فِي مسَائِل من الشَّهَادَات كنقصانها وَالْقِيَام بهَا بعد الْإِنْكَار وتعارضها. ومَنْ لِطَالِبٍ بِحَقَ شَهِدَا ولَم يُحَقِّقْ عِنْدَ ذَاكَ العَدَدَا (وَمن) مَوْصُولَة وَاقعَة على الْعدْل أَو شَرْطِيَّة (لطَالب بِحَق) يتعلقان ب (شَهدا وَلم يُحَقّق عِنْد ذَاك) أَي عِنْد أَدَاء الشَّهَادَة يتَعَلَّق بيحقق (العددا) مَفْعُوله الْجُمْلَة المقرونة بِالْوَاو حَالية كشهادتهم أَنه أسلفه دَرَاهِم بمحضرهم لَا يدرونها ثَلَاثَة أَو أقل أَو أَكثر أَو أَن لَهُ حَقًا فِي هَذِه الدَّار أَو الأَرْض لَا يَدْرُونَ قدره أَو لَا يجوزونها أَو أَن لَهُ عَلَيْهِ حَقًا أَو أسلفه بمحضرهم مائَة لَا يَدْرُونَ جِنْسهَا أَو غصبه بمحضرهم أَرضًا لَا يَدْرُونَ حُدُودهَا أَو أَنه قَضَاهُ بمحضرهم من دينه شَيْئا لَا يَدْرُونَ قدره وَنَحْو ذَلِك والمتبادر من قَوْله: وَلم يُحَقّق الخ. أَنهم علمُوا ذَلِك ونسوه، فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا يجْرِي فِيهَا قَوْله: فَمَالِكٌ عَنْهُ بِهِ قَوْلانِ لِلْحُكْم فِي ذَاكَ مُبَيِّنانِ (فمالك) مُبْتَدأ (عَنهُ بِهِ) يتعلقان بالاستقرار الَّذِي هُوَ خبر عَن الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَهُوَ (قَولَانِ) وَالضَّمِير فِي عَنهُ يرجع لمَالِك وَالْبَاء فِي بِهِ للظرفية وضميره يرجع لمن أَو للفرع الْمَذْكُور (للْحكم فِي ذَاك مبينان) بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا صفة لقولان وللحكم يتَعَلَّق بِهِ وَفِي ذَاك يتَعَلَّق بالحكم، وَالتَّقْدِير فمالك قَولَانِ كائنان عَنهُ فِي الْفَرْع الْمَذْكُور مبينان للْحكم فِي ذَلِك، واحترزت بِقَوْلِي بمحضرهم عَمَّا لَو شهدُوا أَعلَى إِقْرَاره بِأَن فِي ذمَّته لَهُ دَرَاهِم أَو مائَة فَإِنَّهُ يلْزمه التَّفْسِير كَمَا لَو أقرّ بِشَيْء كَمَا يَأْتِي. إلْغاؤها كأنَّها لَمْ تُذكَرْ وتَرْفَعُ الدَّعْوى ﷺ
١٦٤٨ - ; يمِينَ المُنْكِرْ (إلغاؤها) بدل من قَولَانِ أَي أَحدهمَا إلغاؤها حَتَّى (كَأَنَّهَا لم تذكر) بِضَم التَّاء مَبْنِيا للْمَفْعُول ونائبه يعود على الشَّهَادَة وَالْحكم فِيهَا إِذا لم تذكر أَن يحلف الْمَطْلُوب لإنكاره كَمَا قَالَ: (وترفع) بِفَتْح أَوله مَبْنِيا للْفَاعِل (الدَّعْوَى) مَفْعُوله (يَمِين الْمُنكر) فَاعله، وَأَشَارَ لِلْقَوْلِ الثَّانِي بقوله: أَو يُلْزَمُ المطلُوبُ أَن يُقِرَّا ثمَّ يُؤَدِّي مَا بهِ أَقْرَّا (أَو يلْزم) بِضَم أَوله وَنصب آخِره مَبْنِيا للْمَفْعُول مَعْطُوفًا على قَوْله إلغاؤها من بَاب قَوْله:
[ ١ / ٢٢٣ ]
وَإِن على اسْم خَالص فعل عطف. الخ (الْمَطْلُوب) نَائِب (أَن يقرا) فِي مَحل نصب مفعول ثَان أَي أَو لَا تلْغي الشَّهَادَة بل يلْزم الْمَطْلُوب الْإِقْرَار بذلك وَيجْبر عَلَيْهِ بالسجن (ثمَّ) إِذا أقرّ بِشَيْء (يُؤَدِّي مَا بِهِ أقرا) من قَلِيل أَو كثير وَيبرأ. بَعْدَ يمينهِ وإنْ تَجَنّبا تَعْيينًا أَو عُيِّنَ والحَلْفَ أَبى (بعد يَمِينه) أَنه لَيْسَ فِي ذمَّته سواهُ حَيْثُ نازعه الطَّالِب وَادّعى أَكثر مِمَّا أقرّ بِهِ وإلاَّ فَلَا يَمِين فَيُؤَدِّي مَعْطُوف على يقر وَرَفعه ضَرُورَة وَمَا مَفْعُوله والظرف يتَعَلَّق بِمَحْذُوف كَمَا قَررنَا. (وَإِن تجنبا) الْمَطْلُوب (تعيينًا) لقدر الْمَشْهُود بِهِ ولجنسه بِأَن جزم بِأَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، أَو قَالَ إِنَّه لَا يعرف حَقِيقَة مَا يَدعِيهِ وَلَا مَا شهدُوا بِهِ وَحلف على ذَلِك، (أَو) أقرّ بِقَدرِهِ و(عين) جنسه فِي مَجْهُول الْجِنْس، وَلَكِن ادّعى الطَّالِب أَكثر مِمَّا عين (وَالْحلف أَبى) أَي امْتنع مِنْهُ الْمَطْلُوب فِي الثَّانِيَة فالحلف بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام مفعول بأبى وَهُوَ مصدر حلف كضرب ولمصدره ثَلَاثَة أوزان: حلفا بِسُكُون اللَّام وحلفًا بِكَسْرِهَا ومحلوفًا، وَهُوَ أحد المصادر الَّتِي جَاءَت على مفعول كمجلود يُقَال: حلف محلوفًا وجلدته مجلودًا أَي حلفا وجلدًا بِسُكُون اللَّام فيهمَا، وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد يكون بَين الْقَوْم يُقَال: حالفه أَي عاهده وتحالفوا تَعَاهَدُوا، وَأما