وَمَنْ يُطَلِّقْ طَلْقَةً رَجْعِيَّهْ ثُمَّ أرَادَ العَوْدَ لِلزَّوْجِيَّهْ (وَمن يُطلق) شَرط (طَلْقَة) مفعول مُطلق (رَجْعِيَّة) نعت لَهُ (ثمَّ) عاطفة الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا (أَرَادَ الْعود) جملَة من فعل وفاعل ومفعول (للزوجية) يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ. فَالقَوْلُ للزَّوْجَةِ واليَمِينُ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةٍ تَبِينُ (فَالْقَوْل) مُبْتَدأ (للزَّوْجَة) خَبره وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط (وَالْيَمِين) مُبْتَدأ (على انْقِضَاء عدَّة)
[ ١ / ٥٩٥ ]
يتَعَلَّق بِالْيَمِينِ (تبين) بِضَم التَّاء مضارع أبان خبر عَن الْيَمين أَي: أَن يَمِينهَا على انْقِضَاء الْعدة تبين عصمتها وتخرجها من الْعدة قَالَه (م) وَيحْتَمل أَن خبر الْيَمين مَحْذُوف أَي: وَالْيَمِين على انْقِضَاء عدتهَا وَاجِبَة عَلَيْهَا وَلَا تصدق بِمُجَرَّد دَعْوَاهَا الِانْقِضَاء، وَتبين حِينَئِذٍ بِفَتْح التَّاء مضارع بَان إِذا ظهر صفة لعدة وَحَاصِل معنى الْبَيْتَيْنِ أَن الطَّلَاق إِذا كَانَ رَجْعِيًا وَاخْتلفَا فِي انْقِضَاء الْعدة، فَالْقَوْل للزَّوْجَة مَعَ يَمِينهَا على مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم، وَحَكَاهُ ابْن الْهِنْدِيّ عَن مقالات ابْن مغيث. وَالْمَشْهُور أَن لَا يَمِين عَلَيْهَا (خَ): وصدقت فِي انْقِضَاء عدَّة الإقراء والوضع بِلَا يَمِين مَا أمكن اه. وَاخْتلف فِيمَا يُمكن انْقِضَاء عدتهَا فِيهِ فَقَالَ سَحْنُون: أقل مَا تصدق فِيهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: خَمْسُونَ يَوْمًا. وَفِي اخْتِصَار الْمُتَيْطِيَّة قَالَ فِي غير الْمُدَوَّنَة: وَلَا تصدق فِي أقل من خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا. قَالَ: وَبِه جرى عمل الشُّيُوخ اُنْظُرْهُ فِي بَاب الرّجْعَة، وَلَعَلَّ النَّاظِم إِنَّمَا اعْتمد القَوْل بِالْيَمِينِ مَعَ أَن المتيطي قد صرح إِثْر مَا مرّ عَنهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَمَل على أَن تحلف لفساد الزَّمَان فقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قلت الْأَدْيَان بالذكران فَكيف بالنسوان؟ فَلَا تمكن الْمُطلقَة من التَّزْوِيج إِلَّا بعد ثَلَاثَة أشهر من يَوْم الطَّلَاق، وَلَا تسْأَل هَل كَانَ الطَّلَاق أول الطُّهْر أَو آخِره وَعَلِيهِ صَاحب اللامية حَيْثُ قَالَ: وَذَات قرء فِي اعْتِدَاد بأشهر الخ. أَي لَا تصدق فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر لَا أَنَّهَا تخرج من الْعدة بِثَلَاثَة أشهر، وَلَو لم تحصل الإقراء