وَهُوَ لُغَة قطع الْمُنَازعَة مَأْخُوذ من صلح الشَّيْء بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا إِذا كمل وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث. وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ﴾ (النِّسَاء: ١١٤) الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا﴾ إِلَى قَوْله: فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا﴾ (النِّسَاء: ١٢٨) وَقَوله ﷺ: (الصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا حرم حَلَالا أَو أحل حَرَامًا والمسلمون على شروطهم إِلَّا شرطا حرم حَلَالا أَو أحل حَرَامًا) . وَقَوله: حرم حَلَالا أَي كصلحه على دَنَانِير بِثَوْب على أَنه لَا يلْبسهُ أَو لَا يَبِيعهُ. وَاصْطِلَاحا قَالَ ابْن عَرَفَة: هُوَ الِانْتِقَال عَن حق أَو دَعْوَى بعوض لرفع نزاع أَو خوف وُقُوعه. الْبُرْزُليّ: وَصلح الْمَوَارِيث أخص وَهُوَ مُعَاوضَة عَن دَعْوَى تنقل الْوَارِث عَن نصِيبه اه. فَقَوله عَن حق يدْخل فِيهِ صلح الْإِقْرَار. وَقَوله: أَو دَعْوَى بعوض هُوَ صلح الْإِنْكَار، وَقَوله: بعوض مُتَعَلق بانتقال وَيخرج بِهِ الِانْتِقَال بِغَيْر عوض، وَقَوله: لرفع نزاع أَو خوف الخ. يخرج بِهِ الِانْتِقَال لغير رفع وَلَا لخوف وكبيع الدّين وَنَحْو ذَلِك من الْبياعَات وَيدخل فِي قَوْله: أَو خوف الصُّلْح عَن إِقْرَار أَو إِنْكَار مِثَال الأول أَن يقر لَهُ بِثَوْب مثلا وَخَافَ إِن طَالبه بِهِ خاصمه وَأطلق فِي الْحق فَيشْمَل الِانْتِقَال عَن بعضه أَو عَن كُله فَيسْقط اعْتِرَاض (ح) وَقَول طفي: لَا نسلم أَن الصُّلْح هُوَ الِانْتِقَال بل هُوَ مُعَاوضَة والانتقال مَعْلُول لَهَا كالانتقال فِي البيع مُفَرع عَنهُ مَعْلُول لَهُ الخ. يُرِيد بِأَن الِانْتِقَال لَازم لعقد الْمُعَاوضَة فتعريف ابْن عَرَفَة لَهُ تَعْرِيف بالخاصة اللَّازِمَة كالضاحك فِي تَعْرِيف الْإِنْسَان على أَن عقد الْمُعَاوضَة والانتقال
[ ١ / ٣٥٠ ]
بعوض بِمَعْنى وَاحِد وَكَيْفِيَّة وثيقته ستأتي عِنْد قَوْله: وَلَا بِإِعْطَاء من الْوَارِث الخ. والصُّلْحُ جائِزٌ بالاتِّفاقِ ل ﷺ
١٦٤٨ - ; كِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإطْلَاقِ (وَالصُّلْح) مُبْتَدأ (جَائِز) خَبره (بالِاتِّفَاقِ) يتَعَلَّق بِهِ (لكنه) حرف اسْتِدْرَاك وَالضَّمِير اسْمه وَهُوَ عَائِد على الْجَوَاز الْمَفْهُوم من جَائِز (لَيْسَ) فعل نَاقص وَاسْمهَا ضمير الْجَوَاز أَيْضا (على الْإِطْلَاق) خبر لَيْسَ وَالْجُمْلَة خبر لَكِن، وَالْمرَاد بِالْجَوَازِ الْإِذْن فَيشْمَل المستوى الطَّرفَيْنِ وَالْمَنْدُوب وَالْوَاجِب أَي فَيجوز لِلْخَصْمَيْنِ فعله وَقد ينْدب لَهما أَو يجب، وَكَذَا ينْدب للْقَاضِي أَن يَأْمر بِهِ أَو يجب كَمَا تقدم فِي قَول النَّاظِم: مَا لم يخف بنافذ الْأَحْكَام فتْنَة أَو شحنًا أولي الْأَرْحَام وَخرج بالاستدراك الْحَرَام وَالْمَكْرُوه فَيفْسخ فِي الْحَرَام