا عدمهَا فيهمَا صِحَّتهَا فِي الْمشَاع دون الْعدَد وَهُوَ الْمُعْتَمد. الْخَامِس: إِذا اسْتحقَّت الدَّار وَنَحْوهَا بِالْحَبْسِ فَلَا يقْضى للقائم بِهِ إِلَّا بعد إِثْبَات التحبيس وَملك الْمحبس لما حبس يَوْم التحبيس والإعذار فِيهِ للمقوم عَلَيْهِ لاحْتِمَال أَن يكون حبس غير ملكه كَمَا أَن المُشْتَرِي لَا يقْضِي لَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ إِلَّا بعد ثُبُوت الْملك لبَائِعه. انْظُر مَا تقدم فِي شَهَادَة السماع عِنْد قَوْله: وَحبس جَازَ من السنين الخ. وَمعنى ثُبُوت ملكه هُوَ مَا أَشَارَ لَهُ (خَ) بقوله: وَصِحَّة الْملك بِالتَّصَرُّفِ وَعدم مُنَازع وحوز طَال كعشرة أشهر الخ. وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي الِاسْتِحْقَاق إِن شَاءَ الله. وكلّ مَا يَشْتَرِطُ المُحَبِّسُ مِنْ سائِغٍ شَرْعًا عَلَيْهِ الْحبْسُ (وكل مَا يشْتَرط الْمحبس) مُبْتَدأ أَو عطف على قَوْله، تحبيس مَا قد سكنه (من سَائِغ شرعا) بَيَان لما وَقَوله (عَلَيْهِ الْحَبْس) جملَة من مُبْتَدأ وَخبر خبر عَن كل وَهَذَا على أَنه مُبْتَدأ، وَأما على عطفه على مَا تقدم فالحبس فَاعل بِفعل مَحْذُوف مَعْطُوف بِحَذْف العاطف على جملَة يشْتَرط، وَالتَّقْدِير: ونافذ كل مَا يَشْتَرِطه الْمحبس وَيَقَع الْحَبْس عَلَيْهِ أَي على اشْتِرَاطه من سَائِغ شرعا وَمثل للسائغ بقوله: مثْلِ التَّساوي ودُخولِ الأَسْفَلِ وَبَيْعِ حظِّ مَنْ بِفَقْرٍ ابْتُلِي (مثل) اشْتِرَاط عدم (التَّسَاوِي) بِأَن يَقُول فِي حَبسه: للذّكر مثل خطّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النِّسَاء: ١١) أَو الْعَكْس فَإِن أطلق حمل على التَّسَاوِي (و) مثل عدم (دُخُول الْأَسْفَل) من الطَّبَقَات مَعَ الْأَعْلَى مِنْهَا فَإِن لم يشْتَرط عدم دُخُوله فَهُوَ دَاخل إِن عطف بِالْوَاو، وَلذَا قَدرنَا لَفْظَة عدم لِأَن الأَصْل دُخُوله مَعَ الْوَاو وَالْإِطْلَاق حَتَّى يشْتَرط عدم الدُّخُول، فَإِن عطف بثم فَلَا يدْخل الْأَسْفَل حَتَّى ينقرض الْأَعْلَى إِلَّا أَن من مَاتَ من الْأَعْلَى فولده يقوم مقَامه وَيدخل مَعَ أَعْمَامه كَمَا فِي (ح) فَإِن قَالَ: هُوَ حبس على فلَان ثمَّ على عقبه وعقب عقبه فَفِي دُخُول عقب الْعقب مَعَ الْعقب لعطفه بِالْوَاو وَكَونه بعده على أَن التَّرْتِيب لأجل تقدم الْعَطف بثم قَولَانِ ذكرهمَا ابْن عَرَفَة. وَيظْهر مِنْهُ رُجْحَان الأول، وَمن هَذَا من حبس على أَوْلَاد أَوْلَاده الثَّلَاثَة الثُّلُث لأَوْلَاد كل وَاحِد فَلَو قلوا أَو كَثُرُوا وَقَالَ فِي تحبيسه: من مَاتَ من أَوْلَاده الثَّلَاثَة من غير عقب فَنصِيبه يرجع لأَوْلَاد أَخَوَيْهِ ثمَّ مَاتَ أحدهم عَن غير عقب فَهَل نصِيبه يقسم على عدد رُؤُوس أَخَوَيْهِ نظرا إِلَى عدم التَّفْصِيل فِي الْمرجع أَو يقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ نظرا إِلَى التَّفْصِيل فِي أصل التحبيس؟
[ ٢ / ٣٧٦ ]
فأفتيت بِأَنَّهُ يتَخَرَّج ذَلِك على الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَة الأولى ذكر التَّرْتِيب أَولا وأسقطه ثَانِيًا، وَفِي مَسْأَلَة التَّخْرِيج ذكر التَّفْصِيل أَولا وأسقطه ثَانِيًا، فالمحبس وَإِن أبهم فِي قَوْله رَجَعَ الخ. فَإِن ذَلِك يحمل على مَا فَصله أَولا فِي أصل تحبيسه، وَلِهَذَا قَالَ ابْن رشد وَغَيره: إِذا كَانَ كَلَام الْمحبس مُحْتملا لوَجْهَيْنِ فَأكْثر فَإِنَّهُ يحمل على أظهر محتملاته، وَأظْهر المحتملات هُنَا جَرَيَان الْمرجع على التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي أصل التحبيس وَالله أعلم. (و) مثل اشْتِرَاط (بيع حَظّ من بفقر ابْتُلِيَ) فَإِنَّهُ يتبع شَرطه أَيْضا وَيجوز لَهُ بيع حَظه عِنْد فقره (ح): وَاتبع شَرطه إِن حَاز كتخصيص مَذْهَب أَو نَاظر أَو تبدية فلَان بِكَذَا الخ. لِأَن أَلْفَاظ الْوَاقِف تتبع كألفاظ الشَّارِع قَالَه فِي ضيح، وَمَفْهُوم من سَائِغ شرعا أَنه إِذا شَرط مَا هُوَ مُتَّفق على عدم جَوَازه شرعا لم يتبع وَأما الْمُخْتَلف فِيهِ كاشتراط إِخْرَاج الْبَنَات من وَقفه إِذا تَزَوَّجن فَإِنَّهُ يتبع انْظُر (ح) وَمحل الِاتِّبَاع الْمَذْكُور إِذا أمكن فَإِن لم يُمكن كشرطه الِانْتِفَاع بِكِتَاب فِي خزانَة لَا يخرج مِنْهَا أَو تعذر صرفه فِي الْوَجْه الَّذِي عينه لَهُ كالقنطرة أَو الْمَسْجِد يهدمان وَلَا يُرْجَى عودهما فَإِنَّهُ لَا يتبع وَينْتَفع بِالْكتاب فِي غير الخزانة وبأنقاض القنطرة وَالْمَسْجِد فِي مثليهما. تَنْبِيهَانِ. الأول: إِذا عين الْمحبس نَاظرا فَلَيْسَ لَهُ عَزله لتَعلق حق الْمحبس عَلَيْهِم بنظره لَهُم حَتَّى يثبت مَا يُوجب تَأْخِيره من تَقْصِيره وتفريطه قَالَه فِي المعيار عَن ابْن لب قَالَ: وَهَذَا بِمَنْزِلَة مقدم القَاضِي على النّظر فِي أَمر الْمَحْجُور أَو الْمحبس فَلَا يعزله أحد لَا القَاضِي الَّذِي ولاه وَلَا غَيره إِلَّا أَن يثبت مَا يُوجب عَزله، وَنَحْوه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة: وَالْوَصِيّ إِذا ترك دين يتيمة حَتَّى أفلس من عَلَيْهِ الدّين فَإِن تَركه التّرْك الْمَعْهُود فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن تَركه وَأَهْمَلَهُ جدا ضمن وناظر الأحباس فِيمَا يقبضهُ من الْكِرَاء كالوصي فِيمَا مرّ، فَفِي الوكالات من الْبُرْزُليّ أَن نَاظر الأحباس إِذا فرط فِي قبضهَا وَقَالَ: إِنَّه بَاقٍ عِنْد سكانه أَن ابْن عَرَفَة أفتى بتضمينه، وبمثله حكم ابْن عبد السَّلَام قبله قَالَ: وَنَحْوه لِابْنِ سهل فِي الْوَصِيّ إِذا بور ربع الْيَتِيم. الثَّانِي: ذكر فِي المعيار عَن سَيِّدي عبد الله العبدوسي أَنه إِذا ثَبت بِالْعَادَةِ المستمرة أَن السُّلْطَان يَأْخُذ جباية الأحباس فَالْقَوْل للنَّاظِر مَعَ يَمِينه، لقد جمع مَا زعم أَن السُّلْطَان أَخذه مِنْهُ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ اه. وَحَيْثُ جَاءَ مُطْلقًا لفْظُ الوَلَدْ فَوَلَدْ الذُّكورِ داخِلٍ فَقَدْ (وَحَيْثُ جَاءَ مُطلقًا لفظ الْوَلَد) من غير تَفْسِير بفلان وفلانة كَمَا فِي الصُّورَة الْآتِيَة، بل قَالَ: حبست على أَوْلَادِي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي أَو قَالَ على وَلَدي وَولد وَلَدي، لِأَن المُرَاد الْجِنْس