الثَّلَاث فَإِن هَذَا خلاف نَص الْقُرْآن كَمَا مرّ عِنْد قَول النَّاظِم: وَيملك الرّجْعَة بالرجعي إِلَى قَوْله: وَفِي المملك الْخلاف الخ. ثمَّ مَحل كَونهَا لَا تصدق فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر على مَا بِهِ الْعَمَل الْيَوْم إِنَّمَا هُوَ إِذا أَرَادَت التَّزْوِيج كَمَا مر، وَأما بِالنِّسْبَةِ للرجعة الَّتِي الْكَلَام فِيهَا فَإِنَّهَا تصدق فِي كل مَا يُمكن انقضاؤها فِيهِ كالشهر وَنصفه على مَا مر أَن الْعَمَل عَلَيْهِ، بل وَلَو فِي الشَّهْر فَقَط على مَا مر فِي الْمُدَوَّنَة من أَنَّهَا تصدق إِذا قَالَت النِّسَاء إِن ذَلِك مُمكن وَإِلَّا لزم الْقدوم على فرج مَشْكُوك، والفروج يحْتَاط لَهَا. وَلَا سِيمَا وَقد علمت أَنه روعي حق الله فِي عدم تصديقها فِي أقل من ثَلَاثَة أشهر بِالنِّسْبَةِ للتزوج على الْمَعْمُول بِهِ الْيَوْم فَيُقَال: كَذَلِك يُرَاعى حق الله أَيْضا فِي تصديقها فِيمَا يُمكن بِالنِّسْبَةِ للرجعة بالأحرى، نعم إِذا ادَّعَت انقضاءها فِيمَا لَا يُمكن أصلا كأقل من شهر فَلَا تصدق وَله ارتجاعها كَمَا قَالَ. ثُمَّ لَهُ ارْتِجَاعُها حَيْثُ الكذِبْ مُسْتَوضَحٌ مِنَ الزّمَانِ المُقْتَرِبْ (ثمَّ) للتَّرْتِيب الذكري (لَهُ ارتجاعها) مُبْتَدأ وَخبر (حَيْثُ) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (الْكَذِب مستوضح) مُبْتَدأ وَخبر وَالْجُمْلَة فِي مَحل جر بِإِضَافَة حَيْثُ (من) للتَّعْلِيل أَي لأجل (الزَّمَان) يتَعَلَّق بمستوضح (المقترب) صفة للزمان، وَهُوَ اسْم فَاعل من اقْترب، وَالْمعْنَى أَنه إِذا تبين كذبهَا بِأَن ادَّعَت الِانْقِضَاء فِيمَا لَا يُمكن كأقل من شهر
[ ١ / ٥٩٦ ]
فَإِنَّهَا لَا تصدق وَله ارتجاعها جبرا عَلَيْهَا، وَهَذَا كُله فِيمَن تَعْتَد بِالْأَقْرَاءِ، وَأما الَّتِي تَعْتَد بِالْأَشْهرِ كالمتوفي عَنْهَا واليائسة وَالصَّغِيرَة فَلَا تصدق وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا بِبَيِّنَة على تَارِيخ الْوَفَاة وَالطَّلَاق بِالنِّسْبَةِ للتزوج، وَأما بِالنِّسْبَةِ للرجعة حَيْثُ كَانَ الطَّلَاق بِغَيْر تَارِيخ فَانْظُر هَل تصدق الْمَرْأَة اليائسة فِي الِانْقِضَاء وَهُوَ الظَّاهِر أم لَا؟ وَانْظُر مَا تقدم فِي التَّنْبِيه الرَّابِع عِنْد قَوْله وَمَتى من الْمَرَض الخ. تَنْبِيه: ذكر الْبُرْزُليّ فِي مسَائِل الْعدة والاستبراء أَن الزَّوْج إِذا خَافَ أَن تجحد مطلقته الْحيض، فَلهُ أَن يَجْعَل مَعهَا أمينة صَالِحَة تتعرف مِنْهَا ذَلِك وتعرف إقراءها، وَهل يعْمل على قَوْلهَا الخ. قلت: وَانْظُر إِذا خشِي أَن تَدعِي الْحيض فِي أقل مَا يُمكن فَهَل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يخْشَى أَن تسْقط رجعته وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الْبُرْزُليّ الْمُتَقَدّم أم لَا. وَما ادَّعَتْ مِنْ ذ ﷺ