عَكسه وَهُوَ إتْيَان الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول أَو الْفَاعِل فكثير من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسًا﴾ (طه: ٧٧) أَي يَابسا على أَن يبسًا مصدر، وَقَوْلهمْ الحكم خطاب الله أَي كَلَامه الْمُخَاطب بِهِ بِكَسْر الطَّاء عباده. كُلِّفَ مَنْ يَطْلُبُهُ التَّعْيينا وَهُوَ لهُ إِن أَعْمَلَ اليَمينا (كلف) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول جَوَاب الشَّرْط (من) أَي الْمُدَّعِي الَّذِي (يَطْلُبهُ) أَي الْمَطْلُوب ففاعله الْمُسْتَتر يعود على من هُوَ الرابط بَين الْمَوْصُول وصلته وضميره البارز يعود على الْمَطْلُوب كَمَا ترى (التعيينا) للقدر وَالْجِنْس مفعول ثَان يُكَلف وَالْمَفْعُول الأول الْمَوْصُول النَّائِب فَإِن عينه وَحلف أَخذه كَمَا قَالَ (وَهُوَ لَهُ) مُبْتَدأ وَخبر (إِن أعمل اليمينا) وأتى بِمَا يشبه فَهُوَ شَرط حذف جَوَابه لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ كَقَوْلِك: أَنْت ظَالِم إِن فعلت. وَإِن أَبى أَو قَالَ لَسْتُ أَعْرِفُ بَطَلَ حَقُّهُ وَذَاكَ الأعْرَفٌ (وَإِن أَبى) الطَّالِب أَن يحلف بعد أَن عين الْقدر وَنَحْوه (أَو قَالَ لست أعرف) قدر حَقي أَو جنسه (بَطل حَقه) جَوَاب الشَّرْط أَي بَطل حق الْمُدَّعِي فِي الزَّائِد على مَا أقرّ بِهِ الْمَطْلُوب فِي الثَّانِيَة
[ ١ / ٢٢٤ ]
لِأَن النّكُول بِالنّكُولِ تَصْدِيق للْأولِ وَفِي الْجَمِيع فِي الأولى سَوَاء جزم بالإنكار أَو قَالَ: لَا يعرف حَقِيقَة مَا يَدعِيهِ لما مرّ إِن الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لَا تسمع فضلا عَن توجه الْيَمين بِسَبَبِهَا وَهُوَ إِذا قَالَ: لَا أعرف فقد ادّعى بِهِ، وَلما مرّ أَيْضا عِنْد قَوْله: وَمن أَبى إِقْرَارا أَو إنكارًا. الخ. من أَن الْمَطْلُوب إِذا قَالَ: لاأعرف حَقِيقَة مَا يَدعِيهِ وَحلف أَن الطَّالِب إِمَّا أَن يثبت دَعْوَاهُ أَو يبطل حَقه. هَذَا ظَاهر النّظم وَالْقَوَاعِد توافقه كَمَا علمت، وَالْفرق بَين القَوْل الأول وَالثَّانِي ظَاهر وَهُوَ أَن الشَّهَادَة فِي الأول كَالْعدمِ وَالْمَطْلُوب يُمكن من الْيَمين بِمُجَرَّد إِنْكَاره بِخِلَافِهِ على الثَّانِي، فَإِن للشَّهَادَة أثرا فِي أَن الْمَطْلُوب لَا يُمكن مِنْهَا بِمُجَرَّد الْإِنْكَار بل حَتَّى يعرف مَا عِنْد الطَّالِب، وَكَانَ النَّاظِم اعْتمد فِي هَذَا قَول مطرف الْمَنْقُول فِي الْبَاب الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ من التَّبْصِرَة: لَو أقرّ الْمَطْلُوب بِالْحَقِّ كُله وَادّعى أَنه قد قَضَاهُ مِنْهُ شَيْئا وأتى بِشَاهِدين شَهدا أَنه أشهدنا أَنه اقْتضى مِنْهُ شَيْئا لم يسمه فشهادتهم جَائِزَة، وَقيل للْمَشْهُود عَلَيْهِ سم هَذَا الَّذِي ثَبت عَلَيْك أَنَّك تقاضيته فَمَا سمي من ذَلِك حلف عَلَيْهِ، وَكَانَ القَوْل لَهُ وَإِن أَبى أَن يقر بِشَيْء قيل للْمَشْهُود لَهُ: أتعرف هَذَا الَّذِي شهد لَك بِهِ فَإِن عرفه وَسَماهُ حلف عَلَيْهِ وبرىء مِنْهُ وَإِن تجاهل بِهِ أَو نكل عَن الْيَمين لزمَه غرم الْجَمِيع لِأَنَّهُ قد مكنه من حَقه بجهله أَو نُكُوله، وَرَأى أصبغ وَابْن الْمَاجشون أَن الشَّهَادَة سَاقِطَة. قَالَ ابْن حبيب، وَقَول مطرف: أحب إِلَيّ، وَبِه أَقُول اه. وَقَوله: وَإِن أَبى أَن يقرّ بِشَيْء يُرِيد أَو أقرّ، وَلم يحلف بِدَلِيل السوابق واللواحق، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَة أَيْضا قبل هَذَا مَا نَصه: وَإِذا ادّعى رجل على آخر أَنه أودعهُ ثيابًا فَأنكرهُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَة أَنه أودعهُ أعكامًا لَا يَدْرُونَ مَا فِيهَا ويظنون ثيابًا فَيجب أَن يسجن الْمُدعى عَلَيْهِ ويهدد، فَإِن أقرّ بذلك حلف عَلَيْهِ وَكَانَ القَوْل قَوْله، وَإِن تَمَادى على إِنْكَاره حلف صَاحب الْوَدِيعَة على مَا يشبه أَنه يملك مثله وَيَأْخُذهُ بذلك والظالم أَحَق أَن يحمل عَلَيْهِ، وَقد قيل إِنَّه يحلف إِذا لم تعين الْبَيِّنَة شَيْئا بعد أَن يستبرأ أمره بالتضييق والتهديد إِذا تَمَادى على إِنْكَاره وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وبالأول الْقَضَاء من الِاسْتِغْنَاء اه. وَالْغَرَض مِنْهُ قَوْله: وَبِه الْقَضَاء. وَقَوله: حلف صَاحب الْوَدِيعَة الخ. إِذْ مَفْهُومه أَن صَاحب الْوَدِيعَة إِذا لم يحلف بل قَالَ: لَا أعرف أَو أعرف، وَقَالَ: لَا أَحْلف لم يكن لَهُ شَيْء لِأَنَّهُ أناط الحكم بحلفه فَيكون مُوَافقا لقَوْل مطرف وكل ذَلِك شَاهد للناظم إِلَّا مَا فِي هَذَا الْأَخير من زِيَادَة التهديد والسجن عِنْد التَّمَادِي على الْإِنْكَار فَقَوله: (وَذَاكَ الأعرف) إِشَارَة إِلَى القَوْل