ويمضي فِي الْمَكْرُوه، وَقَول أصبغ ينفذ الْحَرَام ويمضي مُرَاده بالحرام مَا حرم على دَعْوَى أَحدهمَا دون الآخر كَمَا يَأْتِي لَا الْحَرَام مُطلقًا وَإِلَّا لم يَسعهُ أَن يَقُول بِالْفَسْخِ فِيمَا إِذا اتّفقت دعواهما عَلَيْهِ فإطلاق ابْن سَلمُون وضيح وَغَيرهمَا قَول أصبغ لإمضاء الْحَرَام غير سديد، وَالْمرَاد بالمكروه مَا هُوَ مَمْنُوع على ظَاهر الحكم انْظُر الْمجَالِس المكناسية، وَهَذَا هُوَ الْمَكْرُوه الَّذِي خَالف فِيهِ ابْن الْمَاجشون. وَقَالَ: يفْسخ بالحدثان مَا لم يطلّ، وَأما الْمَكْرُوه الْمَحْض فيمضي قطعا. ابْن عَرَفَة: وَهُوَ من حَيْثُ ذَاته مَنْدُوب إِلَيْهِ وَقد يعرض وُجُوبه عِنْد تعين مصلحَة أَي كَقَوْلِه تَعَالَى: وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) الْآيَة. وحرمته وكراهته لاستلزامه مفْسدَة وَاجِبَة الدرء أَو راجحته. ابْن رشد: لَا بَأْس بندب القَاضِي الْخَصْمَيْنِ إِلَيْهِ مَا لم يتَبَيَّن الْحق لأَحَدهمَا وَإِن أَبَاهُ أَحدهمَا فَلَا يلح عَلَيْهِمَا إلحاحًا يُوهم الْإِلْزَام. الْبُرْزُليّ: وَقد عزل ابْن عبد السَّلَام بعض الْقُضَاة لما جبرهما عَلَيْهِ اه. قلت: وَهُوَ يَقْتَضِي أَن ذَلِك جرحة فِيهِ، وَقد تقدم عِنْد قَول النَّاظِم: وَالصُّلْح يَسْتَدْعِي لَهُ إِن أشكلا … الخ. أَن الْخصم إِذا صَالح أَو رَضِي الْيَمين لاضطراره بالحكم لَا يلْزمه شَيْء من ذَلِك، وَشَمل كَلَام النَّاظِم: الصُّلْح على الْإِقْرَار وعَلى الْإِنْكَار قَالَ فِي الْمُفِيد: اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز الصُّلْح على الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار إِن كَانَ عَن طوع من المتصالحين اه. وَفِي مسَائِل القَاضِي عبد الْوَهَّاب الصُّلْح على الْإِنْكَار جَائِز عندنَا. وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَجَابِر بن زيد وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: الصُّلْح بَاطِل وَلَا يملك الْمُدَّعِي مَا يَأْخُذهُ من الصُّلْح، وَيجب عَلَيْهِ أَن يردهُ، وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى اه وَنَحْوه فِي ابْن سَلمُون، فمراد النَّاظِم اتِّفَاق أهل الْمَذْهَب وَمَا نَقله عِيَاض عَن ابْن الجهم عَن بعض الْأَصْحَاب من عدم جَوَازه فِي الْإِنْكَار بلغ الْغَايَة فِي الشذوذ بِحَيْثُ لَا يَنْبَغِي أَن يعْتَبر، وَلما قدم أَنه غير جَائِز على الْإِطْلَاق بَين وَجه ذَلِك فَقَالَ:
[ ١ / ٣٥١ ]
وَهُوَ كَمِثْلِ البَيْع فِي الإقْرارِ كَذَاكَ لِلْجُمْهُورِ فِي الإنْكَارِ (وَهُوَ كَمثل البيع فِي الْإِقْرَار كَذَاك لِلْجُمْهُورِ فِي الْإِنْكَار) أَي إِنَّمَا لم يجز على الْإِطْلَاق لِأَنَّهُ مثل البيع وَالْبيع مِنْهُ مَا هُوَ جَائِز وَغير جَائِز فَهُوَ كالتعليل لعدم الْجَوَاز على الْإِطْلَاق، لَكِن الصُّلْح على الْإِقْرَار تعْتَبر فِيهِ شُرُوط البيع وَانْتِفَاء مانعه اتِّفَاقًا. وَكَذَا