١٦٤٨ - ; لِكَ المُطَلَّقَهْ بالسِّقْطِ فَهْيَ أبَدًا مُصَدَّقَهْ (وَمَا) اسْم شَرط (ادَّعَت) فعله (من ذَلِك) يتَعَلَّق بِهِ (الْمُطلقَة) فَاعل ادَّعَت (بِالسقطِ) حَال من اسْم الْإِشَارَة الْعَائِد على الِانْقِضَاء (فَهِيَ) مُبْتَدأ (أبدا) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ قَوْله: (مصدقة) وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَيحْتَمل أَن تكون مَا مَوْصُولَة مُبْتَدأ وصلتها ادَّعَت والعائد مَحْذُوف أَي ادَّعَتْهُ وَالْمَجْرُور بَيَان لما، وَالْجُمْلَة من قَوْله فَهِيَ أبدا الخ. خبر الْمَوْصُول وَدخلت الْفَاء فِي خَبره لشبهه بِالشّرطِ فِي الْعُمُوم والإبهام كَقِرَاءَة ابْن كثير قَوْله تَعَالَى: إِنَّه من يتقِّ ويصبر فَإِن الله لَا يضيع﴾ (يُوسُف: ٩٠) الْآيَة. وَالْمعْنَى أَن الْمُطلقَة إِذا ادَّعَت انْقِضَاء عدتهَا بِوَضْع سقط أسقطته وَأولى بِوَضْع كَامِل فَهِيَ مصدقة أبدا قرب الزَّمَان أَو بعد، وَظَاهره أَنَّهَا مصدقة بِلَا يَمِين وَهُوَ كَذَلِك على الْمَشْهُور كَمَا مر. وَلا يُطَلِّقَ العَبِيدَ السَّيِّدُ إلاَّ الصَّغِيرَ مَعَ شَيءٍ يُرْفَدُ (وَلَا) نَافِيَة (يُطلق العبيد) مفعول بِالْفِعْلِ قبله أَو مَنْصُوب على إِسْقَاط الْخَافِض وَهُوَ أظهر معنى (السَّيِّد) فَاعل يُطلق (إِلَّا) اسْتثِْنَاء من الْعُمُوم فِي العبيد (الصَّغِير) مَنْصُوب على الِاسْتِثْنَاء
[ ١ / ٥٩٧ ]
أَو على إِسْقَاط الْخَافِض (مَعَ شَيْء) حَال (يرفد) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة للشَّيْء، والرفد بِالْكَسْرِ الْعَطاء. وَمَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ للسَّيِّد أَن يُطلق على عبيده من تزوجوه بِإِذْنِهِ جبرا عَلَيْهِم، وَإِن فعل فَلَا يمْضِي طَلَاقه عَلَيْهِم إِلَّا طَلَاقه على الصَّغِير مِنْهُم حَال كَونه مَعَ شَيْء يرفد أَي يُعْطي للصَّغِير فَإِنَّهُ مَاض نَافِذ عَلَيْهِ، وَظَاهره كَانَ المخالع بِهِ للصَّغِير مِنْهُم من عِنْد الزَّوْجَة أَو من غَيرهَا وَلَو من السَّيِّد، وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَن المخالعة للصَّغِير مَاضِيَة عَلَيْهِ وَلَو بِأَقَلّ من خلع الْمثل وَمثل العَبْد الصَّغِير الْحر الصَّغِير كَمَا قدمه النَّاظِم فِي قَوْله: وَالْخلْع جَائِز على الأصاغر مَعَ أَخذ شَيْء لأَب أَو حاجر ابْن عَرَفَة: يجوز للْأَب ووصيه وَالسُّلْطَان وخليفته المبارأة على الصَّغِير بِشَيْء يسْقط عَنهُ أَو يُؤْخَذ لَهُ لَا غير ذَلِك، وَكَذَا السَّيِّد فِي عَبده الصَّغِير اه. وَمَفْهُوم قَوْله: مَعَ شَيْء يرفد أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُطلق عَلَيْهِ دون شَيْء يسْقط عَنهُ أَو يُؤْخَذ لَهُ وَلَو ظهر بِالزَّوْجَةِ فَسَاد وَهُوَ كَذَلِك. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: يجوز للْوَلِيّ أَن يُطلق على السَّفِيه الْبَالِغ وَالصَّغِير بِغَيْر شَيْء يُؤْخَذ لَهُ إِذْ قد يكون بَقَاء الْعِصْمَة فَسَاد الْأَمر جهل قبل نِكَاحه أَو حدث بعده من كَون الزَّوْجَة غير محمودة الطَّرِيق أَو متلفة مَاله اه. قلت: وَيَنْبَغِي أَن يكون كَلَام اللَّخْمِيّ تقييدًا للْمَذْهَب لِأَن من الْمصلحَة حِينَئِذٍ الطَّلَاق، وَإِن كَانَ غير وَاحِد جعله خلافًا. وَكَيْفَما شَاءَ الكَبِيرُ طَلَّقَا وَمُنْتَهاهُ طَلْقَتَانِ مُطْلَقَا (وكيفما) اسْم شَرط مفعول بجوابه الْآتِي (شَاءَ) فعل الشَّرْط (الْكَبِير) فَاعله (طلقا) جَوَاب الشَّرْط، وَالْمعْنَى أَن العَبْد الْكَبِير الْبَالِغ وَلَو سَفِيها لَهُ أَن يُطلق زَوجته حرَّة أَو أمة كَيْفَمَا شَاءَ وَاحِدَة أَو أَكثر بخلع أَو غَيره، وَسَوَاء أذن لَهُ سَيّده فِي الطَّلَاق أم لَا. (ومنتهاه) مُبْتَدأ (طَلْقَتَانِ) خَبره (مُطلقًا) حَال، وَالْمعْنَى أَن مُنْتَهى طَلَاق العَبْد طَلْقَتَانِ مُطلقًا سَوَاء أوقعهما مَعًا فِي حَال رقّه أَو وَاحِدَة فِي حَال رقّه، وَالْأُخْرَى فِي حَال عتقه لِأَن الْوَاحِدَة الَّتِي أوقعهَا فِي حَال رقّه قَائِمَة مقَام وَاحِدَة وَنصف فتكمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يتشطر وَتبقى لَهُ وَاحِدَة هِيَ الَّتِي أوقعهَا فِي حَال عتقه وَسَوَاء أَيْضا كَانَ قِنَا خَالِصا أَو ذَا شَائِبَة، وَسَوَاء كَانَت زَوجته حرَّة أَو أمة، وَهَذَا كُله هُوَ معنى الْإِطْلَاق الَّذِي فِي النّظم. ل ﷺ
١٦٤٨ - ; كِنَّ فِي الرَّجْعِيِّ الأَمْرُ بِيَدِهْ دُونَ رِضَا ولِيِّهَا وَسَيِّدِهُ
[ ١ / ٥٩٨ ]
(لَكِن) حرف اسْتِدْرَاك (فِي الرَّجْعِيّ) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي خَبَرهَا (الْأَمر) بِالنّصب اسْمهَا (بِيَدِهِ) يتَعَلَّق بالاستقرار فِي خَبَرهَا وَالضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ رَاجع للْعَبد (دون) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال (رضَا) مُضَاف إِلَيْهِ (وَليهَا) كَذَلِك (وسيده) مَعْطُوف على وَليهَا، وَالْمعْنَى أَن العَبْد الْقِنّ وَمن فِيهِ شَائِبَة رق إِذا طلق زَوجته طَلَاقا رَجْعِيًا وَقد مر تَفْسِيره أول بَاب الطَّلَاق فَإِن الْأَمر فِي الارتجاع وَعَدَمه ثَابت بيد العَبْد فَإِن