[ ١ / ٢٢٥ ]
الثَّانِي إِذْ بِهِ الْقَضَاء كَمَا ترى لَكِن يرد على قَوْله بَطل حَقه أَنه لَيْسَ قولا لمَالِك وَهُوَ قد قَالَ قبل ذَلِك فَعَن مَالك الخ فَأَما أَن يُقَال فِيهِ حذف الْوَاو مَعَ مَا عطفت أَي فَعَن مَالك وَبَعض أَصْحَابه، أَو يُقَال لما كَانَ أَصْحَابه لَا يَقُولُونَ إِلَّا مَا كَانَ جَارِيا على قَوَاعِده جَازَت نسبته لَهُ حِينَئِذٍ، وَلَو على ضرب من الْمجَاز. فَإِن قلت: وَمَا هُوَ الْمَنْقُول عَن مَالك فِي هَذَا الْفَرْع؟ قلت: الْمَنْقُول عَنهُ رِوَايَتَانِ. الْبطلَان وَهُوَ رِوَايَة ابْن نَافِع كَمَا صدر بِهِ النَّاظِم وَعَدَمه، وَهُوَ رِوَايَة مطرف إِلَّا أَنه فِي هَذِه الرِّوَايَة لَا يَقُول يبطل حق الْمَشْهُود لَهُ بِنُكُولِهِ أَو بقوله: لست أعرف، بل إِذا قَالَ ذَلِك يسجن الْمَطْلُوب حَتَّى يقر وَيحلف على مَا أقرّ بِهِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة والتبصرة وَغَيرهمَا وَلَعَلَّ النَّاظِم: إِنَّمَا عدل عَن سجن الْمَطْلُوب الْمَنْقُول فِي هَذِه الرِّوَايَة إِلَى قَول مطرف بِبُطْلَان الْحق لعدم جريانها على الْقَوَاعِد من أَن النّكُول بِالنّكُولِ تَصْدِيق للْأولِ، وَمن أَن الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لَا تسمع فَهِيَ وَإِن سَمِعت هُنَا لقوتها بِالشَّهَادَةِ فَلَا توجب يَمِينا، وَلذَا قَالَ ولد النَّاظِم هَذِه الرِّوَايَة لَا تَخْلُو من إِشْكَال. فَإِن قلت: قَول مطرف هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّهَادَة بِالْإِقْرَارِ بِشَيْء. قلت: وَكَذَا رِوَايَته عَن مَالك الْمُتَقَدّمَة لِأَن الشُّهُود شهدُوا فِيهَا أَنَّهُمَا تحاسبا وَبَقِي لأَحَدهمَا على الآخر حق لَا يعْرفُونَ قدره، وَمَعْلُوم أَن الْبَاقِي لَا يُعلمهُ الشُّهُود إِلَّا بِالْإِقْرَارِ. تَنْبِيه: لَيْسَ الْمَقْصُود من الرِّوَايَة، وَقَول مطرف الْمُتَقَدِّمين خُصُوص الْإِقْرَار، بل الشَّهَادَة بِمَجْهُول الْقدر وَلذَلِك جعل غير وَاحِد كالمتيطي وَغَيره مَوْضُوع الْخلاف فِيمَن أَقَامَ بَيِّنَة على رجل بِحَق لَا يَدْرُونَ كم هُوَ أَو لَا يَدْرُونَ عدده كَمَا قَررنَا بِهِ مَوْضُوع النّظم سَوَاء كَانَ الْحق فِي الْأُصُول أَو غَيرهَا كَانَت الشَّهَادَة بِإِقْرَار أَو غَيره لَكِن الْمُفْتى بِهِ فِي الْإِقْرَار صِحَة الشَّهَادَة وَلُزُوم التَّفْسِير لكَون إِبْهَام الْمَشْهُود بِهِ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة المقرّ فِي الْحَقِيقَة لَا من جِهَة الشَّهَادَة. نعم لَو نسوه لَكَانَ الْإِبْهَام من جِهَة الشَّهَادَة حِينَئِذٍ، وَلذَا قَالَ (خَ): وَمَال نِصَاب وَالْأَحْسَن تَفْسِيره كشيء وَكَذَا وسجن لَهُ الخ، فَإِن فسره بعد السجْن أَو قبله حلف إِن ادّعى الْمقر لَهُ أَكثر فَإِن نكل حلف الْمقر لَهُ على طبق دَعْوَاهُ، وَأخذ كَأَن حقق الْمقر لَهُ الدَّعْوَى وَجَهل الْمقر بِأَن قَالَ لَهُ على شَيْء أَو حق لَا أعرف قدره قَالَه فِي الشَّامِل: فَإِن أقرّ بِثَوْب أَو عبد من غصب أَو غَيره وَلم تعاينه الْبَيِّنَة فَذَلِك من الْإِبْهَام فِي الْقدر لِأَن الْقيمَة تخْتَلف باخْتلَاف الصّفة فَلَا تبطل الشَّهَادَة أَيْضا لِأَن الْإِبْهَام إِنَّمَا هُوَ من الْمقر لَا من الشَّهَادَة، وَهل يقْضِي عَلَيْهِ بالوسط من ذَلِك أَو بِمَا يَدعِيهِ الْمقر لَهُ مَعَ يَمِينه إِن أشبه؟ اللَّخْمِيّ: وَهُوَ أحسن وَلكَون الْإِبْهَام فِي الْإِقْرَار إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْمقر أخرجناه من مَوْضُوع النّظم كَمَا مرّ فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَقد ألم الزقاق فِي منهجه بِهَذَا حَيْثُ قَالَ: وَالْحق لَا يلْزم لَكِن إِن شهد غير بِهِ تمت وَإِلَّا فاعتمد على الْيَمين وَكَذَا جهل الْعدَد بَيِّنَة أَو نسيت وَقد ورد الرَّد فيهمَا ورد مثبتًا الخ. وَنقل شَارِحه هُنَاكَ كلَاما حسنا فَانْظُرْهُ وَلَا بُد. وَلما كَانَ الْخلاف الْمَذْكُور شَامِلًا لِلْأُصُولِ وَغَيرهَا كَمَا مرّ، وَكَانَ القَوْل الثَّانِي لَا يَقُول بإجبار الْمَطْلُوب بالسجن بل ينْزع الأَصْل من يَده حَتَّى يقر أَشَارَ لذَلِك فَقَالَ: وَمَا عَلَى المطلُوبه إجبارٌ إِذا مَا شَهِدُوا فِي أصْلِ مِلْكٍ هـ ﷺ