الصُّلْح على الْإِنْكَار تراعى فِيهِ شُرُوط البيع أَيْضا وَانْتِفَاء موانعه على دَعْوَى الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَظَاهر الحكم على مَذْهَب مَالك وَجُمْهُور أَصْحَابه وَهُوَ الْمَشْهُور الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ (خَ) وَغَيره خلافًا لِابْنِ الْقَاسِم فِي اشْتِرَاطه شُرُوط البيع فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ فَقَط، ولأصبغ فِي اشْتِرَاطه عدم اتِّفَاق دعواهما على فَسَاد مِثَال المتوفر للشروط أَن يَدعِي عَلَيْهِ بِعشْرَة حَالَة فَأقر بهَا أَو أنكرها فَصَالحه بِثمَانِيَة حَالَة أَو بِعرْض حَال، وَمِثَال الْمُمْتَنع على ظَاهر الحكم فَقَط أَن يَدعِي بِمِائَة دِرْهَم حَالَة فيصالحه على أَن يُؤَخِّرهُ بهَا إِلَى شهر أَو على خمسين مِنْهَا يَدْفَعهَا عِنْد الشَّهْر، فَالصُّلْح جَائِز على دَعْوَى الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ لِأَن الأول أَخّرهُ بِالْكُلِّ أَو بِالْبَعْضِ وَأسْقط الْبَاقِي وَالثَّانِي افتدى من الْيَمين وممتنع على ظَاهر الحكم لِأَنَّهُ سلف جر نفعا، فَهَذَا مَمْنُوع عِنْد الْجُمْهُور لعدم انْتِفَاء مَانع البيع الَّذِي هُوَ الْقَرْض هُنَا جَائِز عِنْد ابْن الْقَاسِم وَأصبغ، وَمِثَال الْمُمْتَنع على دعواهما مَعًا فَقَط أَن يدعى عَلَيْهِ بِدَرَاهِم وَطَعَام من بيع فَيقر بِالطَّعَامِ وينكر الدَّرَاهِم فيصالحه على طَعَام مُؤَجل أَكثر من طَعَامه أَو يعْتَرف بِالطَّعَامِ ويصالحه على دَنَانِير مُؤَجّلَة أَو على دَرَاهِم أَكثر من دَرَاهِمه، فَلَا يجوز اتِّفَاقًا لما فِيهِ من سلف بِزِيَادَة على دَعْوَى الْمُنكر، وَمن فسخ الدّين على دَعْوَى الْمُدَّعِي وَمن الصّرْف الْمُؤخر فِي الصُّلْح بِدَنَانِير، وَمِثَال مَا يمْتَنع على دَعْوَى الْمُدَّعِي وَحده أَن يَدعِي بِدَنَانِير فيصالحه بِدَرَاهِم لأجل فَيمْتَنع على دَعْوَاهُ، وَيجوز على دَعْوَى الْمُنكر لِأَنَّهُ افتداء فَهَذَا جَائِز عِنْد أصبغ مُمْتَنع عِنْد غَيره، وَمِثَال مَا يمْتَنع على دَعْوَى الْمُدعى عَلَيْهِ أَن يدعى بِطَعَام من قرض فَيَقُول الْمُنكر: بل من سلم فيصالحه بِدَرَاهِم حَالَة فَلَا يجوز على دَعْوَى الْمُنكر لِأَنَّهُ بيع للطعام قبل قَبضه جَائِز على دَعْوَى
[ ١ / ٣٥٢ ]
الآخر، وَإِذا قُلْنَا بِجَوَاز الصُّلْح على الْإِنْكَار بِشُرُوطِهِ فَإِنَّمَا ذَلِك فِي ظَاهر الْأَمر، وَأما فِي بَاطِن الْأَمر فَلَا يحل للظالم مِنْهُمَا فَإِن كَانَ هُوَ الْمُنكر فَهُوَ غَاصِب فِي الْبَاقِي عِنْده حَتَّى يُوفيه وَإِن كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي فَكَذَلِك حَتَّى يرد مَا أَخذ (خَ) وَلَا يحل لظَالِم الخ. فمقابل الْجُمْهُور فِي النّظم هُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَأصبغ لَا مَا حَكَاهُ ابْن الجهم عَن بعض الْأَصْحَاب لِأَن كَلَامه لَيْسَ فِي جَوَاز الصُّلْح على الْإِنْكَار بل فِي كَونه مثل البيع، أما جَوَازه فمستفاد من عُمُوم الْبَيْت قبله كَمَا مرّ. وَمرَاده بِالْبيعِ البيع الْأَعَمّ الشَّامِل للقرض وَالصرْف وَالْإِجَارَة وَغير ذَلِك إِذْ الْجَمِيع بيع فِي الْحَقِيقَة كَمَا يَأْتِي، وَهَذَا إِن كَانَ على مَا يُخَالف الْمُدَّعِي بِهِ جِنْسا أَو صفة فَإِن كَانَ على بعض الْمُدَّعِي بِهِ فَهُوَ هبة. وَترك النَّاظِم هَذَا الْقسم لوضوحه فالكاف فِي قَوْله كَمثل زَائِدَة وَهُوَ خبر عَن الضَّمِير الْمُنْفَصِل، وَفِي الْإِقْرَار حَال من الضَّمِير فِي مثل لِأَنَّهُ بِمَعْنى مماثل، وَقَوله كَذَلِك خبر عَن مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي وَهُوَ كَذَلِك الخ. والمجروران بعده فِي مَوضِع الْحَال من الضَّمِير فِي الْخَبَر. فَجَائِزٌ فِي البَيْع جازَ مُطْلَقا فِيهِ وَمَا اتُّقِي بِيْعًا يُتَّقَى (فَجَائِز) مُبْتَدأ سوغه تعلق (فِي البيع) بِهِ (جَازَ) خَبره (مُطلقًا) حَالا (فِيهِ) يتَعَلَّق بجاز (وَمَا) مُبْتَدأ (اتَّقى) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صلته (بيعا) مَنْصُوب على إِسْقَاط الْخَافِض (يتقى) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر عَن الْمَوْصُول وَلَيْسَ فِي هَذَا زِيَادَة على مَا أفهمهُ الْبَيْت الَّذِي قبله أَي فَيجوز الصُّلْح عَن دين بِمَا يُبَاع بِهِ كدراهم فِي الذِّمَّة يُصَالح عَنْهَا بِعرْض حَال، وَبِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ مَحْض بيع وكدراهم حَالَة يُصَالح عَنْهَا بِدَنَانِير نَقْدا. وَبِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ مَحْض صرف وكذهب حَال يُصَالح بِبَعْضِه نَقْدا أَو دَرَاهِم حَالَة بِبَعْضِهَا كَذَلِك لِأَنَّهُ مَحْض هبة وَكَذَا بذلك الْبَعْض أَو الْكل إِلَى أجل إِن كَانَ عَن إِقْرَار لَا عَن إِنْكَار لِأَن التَّأْخِير بِالْبَعْضِ الْمصَالح بِهِ سلف جر نفعا بِسُقُوط الْيَمين عَنهُ بِتَقْدِير نُكُول الْمُدعى عَلَيْهِ وانقلابها وبعدم ضيَاع حَقه كُله بِتَقْدِير حلف الْمُدعى عَلَيْهِ الْمَذْكُور، وَهَكَذَا يُقَال فِي جَمِيع الصُّور الَّتِي فِيهَا الصُّلْح على الْإِنْكَار بِالْكُلِّ إِلَى أجل أَو الْبَعْض إِلَى أجل، وَقَوله: يَتَّقِي أَي يمْتَنع فَيمْتَنع بِمَجْهُول أَو غرر أَو إِن دَعَا إِلَى ضع وتعجل أَو حط الضَّمَان وَأَزِيدك أَو سلف جر نفعا أَو ضَمَان بِجعْل أَو صرف مُؤخر أَو بدل كَذَلِك أَو بيع للطعام قبل قَبضه أَو بيع ذهب بِذَهَب مَعَهُمَا أَو مَعَ أَحدهمَا غَيره أَو فضَّة كَذَلِك أَو بيع لحم بحيوان أَو بيع دين بدين أَو فسخ دين فِي دين، أَو دوران الْفضل من الْجَانِبَيْنِ كصلحه بِذَهَب أقل مِمَّا عَلَيْهِ مَعَ اخْتِلَافهمَا سكَّة وصياغة أَو جودة ورداءة أَو بِفِضَّة كَذَلِك وَهَكَذَا. وَهَذَا كُله يدْخل تَحت الْكَاف فِي قَوْله:
[ ١ / ٣٥٣ ]