شَاءَ ارتجعها قبل انْقِضَاء عدتهَا وَلَا يحْتَاج لإذن سَيّده فِي الارتجاع وَلَا لرضاها بل يرتجعها جبرا عَلَيْهَا وَعَلِيهِ، وَإِن شَاءَ لم يرتجعها وَإِنَّمَا كَانَ لَا يحْتَاج لذَلِك لِأَن الرّجْعَة لَيست كابتداء النِّكَاح، وَلذَا صحت وَلَو فِي الْمَرَض وَالْإِحْرَام (خَ): يرتجع من ينْكح وَلَو بكإحرام وَمرض وَعدم إِذن سيد طَلَاقا غير بَائِن فِي عدَّة صَحِيح حل وَطْؤُهُ بقول مَعَ نِيَّة الخ. وَمَفْهُوم قَوْله فِي الرَّجْعِيّ أَنه إِذا طَلقهَا طَلَاقا بَائِنا أَو رَجْعِيًا وَانْقَضَت الْعدة فَلَا يُرَاجِعهَا إِلَّا بِإِذن سَيّده ورضاها وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْمُرَاجَعَة حِينَئِذٍ ابْتِدَاء نِكَاح. والحُكْمُ فِي العَبِيد كالأَحْرَارِ فِي غَايَةِ الزَّوْجَاتِ فِي المُخْتَارِ (وَالْحكم) مُبْتَدأ (فِي العبيد) يتَعَلَّق بِهِ (كالأحرار) خبر (فِي غَايَة الزَّوْجَات) يتَعَلَّق بالاستقرار الْمُقدر فِي الْخَبَر وَكَذَا قَوْله (فِي الْمُخْتَار) . وَالْمعْنَى: أَن حكم العبيد حكم الْأَحْرَار فِي غَايَة الزَّوْجَات على القَوْل الْمَشْهُور، وَهُوَ قَول مَالك وَمُقَابِله لِابْنِ وهب أَن الثَّالِثَة للْعَبد كالخامسة للْحرّ قِيَاسا على طَلَاقه، وَوجه الْمَشْهُور عُمُوم قَوْله تَعَالَى: فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. قَالَ فِي الذَّخِيرَة: للْعَبد مَعَ الْحر أَربع حالات: تشطير كالحدود وَمِنْه الطَّلَاق ومساواة كالعبادات ومختلف فِيهِ كعدد الزَّوْجَات وَأجل الِاعْتِرَاض وَالْإِيلَاء والفقد وحد الْقَذْف، فعلى العَبْد النّصْف فِي جَمِيع ذَلِك كُله عِنْد مَالك وَقيل بالمساواة وَحَالَة سُقُوط كَالْحَجِّ وَالزَّكَاة اه. وَيَتْبَعُ الأولادُ فِي اسْتِرْقَاقِ لأُم لَا لأَبِ بالإِطْلَاقِ
[ ١ / ٥٩٩ ]
(وَيتبع الْأَوْلَاد) بِالرَّفْع فَاعل يتبع (فِي استرقاق) يتَعَلَّق بِهِ (للام) يتَعَلَّق بِهِ أَيْضا (لَا) عاطفة (للْأَب) مَعْطُوف (بِالْإِطْلَاقِ) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف حَال من الْأُم أَي يتبعونها فِي الرّقّ وَالْحريَّة مُطلقًا كَانُوا من نِكَاح أَو من ملك الْيَمين حَيْثُ كَانَ أبوهم قِنَا، وَيحْتَمل أَنه حَال من الْأَب أَي لَا يتبعُون الْأَب مُطلقًا حرا كَانَ أَو عبدا. وَحَاصِل الْمَعْنى أَن الْوَلَد تَابع لِأَبِيهِ فِي الدّين وَالنّسب ولأمه فِي الْحُرِّيَّة والرقية فَإِن كَانَ الْفراش بِملك الْيَمين فَالْوَلَد تَابع لِأَبِيهِ حرا كَانَ أَو عبدا وَإِن كَانَ الْفراش بِنِكَاح فَالْوَلَد تَابع لأمه كَمَا قَالَ النَّاظِم، وَهُوَ قَول الرسَالَة: وكل ذَات رحم فولدها بمنزلتها