١٦٤٨ - ; كَذَا
[ ١ / ٢٢٦ ]
(وَمَا) نَافِيَة (على الْمَطْلُوب) خبر عَن قَوْله (إِجْبَار إِذا) ظرف مضمن معنى الشَّرْط خافض لشرطه مَنْصُوب بجوابه (مَا) زَائِدَة (شهدُوا فِي أصل مَالك) يتَعَلَّق بِمَا قبله (هَكَذَا) حَال من مَضْمُون قَوْله شهدُوا أَي حَال كَون الشَّهَادَة هَكَذَا وَيجوز أَن يكون الْمَجْرُور من اسْم الْإِشَارَة مُتَعَلقا بشهدوا أَي شهدُوا هَكَذَا أَي بِحَق من غير بَيَان قدره أَو حُدُوده فِي أصل مَالك. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: آخر بَاب الصُّلْح، وَلَو أَنهم شهدُوا بِأَن لهَذَا الْقَائِم حِصَّة فِي الدَّار لَا يعلمُونَ مبلغها فَفِي رِوَايَة مطرف عَن مَالك أَنه يُقَال لَهُ للمطلوب: أقرّ بِمَا شِئْت مِنْهَا واحلف عَلَيْهِ، فَإِن أَبى قيل للطَّالِب سم مَا شِئْت مِنْهَا واحلف عَلَيْهِ وخذه، فَإِن أَبى أخرجت الدَّار من يَد الْمَطْلُوب حَتَّى يقر بِشَيْء مِنْهَا. قَالَ مطرف: وَكُنَّا نقُول وَأكْثر أَصْحَابنَا إِذا لم يعرف الشُّهُود الْحصَّة فَلَا شَهَادَة لَهُم حَتَّى قَالَ لنا ذَلِك مَالك فرجعنا إِلَى قَوْله واستمرت الْأَحْكَام بِهِ اه. وَنَقله فِي التَّبْصِرَة بأبسط من هَذَا. فَتحصل مِمَّا مر أَن القَوْل بِالْبُطْلَانِ جَار فِي الْأُصُول وَغَيرهَا، وَكَذَا القَوْل بِالصِّحَّةِ إِلَّا أَنه يخْتَلف فِيمَا إِذا قَالَ الْمَشْهُود لَهُ: لَا أَحْلف أَو لست أعرف فَعِنْدَ مطرف يبطل حَقه، وَعَلِيهِ درج النَّاظِم وعَلى قِيَاسه فِي الْأُصُول لَا ينْزع الأَصْل من يَد الْمَطْلُوب بل يبطل حق الطَّالِب بقوله ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَلَا جبر على مَا مَشى عَلَيْهِ النَّاظِم لَا فِي الْأُصُول وَلَا فِي غَيرهَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا يدل على أَن الأَصْل ينْزع من يَد الْمَطْلُوب، بل كَلَامه ظَاهر فِي عدم النزع لِأَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تعم فتشمل نفي الْإِجْبَار بالسجن وَنزع الشَّيْء من يَده لِأَنَّهُ نوع من الْإِجْبَار فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مختاره فِي الْأُصُول هُوَ مختاره فِي غَيرهَا من بطلَان الْحق بقوله: لَا أَحْلف أَو لست أعرف كَمَا لَا يخفى وَعند مَالك يسجن فِي غير الْأُصُول وَينْزع الأَصْل من يَده فِي الْأُصُول، وَكَذَا فِي المعينات كَثوب وَنَحْوه حَتَّى يقر وَيحلف على مَا أقرّ بِهِ. وَالْحَاصِل أَن القَوْل بإعمال الشَّهَادَة أقوى من القَوْل ببطلانها كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيه بعده، وكما يدل عَلَيْهِ اقْتِصَار الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا عَلَيْهِ هُنَا، وَبِه أفتى ابْن زرب مُقْتَصرا عَلَيْهِ حَسْبَمَا فِي اسْتِحْقَاق المعيار، وَلذَا قَالَ النَّاظِم: وَذَاكَ الأعرف وَبعد كَونه أرجح وَأقوى هَل يبطل حق الطَّالِب بِنُكُولِهِ أَو تجاهله فِيهِ مَا ترى، وَظَاهر النّظم أَن الْقَوْلَيْنِ بِالْبُطْلَانِ وَعَدَمه جاريان أمكن الاستنزال أم لَا وَهُوَ كَذَلِك. إِذْ فِي الْمَسْأَلَة سِتَّة أَقْوَال كَمَا لِابْنِ رشد فِي الْبَيَان. ثَالِثهَا:
[ ١ / ٢٢٧ ]