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وَأَحْرَى لَو أفرد فَقَالَ: على وَلَدي أَو على أَوْلَادِي من غير عطف عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يدْخل فِي ذَلِك كُله أَوْلَاده ذُكُورا وإناثًا وَأَوْلَاد أَوْلَاده الذُّكُور فَقَط كَمَا قَالَ: (فولد الذُّكُور) ذُكُورا وإناثًا (دَاخل فقد) فَحسب وَلَا وَلَدُ الإنَاثِ إلاَّ حَيْثُما بِنْتٌ لِصُلْبٍ ذِكْرُها تَقَدَّما (لَا) يدْخل (ولد الْإِنَاث) وَمن يُدْلِي إِلَى الْمحبس بأنثى وَهَذَا هُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ (خَ) وَنَحْوه فِي ابْن الْحَاجِب والشامل، وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي شرح الْمُدَوَّنَة: الْمَشْهُور دُخُول ولد الْبِنْت فِيمَا إِذا عطف إِلَى حَيْثُ انْتهى لفظ الْوَاقِف قَالَ: وَإِنَّمَا لَا يدْخل ولد الْبِنْت على مَذْهَب مَالك فِيمَا إِذا أفرد وَلم يعْطف، وَتَبعهُ فِي تَكْمِيل التَّقْيِيد وَمحل ذَلِك إِذا كَانَ لفظ الْوَلَد يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى فِي عرفهم أَو لَا عرف لَهُم أصلا، وَأما إِن كَانَ إِطْلَاقه الْعرف على الذّكر فَقَط كَمَا عندنَا الْيَوْم فَإِنَّهُ لَا يدْخل الْإِنَاث وَلَو من صلبه إِلَّا أَن يُصَرح بِهن كَمَا فِي ابْن عَرَفَة، وَمَفْهُوم قَوْله مُطلقًا أَنه إِذا جَاءَ لفظ الْوَلَد مُفَسرًا كَقَوْلِه: حبست على أَوْلَادِي فلَان وفلانة وأولادهما فَإِن ولد الْبِنْت دَاخل كَمَا أَشَارَ لَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطع فِي قَوْله: (إِلَّا حَيْثُمَا بنت لصلب ذكرهَا تقدما) أَي لَكِن حَيْثُ تقدم تَفْسِير لفظ الْوَلَد بِذكر بنت الصلب، فَإِن ولد الْبِنْت يدْخل إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي لفظ الْوَلَد الملتبس بضميرها، فَإِذا قَالَ: حبس على أَوْلَادِي فلَان وَفُلَان وفلانة وَأَوْلَادهمْ الذُّكُور وَالْإِنَاث وَأَوْلَادهمْ، فَإِنَّهُ يدْخل ولد الْبَنَات وَولد ولد الْبَنَات لَا من بعدهمْ من أَوْلَادهنَّ إِلَّا أَن يَقُول: وَأَوْلَادهمْ وَأَوْلَاد أَوْلَادهم، وَيذكر طبقَة رَابِعَة أَو أَكثر فَإِن أَوْلَاد الْبَنَات يدْخلُونَ إِلَى الطَّبَقَة الَّتِي سمى ثمَّ يخرجُون، وَقَول الْمحبس مَا تَنَاسَلُوا وامتدت فروعهم لَا يُوجب دُخُول ولد الْبِنْت فِي غير الطَّبَقَة الَّتِي انْتهى إِلَيْهَا، فَإِن قَالَ: حبس على ابْنَتي وَوَلدهَا دخل وَلَدهَا الذُّكُور وَالْإِنَاث فَإِن مَاتُوا كَانَ لأَوْلَاد الذُّكُور ذكورهم وإناثهم وَلَا شَيْء لِابْنِ بنت ذكر أَو أُنْثَى. تَنْبِيه: لَو قَالَ: حبست على وَلَدي فلَان وفلانة وَترك آخَرين فَلَا يدْخل فِي تحبيسه من لم يذكرهُ بِخِلَاف الْإِيصَاء على أَوْلَاده ذَاكِرًا بَعضهم فَيعم من سمى وَمن لم يسم لِأَن الْمَقْصُود من الْإِيصَاء الْقيام بالأولاد فَهُوَ مَظَنَّة التَّعْمِيم قَالَه الوانوغي وَغَيره.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ومثْلُهُ فِي ذَا بنيَّ والعَقِبْ وشامِلٌ ذُرِّيَّتي فُمُنْسَحِبْ (وَمثله) أَي مثل لفظ الْوَلَد الْمُطلق (فِي ذَا) أَي فِي دُخُول ولد الذُّكُور فَقَط دون المدلي بأنثى (بني والعقب) كَقَوْلِه: حسبت على بني أَو على عَقبي أَو على نسلي فَلَا يدْخل ولد الْبِنْت إِلَّا لعرف. وَقَالَ الوانشريسي: الَّذِي بِهِ الْعَمَل دُخُوله فِي عَقبي إِلَى آخر طبقَة سَمَّاهَا نَقله فِي المعيار عَن سَيِّدي يحيى بن علال، ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق. ثمَّ إِنَّه مَعْلُوم أَن أَلْفَاظ الْوَاقِف تجْرِي على الْعرف، وَلَا يُقَال إِنَّمَا يعْمل بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَص بِخِلَافِهِ. لأَنا نقُول مَحَله فِي نَص غير مَبْنِيّ عَلَيْهِ لَا فِي مَبْنِيّ عَلَيْهِ كَمَا هُنَا قَالَه الزّرْقَانِيّ. (وشامل) خبر عَن قَوْله (ذريتي) وَقَوله (فمنسحب) عطف تَفْسِير على شَامِل، وَالْمعْنَى أَنه إِذا قَالَ: حبس على ذريتي فَإِنَّهُ يدْخل ولد الْبِنْت، وَإِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة وَالْمَسْأَلَة المستثناة قبله أَشَارَ (خَ) بقوله: وَتَنَاول الذُّرِّيَّة وَوَلَدي فلَان وفلانة أَو أَوْلَادِي الذُّكُور وَالْإِنَاث وَأَوْلَادهمْ الْحَفِيد الخ. فَقَوله: الْحَفِيد مفعول بقوله تنَاول، وَظَاهره كالناظم أَن لفظ الذُّرِّيَّة يتَنَاوَل الْحَفِيد وَهُوَ ولد الْبِنْت وَإِن سفل، وَهُوَ ظَاهر التَّعْلِيل بقَوْلهمْ: لِأَن عِيسَى من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﵉ وَهُوَ ولد بنت بِخِلَاف قَوْله حبس على وَلَدي فلَان وفلانة الخ. وَمَا بعده فَإِن ولد الْبِنْت يدْخل إِلَى الطَّبَقَة الَّتِي انْتهى إِلَيْهَا فَقَط كَمَا مرّ. فَائِدَة: اخْتلف فِيمَن أمه شريفة وَأَبوهُ لَيْسَ كَذَلِك فَأفْتى ابْن مَرْزُوق وناصر الدّين من فُقَهَاء بجاية وَجل فقهائها بِأَنَّهُ شرِيف لِأَنَّهُ من ذُرِّيَّة النَّبِي ﵇ كَمَا يَشْمَل قَول الْمحبس على ذريتي وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: وَمن ذُريَّته دَاوُد﴾ إِلَى قَوْله عِيسَى﴾ (الْأَنْعَام: ٨٤) فَجعل عِيسَى من الذُّرِّيَّة وَهُوَ ولد بنت، وَأفْتى ابْن عبد الرفيع وَغَيره بِأَنَّهُ لَيْسَ بشريف، وَصرح ابْن عبد السَّلَام بتخطئة من قَالَ بشرفه متمسكًا بِالْإِجْمَاع أَن نسب الْوَلَد إِنَّمَا هُوَ لِأَبِيهِ لَا لأمه. انْظُر الْبُرْزُليّ فِي الأحباس فَإِن أَطَالَ فِي ذَلِك. وَالحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّحْبيسِ قبْلَ حُدُوثِ مَوتٍ أوْ تَفْلِيسِ (والحوز شَرط صِحَة التحبيس) وَكَذَا سَائِر التَّبَرُّعَات من هبة أَو صَدَقَة أَو نحلة إِلَّا أَن ينْعَقد النِّكَاح عَلَيْهَا كَمَا مر فِي قَوْله: ونحلة لَيْسَ لَهَا افتقار إِلَى حِيَازَة الخ. (قبل) مُتَعَلق بالحوز
[ ٢ / ٣٧٩ ]
(حُدُوث موت) أَو مَرضه (أَو تفليس) وَظَاهره أَنه لَا يشْتَرط التحويز وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف الرَّهْن كَمَا مرّ (خَ): وحيز وَإِن بِلَا إِذن وأجبر عَلَيْهِ الخ. والحوز رفع يَد الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ من التَّصَرُّف فِي الْملك ورد ذَلِك إِلَى يَد الْمُعْطى لَهُ أَو نَائِبه من وَكيل أَو مقدم أَو وَصِيّ هَذَا معنى مَا أَشَارَ لَهُ ابْن عَرَفَة فِي حَده، وَهُوَ يُفِيد أَنه وضع الْيَد على الشَّيْء، وَأما الِاسْتِمْرَار وَعَدَمه فشيء آخر فَلَو لم يحزه حَتَّى مَاتَ الْمحبس أَو فلس أَو مرض وَمَات مِنْهُ بَطل كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وبانسحاب نظر الْمحبس الخ. وَكَذَا يبطل أَيْضا بالتفويت من هبة وَبيع وَنَحْو ذَلِك قَالَه فِي الْمُقدمَات، وَهُوَ مفَاد (خَ) فِي الْهِبَة حَيْثُ قَالَ: أَو وهب لثان وَحَازَ. وَقَالَ فِي بيعهَا: وَإِلَّا فالثمن للمعطي رويت بِفَتْح الطَّاء وَكسرهَا وَهَذَا فِي الْهِبَة، وَأما فِي الْحَبْس فَإِن الثّمن يكون للمحبس كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه. وَهُوَ الْجَارِي على مَا يَأْتِي فِي الْجُزْء الْمشَاع من أَنه يَجْعَل ثمنه فِي مثله ندبا، وَأما الصَّدَقَة فَإِن الثّمن يكون للمعطى لَهُ، وإلاَّ كَانَ كَالْكَلْبِ الْعَائِد فِي قيئه كَمَا يَأْتِي عِنْد قَوْله: وَمن يَصح قَبضه وَمَا قبض، فَلَا بُد من مُرَاجعَة مَا يَأْتِي هُنَاكَ إِن شَاءَ الله، وَالْمذهب أَنه لَا بُد فِيهِ من المعاينة وَلَا يَكْفِي الْإِقْرَار بالحوز من الْمحبس والمحبس عَلَيْهِ بِخِلَاف التصيير فَيَكْفِي فِيهِ الْإِقْرَار لوُجُود المعاينة فِيهِ، فَلَو قَالُوا فِي الْوَثِيقَة حوزًا تَاما وَلم يَقُولُوا مُعَاينَة لم يكف ذَلِك لِأَنَّهُ مُحْتَمل للمعاينة وَالْإِقْرَار فَإِن كَانَ الشُّهُود أَحيَاء استفسروا وَإِن مَاتُوا بَطل الْوَقْف إِلَّا أَن يَكُونُوا من الْعلمَاء العارفين بِمَا تصح بِهِ الشَّهَادَة فَيصح قَالَه العبدوسي، فَلَو وجد الْحَبْس بيد الْمحبس عَلَيْهِ بعد حُصُول الْمَانِع وَادّعى أَنه حازه قبله فَإِنَّهُ لَا يصدق اتِّفَاقًا عِنْد ابْن رشد إِلَّا أَن تقوم لَهُ بَيِّنَة على دَعْوَاهُ كَمَا مرَّ فِي الرَّهْن، وَظَاهره أَن الْحَوْز شَرط سَوَاء كَانَ على معِين أم لَا. كالفقراء والمساجد وَهُوَ كَذَلِك (خَ) عاطفًا على المبطلات أَو لم يخل بَين النَّاس وَبَين كمسجد الخ. ثمَّ مَا تقدم من أَن