أَي إِن كَانَت حرَّة فولدها حر وَلَو كَانَ الْأَب عبدا وَإِن كَانَت قِنَا أَو ذَات شَائِبَة فولدها كَذَلِك، وَلَو كَانَ أَبوهُ حرا وَلَا يسْتَثْنى من ذَلِك إِلَّا الْمَوْطُوءَة بِملك سَيِّدهَا الْحر والغارة الْحر كَمَا قَالَ (خَ) وَولد الْمَغْرُور الْحر فَقَط حر. وَكِسْوَةٌ لِحُرَّةٍ وَنَفَقَه عَليهِ والخُلْفُ بِغَيْرِ الْمُعْتَقَه (وَكِسْوَة) مُبْتَدأ سوغه عمله فِي (لحرة ونفقه) مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ (عَلَيْهِ) خَبره (وَالْخلف) مُبْتَدأ خَبره (بِغَيْر المعتقه) . وَالْمعْنَى أَن العَبْد إِذا تزوج حرَّة فَإِن عَلَيْهِ نَفَقَتهَا وكسوتها كَالْحرِّ وَاخْتلف إِذا تزوج بِأمة أَو مُدبرَة أَو مُعتقة لأجل فَقيل ذَلِك عَلَيْهِ أَيْضا وَهُوَ الْمَشْهُور، وَيُقَال لَهُ أنْفق أَو طلق وَقيل: نَفَقَتهَا وكسوتها على سَيِّدهَا، وَلَو قَالَ النَّاظِم: هَكَذَا بِغَيْر الْمُعتقَة لَكَانَ منبهًا على الْمَشْهُور الْمَذْكُور، لكنه حاول على أَن يُنَبه على أَن الْحرَّة مُتَّفق عَلَيْهَا وَالْأمة مُخْتَلف فِيهَا. وَمَعْلُوم أَن كِتَابه لَيْسَ مَوْضُوعا لبَيَان الْخلاف، بل للمشهور وَمَا بِهِ الْعَمَل، وَمَا أَفَادَهُ من أَن الْحرَّة مُتَّفق عَلَيْهَا صرح بِهِ ابْن الْمَوَّاز قَائِلا: لَا خلاف أَن العَبْد ينْفق على زَوجته الْحرَّة، وَظَاهر كَلَام اللَّخْمِيّ أَن الْخلاف جَار فِي الْحرَّة أَيْضا لِأَنَّهُ قَالَ: وَيخْتَلف إِذا كَانَا عَبْدَيْنِ فعلى القَوْل بِأَنَّهُ لَا نَفَقَة على العَبْد للْحرَّة لَا نَفَقَة عَلَيْهِ إِذا كَانَت أمة، وعَلى القَوْل إِن عَلَيْهِ ذَلِك للْحرَّة يخْتَلف إِن كَانَت أمة. تَنْبِيهَانِ. الأول: حَيْثُ وَجَبت النَّفَقَة عَلَيْهِ فَهِيَ كَمَا قَالَ (خَ) فِي غير خراجه وَكَسبه، وَالْخَرَاج وَهُوَ مَا نَشأ لَا عَن مَال بل عَن كإيجار نَفسه وَالْكَسْب هُوَ مَا نَشأ عَن مَال أتجر بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فعطف الْكسْب على الْخراج من عطف الْعَام على الْخَاص وَالنَّفقَة وَالْكِسْوَة فِي غير الْإِجَارَة الَّتِي يُؤَاجر بهَا نَفسه، وَفِي غير مَا ينشأ عَن مَال كتجارة بِمَال سَيّده وغلة مَاله، وَأما ربح مَال نَفسه وغلته فَلهُ النَّفَقَة مِنْهُمَا كَمَا لَهُ ذَلِك أَيْضا من مَال وهب لَهُ أَو أوصِي لَهُ بِهِ، وَقَول ابْن عَاشر: الْخراج هُوَ مَا يقاطع على إِعْطَائِهِ لسَيِّده كَأَن يقاطعه على دِينَار فِي كل شهر، وَالْكَسْب هُوَ
[ ١ / ٦٠٠ ]