يسْتَنْزل الشُّهُود فَإِذا شهدُوا بِمَال فَيُقَال لَهُم أتعلمون أَنه مائَة؟ فَإِن قَالُوا: لَا. قيل لَهُم: أخمسون هُوَ وَهَكَذَا لَا زَالُوا ينزلون حَتَّى يقفوا على مَا لَا يَشكونَ فِيهِ، والمعمول عَلَيْهِ هُوَ أَن لَا يعدل عَنهُ مَعَ إِمْكَانه لقَوْله فِي المازونية ونوازل الْمديَان من المعيار أَن بِهَذَا القَوْل الْعَمَل عِنْد الموثقين، وَبِه أفتى ابْن رشد أَيْضا حَسْبَمَا فِي نَوَازِل الْغَصْب وَالْإِكْرَاه من المعيار فِيمَن غصب ضَيْعَة واستغلها أَن الْبَيِّنَة تستنزل إِلَى مَا تقطع بِهِ فِي الاستغلال من غير شكّ، وَيلْزمهُ غرم ذَلِك وَنَحْوه فِي التَّبْصِرَة فِي الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ. وَقَالَ أَبُو الْحسن فِي كتاب الرَّجْم من الْمُدَوَّنَة: إِنَّه الَّذِي اعْتَمدهُ أهل السجلات. قَالَ: وَهَذَا فِي الشَّهَادَة على عدد متماثل كَقَوْلِهِم لَهُ عَلَيْهِ مائَة دِينَار أَو مائَة وَخَمْسَة بِأَو الَّتِي للشَّكّ والتردد فَإِن كَانَت الشَّهَادَة على فُصُول فَلَا تبطل إِلَّا فِي ذَلِك الْفَصْل الَّذِي نسباها فِيهِ إِلَّا أَن يكون مرتبطًا بِغَيْرِهِ فَتبْطل فِيهِ وَفِي غَيره كَمَا لَو كَانَت الشَّهَادَة على خطّ غَائِب أَو ميت، وَفِي الْوَثِيقَة محو فِي بعض الْفُصُول فَلَا تبطل إِلَّا فِيهِ إِلَّا أَن يرتبط بِغَيْرِهِ فَإِذا شهدُوا على كَذَا وَكَذَا ثمرًا وامتحى مَوضِع عَجْوَة صحت فِيمَا أَيقَن بِهِ الشُّهُود وَيبقى الْخلاف بَين المتداعيين فِي الصّفة كَأَنَّهَا فصل على حياله اه. قلت: وَكَذَا لَو شهدُوا بِالْبيعِ وَقبض الثّمن لَا يقبض الْمَبِيع أَو بِالْعَكْسِ أَو شهدُوا بالسلف دون قَبضه أَو شهدُوا بِالْبيعِ دون التَّأْجِيل أَو الْحُلُول فَإِن الشَّهَادَة تَامَّة فِي ذَلِك وَيبقى الْخلاف بَينهمَا فِيمَا لم يشْهدُوا بِهِ، وَيجْرِي على مَا يَأْتِي فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين إِذْ لَا ارتباط للمنسي بِغَيْرِهِ وَمن المرتبط مَا إِذا شهدُوا بِالْبيعِ ونسوا الثّمن عِنْد من قَالَ بِالْبُطْلَانِ كَمَا يَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَقَوْل ابْن رشد فِي أجوبته: إِن الشَّاهِد إِذا لم يَأْتِ بِشَهَادَتِهِ على وَجههَا وَسقط عَن حفظه بَعْضهَا فَإِنَّهَا تسْقط كلهَا بِإِجْمَاع الخ. يحمل على مَا إِذا ارْتبط الْفَصْل المنسي بِغَيْرِهِ وإلاَّ فَلَا كَمَا ترى لِأَن التَّوْفِيق بَين كَلَام الْأَئِمَّة مَطْلُوب مَا أمكن، وَأَيْضًا فَإِن هَذَا إِنَّمَا يظْهر إِذا اعْترف الشَّاهِد بِالنِّسْيَانِ كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله وَسقط عَن حفظه بَعْضهَا الخ. وَأما إِذا لم يشْهدُوا بِالْفَصْلِ الْمَذْكُور لكَونه لم يَقع بمحضرهم فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِي الْأَعْمَال حَيْثُ لم يرتبط بِغَيْرِهِ لِأَن النسْيَان يُوجب قُوَّة الشَّك فِي الشَّهَادَة بِخِلَافِهِ مَعَ فَقده فَتَأَمّله وَالله أعلم. وَأَيْضًا فَإِن الْإِجْمَاع مَرْدُود بِمَا حصله هُوَ بِنَفسِهِ من الْأَقْوَال السِّتَّة. تَنْبِيه: شَمل قَول النَّاظِم: وَلم يُحَقّق عِنْد ذَاك العددا. الخ. مَا إِذا شهدُوا بِعقد نِكَاح أَو بيع وَلم يسموا الثّمن وَالصَّدَاق، وَأنكر البَائِع فالشهادة عِنْد مَالك تَامَّة، لَكِن لَا على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فِي القَوْل الثَّانِي بل يُقَال للْبَائِع: بكم بعتها فَإِن سمى ثمنا وَوَافَقَهُ الْمُبْتَاع أَدَّاهُ وَإِن اخْتلفَا فِيهِ تحَالفا وَردت السّلْعَة وَإِن تَمَادى البَائِع على الْإِنْكَار سُئِلَ الْمُبْتَاع على الثّمن فَإِن سمى مَا يشبه حلف وَأَدَّاهُ وَإِن سمى مَا لَا يشبه قيل لَهُ إِن أَعْطَيْت مَا يشبه أَخَذتهَا وإلاَّ فَلَا. رَوَاهُ مطرف عَن مَالك وَاسْتَحْسنهُ ابْن حبيب، وَإِن كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ ادّعى البَائِع البيع وَأنكر الْمُبْتَاع حلف البَائِع على مَا سمى من الثّمن إِن أشبه وَيَأْخُذهُ من المُشْتَرِي فَإِن لم يكن لَهُ غير السّلْعَة بِيعَتْ عَلَيْهِ وَتَبعهُ بِالنَّفسِ إِن لم يَفِ ثمنهَا الثَّانِي بِالْأولِ قَالَه فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين من الْمُتَيْطِيَّة مُقْتَصرا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَب. وَكَذَا اقْتصر عَلَيْهِ ابْن فتحون وَكَذَا ابْن فَرِحُونَ آخر الْبَاب الْمُتَقَدّم، وَذكر فِي أنكحة المعيار أَن ابْن المكوي وَابْن الْعَطَّار أجابا عَن ذَلِك بِصِحَّة الشَّهَادَة وَإِن الزَّوْج والمبتاع يسميان الثّمن وَالصَّدَاق وَإِلَّا حلف