الِاسْتِمْرَار وَعَدَمه شَيْء آخر الخ. هُوَ الَّذِي للقرافي فِي الْفرق الثَّامِن وَالْعِشْرين والمائتين قَالَ فِيهِ: إِذا شهِدت بيِّنة بالحيازة قبل الْمَوْت وَشهِدت الْأُخْرَى بِرُؤْيَتِهِ يَخْدمه فِي مرض الْمَوْت قدمت بيِّنة عدم الْحَوْز إِذا لم تتعرض الْأُخْرَى لاستمراره اه. وَنَحْوه فِي الْمُتَيْطِيَّة قَالَ فِيهَا: فَإِن قَامَ وَصِيّ على أَيْتَام فَأثْبت أَن أباهم كَانَ أوقف عَلَيْهِم وعَلى أَعْقَابهم ملكا وَأَنه حوزه لغيره فحازه لَهُم بالمعاينة وأعذر إِلَى زَوجته فَأثْبت أَن أباهم لم يزل يعمر الْملك وَيدخل مَا اغتل مِنْهُ فِي مَصَالِحه إِلَى أَن توفّي عَنهُ فأعذر إِلَى الْوَصِيّ فِي شَهَادَة الاعتمار فَلم يَأْتِ بمطعن فَحكم القَاضِي بعد مشورة الْفُقَهَاء بِنَقْض الْحَبْس ورده مِيرَاثا اه. وَذكر فِي هبات المعيار عَن ابْن المكوي أَن بِهَذَا القَوْل الْقَضَاء قَائِلا: إِلَّا أَن تشهد بَيِّنَة للْمَوْهُوب لَهُ أَنه حَاز الْهِبَة سنة اه. وَنَقله أَبُو الْعَبَّاس الملوي فِي التَّحْرِير لمسائل التصيير، وَظَاهر هَذِه النُّصُوص أَنه لَا فرق بَين أَن يَقُولُوا إِنَّه رَجَعَ لوقفه قبل السّنة أَو أبهموا ذَلِك كَمَا ترى، وَأَنه يحمل أمره عِنْد الْإِبْهَام على أَنه رَجَعَ قبل السّنة كَمَا قَالَه الوانشريسي كَمَا مرَّ عِنْد قَوْله: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه الخ. وَبِه أجَاب سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي فِي نوازله قَائِلا إِن الأَصْل فِي هَذَا الْحَوْز الَّذِي شهِدت بِهِ الْبَيِّنَة الأولى الِاسْتِصْحَاب، لَكِن ذَلِك حَيْثُ لم يُعَارض وَهَهُنَا قد عارضته شَهَادَة اللفيف أَن الْوَاهِب مَا فَارقه قطّ وَلَا رفع يَده عَنهُ مُدَّة من سنة وَنَحْوهَا قَالَ: وَهُوَ مَحْمُول
[ ٢ / ٣٨٠ ]
عِنْد جهل التَّارِيخ أَنه رَجَعَ قبلهَا قَالَه الوانشريسي اه بِاخْتِصَار. وَانْظُر مَا تقدم فِي تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ آخر الشَّهَادَات، وَمَا للشَّيْخ الرهوني فِي حَاشِيَته فِي بَاب الْهِبَة من رد مَا للفاسي والوانشريسي لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا دَلِيل لَهُ على ذَلِك فِي نَقله، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعْتَمَد مَا بِهِ الْقَضَاء وَعَلِيهِ الحكم كَمَا مرَّ عَن المعيار والمتيطية وَإِن وجد مَا يُخَالِفهُ فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَالله أعلم. تَنْبِيهَانِ. الأول: مَا تقدم من بطلَان الْحَبْس بِعَدَمِ الْحَوْز إِنَّمَا هُوَ إِذا حبس فِي الصِّحَّة، فَإِن حبس فِي الْمَرَض أَو وهب فِيهِ فَهُوَ وَصِيَّة ينفذ مِنْهُ مَا حمله ثلثه، وَكَذَا كل مَا يَفْعَله الْمَرِيض فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ من بت عتق أَو صَدَقَة هُوَ فِي ثلثه إِلَّا أَن يَصح من مَرضه فَينفذ إِن حيّز عَنهُ قَالَه مَالك وَأَصْحَابه، وَمثله من حبس فِي صِحَّته أَو وهب فِيهَا وَقَالَ: ينفذ بعد الْمَوْت أَو قَالَ هبة صرفهَا من مَاله حَيّ أَو مَاتَ، فَإِن ذَلِك يكون فِي الثُّلُث إِن كَانَ الْمَوْهُوب أَو الْمحبس عَلَيْهِ غير وَارِث قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة. الثَّانِي: مُرَادهم بالمعاينة بِالنِّسْبَةِ للعقار التطوف عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ من سَائِر جهاته وَإِن لم تعاين الْبَيِّنَة حرثه للْأَرْض وَلَا نُزُوله فِيهَا وَلَا قطف ثمار الْأَشْجَار وَلَو مَاتَ بعد ذَلِك قبل إبان الحراثة أَو بعده لم يضر، وَكَذَلِكَ الدَّار إِذا عاينوها فارغة وخلى بَينهَا وَبَين الْمحبس عَلَيْهِ بِقَبض مفاتحها وَنَحْو ذَلِك فَذَلِك حِيَازَة، وَإِن لم يعاينوا سُكْنى الْمحبس عَلَيْهِ فِيهَا بِهَذَا جرى الْعَمَل والفتيا قَالَه ابْن الْعَطَّار وَغَيره. وَإِذا حيّز الْحَبْس بإكرائه أَو بِعقد الْمُزَارعَة فِيهِ أَو مساقاته إِن كَانَ مِمَّا يسقى كَانَ حِيَازَة تَامَّة وَاسْتغْنى بذلك عَن الْحِيَازَة بِالْوُقُوفِ على الأَرْض ونزول الْمحبس عَلَيْهِ فِيهَا على الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق، وَإِنَّمَا لم يكتف عَن المعاينة بِإِقْرَار الْمحبس لِأَن المنازع فِي صِحَة الْحَبْس أما الْوَارِث أَو الْغَرِيم فَلَو اكْتفى فِي ذَلِك بِالْإِقْرَارِ لزم قبُول إِقْرَار الْإِنْسَان على غَيره وَهُوَ بَاطِل إِجْمَاعًا. لحائِزِ القَبْضِ وَفِي المَشْهورِ إِلَى الوَصِيَّ القَبْضُ للمَحْجُورِ (لجائز الْقَبْض) يتَعَلَّق بقوله الْحَوْز أَي والحوز لجائز الْقَبْض وَهُوَ الرشيد شَرط صِحَة التحبيس الخ. وَمَفْهُومه أَن الْمَحْجُور عَلَيْهِ من صبي وسفيه لَا يَصح حوزه وَهُوَ مُقْتَضى قَوْله: (وَفِي الْمَشْهُور إِلَى الْوَصِيّ) يَجْعَل (الْقَبْض للمحجور) وَلَكِن سَيَأْتِي قَوْله: ونافذ مَا حازه الصَّغِير الخ. فَمَا ذكره هُنَا لَا حَاجَة إِلَيْهِ مَعَ مَا يَأْتِي من نُفُوذ حيازته، وَمُقَابِله لإسحاق بن إِبْرَاهِيم التجِيبِي أَنه لَا يَصح قبض الْمَحْجُور لنَفسِهِ وَنَحْوه للباجي فِي وثائقه. قَالَ ابْن رشيد: وَمحل الْخلاف إِذا كَانَ لَهُ ولي وإلاَّ صحت حيازته لنَفسِهِ اتِّفَاقًا. ويُكْتَفَى بِصحَّةِ الإشْهَادِ إنْ أَعْوَزَ الحوزُ لِعَذْرٍ بَادِي
[ ٢ / ٣٨١ ]
(ويكتفى بِصِحَّة الْإِشْهَاد) على الْحَوْز (إِن أعوز) أَي تعذر (الْحَوْز) الْحَقِيقِيّ من التطوف بِالْأَرْضِ وَنَحْوه (لعذر باد) قَالَ فِي كتاب الْهِبَة من الْمُدَوَّنَة: وَمن تصدق على رجل بِأَرْض فَإِن كَانَ لَهَا وَجه تحاز بِهِ من كِرَاء تكرى أَو حرث تحرث أَو غلق تغلق، فَإِن أمكنه شَيْء من ذَلِك فَلم يَفْعَله حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي فَلَا شَيْء لَهُ، وَإِن كَانَت أَرضًا قفارًا أَي خَالِيَة مِمَّا لَا تحاز بغلق وَلَا إكراء وَلَا أَتَى لَهَا إبان حرث تزرع فِيهِ أَو تمنح أَو يحوزها بِوَجْه يعرف حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي فَهِيَ نَافِذَة وحوز هَذِه الْإِشْهَاد، وَإِن كَانَت دَارا حَاضِرَة أَو غَائِبَة فَلم يحزها حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي بطلت وَإِن لم يفرط لِأَن لَهَا وَجها تحاز بِهِ اه. قَالَ فِي الْبَيَان: فرق ابْن الْقَاسِم بَين الدَّار الغائبة وَالْأَرْض الَّتِي لَا تمكن حيازتها فَقَالَ فِي الدَّار: إِنَّهَا بَاطِلَة إِذا لم يخرج لحوزها. وَقَالَ فِي الأَرْض: إِن مَاتَ الْمُتَصَدّق قبل إِمْكَان حيازتها اكْتفى بِالْإِشْهَادِ فِيهَا وَلم تبطل، وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى فَهُوَ اخْتِلَاف من قَوْله اه بِاخْتِصَار. وَنَقله أَبُو الْحسن وَغَيره مُسلما، وبمثله أجَاب أَعنِي ابْن رشد لما سُئِلَ عَمَّن تصدق على ابْن لَهُ كَبِير بأملاك مُشْتَمِلَة على أَرض وحديقة أعناب ودور وأرحى وَأشْهد بذلك وَحَازَ الابْن بَعْضهَا وَالْبَاقِي لم يتطوف عَلَيْهِ وَلَا خرج إِلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي قطر مخوف من الْعَدو أهلكه الله لَا يَأْمَن فِيهِ من دخله وَلَا يجتاز عَلَيْهِ أحد إِلَّا على غرر ومخافة شَدِيدَة، وَالْأَب الْمَذْكُور لم يعْتَمر هَذَا الْموضع الْمخوف مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَاما لهَذَا الْغرَر، ثمَّ مَاتَ الْأَب قبل أَن يحوز الْوَلَد هَذَا الْموضع الْمخوف بتطوف الشُّهُود عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذا حَال الْخَوْف اكْتفى بِالْإِشْهَادِ وَلَا تبطل الصَّدَقَة إِذا مَاتَ قبل إِمْكَان الْوُصُول إِلَيْهَا. هَذَا معنى مَا فِي الْمُدَوَّنَة اه. من أجوبته بِاخْتِصَار. قلت: وفتواه هَذِه جَارِيَة على مَذْهَب الْمُدَوَّنَة سَوَاء ألحقنا الدَّار بِالْأَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهره أَو ألحقنا الأَرْض بِالدَّار، لِأَن قَول الْمُدَوَّنَة: وَإِن لم يفرط الخ. مَعْنَاهُ أَنه كَانَ يتهيأ لِلْخُرُوجِ أَو التَّوْكِيل كَمَا فِي الْبَيَان، فَعدم التَّفْرِيط حِينَئِذٍ صَادِق بالتهيء لِلْخُرُوجِ وَالتَّوْكِيل وباليأس من الْوُصُول إِلَى تِلْكَ الْأَمْلَاك، وَالَّذِي قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: أَنه لَيْسَ بِعُذْر هُوَ الأول دون الثَّانِي لِأَن التهيء وَالتَّوْكِيل لما حصل الْيَأْس من الْوُصُول إِلَيْهِ عَبث وَالْخُرُوج إِلَيْهِ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَالْأول فِيهِ نوع مَا من التَّفْرِيط إِذْ لَا خوف فِيهِ بِخِلَاف الثَّانِي، وَبِهَذَا كُله يسْقط اعْتِرَاض الشَّيْخ الرهوني هَذِه الْفَتْوَى وَقَالَ تبعا لِابْنِ رحال: أَنَّهَا مَبْنِيَّة على القَوْل بِأَن عدم التَّفْرِيط فِي الْحَوْز لَا يضر وَهُوَ قَول أَشهب، ومذهبها أَنَّهَا مضرَّة فرط أَو لم يفرط فَلَا تغتر بذلك الِاعْتِرَاض أصلا إِذْ لَا يظْهر لَهُ وَلَا للبحث مَعَ ابْن رشد وَجه. وَقد تقرر من كَلَامهم أَن الْبَحْث لَا يدْفع الْفِقْه وَالله أعلم. وَقَوله فِي الْمُدَوَّنَة: أَو يحوزها بِوَجْه يعرف الخ. يَعْنِي بالتطوف عَلَيْهَا كَمَا تقدم أَنه بِهِ الْعَمَل أَي وَلَا أَتَى لَهَا إبان يحوزها فِيهِ الخ.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَيَنْفُذُ التَّحْبِيسُ فِي جَمِيعِ مَا مُحَبِّسٍ لِقَبضِهِ قَدْ تَقَدَّمَا (وَينفذ التحبيس) وَيتم (فِي جَمِيع مَا) أَي حبس (محبس) بِكَسْر الْبَاء (لقبضه قد تقدما) بِفَتْح الدَّال كَانَ الْحَبْس على غير معِين كالمساجد وَنَحْوهَا أَو على معِين وَلَو رشيدا حَاضرا فَإِذا قدم الْمحبس من يحوزه للمعين أَو غَيره جَازَ وَصَحَّ فيهمَا وَإِن لم يقدم وأبقاه بِيَدِهِ بَطل فيهمَا، وَمَفْهُوم التحبيس أَنه فِي الْهِبَة وَالصَّدََقَة لَا ينفذ بِتَقْدِيم الْوَاهِب والمتصدق على الْحَوْز، وَهُوَ كَذَلِك إِذا كَانَ الْمَوْهُوب لَهُ حَاضرا رشيدا فَهُوَ مِيرَاث إِلَّا أَن يحوزه لنَفسِهِ قبل الْمَانِع فَإِن كَانَ غَائِبا أَو مَا فِي مَعْنَاهُ كالمحجور وَلَو سَفِيها أَو عبدا أَو كالمساجد والفقراء صَحَّ تَقْدِيمه، وَلَو كَانَ للمحجور ولي وَقدم الْوَاهِب غَيره كَمَا فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَمن وهب لصغير هبة وَقدم من يحوز لَهُ إِلَى أَن يبلغ فَذَلِك حوز كَانَ لَهُ أَب أَو وَصِيّ أَو لم يكن لِأَن هَذَا إِنَّمَا قدم من يحوزها خوف أَن يأكلها لَهُ الْوَلِيّ اه من الْمواق عِنْد قَوْله فِي الْحجر وَالْوَلِيّ الْأَب الخ. وَقَالَ فِي الشَّامِل: وَإِن قدم الْوَاقِف من يحوز لَهُ جَازَ، وَفِي الْهِبَة وَالصَّدََقَة يجوز للْغَائِب فَقَط اه. وَالْفرق بَين الْهِبَة وَالْحَبْس أَن الْحَبْس لَيْسَ بِتَمْلِيك وَإِنَّمَا هُوَ إِجْرَاء غلَّة، وَأما الْملك فَهُوَ للْوَاقِف بِخِلَاف الْهِبَة، وَإِذا قدم الْأَب وَنَحْوه من يحوز للصَّغِير فَلَيْسَ لَهُ هُوَ أَن يحوز لَهُ بعد ذَلِك لِأَنَّهُ لما قدم الْغَيْر على حيازته صرفه عَنهُ وَأسْقط حَقه مِنْهَا، فَإِن عَاد إِلَى حيازته بَطل كَمَا فِي ابْن عَرَفَة قَالَ: وَلَو أشهد حِين رُجُوعهَا لَهُ أَن يحوزها لَهُ فَفِي صِحَّتهَا مُطلقًا أَو إِن وجد بِمن حازها لَهُ سفه أَو سوء ولَايَة. قولا مطرف وَابْن الْمَاجشون مَعَ أصبغ اه. وَمَفْهُوم قَوْله: محبس قد قدما أَنه إِذا وكل الْمحبس عَلَيْهِ من يقبضهُ لَهُ جَازَ بالأحرى، لِأَن قبض الْوَكِيل كقبض مُوكله وَسَوَاء كَانَ حَاضرا أَو غَائِبا وَهل يَكْفِي قبض غَيره لَهُ بِغَيْر تَوْكِيل؟ قَولَانِ. فَقَالَ مطرف: يَصح، وَقَالَ أصبغ وَرَوَاهُ ابْن الْقَاسِم: لَا يَصح إِلَّا بتوكيل قَالَه فِي ضيح، وَنَحْوه فِي بَاب الْهِبَة من الشَّامِل، وَيفهم من الْعزو أَن الثَّانِي هُوَ الرَّاجِح وَإِن كَانَ ظَاهر قَول النَّاظِم فِي الْهِبَة: وحوز حَاضر لغَائِب إِذا كَانَا شَرِيكَيْنِ بهَا قد أنفذا أَنه درج على قَول مطرف، لَكِن من الْمَعْلُوم أَن قَول الإِمَام مقدم على قَول غَيره، وَعَلِيهِ فَإِذا وهب على ولديه الرشيدين فحازها أَحدهمَا لنَفسِهِ ولأخيه بِغَيْر إِذن الْأَخ، ثمَّ مَاتَ هَذَا الْأَخ فوهب الْأَب الْجَمِيع للحائز الأول وَحَازَ حوزًا ثَانِيًا فَإِنَّهُ لَا شَيْء لأَوْلَاد الْأَخ الَّذِي لم يُوكل على الْحَوْز، وَكَذَا لَو كَانَ حَيا ووهب الْأَب نصِيبه للْأولِ كَمَا مرَّ فِي قَول (خَ) أَو وهب لثان وَحَازَ،
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وَمحل الْقَوْلَيْنِ إِذا كَانَ الْمَوْهُوب لَهُ مِمَّن يعْتَبر إِذْنه وتوكيله، وَأما من لَا يعْتَبر إِذْنه كالمحجور وَلَو عبدا فَإِنَّهُ يَصح حوز الرشيد لنَفسِهِ وَلمن مَعَه من مَحْجُور عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ: والأَخُ لِلصَّغِيرِ قَبْضُهُ وَجَبْ مَعَ اشْتِرَاكٍ وبِتَقدِيمٍ مِنْ أبْ (وَالْأَخ) الرشيد مُبْتَدأ (للصَّغِير) يتَعَلَّق بقوله (قَبضه) وَقَوله (وَجب) خبر عَن الثَّانِي وَالثَّانِي وَخَبره خبر الأول (مَعَ اشْتِرَاك) فِي شَيْء حبس أَو وهب عَلَيْهِمَا (وبتقديم من أَب) عطف على مَعَ اشْتِرَاك وَلَا مَفْهُوم لَهُ بل لَو حازه الْكَبِير بِغَيْر تَقْدِيم لصَحَّ كَمَا مر، وَلِأَن الْأَب لَو امْتنع من التَّقْدِيم رَأْسا لَا جبر عَلَيْهِ كَمَا قَالَ (خَ) وَخير وَإِن بِلَا إِذن وأجبر عَلَيْهِ. وَلذَا قَالَ أَبُو عبد الله المجاصي فِي نوازله: إِن التَّوْكِيل من الْأَب لَيْسَ بِشَرْط وَإِن أوهمته عبارَة العاصمية وَمن تقدمه وَلكنه مُسْتَحبّ فَقَط اه. وَمَفْهُومه أَنه إِذا قبض الْأَخ الرشيد حِصَّته وَحَازَ الْأَب حِصَّة الصَّغِير على الشُّيُوع بَينهمَا لم يَصح كَمَا قَالَ: وَالأَبُ لَا يقبِضُ للصَّغيرِ مَعْ كبيرِهِ وَالْحُبْسُ إرْثٌ إنْ وَقَعْ (وَالْأَب لَا يقبض للصَّغِير) وَمن فِي مَعْنَاهُ من سَفِيه وَعبد (مَعَ كبيره وَالْحَبْس) جَمِيعه (إِرْث إِن وَقع) ذَلِك على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، والمفيد والدر النثير وَابْن سَلمُون وَغَيرهم، وَمثل هَذَا يجْرِي فِي الْهِبَة كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَللْأَب التَّقْدِيم للكبير الخ. قلت: وَتَأمل هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي فِي الْبَيْت بعده من أَن الشُّيُوع لَا يُنَافِي الْإِقْبَاض على الْمَشْهُور من الْقَوْلَيْنِ فالجاري عَلَيْهِ أَن قبض الْأَب للصَّغِير مَعَ الْكَبِير صَحِيح كَمَا يَقُوله مُقَابل الْمَعْمُول بِهِ وَقد يُقَال بِأَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي فعل مقدوره إِذْ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى حوز الْجَمِيع بِخِلَافِهَا هُنَا. إلاّ إذَا مَا أمْكَنَ التّلَافِي وصُحِّحَ الحَوْزُ بِوَجْهٍ كافِي (إِلَّا إِذا مَا أمكن التلافي وَصحح الْحَوْز) من الْكَبِير أَو من مَحْجُور عَلَيْهِ قبل حُصُول الْمَانِع (بِوَجْه كَاف) من التطوف على الأَرْض أَو إخلاء الدَّار وَنَحْو ذَلِك مِمَّا مرّ عِنْد قَوْله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ وَسَيَأْتِي قَوْله: ونافذ مَا حازه الصَّغِير الخ. فحوز الصَّغِير مَعَ الْكَبِير صَحِيح كَمَا يَأْتِي: وإنْ يُقَدِّمْ غَيْرَه جازَ وَفِي جُزْءٍ مُشاعٍ حُكْمُ تَحْبِيسٍ قُفي (وَإِن يقدم) الْأَب (غَيره) أَي الْكَبِير ليحوز مَعَه نصيب الصَّغِير (جَازَ) كَمَا فِي المتطية