كالصُّلْحِ بِالْفِضَّة أَو بِالذَّهبِ تَفَاضُلًا أَو بِتأخُّر أُبي (كالصلح) عَن إِقْرَار أَو إِنْكَار (بِالْفِضَّةِ أَو بِالذَّهَب) عَن مثليهما (تفاضلًا) لما فِي ذَلِك من رَبًّا الْفضل (أَو) الصُّلْح بأحدها عَن الآخر (بتأخر) أَي مَعَ تَأْخِير (أُبي) أَي منع مثله فِي الصّرْف لَا التَّأْخِير الَّذِي لَا يمْنَع مثله كحل صرة أَو استقرضه من رجل بجانبه فَلَا يمْنَع وأبى آخر الْبَيْت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة لتأخير، وَقَوله: كالصلح خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي وَذَلِكَ كالصلح الخ. وتفاضلا حَال بِمَعْنى مُتَفَاضلا. والصُّلْحُ بِالْمَطْعُومِ فِي الْمُطْعُومِ نَسِيئَةً رُدَّ عَلَى العُمومِ (وَالصُّلْح) مُبْتَدأ (بالمطعوم فِي) أَي عَن (المطعوم) تفاضلا فِي الْجِنْس الْوَاحِد أَو (نَسِيئَة) فِي الْمُتَّفق والمختلف (رد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر (على الْعُمُوم) يتَعَلَّق بِهِ كَانَا فِي مَسْأَلَة النَّسِيئَة ربويين أَو أَحدهمَا أم أقل من الْمصَالح عَنهُ أَو أَكثر ونسيئة حَال. والوَضْعُ منْ دَينٍ عَلَى التَّعْجِيلِ أَوِ المَزِيدُ فِيهِ للتَّأْجِيلِ (والوضع) مُبْتَدأ (من دين على التَّعْجِيل) ينطقان بِهِ كَأَن يَدعِي عَلَيْهِ بِعشْرَة دَنَانِير أَو عشرَة أَثوَاب فَأقر بذلك أَو أنكرهُ وَصَالَحَهُ على ثَمَانِيَة مُعجلَة لما فِيهِ من ضع وتعجل، وَهُوَ مُمْتَنع فِي الْعين وَغَيرهَا بِخِلَاف حط الضَّمَان وَأَزِيدك فَهُوَ خَاص بِغَيْر الْعين كَأَن يَدعِي عَلَيْهِ بِعشْرَة أَمْدَاد أَو أَثوَاب إِلَى شهر، فَيقر أَو يُنكر وَصَالَحَهُ على اثْنَي عشر مُؤَجّلَة أَو ثَمَانِيَة مُعجلَة. وَوجه الْمَنْع فِي الأول أَن من عجل مَا أجل يعد مسلفًا فقد أسلف الْآن ثَمَانِيَة ليقتضي عِنْد الْأَجَل عشرَة من نَفسه، وَكَذَا فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ قد انْتفع على سلفه الَّذِي هُوَ تَعْجِيله قبل أَجله بحطيطة الضَّمَان عَنهُ وَلِأَن فِيهِ أَيْضا ضمانا بِجعْل لِأَنَّهُ أَدخل الثِّيَاب فِي ضَمَانه بِجعْل وَهُوَ الزِّيَادَة. (أَو الْمَزِيد) مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ (فِيهِ للتأجيل) يتعلقان بِهِ أَيْضا لما فِيهِ من سلف بِزِيَادَة كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار أَو إِنْكَار وَخبر الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف أَي والوضع مِنْهُ أَو الزِّيَادَة فِيهِ مَرْدُودَة كَذَلِك. وَالْجَمْعُ فِي الصُّلْحِ لبيْعٍ وسَلَفْ ومَا أَبانَ غَرَرًا بِذَا اتَّصَفْ (وَالْجمع) مُبْتَدأ (فِي الصُّلْح لبيع) يتعلقان بِهِ (وَسلف) مَعْطُوف على مَا قبله كَأَن يَدعِي عَلَيْهِ بِدِينَار حَال فَيقْرَأ وينكر وَصَالَحَهُ على أَن يَأْخُذ مِنْهُ ثوبا أَو طَعَاما أَو عبدا بِنصْف دِينَار وأخره
[ ١ / ٣٥٤ ]