[ ١ / ٢٢٨ ]
الطَّالِب إِن أَتَى بِمَا يشبه، وَأجَاب أَبُو إِبْرَاهِيم التجِيبِي بِسُقُوط الشَّهَادَة وَذكر أَنَّهَا رِوَايَة أصبغ عَن ابْن الْقَاسِم، وَكَذَا ذكر ابْن سَلمُون الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ: إِن القَوْل بالسقوط أحسن وَنسبه لصَاحب الِاسْتِغْنَاء وَنَحْوه فِي طرر ابْن عَاتٍ عَن الِاسْتِغْنَاء أَيْضا، وَعلله بِأَن البيع إِنَّمَا يكون بِثمن يرضاه البَائِع والمبتاع وَالْقيمَة تَعْدِيل من غَيرهمَا، وَقد تخرج عَن رضاهما جَمِيعًا أَو عَن رضَا أَحدهمَا الخ. وَقَوله: وَالْقيمَة تَعْدِيل الخ. وَهُوَ مَا مر عَن الْمُتَيْطِيَّة فِي قَوْله: سمي مَا يشبه أَي مَا يشبه أَن يكون قيمَة وَثمنا لَهَا عِنْد أهل الْمعرفَة، وبالقول الأول أفتى أَبُو الْفضل العقباني حَسْبَمَا فِي أَوَائِل معاوضات المعيار والمازونية قَائِلا: إِن البيع لَازم وَالْجهل بِالثّمن لَا يضران ادِّعَاء أحد الْمُتَعَاقدين أَي لِأَن القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة، وَإِنَّمَا يضر جهلهما مَعًا وَقد يكون الثّمن مَعْلُوما فِيمَا بَينهمَا وَلم يذكراه الْمَشْهُود. وَقَالَ أَبُو عبد الله الغوري حَسْبَمَا فِي نَوَازِل العلمي أَن الرَّاجِح صِحَة النِّكَاح الَّذِي لم يتَعَرَّض شُهُوده لمبلغ الصَدَاق وَيحكم فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ المشبهة إِن ادَّعَاهَا وَإِلَّا فَهُوَ نِكَاح تَفْوِيض اه. وعَلى قِيَاسه فِي البيع يُقَال يحكم بِالتَّسْمِيَةِ المشبهة إِن ادَّعَاهَا المُشْتَرِي وإلاَّ فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا أَن دفع ثمن الْمثل كَمَا تقدم. كَمَا أَنه فِي نِكَاح التَّفْوِيض لَا يصل للزَّوْجَة إِلَّا إِن فرض لَهَا الْمثل، فَتبين بِهَذَا رُجْحَان القَوْل بِصِحَّة الشَّهَادَة لاقتصار غير وَاحِد من الفحول عَلَيْهِ، وَلم يذكرُوا لَهُ مُقَابلا وبنوا وثائقهم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَول الإِمَام وَمُقَابِله انْفَرد صَاحب الِاسْتِغْنَاء باستحسانه والتجيبي بالفتوى بِهِ فِيمَا وقفت عَلَيْهِ فتعبير بَعضهم عَنهُ بالمشهور فِي عهدته وَالله أعلم. وَبِالْجُمْلَةِ فماهية البيع من عَاقد ومعقود عَلَيْهِ وَصِيغَة مَوْجُودَة ثَابِتَة وَانْتِفَاء الْجَهْل فِي قدر الثّمن شَرط خَارج عَن الْمَاهِيّة فَيجْرِي حكمه على اخْتِلَافهمَا فِيهِ على حياله. فَإِن قلت: كَانَ الْقيَاس إِذا لم يسموا الثّمن وَالصَّدَاق أَن يتحالفا ويتفاسخا مَعَ قيام السّلْعَة سَوَاء سمى البَائِع ثمنا وَخَالفهُ الْمُبْتَاع فِيهِ أَو اسْتمرّ البَائِع على إِنْكَار العقد وَمَعَ الْفَوات بِصدق مُشْتَر ادّعى الْأَشْبَه كَمَا فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين فِي قدر الثّمن. قلت: التَّحَالُف والتفاسخ لَا يَتَأَتَّى مَعَ اسْتِمْرَار البَائِع على الْإِنْكَار لِأَن الْخلاف حِينَئِذٍ لَيْسَ فِي الْقدر بل فِي أصل العقد، وَلم يسم البَائِع ثمنا مُخَالفا لما ادَّعَاهُ المُشْتَرِي حَتَّى يرجعا للِاخْتِلَاف فِي الْقدر، بل لما ثَبت البيع عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ حمل على ثمن الْمثل لِأَنَّهُ الْغَالِب فِي بياعات النَّاس وَالْحمل على الْغَالِب وَاجِب، فَإِذا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي أَو أَدَّاهُ اسْتحق الْمَبِيع وإلاَّ فَلَا. ومُنكِرٌ لِلِخِصْمِ مَا ادَّعاهُ أثْبَتَ بعْدُ أَنَّهُ قَضَاهُ (ومنكر) مُبْتَدأ سوغه تعلق (للخصم) بِهِ (مَا) أَي حَقًا مفعول بمنكر (ادَّعَاهُ) صفة أَو صلَة لما وضميره الْمُسْتَتر يعود على الْخصم والبارز على مَا كدعواه عَلَيْهِ بِعشْرَة من بيع أَو قرض مثلا فَأنْكر فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بهَا ف (أثبت) هُوَ أَي الْمُنكر (بعد) أَي بعد قِيَامهَا عَلَيْهِ أَو بعد إِقْرَاره بهَا (أَنه) أَي الْمُنكر (قَضَاهُ) إِيَّاهَا وَأَن وَمَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مصدر مفعول أثبت وَجُمْلَة أثبت صفة لمنكر.