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وَغَيرهَا (وَفِي) تحبيس (جُزْء مشَاع) مَعَ غير الْمحبس أَو مَعَه (حكم تحبيس) مُبْتَدأ خَبره (قفي) أَي اتبع وَالْمَجْرُور قبله يتَعَلَّق بِهِ، أَي: لَهُ حكم تحبيس غير الْمشَاع فِي الْجَوَاز وَوُجُوب الْحِيَازَة وَنَحْو ذَلِك، لَكِن إِذا حبس مشَاعا مَعَ غَيره كَنِصْف دَار يملكهُ فَإِن كَانَت تقبل الْقِسْمَة قسمت وأجبر الْوَاقِف عَلَيْهَا إِن أرادها الشَّرِيك، وَإِن لم تقبلهَا لم يجز التحبيس ابْتِدَاء إِلَّا بِإِذن شَرِيكه فَإِن حبس دون إِذْنه أَو مَعَ إبايته فَقَوْلَانِ. الْبطلَان لما على الشَّرِيك من الضَّرَر لتعذر البيع وفقد من يصلح مَعَه، وَالثَّانِي الصِّحَّة وَعَلِيهِ فَيجْبر الْوَاقِف على البيع إِذا أَرَادَهُ الشَّرِيك وَيجْعَل ثمن حِصَّته فِي مثل وَقفه، وَهل ندبا وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم، أَو جبرا وَهُوَ قَول عبد الْملك، وَبِه الْعَمَل قَالَ ناظمه: ووقف جُزْء شَائِع لَا يَنْقَسِم من غير إِذن من شَرِيكه علم وَحَيْثُ لم يرض يُبَاع وَالثمن فِي مثله يَجْعَل جبرا حَيْثُ عَن هَذَا حكم الْمشَاع مَعَ الْغَيْر، وَأما الْمشَاع مَعَه فَفِي الْمُنْتَخب عَن أصبغ قَالَ: سَمِعت ابْن الْقَاسِم يَقُول فِيمَن تصدق عَن ابْن لَهُ صَغِير بِنصْف غنمه أَو ثلثهَا أَو عَبده أَو دَاره أَن ذَلِك جَائِز وحوز الْأَب فِيهِ حوز تَامّ اه. وَنَحْوه فِي المعيار عَن اللؤْلُؤِي، وَسَوَاء كَانَت لَهُ غلَّة كالرحى والفرن وَنَحْوهمَا أَو كَانَ للسُّكْنَى. قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاء: من تصدق بِسَهْم مِمَّا لَا يَنْقَسِم كالفرن وَالْحمام وَلَا يتَجَزَّأ إِلَّا بخراب أَصله وَكَانَ لَهُ غلَّة فَإِن قبض الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ الْغلَّة فِي حَيَاة الْمُتَصَدّق مَضَت صدقته وتمت حيازته اه. . وَهَذَا على أَن الشُّيُوع لَا يُنَافِي الْقَبْض، وَتقدم عِنْد قَول النَّاظِم: ونافذ تحبيس مَا قد سكنه الخ: إِن هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، لَكِن الرشيد لَا بُد أَن يتَصَرَّف مَعَ الْمحبس أَو الْوَاهِب بِخِلَاف الْمَحْجُور، فَإِن حوز الْأَب لَهُ كَاف وَأَحْرَى لَو تصرف مَعَ الْوَاهِب أَيْضا لِأَن الصَّغِير يحوز لنَفسِهِ على الْمَشْهُور كَمَا قَالَ: ونافِذٌ مَا حازَهُ الصَّغيرُ لِنَفْسِهِ وبالِغٌ مَحْجُورُ (ونافذ مَا حازه الصَّغِير) من الْحَبْس وَسَائِر العطايا (لنَفسِهِ و) أَحْرَى مَا حازه من ذَلِك
[ ٢ / ٣٨٥ ]
(بَالغ مَحْجُور) عَلَيْهِ لِأَن الْقَصْد خُرُوج ذَلِك من يَد الْمحبس وَذهب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم التجِيبِي إِلَى عدم نُفُوذه وَنَحْوه للباجي فِي وثائقه، وَمحل الْخلاف إِن كَانَ لَهُ ولي وَإِلَّا جَازَت حيازته اتِّفَاقًا كَمَا تقدم عَن ابْن رَاشد وَظَاهر قَوْله: ونافذ الخ أَنه يكره ابْتِدَاء وَهُوَ كَذَلِك على مَا لِابْنِ زرب. (تَنْبِيه:) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَإِذا سكن الْأَب دَارا تصدق بهَا على صغَار بنيه دونهم حَتَّى مَاتَ بطلت الصَّدَقَة، وَإِن سكنها وهم مَعَه فَظَاهر قَول مَالك إِنَّهَا تبطل أَيْضا. وَقَالَ ابْن حبيب: تتمّ لَهُم الْحِيَازَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا سكن مَعَهم لحضانته لَهُم اه. وَعَلِيهِ فَإِذا كَانَ الْمَحْجُور مِمَّن يعقل أمره وَأشْهد أَنه يتَوَلَّى الْحِيَازَة لنَفسِهِ فَلَا يضرّهُ سُكْنى الْمُتَصَدّق مَعَه على مَا لِابْنِ حبيب وَهُوَ ظَاهر إِطْلَاق النَّاظِم غَيره. وبانْسِحابِ نَظَرِ المُحَبِّس لِلْمَوْتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحُبُسِ (وبانسحاب نظر الْمحبس) واستمراره على الْحَبْس وَنَحْوه (للْمَوْت) أَي إِلَى حُصُول الْمَانِع لَهُ من الْمَوْت والفلس وَمرض الْمَوْت (لَا يثبت حكم الْحَبْس) وَيبْطل جملَة لعدم حيازته سَوَاء كَانَ على معِين كزيد أَو على غَيره كالفقراء وَالْمَسَاكِين وَلَا يكون فِي ثلث وَلَا غَيره إِلَّا أَن يَقُول: هُوَ حبس أَو هبة صرفه من مَاله حييّ أَو مَاتَ فَإِنَّهُ يكون فِي الثُّلُث إِن لم يحزه كَمَا تقدم عَن الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَانْظُر مَا يماثله فِي شرح الشَّامِل عِنْد قَوْله: وَالْوَقْف من رَأس مَاله إِن وَقع فِي الصِّحَّة وَإِلَّا فَمن الثُّلُث الخ. وَمَا ذكره النَّاظِم مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله: والحوز شَرط صِحَة التحبيس الخ: لِأَن الشَّرْط يلْزم من عَدمه الْعَدَم فَيلْزم من عدم الشَّرْط الَّذِي هُوَ الْحَوْز عدم صِحَة الْحَبْس وَنَحْوه. تَنْبِيه: إِذا قَالَ الرجل لوَلَده: أصلح نَفسك وَتعلم الْقُرْآن وَلَك الْقرْيَة الْفُلَانِيَّة أَو قَالَ لزوجته النَّصْرَانِيَّة: أسلمي وَلَك دَاري وَأشْهد بذلك كُله، فَأسْلمت الزَّوْجَة وَأصْلح نَفسه الْوَلَد وَتعلم الْقُرْآن فَإِن ذَلِك يكون لَهما وَلَا يحْتَاج إِلَى حِيَازَة على مَا رَجحه ابْن رشد، لِأَن ذَلِك ثمن الْإِسْلَام والتعلم، وَبِه جزم صَاحب الْمعِين، وَحكى مُقَابِله بقيل بِصِيغَة التمريض رَاجعه فِي أواثله، وَانْظُر (ح) فِي بَاب الْهِبَة وَفِي الْبَاب الثَّالِث من التزاماته. وَمَنْ لِسُكْنَى دَارِ تَحْبيسٍ سَبَقْ تضيقُ عَمَّنْ دُونَه بِهَا أَحَقْ (وَمن) مُبْتَدأ (لسكنى دَار تحبيس) يتَعَلَّق بقوله (سبق) وَالْجُمْلَة صلَة مَا وَجُمْلَة (تضيق عَمَّن
[ ٢ / ٣٨٦ ]
دونه) صفة لدار أَو حَال وَقَوله (بهَا) يتَعَلَّق بقوله (أَحَق) وَهُوَ خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة خبر من أَي من سبق لدار الْحَبْس بِالسُّكْنَى بِوَصْف الأحوجية وَقد ضَاقَتْ عَمَّن دونه فَهُوَ أَحَق بهَا وَلَا كِرَاء عَلَيْهِ لغيره، وَظَاهره وَإِن صَار غَنِيا عَن السُّكْنَى بهَا والغير مُحْتَاج إِلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ سكن بِوَجْه جَائِز فَلَا يرْتَفع الحكم بارتفاع سَببه الَّذِي هُوَ الأحوجية لِأَن عودتها لَا تؤمن، وَظَاهره سكن بِأَمْر الْحَاكِم أَو بَادر إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِنَّمَا ذَلِك إِذا سكن بِاسْتِحْقَاق وصف الأحوجية كَمَا قَررنَا. وَأما إِذا بَادر بَعضهم إِلَى السُّكْنَى فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك بابتداره، وَلَكِن ينظر الإِمَام أحوجهم وأقربهم كَمَا فِي ضيح عَن ابْن كنَانَة، وَظَاهره أَيْضا كَانَت حبسا على من لَا يحاط بهم كالفقراء وطلبة الْعلم أَو على قوم وَأَعْقَابهمْ وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِنَّمَا ذَلِك فِي الْحَبْس على الْقَوْم وَأَعْقَابهمْ أَو على أَوْلَاده وَأَوْلَاد فلَان بِنَاء على إِلْحَاق فلَان بِغَيْر المعينين فَإِن عينهم فَحق من لم يسكن بَاقٍ حضر أَو غَابَ فَيَأْخُذ واجبه من كرائه، وَأما على من لَا يحاط بهم فَإِن من اسْتغنى مِنْهُم يخرج لغيره كَمَا فِي ابْن عَرَفَة عَن ابْن رشد قَالَ: وَمن اسْتحق مسكنا من حبس هُوَ على الْفُقَرَاء لفقره أخرج مِنْهُ أَن اسْتغنى اه. وَبِالْجُمْلَةِ: فالمحبس إِن حبس على من لَا يحاط بهم فَإِن كَانَ لوصف خَاص كَطَلَب الْعلم والغزو والتدريس وَسكن أحدهم فَلَا يخرج وَإِن اسْتغنى لِأَن الْوَصْف لَا زَالَ قَائِما فَإِن زَالَ الْوَصْف الْمحبس لأَجله أخرج كالفقر والمسكنة يزولان وَطلب الْعلم والغزو يتركان، وَنَحْو ذَلِك فالمدار على زَوَال الْوَصْف الْمحبس لأَجله وَعدم زَوَاله، وَبِه يسْقط اعْتِرَاض الشَّيْخ الْبنانِيّ على طفي، وَمحل مَا تقدم إِذا لم يكن هُنَاكَ شَرط من الْوَاقِف وإلاّ فَيتبع (خَ): وعَلى من لَا يحاط بهم أَو على قوم وَأَعْقَابهمْ أَو على كولده وَلم يعينهم فضل الْمُتَوَلِي أهل الْحَاجة والعيال فِي غلَّة وسكنى وَلم يخرج سَاكن لغيره إِلَّا لشرط أَو سفر انْقِطَاع أَو بعيد. تَنْبِيه: قَالَ فِي الْمُنْتَخب: إِذا استبد الذُّكُور بالاغتلال زَمَانا ظنا مِنْهُم أَن لَا حق للنِّسَاء فِي الْحَبْس، ثمَّ علم النِّسَاء أَن لَهُنَّ حَقًا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يرجع النِّسَاء على الذُّكُور بنصيبهن من الْغلَّة فِيمَا مضى كمن سكن فِي الدَّار المحبسة ثمَّ قدم غَيره اه. وَنَحْوه فِي الْمُقدمَات قَائِلا: إِذا استغل بعض الْحَبْس عَلَيْهِم وهم يرَوْنَ أَنهم ينفردون بِهِ أَو سكنوه فَإِنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهِ الطارىء بِشَيْء من الْغلَّة وَلَا بالسكن على رِوَايَة ابْن الْقَاسِم، وَقيل: يرجع عَلَيْهِم بالغلة وَالسُّكْنَى وَهُوَ الْقيَاس اه. وَفهم من قَوْله ظنا مِنْهُم الخ … وَقَوله: وهم يرَوْنَ أَنهم ينفردون بِهِ الخ … أَنهم إِذا علمُوا بِأَن للْغَيْر حَقًا فِيهِ فَإِنَّهُ يرجع عَلَيْهِم وَفِي أحباس المعيار أَن من أخْفى رسم الْحَبْس ظلما وَكَانَ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
يتَصَرَّف فِي الْغلَّة وَحده فَإِن غَيره يرجع عَلَيْهِ. ومَن يَبيعُ مَا عَليْهِ حُبِّسا يُرَدُّ مُطْلَقًا ومعْ عِلْمٍ أسا (وَمن يَبِيع مَا) أَي شَيْئا (عَلَيْهِ حبسا يرد) بَيْعه وَيفْسخ (مُطلقًا) فَاتَ بهدم أَو بِنَاء أَو خُرُوج من يَد أم لَا كَمَا فِي (ح) آخر الِاسْتِحْقَاق: علم البَائِع بِكَوْنِهِ حبسا أم لَا كَانَ بَائِعه مُحْتَاجا أم لَا إِلَّا إِذا جعل لَهُ البيع فِي أصل التحبيس كَمَا مرَّ فِي اتِّبَاع شَرط الْمحبس (و) إِذا بَاعه (مَعَ علم) بتحبيسه عَلَيْهِ فَيكون قد (أسا) ء وأثم فيعاقب بالأدب والسجن عِنْد ثُبُوت علمه بِهِ إِذا لم يكن لَهُ فِي بَيْعه عذر يعْذر بِهِ قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَلَعَلَّ مُرَاده بالعذر أَنه ادّعى جهل عدم جَوَاز بيع الْحَبْس أَو ادّعى أَنه بَاعه لفاقته واضطراره الَّذِي يُبِيح لَهُ أكل الْميتَة وَنَحْو ذَلِك. وَالخلْفُ فِي الْمُبْتَاع هلْ يَعْطِي الكِرا واتَّفَقُوا مَعْ عِلْمِهِ قبلَ الشِّرا (وَالْخلف فِي الْمُبْتَاع) الَّذِي لم يعلم بالتحبيس وَهُوَ مَحْمُول على عَدمه عِنْد الْجَهْل استصحابًا للْأَصْل (هَل يُعْطي الكرا) ء وَالْغلَّة وَيرد ذَلِك للمحبس عَلَيْهِ بعد أَن يرجع بِثمنِهِ ويتقاصان أَو لَا يعْطى شَيْئا لِأَن الْخراج بِالضَّمَانِ وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْقَاسِم، وَهُوَ الْمَذْهَب وَبِه الْعَمَل كَمَا فِي معاوضات المعيار وَنَحْوه فِي (ح) عِنْد قَوْله: لَا صدَاق حرَّة. ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي يفِيدهُ (خَ) فِي الِاسْتِحْقَاق بقوله: وَالْغلَّة لذِي الشُّبْهَة أَو الْمَجْهُول للْحكم كوارث وموهوب ومشتر لم يُعلمهُ. (وَاتَّفَقُوا) أَي جلّ الْفُقَهَاء على رد الْغلَّة والكراء (مَعَ علمه) بالتحبيس (قبل الشرا) ء أَو بعده وَتَمَادَى على استغلاله فَإِنَّهُ يرد غلَّة مَا استغله بعد علمه وَيرد مكيلة الْمثل من ثَمَرَة وَنَحْوهَا إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت، وَقَوْلِي: جلّ الْفُقَهَاء إِشَارَة إِلَى فَتْوَى ابْن سهل بِخِلَاف ذَلِك، وَأَنه لَا يرد الْغلَّة وَإِن علم فِي المُشْتَرِي بالتحبيس. قَالَ الشَّارِح: وفتواه لَا تَخْلُو من نظر لما فِي ذَلِك من تَمْكِين الْمُبْتَاع من غلَّة عقد بَاطِل لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ بناني فِي فصل الِاسْتِحْقَاق: وَفِيه أَيْضا سلف جر نفعا إِذا علمه بالتحبيس قبل الشِّرَاء دُخُول على فسخ البيع وَرُجُوع الثّمن لَهُ بعد غيبَة البَائِع عَلَيْهِ وَهُوَ سلف وَالْغلَّة مَنْفَعَة فِي السّلف اه. قلت: وَيُجَاب عَن ابْن سهل بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ عقدا بَاطِلا فَاسِدا فَإِن الضَّمَان ينْتَقل فِيهِ بِالْقَبْضِ (خَ): وَإِنَّمَا ينْتَقل ضَمَان الْفَاسِد بِالْقَبْضِ ورد وَلَا غلَّة تصحبه، وَقد علمت أَن الْخراج بِالضَّمَانِ وَسَوَاء كَانَ سَبَب الْفساد سلفا بِمَنْفَعَة أَو غَيره. قَالَ الزّرْقَانِيّ: ظَاهر قَوْله وَلَا غلَّة الخ. وَلَو كَانَ المُشْتَرِي عَالما بِالْفَسَادِ وَوُجُوب الرَّد اه. . وَقَيده التتائي تبعا للسنهوري بِمَا قبل علمه بِوُجُوب
[ ٢ / ٣٨٨ ]
الرَّد اه. وَاعْتَرضهُ مصطفى وَغَيره بمخالفة الْقَيْد الْمَذْكُور لإِطْلَاق الْمُدَوَّنَة فِي عدم رد الْغلَّة، وَكَذَا ابْن الْحَاجِب وَابْن عبد السَّلَام والتوضيح وَابْن عَرَفَة قَالُوا: وَالْإِطْلَاق هُوَ الْمُوَافق للخراج بِالضَّمَانِ إِذا علمه بِوُجُوب الرَّد لَا يُخرجهُ عَن ضَمَانه. قَالَ طفي: وَلم أر الْقَيْد الَّذِي ذكره التتائي لغيره اه. وَلما ذكر (ح) فِي التزاماته أثْنَاء الْكَلَام على الثنيا أَنه سمع من وَالِده يَحْكِي عَن بعض من عاصره أَنه لَا يحكم للْمُشْتَرِي بالغلة فِي البيع الْفَاسِد إِلَّا إِذا كَانَ جَاهِلا بفساده حَال العقد، وَأما إِن كَانَ عَالما بذلك، وتعمده فَلَا غلَّة لَهُ قَالَ عقبه مَا نَصه: وَلم أَقف على ذَلِك مَنْصُوصا وَظَاهر إِطْلَاقهم أَنه لَا فرق بَين الْجَاهِل والعالم، بل قَالَ ابْن سهل فِي أَحْكَامه: الْجَاهِل والعالم فِي البيع الْفَاسِد سَوَاء فِي جَمِيع الْوُجُوه اه. وَالْعلم بِفساد الثنيا يُوجب سلفا جر نفعا كَمَا مرّ فِي فَصله، وَمَعَ ذَلِك قَالُوا: الْغلَّة فِيهِ للْمُشْتَرِي وَهَذَا كُله يشْهد لما لِابْنِ سهل ويرجحه، وَقد اقْتصر (ح) فِي فصل الِاسْتِحْقَاق عِنْد قَوْله: لَا صدق حرَّة على مَا لِابْنِ سهل، وَكَذَا الزّرْقَانِيّ فِي الِاسْتِحْقَاق أَيْضا وَعند قَوْله: وَلَا غلَّة تصحبه الخ. تَنْبِيه: قَالَ ابْن يُونُس: وَمعنى قَوْله ﵇: (الْخراج بِالضَّمَانِ) الخ أَن المُشْتَرِي للشَّيْء الَّذِي اغتله لَو هلك فِي يَده كَانَ مِنْهُ وَذهب الثّمن الَّذِي نقد فِيهِ فالغلة لَهُ بضمانه اه. ويَقْتَضِي الثَّمَنَ إِن كَانَ تَلفْ منْ فائِدِ الْمَبِيع حَتَّى يَنْتَصِفْ (و) إِذا رد البيع مَعَ علم المُشْتَرِي أَو مَعَ عَدمه فَإِن المُشْتَرِي يرجع على البَائِع بِالثّمن إِن كَانَ مَلِيًّا