مَا نَشأ عَن عمله وَقد يكون أَحدهمَا أَكثر من الآخر الخ، لَا يُخَالف مَا مرّ لِأَنَّهُ إِذا لم تكن مقاطعة فالخراج هُوَ مَا مرّ ثمَّ مَا تقدم من أَن ربح مَال السَّيِّد لَا نَفَقَة لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي غير الْمَأْذُون وَأما الْمَأْذُون فَلهُ النَّفَقَة من ربح مَال السَّيِّد الَّذِي بِيَدِهِ فَهُوَ يُخَالف غَيره فِي هَذَا الْوَجْه. الثَّانِي: مَحل كَونهمَا فِي غير الْخراج وَالْكَسْب إِذا لم يكن عرف وإلاَّ فَهِيَ فيهمَا كَمَا فِي (خَ) أَيْضا، وَرُبمَا يفهم أَن العَبْد إِذا اشْترط كَونهمَا فِي الْخراج وَالْكَسْب فَيعْمل بذلك بالأحرى، وَلَا يُقَال اشْتِرَاط ذَلِك فِي صلب العقد يفْسد النِّكَاح فَيفْسخ قبل الْبناء وَيثبت بعده بِالْمثلِ وَيبْطل الشَّرْط كَمَا مرّ، لأَنا نقُول هَذَا إِنَّمَا يظْهر إِذا اشْترطت النَّفَقَة على السَّيِّد لَا إِن اشْترط عَلَيْهِ أَن تكون فِي خراج العَبْد وَكَسبه وَرَضي بذلك فَلَا يفْسد، وَلَو فسد فِي هَذَا لفسد فِي الْعرف أَيْضا لِأَنَّهُ كالشرط، وَعَلِيهِ فَإِذا امْتنع السَّيِّد من إِجْرَاء النَّفَقَة من الْخراج وَالْكَسْب وَلَا شَرط وَلَا عرف، فَالْعَبْد إِمَّا أَن ينْفق من غَيرهمَا وإلاّ طلّقت عَلَيْهِ. وَقد علمت أَن اشْتِرَاط النَّفَقَة فِي خراج العَبْد وَكَسبه لَا يُوجب فَسَادًا إِذْ غَايَته أَن السَّيِّد الْتزم عدم مُؤَاخذَة العَبْد بِمَا يسع نَفَقَته من خراجه وَكَسبه وَذَلِكَ هبة مِنْهُ لعمل كُله أَو بعضه وَالله أعلم. وَالْعرْف عِنْد النَّاس الْيَوْم على مَا شهدناه أَن نَفَقَة زَوجته وكسوتها حرَّة كَانَت أَو أمة فِي خراجه وَكَسبه إِذْ عَادَتهم أَن العَبْد يصرف همته فِي خدمَة سَيّده وسيده يجْرِي النَّفَقَة عَلَيْهِ وعَلى زَوجته. وَلَيْسَ لَازِما لَهُ أَنْ يُنْفِقَا على بنِيه أعْبُدًا أوْ عُتَقَا (وَلَيْسَ) فعل نَاقص (لَازِما) خَبَرهَا مقدم (لَهُ) يتَعَلَّق بِهِ (أَن ينفقا) اسْمهَا مُؤخر (على بنيه) يتَعَلَّق بينفقا (أعبدًا) خبر كَانَ محذوفة أَي كَانُوا أعبدًا (أَو عتقا) ء جمع عَتيق كشريف وشرفاء لأَنهم إِن كَانُوا أحرارًا فنفقتهم فِي مَالهم إِن كَانَ لَهُم مَال، وإلاَّ فعلى الْمُسلمين وَإِن كَانُوا أرقاء فعلى سيدهم، وَلَا يجوز للْعَبد أَن يتْلف مَال سَيّده وعَلى هَذَا فصواب التَّعْبِير وَلَيْسَ جَائِزا لَا وَلَيْسَ لَازِما قَالَه (م) و(ت) . قلت: وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَن مَعْنَاهُ وَلَيْسَ لَازِما لَهُ أَن ينْفق عَلَيْهِم من غير الْخراج وَالْكَسْب كَمَا ينْفق على زَوجته من غَيرهمَا، فالتعبير بِنَفْي اللُّزُوم حِينَئِذٍ فِي مَحَله، وَعلم من هَذَا أَن أَوْلَاد العَبْد من أمته يجوز لَهُ الْإِنْفَاق عَلَيْهِم من مَال سَيّده لِأَن المَال لسَيِّده وَأَوْلَاده مملوكون لَهُ أَيْضا.