[ ١ / ٢٢٩ ]
لَيْسَ عَلى شُهُودِه مَنْ عَمَلِ لِكَوْنِهِ كَذَّبَهُمْ فِي الأوَّلِ (لَيْسَ على شُهُوده) خبر (من عمل) اسْم لَيْسَ جر بِمن الزَّائِدَة (لكَونه) أَي الْمُنكر (كذبهمْ فِي) القَوْل (الأول) حَيْثُ أنكر وَالْجُمْلَة من لَيْسَ وَمَا بعْدهَا خبر الْمُبْتَدَأ. وَمن كذب بَينته فقد أسقطها، وَقد علمت من هَذَا التَّقْرِير أَنه ادّعى عَلَيْهِ بِشَيْء خَاص كالسلف وَالْبيع فَأنْكر هُوَ ذَلِك الْخَاص. وَقَالَ: مَا أسلفتني وَلَا بعتني، فَلَمَّا أثبت عَلَيْهِ البيع وَالسَّلَف وَقبض الْمَبِيع وَالْقَرْض أثبت هُوَ الْقَضَاء. وَقَوْلنَا: وَقبض الْمَبِيع وَالْقَرْض احْتِرَازًا مِمَّا لَو أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَة بِمُجَرَّد عقد البيع وَالسَّلَف دون الْقَبْض فَإِن ذَلِك لَا يُوجب على الْمَطْلُوب غرمًا. وَقَوْلِي فَأنْكر ذَلِك الْخَاص احْتِرَازًا مِمَّا إِذا أَتَى بِلَفْظ عَام كَقَوْلِه فِي الْمِثَال الْمَذْكُور: لَا حق لَك عليّ أَو لَيْسَ لَك عَليّ شَيْء أَو لَا وَدِيعَة لَك عِنْدِي أَو لَيست الدَّار لَك وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذَا لم يكذبهم كَمَا هُوَ مَفْهُوم من النّظم فَتقبل حِينَئِذٍ بَينته بِالْقضَاءِ لعدم استلزام إِنْكَاره حِينَئِذٍ لتكذيبها. (خَ): وَإِن أنكر مَطْلُوب الْمُعَامَلَة فَالْبَيِّنَة ثمَّ لَا تقبل بَينته بِالْقضَاءِ بِخِلَاف لَا حق لَك عَليّ أَي لِأَن قَوْله لَا حق لَك عَليّ أعلم فَيصدق بِمَا إِذا لم يسلفه أصلا أَو أسلفه فقضاه فَمن حجَّته أَن يَقُول: صدقت مَا كَانَ لَك عَليّ شَيْء فِي هَذَا الْوَقْت لِأَنِّي كنت قضيتك أَو اشْتريت الدَّار مِنْك، وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَا لَو كَانَ البَائِع للدَّار مثلا مستمرًا على الْإِقْرَار بِالْبيعِ بعد إِنْكَار المُشْتَرِي شراءها فَإِن للْمُشْتَرِي أَن يرجع عَن إِنْكَاره وَتَكون الدَّار لَهُ كَمَا لَو قَالَ لَهُ: كنت بِعْت لَك دَاري. فَقَالَ: مَا اشْتَرَيْتهَا مِنْك وَبَقِي البَائِع مستمرًا فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوع إِلَى قَوْله بِخِلَاف مَا إِذا أنكر الْهِبَة وَنَحْوهَا، فَلَمَّا ثبتَتْ عَلَيْهِ استظهر بالاسترعاء فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يقبل استرعاؤه، وَظَاهر النّظم كَغَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تقبل بَينته وَلَو كَانَ جَاهِلا لَا يفرق بَين قَوْله مَا أسلفتني وَلَا أودعتني وَبَين قَوْله مَا لَك عَليّ وَلَا عِنْدِي. وَذكر ابْن نَاجِي فِي شرح الْمُدَوَّنَة أَن الْجَاهِل يعْذر وَمثله للح عَن الرعيني. وَكَذَا نقل أَبُو الْحسن فِي كتاب اللّعان عِنْد قَوْلهَا وَإِن أَقَامَت الْمَرْأَة بَيِّنَة أَن الزَّوْج قَذفهَا وَهُوَ يُنكر حدا لَا أَن يَدعِي رُؤْيَة فيلتعن وَيقبل مِنْهُ بعد جحوده لِأَنَّهُ يَقُول كنت أُرِيد أَن أكتم اه مَا نَصه ابْن مُحرز. هَذِه الْمَسْأَلَة أصل لمن
[ ١ / ٢٣٠ ]
ادّعى عَلَيْهِ حق فجحده فَقَامَتْ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ بِهِ فَادّعى الْقَضَاء فعلى مَذْهَب الْغَيْر لَا يُمكن، وعَلى قَول ابْن الْقَاسِم يعْتَبر جحوده على أَي وَجه كَانَ فَإِن كَانَ لَهُ عذر من جَهله أَو جهل من يحكم عَلَيْهِ أَو سطوته أَو غيبَة بَينته ويخشى أَن لَا يُمْهل لقدومها أَو كَانُوا مِمَّن لَا يوثق بِعَدَالَتِهِمْ وَلَا يُؤمن من جرحتهم، فَيمكن من إِقَامَة الْبَيِّنَة كَمَا يُمكن هَذَا من اللّعان بعد إِنْكَاره اه. وَنَقله فِي الْمُتَيْطِيَّة أَيْضا مُسلما فَتبين أَن الْجَاهِل إِذا كَانَ يعْذر فَكَذَلِك يعْذر غَيره إِذا ذكر أحد هَذِه الْوُجُوه وَأثبت سطوة الْحَاكِم أَو غيبَة الْبَيِّنَة وَنَحْو ذَلِك من كَونهم لَا يوثق بِعَدَالَتِهِمْ أَو يَحْتَاجُونَ للتزكية كَمَا أَن الْجَاهِل لَا بُد أَن يثبت أَن مثله مِمَّن يجهل ذَلِك. وَالْحَاصِل أَنهم قَالُوا الْمَشْهُور الْمَعْمُول