وَإِن كَانَ عديمًا وَثَبت عَدمه وَحلف أَنه لَا مَال لَهُ فَإِنَّهُ (يَقْتَضِي الثّمن) الَّذِي دَفعه (إِن كَانَ تلف) عِنْد البَائِع وَلَيْسَ لَهُ غَيره (من فائد) أَي غلَّة (الْمَبِيع) يدْفع إِلَيْهِ عَاما بعد عَام حَتَّى يَسْتَوْفِي ثمنه وَذَلِكَ (حَيْثُ يَتَّصِف) البَائِع بِالْحَيَاةِ. وإنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلُ لَا شَيءَ لهُ وَلَيْسَ يَعْدُو حُبْسٌ مَحَلَّهُ (وَإِن يمت) البَائِع (من قبل) أَي قبل استكمال المُشْتَرِي ثمنه فَإِنَّهُ (لَا شَيْء لَهُ) من الثّمن أَو بَاقِيه لِأَن الْحَبْس قد انْتقل لغير البَائِع (وَلَيْسَ يعدو حبس مَحَله) الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ بعد موت البَائِع فَهُوَ كالتعليل أَي: لَا شَيْء لَهُ لِأَن الْحَبْس لَا يعدو مَحَله الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ. تَنْبِيهَانِ. الأول: ظَاهر قَوْله: يرد مُطلقًا أَنه يرد وَلَو كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ بَاعه لخوف الْهَلَاك على نَفسه لمجاعة وَنَحْوهَا، وَبِه أفتى البرقي وَابْن المكوي والفقيه الصديني قَائِلا: وَمَا علمت جَوَاز بَيْعه لما ذكر لأحد من أهل الْعلم وينقض إِن وَقع درج عَلَيْهِ ناظم الْعَمَل فَقَالَ: بيع الْمحبس على الْمِسْكِين لم يَقع مَعَ الْحَاجة عِنْد من حكم وَأفْتى القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن مَحْسُود بِجَوَاز البيع لخوف الْهَلَاك بِالْجُوعِ وَنَحْوه، وَظَاهره كَانَ الْمحبس عَلَيْهِ معينا محصورًا أم لَا. وَاسْتشْكل فتواه هَذِه أَبُو زيد سَيِّدي عبد الرَّحْمَن
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الفاسي قَائِلا: وَلَا أعرف مُسْتَندا بِهَذِهِ الْفَتْوَى ولعلها اجْتِهَاد. نعم مستندها فِي الْجُمْلَة الْمصَالح الْمُرْسلَة وارتكاب أخف الضررين. قَالَ: وَالْحَاصِل أَن تِلْكَ الْفَتْوَى مِمَّا تندرج بِالْمَعْنَى فِيمَا استثنوه من بيع الْوَقْف لتوسيع الْمَسْجِد وَنَحْوه اه. بِاخْتِصَار. قلت: وَتَأمل مَا قَالَه الْفَقِيه الصديني وَأَبُو زيد الفاسي مَعَ نقل ابْن رحال، جَوَاز البيع عَن اللَّخْمِيّ وَعبد الحميد وَنَصه: وَمن حبس عَلَيْهِ شَيْء وَخيف عَلَيْهِ الْمَوْت لمثل مجاعَة فَإِن الْحَبْس يُبَاع وَينْفق على الْمحبس عَلَيْهِ قَالَه اللَّخْمِيّ وَعبد الحميد. وَعلل اللَّخْمِيّ ذَلِك بِأَن الْمحبس لَو حضر لَكَانَ إحْيَاء النَّفس عِنْده أولى اه. بِاخْتِصَار. ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ فَتْوَى البرقي حَيْثُ لَا يغلب على الظَّن الْهَلَاك إِن لم يبع اه. كَلَام ابْن رحال بِاخْتِصَار. وَفِي المعيار عَن العبدوسي أَنه يجوز أَن يفعل فِي الْحَبْس مَا فِيهِ مصلحَة مِمَّا يغلب على الظَّن حَتَّى كَاد يقطع بِهِ أَنه لَو كَانَ الْمحبس حَيا لفعله وَاسْتَحْسنهُ اه. وَذكر ابْن عَرَفَة عَن اللَّخْمِيّ فِيمَن حبست على ابْنَتهَا دَنَانِير وشرطت أَن لَا تنْفق عَلَيْهَا إِلَّا إِذا نفست قَالَ: ذَلِك نَافِذ فِيمَا شرطت وَلَو نزلت شدَّة بالابنة حَتَّى خيف عَلَيْهَا الْهَلَاك لأنفق عَلَيْهَا مِنْهَا لِأَنَّهُ قد جَاءَ أَمر يعلم مِنْهُ أَن المحبسة أَرغب فِيهِ من الأول اه. فَهَذَا كُله يُؤَيّد فَتْوَى ابْن مَحْسُود ويرجحها وَيدل على أَنَّهَا أولى بالاتباع وَالْعَمَل وَالله أعلم. الثَّانِي: مَا تقدم من أَن الْمُسْتَحق من يَده الْحَبْس لَا يرد الْغلَّة عَن الْمَذْهَب للشُّبْهَة مَحَله إِذا لم يكن الْمُسْتَحق من يَده يستغل ذَلِك من جِهَة الْوَاقِف بِإِرْث أَو وَصِيَّة، فَإِذا أوصى لشخص بِثُلثِهِ مثلا فاستغل ثمَّ ظهر بعد ذَلِك أَن الْمُوصي كَانَ أوصى لِلْمَسْجِدِ بِالثُّلثِ أَيْضا أَو بعرصة وفدان وَنَحْو ذَلِك، فَإِن الْمُوصى لَهُ يلْزمه كِرَاء مناب الْحَبْس من وَقت انتفاعه إِلَى وَقت ظُهُور الْوَصِيَّة لِلْمَسْجِدِ، وَكَذَا الْوَارِث إِذا استغل عقار الْمَيِّت زَمَانا ثمَّ قَامَ عَلَيْهِم نَاظر الأحباس بِالْوَصِيَّةِ أَو بِأَن ذَلِك الفدان حَبسه موروثهم وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يلْزمهُم رد الْغلَّة قَالَه فِي المعيار عَن العبدوسي قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة من اسْتحق من يَده ملك بالحباسة وَلم يعلم بهَا أَنه لَا يرجع عَلَيْهِ بالغلة على قَول ابْن الْقَاسِم وَبِه الْعَمَل اه. قَالَ الشَّيْخ الرهوني: وَوَجهه ظَاهر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة طرُو وَارِث يَحْجُبهُ الطارىء. قَالَ فِي الْمُقدمَات: وَأما مَا لم يؤد فِيهِ ثمنا وَلَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ضَمَان كالوارث يَرث ثمَّ يَأْتِي من هُوَ أَحَق مِنْهُ فَلَا اخْتِلَاف أَنه يرد الْغلَّة اه. وَلَا يُعَكر عَلَيْهِ مَا تقدم عَن (خَ) لِأَن المُرَاد بالوارث فِي كَلَامه وَارِث ذِي الشُّبْهَة أَو الْمَجْهُول أَو المُشْتَرِي من الْغَاصِب الَّذِي لم يعلم بغصبه كَمَا قَرَّرَهُ بِهِ شراحه، وَيدل لَهُ قَوْلهم الْخراج بِالضَّمَانِ وَلَا ضَمَان على الْمُوصى لَهُ وَلَا على الْوَارِث الْمَذْكُورين كَمَا تقدم عَن ابْن يُونُس.
وغيْرُ أصْلٍ عَادِمِ النَّفع صُرِفْ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ وُقِفْ (و) حبس (غير أصل) كحيوان وَثيَاب من نَعته وَصفته (عادم النَّفْع) فِيمَا حبس عَلَيْهِ وَينْتَفع بِهِ فِي غَيره كفرس حبس على الْجِهَاد صَار بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِهِ فِيهِ وَلَكِن ينْتَفع بِهِ فِي الطَّحْن
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وَنَحْوه فَإِنَّهُ يُبَاع و(صرف ثمنه فِي مثله ثمَّ وقف) أَي فِي فرس آخر يصلح للْجِهَاد إِن بلغ ثمنه ذَلِك، فَإِن لم يبلغهُ فَإِنَّهُ يستعان بِهِ فِي مثله (خَ): وَبيع مَا لَا ينْتَفع بِهِ من غير عقار وَصرف ثمنه فِي مثله أَو شقصه أَي إِن وجد وإلاَّ صرف فِي السَّبِيل وَبيع فضل الذُّكُور وَمَا كبر من الْإِنَاث وَصرف ثمنه فِي إناث الخ … وَمَفْهُوم غير أصل أَن الْأُصُول من الدّور وَالْأَرضين لَا يجوز بيعهَا وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور (خَ): لَا عقار وَإِن خرب الخ. أَي لِأَنَّهُ قد يُوجد من يصلحه بإجارته سِنِين فَيَعُود كَمَا كَانَ، وَمُقَابِله لِرَبِيعَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك أَنه يجوز بيع مَا خرب مِنْهُ، وَبِه أفتى الحفار وَابْن لب وَغَيرهمَا وَعَلِيهِ الْعَمَل قَالَ ناظمه: كَذَا مُعَاوضَة ربع الْحَبْس على شُرُوط أسست للمؤتسي والمعاوضة من قبيل البيع بل قَالَ المكناسي فِي مجالسه: أَن الْجنان إِذا كَانَ لَا تفي غَلَّته بخدمته فَإِنَّهُ يُبَاع ويشترى بِثمنِهِ مثله قَالَ: وَبِه الْعَمَل اه. وَأَصله لِابْنِ الفخار وَيَأْتِي مثله فِي التَّنْبِيه الثَّانِي عَن ابْن عَرَفَة وَعَلِيهِ فَلَا مَفْهُوم للمعاوضة على هَذَا وَإِن كَانَ شَارِح الْعَمَل نقل عَن ناظمه أَن الْعَمَل إِنَّمَا هُوَ بالمعاوضة لَا بِالْبيعِ، وَالظَّاهِر أَنه حَيْثُ لم تُوجد الْمُعَاوضَة فَإِنَّهُ يُصَار للْبيع وَيَشْتَرِي بِثمنِهِ مثله كَمَا قَالَ المكناسي وَغَيره. وَهَذَا أغبط للحبس وَأولى من تَركه للضياع والاندثار. وَشرط الْمُعَاوضَة فِي الْحَبْس أَو البيع أَن يكون خربًا، وَأَن لَا تكون