بِالنِّصْفِ الآخر إِلَى أجل. (وَمَا) مَوْصُول مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ وَجُمْلَة (أبان غررًا) صلته كَأَن يصالحه عَمَّا أقرّ بِهِ أَو أنكرهُ بِعَبْد آبق أَو بعير شارد أَو بِمَجْهُول كحظ من دَار لَا يعرفان أَو أَحدهمَا قدره (بذا) يتَعَلَّق بقوله (اتّصف) وَالْإِشَارَة للْمَنْع وَالرَّدّ وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ وَمَا عطف عَلَيْهِ. وَالصُّلْحُ بالطَّعَام قَبْلَ القَبْضِ مِنْ ذِمَّةٍ فَذَاكَ غَيْرُ مَرْضِي (وَالصُّلْح) مُبْتَدأ (بِالطَّعَامِ) يتَعَلَّق بِهِ (قبل الْقَبْض) حَال (من ذمَّة) يتَعَلَّق بِالْقَبْضِ أَو حَال من الطَّعَام وَمن بِمَعْنى فِي (فَذَاك) مُبْتَدأ (غير) خَبره (مرضِي) بِفَتْح الْمِيم وَكسر الضَّاد وَتَخْفِيف الْيَاء للضَّرُورَة لِأَن أَصْلهَا التَّشْدِيد مُضَاف إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ وَدخلت الْفَاء عَلَيْهِ لعُمُوم الْمُبْتَدَأ، وَإِنَّمَا لم يجز بِالطَّعَامِ الْمَذْكُور لِأَنَّهُ بيع لَهُ قبل قَبضه كَانَ عَن إِقْرَار أَو إِنْكَار، وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي فِي الطَّعَام الَّذِي فِي الذِّمَّة من بيع فَلَو قَالَ بيعَة بدل قَوْله ذمَّة لأجاد ليخرج طَعَام الْقَرْض وَالْأَمَانَة ثمَّ يَقُول فِي الشّطْر الأول بعده. فَإِن يكن قرضا أَو الْأَمَانَة الخ. وإنْ يَكُنْ يُقْبَضُ مِنْ أمَانَهْ فَحالةُ الجوَّازِ مُسْتَبَانَهْ (فَإِن يكن) شَرط واسْمه ضمير الطَّعَام (يقبض) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر يكن (من أَمَانه) يتَعَلَّق بِهِ (فحالة الْجَوَاز مستبانة) مُبْتَدأ وَخبر الْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَلما كَانَ فِي قَول النَّاظِم وَهُوَ كَمثل البيع نوع خَفَاء أَشَارَ بِهَذِهِ الأبيات على سَبِيل التَّمْثِيل لإيضاح وَجه كَونه مثل البيع، وإلاَّ فمسائله كَثِيرَة لَا تَنْحَصِر فِيمَا ذكر ولكثرتها وتشعبها قَالَ بَعضهم: من أتقن بَاب الصُّلْح وبيوع الْآجَال فقد أتقن مَذْهَب مَالك وَقَول بَعضهم فِي جمع الْمسَائِل الَّتِي تتقى هُنَا:
[ ١ / ٣٥٥ ]
جهلا وفسنًا ونسا وَحط ضع وَالْبيع قبل الْقَبْض إِن صالحت دع وغررًا وسلفًا مَعَ بيع وسلفًا مقترنًا بنفع وَاضح قصوره مِمَّا مرّ من الْأَمْثِلَة وَمَا أحسن قَول النَّاظِم: وَهُوَ كَمثل البيع الخ (خَ): الصُّلْح على غير الْمُدعى بِهِ بيع أَو إِجَارَة وعَلى بعضه هبة الخ. والأولان داخلان فِي النّظم كَمَا مرّ، وَتقدم أَنه ترك الثَّالِث لوضوحه أَو هبة للْبَعْض الْمَتْرُوك وَهِي لَازِمَة إِن قبلهَا فِي حَيَاة الْوَاهِب لِأَنَّهَا مَقْبُوضَة لَا إِن ردهَا أَو سكت حَتَّى مَاتَ فَلَا تلْزم، وَإِن حلت لَك عَلَيْهِ عشرَة فَقلت لَهُ: إِن أتيتني بِخَمْسَة لشهر أسقطت عَنْك مَا بَقِي لزمك ذَلِك إِن أَتَى بهَا عِنْد الشَّهْر فَإِن أَتَى بهَا بعده بِيَوْم أَو بَقِي مِنْهَا دِرْهَم لم يلزمك كَمَا فِي الالتزامات وَصُورَة الْإِجَارَة أَن يَدعِي عَلَيْهِ بِمعين كَثوب حَاضر مثلا فَيقر أَو يُنكر ويصالحه بمنافع مُعينَة أَو مَضْمُونَة لَا إِن ادّعى بِغَيْر معِين كدراهم فَيمْنَع لِأَنَّهُ فسخ دين فِي دين لِأَن قبض الْأَوَائِل لَيْسَ كقبض الْأَوَاخِر على الْمَذْهَب، ثمَّ هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة تجْرِي فِي كل من صلح الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار أَو السُّكُوت. أما الْإِقْرَار فَظَاهر، وَأما الْإِنْكَار فبالنظر للْمُدَّعِي بِهِ، وَأما السُّكُوت فَهُوَ رَاجع إِلَى أَحدهمَا. تَنْبِيه: صلح الرَّاعِي فِيمَا وَجب عَلَيْهِ غرمه بتفريط وَنَحْوه يجْرِي على مَا مرّ فَإِن عرفت قيمَة الْمُسْتَهْلك جَازَ كَانَ الْمصَالح بِهِ قدر الْقيمَة أَو أقل أَو أَكثر، وَإِن صَالح بمؤخر بعد معرفَة الْقيمَة جَازَ أَيْضا إِن كَانَ بِدَرَاهِم قدر الْقيمَة أَو أقل، وَلَا يجوز بِأَكْثَرَ وَإِن صَالح بمؤخر غير دَرَاهِم كعرض منع مُطلقًا، وَإِن وَقع الصُّلْح قبل معرفَة الْقيمَة فَهُوَ فَاسد على الْأَصَح لِأَن الصُّلْح بيع للقيمة وَهِي قبل مَعْرفَتهَا مَجْهُولَة، وَكَذَا إِن قتل بقرة مثلا فَلَا يجوز لَهُ الصُّلْح بِمِثْلِهَا قبل فَوَات لَحمهَا لِأَنَّهُ من بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ إِذْ رَبهَا مُخَيّر فِي أَخذ لَحمهَا أَو قيمتهَا فَإِن فَاتَ وَعرفت قيمتهَا جَازَ حِينَئِذٍ وَتَأمل قَول (خَ) فِي الصُّلْح وَإِن صَالح بمؤخر عَن مستهلك الخ. ثمَّ إنَّهُمَا يرجعان للخصومة فِي جَمِيع الصُّور الممنوعة إِلَّا أَن يستأنفا صلحا آخر، فَإِن فَاتَ الْمصَالح بِهِ كعرض قبل فَسخه صحّح بِالْقيمَةِ كَمَا يصحح البيع الْحَرَام إِذا فَاتَ. ابْن سَلمُون: وَإِذا فَاتَ الصُّلْح الَّذِي يَقع بِهِ الْحَرَام فسخ وَصحح بِالْقيمَةِ اه. وَتَأمل قَول (خَ) آخر الِاسْتِحْقَاق وَقَول النَّاظِم فِيمَا يَأْتِي: وَلَا يجوز نقض صلح أبرما الخ. وَإِنَّمَا أَشَرنَا إِلَى هَذَا الْفِقْه هُنَا وَإِن كَانَ هُوَ مضمن قَول النَّاظِم الْآتِي: وَإِن يفت مَا الصُّلْح فِيهِ يطْلب … الخ. تدريبًا وتمرينًا وإجراء على مَا مرّ فِي النّظم وَلذَا كَانَ حق النَّاظِم أَن يقدم ذَلِك الْبَيْت هُنَا كَمَا أَن حَقه أَن يقدم قَوْله: وَلَا يجوز نقض صلح أبرما … الخ. وَالْبَيْت الَّذِي بعده لِأَن ذكر ذَلِك كُله هُنَا أنسب وأقعد بالْمقَام وَمثل الرَّاعِي فِيمَا ذكر الْغَاصِب والمكتري وَالْمُرْتَهن والصانع وَالسَّارِق إِذا صَالحُوا فِيمَا يجب عَلَيْهِم غرمه فَإِن وجدوا مَا ادعوا تلفه بعد الصُّلْح فَهُوَ لَهُم إِلَّا أَن يموهوا فِي الذَّات فَيكون لرَبه فَإِن موهوا فِي الصّفة فَيرجع عَلَيْهِم بِفضل الْغَيْبَة. وَكَذَا إِن ادّعى عَلَيْهِ بِسَرِقَة فَصَالح وَهُوَ مُنكر ثمَّ وجد فَهُوَ لَهُ، فَإِن صَالح على شَرط إِن وجد فَهُوَ لرَبه فَالظَّاهِر فَسَاده للتردد بَين السلفية والثمنية، وَتَأمل قَول (خَ) فِي الْغَصْب وَملكه إِن