لَهُ غلَّة يصلح بهَا، وَأَن لَا ترجى عودته إِلَى حَالَته بإصلاح أَو غَيره وَأَن لَا يُوجد من يتَطَوَّع بإصلاحه قَالَه فِي المعيار. وَمَفْهُوم عادم النَّفْع أَن مَا فِيهِ نفع للحبس لَا يُبَاع بِحَال وَهُوَ كَذَلِك، وَالْمرَاد النَّفْع التَّام الَّذِي يحصل من أَمْثَاله، وَأما مَا قل نَفعه فَإِنَّهُ يُبَاع ويشترى بِثمنِهِ مَا هُوَ تَامّ النَّفْع كَمَا قَالَه ابْن الفخار وَغَيره: وَمن عادم النَّفْع فيض مَاء الأحباس فَإِنَّهُ يجوز بيعهَا. قَالَ ناظم الْعَمَل: وفيض مَاء حبس يُبَاع وَمَا بِهِ للحبس انْتِفَاع قَالَ فِي شَرحه: وَإِذا جَازَ البيع جَازَ الِاسْتِئْجَار بالأحرى. تَنْبِيهَانِ. الأول: علم من جَوَاز الْمُعَاوضَة وَالْبيع على مَا بِهِ الْعَمَل أَن الْحَبْس يحاز عَلَيْهِ، فَإِذا كَانَت دَار مثلا بيد شخص مُدَّة الْحِيَازَة فَقَامَ عَلَيْهِ نَاظر الأحباس وَأثبت بِالْبَيِّنَةِ العادلة أَنَّهَا حبس، وَادّعى الآخر أَنه عاوضها أَو اشْتَرَاهَا أَو ادّعى ورثته ذَلِك، فَإِن القَوْل للحائز بِيَمِينِهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْله: وَالْيَمِين لَهُ إِن ادّعى الشِّرَاء مِنْهُ معمله الخ … بل وَكَذَلِكَ لَو لم يكن يَدعِي الْحَائِز عشر سِنِين وَلَا وَارثه شَيْئا لِأَنَّهُ يحمل على أَنَّهَا انْتَقَلت إِلَيْهِ بِوَجْه جَائِز وَلَا تنْزع من يَده مَعَ قيام احْتِمَال انتقالها إِلَيْهِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُور مَعَ شدَّة حرص النظار فِي هَذِه الْبَلدة على حفظ الأحباس وَعدم تَركهَا للْغَيْر يتَصَرَّف فِيهَا، وَمُجَرَّد الِاحْتِمَال مَانع من الْقَضَاء إِجْمَاعًا كَمَا لِابْنِ عتاب وَغَيره. وَقَول
[ ٢ / ٣٩١ ]
الْعَامَّة: الْحَبْس لَا يحاز عَلَيْهِ إِنَّمَا ذَلِك حَيْثُ لم يجز الْعَمَل بالمعاوضة فِيهِ وَالْبيع وإلاَّ فَهُوَ كَغَيْرِهِ مَا لم يكن الْحَائِز مَعْلُوما بالجاه والكلمة وإلاَّ فَلَا يعْمل بحيازته كَمَا يُوجد من بعض أهل هَذِه الْبَلدة أَيْضا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَيجب التثبت فِي مثل هَذَا التثبت التَّام، وَقد عَمت الْبلوى فِي هَذِه الْبَلدة بِكَوْن الرجل يعاوض أَو يسْتَأْجر مَا خرب من الْحَبْس أَو قل نَفعه وتمزق رسوم مَا عاوض بِهِ، وَيَأْخُذ رسم الْمُعَاوضَة وَلَا يكْتب على الْحِوَالَة بِإِزَاءِ مَا وَقعت فِيهِ الْمُعَاوضَة أَن ذَلِك الْمحل انْتقل للرجل بالمعاوضة للاستخفاف بِحُقُوق النَّاس والاتكال على رسم الْمُعَاوضَة الَّذِي بيد الرجل فيضيع رسم الْمُعَاوضَة الَّذِي بِيَدِهِ لطول الْعَهْد وَنَحْو ذَلِك، فَيقوم نَاظر الأحباس عَلَيْهِ أَو على ورثته بِمَا فِي دفتر الأحباس وحوالتها، ويحتج عَلَيْهِ بِأَن الْمحل الَّذِي بِيَدِهِ حبس، وَأَن الْحَبْس لَا يجاز عَلَيْهِ فَلَا يجد الرجل مَا يَدْفَعهُ بِهِ فيأخد النَّاظر المحلين الْمحل الَّذِي دفع الرجل لَهُ لتصرف الْحَبْس فِيهِ الْمدَّة الطَّوِيلَة، وَالْمحل الَّذِي أَخذه بِالِاسْتِحْقَاقِ من الرجل، وَهَذَا كثير وُقُوعه فِي هَذِه الْبَلدة، وَلَا تجدهم يَكْتُبُونَ الْمُعَاوضَة أَو الْجَزَاء والاستئجار بِإِزَاءِ مَا فِي الْحِوَالَة إِلَّا فِي النزر الْقَلِيل. هَذَا كُله لَو كَانَ مَا قَامَ بِهِ النَّاظر ثَابتا فِي الْحِوَالَة بعدلين مَعَ ثُبُوت ملك الْمحبس والحيازة عَنهُ وَادّعى الْحَائِز معاوضته أَو لم يدع شَيْئا على مَا مر بَيَانه، أما إِذا كَانَ فِي الْحِوَالَة مُجَرّد زِمَام فَقَط كَمَا هُوَ غالبها فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بِهِ بِحَال على الْمَعْمُول بِهِ كَمَا قَالَ الْبُرْزُليّ فِيمَا يُوجد مَكْتُوبًا على ظهر الْكتب أَنَّهَا حبس، أَو على فَخذ الْفرس أَنَّهَا حبس قَالَ: لَا يعْمل بذلك على مَا بِهِ الْعَمَل إِلَّا إِذا ثَبت أصل تحبيسه بعدلين معروفين، وَثَبت أَن الأَصْل كَانَ ملكا للمحبس إِلَى أَن حَبسه وَثبتت حيازته عَنهُ، ونظمه فِي الْعَمَل الْمُطلق وَلَا فرق بَين مَا فِي الْحِوَالَة من أَن الْمحل الْفُلَانِيّ حبس، وَبَين مَا يكْتب من التحبيس على ظهر أوراق الْكتاب أَو فَخذ الْفرس، إِذْ كل مِنْهُمَا لَا يزِيد على أَن هَذَا الْمحل حبس فَالْكل مَحْض زِمَام بِغَيْر شَهَادَة وَمَا فِي أحباس المعيار عَن الشاطبي من أَن زِمَام الأحباس يعْمل بِهِ إِذا لم يُوجد مَا هُوَ أثبت مِنْهُ لَعَلَّه مُقَابل لما بِهِ الْعَمَل فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ أَو يُقَال ذَلِك مَعَ الشُّهْرَة كَمَا فِي (ح) عِنْد قَوْله: بحبست ووقفت الخ. وَمَا رَأينَا أحدا الْيَوْم يقْضِي بزمام الْحِوَالَة وَالْقَضَاء بِهِ يفْتَقر إِلَى الْإِعْذَار فِيهِ وَلَا اعذار فِي مُجَرّد زِمَام كَمَا مرَّ فِي فصل الْإِعْذَار، وَتقدم فِي شَهَادَة السماع مَا يُؤَيّد هَذَا وَالله أعلم. الثَّانِي: النَّاظر على الْوَقْف يقدم إِصْلَاحه وعمارته إِن كَانَ عقارا وَنَفَقَته إِن كَانَ حَيَوَانا على الْمحبس عَلَيْهِم وَلَو شَرط الْوَاقِف عدم التبدئة بذلك لم يعْمل بِشَرْطِهِ ابْن عَرَفَة: الْحَاصِل أَن نَفَقَة الْحَبْس من فَائِدَة فَإِن عجز بيع وَعوض من ثمنه مَا هُوَ من نَوعه فَإِن عجز صرف ثمنه فِي مصرفه اه. (ق) . وَكَثِيرًا مَا يتَّفق أَن يتْرك الْحَبْس بِلَا إصْلَاح والمحبس عَلَيْهِ يستغله هَل يلْزمه فِي مَاله إصْلَاح مَا وهى؟ وَفِي ابْن سهل: إِن ترك الْوَكِيل جنَّات الْمَحْجُور وكرومه حَتَّى تبورت ويبست فَعَلَيهِ قيمَة مَا نقص مِنْهَا لتضييعه إِيَّاهَا اه. وناظر الأحباس كالوصي فِي ذَلِك كَمَا مرّ عَن الْبُرْزُليّ عِنْد قَوْله: وكل مَا يشْتَرط الْمحبس الخ … وَحبس الإِمَام والمؤذن إِذا خرب فَإِنَّهُ يجب على الإِمَام والمؤذن أَن يردا من غَلَّته مَا يصلح بِهِ كَمَا فِي أحباس المعيار فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. مِنْهَا فِي أَولهَا ووسطها وَآخِرهَا، وَلَكِن نَص أَبُو الْحسن فِي أجوبته على أَن دَار إِمَام الْمَسْجِد تصلح من غلَّة الْحَبْس إِذا امْتنع الإِمَام من أَدَاء الْكِرَاء كَمَا يُعْطي هُوَ وَسَائِر خدمَة الْمَسْجِد من غلَّة أحباسه مِمَّا يصرف عَن غلَّة الْحَبْس فِي الْإِصْلَاح على وزان مَا يعْطى من الْغلَّة للْإِمَام إِجَارَة على
[ ٢ / ٣٩٢ ]
الْإِمَامَة اه. وَهُوَ الصَّوَاب انْظُر الدّرّ النثير. وَلَا تُبَتّ قِسْمَةٌ فِي حُبُسِ وطالِبٌ قِسْمَةَ نَفْعٍ لَمْ يُسي (وَلَا تبت) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد التَّاء الْأَخِيرَة مَبْنِيا للْمَفْعُول (قسْمَة فِي حبس) أَي إِذا طلب الْمحبس عَلَيْهِم المعينون قسْمَة الْحَبْس قسْمَة بت فَإِنَّهُم لَا يجابون إِلَى ذَلِك (و) أما (طَالب قسْمَة نفع) واستغلال فَإِنَّهُ يُجَاب لِأَنَّهُ (لم يسي) ء فِي طلبه لذَلِك وَيجْبر غَيره عَلَيْهِ على الْمَعْمُول بِهِ لما فِي بَقَائِهِ على الإشاعة من التعطيل والضياع قَالَه فِي الْمُتَيْطِيَّة. وَهَذَا إِذا كَانَ الْحَبْس دورًا أَو أَرضًا لَا شجر فِيهَا، وَأما الْأَشْجَار فَلَا تقسم قسْمَة الاستغلال كَمَا فِي المقرب لما فِيهِ من قسم مَا لم يبد صَلَاحه، وَإِنَّمَا يقسمون الْغلَّة فِي أوانها وَلَو فِي رُؤُوس أشجارها بعد بَدو صَلَاحهَا بشروطها الْمُتَقَدّمَة فِي الْقِسْمَة عِنْد قَوْله: وَقسم غير التَّمْر خرصًا وَالْعِنَب الخ …