اشْتَرَاهُ أَو غرم قِيمَته الخ. وَإِن وجد الْغَارِم فِي الْمصَالح بِهِ عَيْبا فَلَيْسَ لَهُ الْقيام بِهِ لثقل الْخُصُومَة كَمَا فِي (ز) وَإِذا اسْتهْلك عجلًا يمنح بِهِ فَإِنَّهُ يغرم قِيمَته على أَنه يمنح بِهِ فَيُقَال مَا قيمَة هَذَا الْعجل أَو الخروف على أَنه يمنح بِهِ قَالَه القوري، وَإِذا اشْترى عبدا وَنَحْوه بِمِائَة ونقدها فَاطلع على عيب وأثبته أَو أقرّ بِهِ البَائِع فَصَالحه على ترك الْقيام بِهِ بمعجل كعشرة
[ ١ / ٣٥٦ ]
دَنَانِير من سكَّة نَقده أَو عرض جَازَ اتِّفَاقًا. وَكَذَا إِن تَأَخّر الْعرض الْمَوْصُوف أَو الْعشْرَة بِغَيْر شَرط لَا بِعشْرَة مُؤَجّلَة أَو حَالَة من سكَّة أُخْرَى أَو بِعرْض مُؤَجل وَلَو وصف فَيمْنَع لِأَن الصُّلْح على الْعَيْب ابْتِدَاء بيع بعد فسخ الأول على الْمَشْهُور، وَلما فسخ ترَتّب للْمُشْتَرِي فِي ذمَّة البَائِع مائَة أَخذ عَن تسعين مِنْهَا عبدا، وَالْعشرَة الَّتِي أَخّرهُ بهَا سلف فَصَارَ الصُّلْح مُشْتَمِلًا على البيع وَالسَّلَف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعشْرَة وعَلى فسخ دين فِي دين بِالنِّسْبَةِ للعرض، وعَلى بيع ذهب وَعبد بِذَهَب فِي الْعشْرَة الَّتِي من سكَّة أُخْرَى، وَأَجَازَ ذَلِك أَشهب بِنَاء على أَن البيع الأول لم يفْسخ وَسبب الْخلاف اخْتلَافهمْ فِيمَن ملك أَن يملك هَل يعد مَالِكًا أم لَا؟ فَابْن الْقَاسِم وَالْمَشْهُور أَي أَن المُشْتَرِي لما كَانَ قَادِرًا على حل البيع صير البيع منحلًا، وَأَشْهَب رأى أَن الْقُدْرَة على حل البيع أَعم من حلّه وَلَا يلْزم من وجود الْأَعَمّ وجود الْأَخَص ابْن عبد السَّلَام: وَهَذَا أصح فَلَو صَالح قبل نقدها بتسعين وَتَأْخِير الْعشْرَة الْبَاقِيَة إِلَى شهر مثلا، فالجواز على الْمَشْهُور دون الشاذ لِأَنَّهُ على الْمَشْهُور بيع مُسْتَأْنف بِحَال وَهُوَ التِّسْعُونَ الَّتِي يعجلها المُشْتَرِي ومؤجل وَهُوَ الْعشْرَة الْبَاقِيَة أَو الْعرض الْمَوْصُوف، وعَلى الشاذ أَخّرهُ البَائِع بِالْعشرَةِ الْبَاقِيَة أَو الْعرض ليترك الْعَيْب، فالتأخير سلف جر نفعا بِالنِّسْبَةِ للعشرة وَفسخ دين فِي دين بِالنِّسْبَةِ للعرض لِأَن البَائِع وَجب لَهُ على المُشْتَرِي عشرَة بَقِيَّة الْمِائَة فَسخهَا فِي عرض إِلَى أجل، وَهَذَا كُله إِذا لم يفت العَبْد وَنَحْوه بِشَيْء من مفوتات الرَّد بِهِ كالتدبير فِي العَبْد وَالتَّفْصِيل فِي الشقة وَنَحْوهمَا، وإلاَّ فَلَا يجوز الصُّلْح إِلَّا إِذا علم قيمَة الْعَيْب وَلَو كَانَ البيع بِدَنَانِير نَقْدا وَقَبضهَا البَائِع وَالْمَبِيع دَارا أَو غَيرهَا فَقَامَ المُشْتَرِي بِعَيْب يُوجب الرَّد فاصطلحا على دَنَانِير منجمة لم يجز على مَذْهَب ابْن الْقَاسِم لِأَنَّهُ إِن قدر ابْتِدَاء بيع بعد فسخ الأول دخله بيع وَسلف وَإِن قدر تتميمًا للْأولِ دخله عرض وَذهب بِذَهَب مَعَ مَا فِيهِ من التَّأْخِير قَالَه الطرابلسي فِي تَقْيِيده على الْمُدَوَّنَة.