بِهِ عدم الْقبُول كَمَا لأبي الْحسن وَغَيره قَالُوا: وَإِلَّا لم يكن لتقييد الْمقَال فَائِدَة كَمَا فِي قَول النَّاظِم: ولانحصار ناشىء الْخِصَام، وَظَاهر إطلاقاتهم كالناظم و(خَ) أَنه لَا فرق بَين من لَهُ عذر وَبَين من لَا عذر لَهُ، وَلَكِن قَالُوا: يَنْبَغِي تَقْيِيده بِمن لَا عذر لَهُ كَمَا يُقيد أَيْضا بِغَيْر الْعقار وَالْقَذْف على مَا لشراح (خَ): وَلَكِن فِي الْمُتَيْطِيَّة وَأبي الْحسن وَابْن عَاتٍ أَن الْعَمَل على عدم قبُولهَا حَتَّى فِي الْعقار، وَحِينَئِذٍ فَمَا للشراح من قبُولهَا فِيهِ مُقَابل لهَذَا الْعَمَل فَلَا يعول عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ قَول ابْن الْقَاسِم كَمَا سَيَأْتِي فِي آخر بَاب الضَّمَان أَن هَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي خَالف فِيهَا أهل الأندلس ابْن الْقَاسِم وَإِن فَرضنَا مشهوريته لكَونه فِي الْمُدَوَّنَة فَإِن الْعَمَل مقدم على الْمَشْهُور وَمُخَالفَة الْعَمَل لَيست بِالْأَمر الهين كَمَا لِابْنِ سراج والشاطبي على أَن الْمَعْمُول بِهِ مَشْهُور أَيْضا وَمَا خَفِي قَول ابْن الْقَاسِم على هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَدِيعَة، وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك أَيْضا فِي حَاشِيَة اللامية وَبَاب الْوكَالَة من شرح الشَّامِل، ثمَّ إِن الْمَسْأَلَة من بَاب الْإِقْرَار الْحَاصِل بالتضمن لَا بالتصريح وَفِي أَعماله خلاف. قيل: يضر، وَقيل: لَا يضر، وَاسْتَحْسنهُ اللَّخْمِيّ قَائِلا لِأَنَّهُ يَقُول أردْت أَن أَحْلف وَلَا أتكلف الْبَيِّنَة، وَيُؤَيِّدهُ مَا مرّ من أَنه يَقُول: كنت أُرِيد أَن أكتم الخ. وأقامة السيوري من الْمُدَوَّنَة قَائِلا: الصَّوَاب أَن النَّاس أجمع معذورون وَأَن لَهُم الرُّجُوع إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة بعد التَّصْرِيح بالجحود. وَثَالِثهَا لِابْنِ الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة لَا يضر فِي الْحُدُود وَالْأُصُول ويضر فِي غَيرهَا. وَفِي (خَ) من هَذَا مسَائِل مِنْهَا مَا مرّ فِي قَوْله: وَإِن أنكر مَطْلُوب الخ. وَمِنْهَا قَوْله فِي الْعتْق: وَإِن شهد على شَرِيكه بِعِتْق نصِيبه فنصيب الشَّاهِد حر الخ. وَقَوله فِي الِاسْتِلْحَاق: وَإِن اشْترى مستلحقه وَالْملك لغيره عتق كشاهد ردَّتْ شَهَادَته. وَقَوله فِي الطَّلَاق: وَإِن قَالَ سائبة مني حلف على نَفْيه فَإِن نكل نوى فِي عدده، وَقَوله فِي التَّخْيِير: وَقبل إِرَادَة الْوَاحِدَة بعد قَوْله لم أرد طَلَاقا الخ، وَقَوله فِي الْوَدِيعَة: ويجحدها ثمَّ فِي قبُول الْبَيِّنَة الرَّد خلاف الخ، وَمعنى التضمن الْمَذْكُور أَن بَيِّنَة الْقَضَاء وَالشِّرَاء مثلا تضمنتا وجود الْمُعَامَلَة وَالْملك اللَّذين أنكرهما الْمَطْلُوب فإنكاره تَكْذِيب، لَكِن لَا بالصراحة إِذْ لم يقل إِنَّهَا كَاذِبَة وَلَيْسَ من التَّكْذِيب من ادّعى على أخوته أَن لَهُ حَقًا فِي دَار بِالْإِرْثِ من أَبِيهِم، فأنكروا أَن يكون صَار إِلَيْهِم من أَبِيهِم شَيْء مِنْهَا فَأثْبت أَنَّهَا موروثة عَن الْأَب لِأَن الطَّالِب أَتَى بِبَيِّنَة شهِدت
[ ١ / ٢٣١ ]
باشتراكهم قَالَه فِي الوثائق الْمَجْمُوعَة، وَقد تقدم أَن الطَّالِب إِذا كَانَ مستمرًا على الْإِقْرَار فللمنكر الرُّجُوع إِلَى قَوْله وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضا مَا إِذا قَالَ: دفعت مَا عَليّ من السّلف مثلا لرَبه، فَلَمَّا كلف بِالْبَيَانِ أثبت أَنه دَفعه لزوجته لِأَن النَّاس يرَوْنَ أَن مَال الزَّوْجَة مَال لزَوجهَا قَالَه فِي المعيار. وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضا إِنْكَار الزَّوْج بعد موت زَوجته إِيرَاد الجهاز لبيتها فَقَامَتْ الْبَيِّنَة بإيراد أَشْيَاء كَمَا لَا يخفى وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْيَمين أَنه مَا غَابَ على شَيْء إِذْ لَو أقرّ بالإيراد الْمَذْكُور لم يلْزمه غير ذَلِك قَالَه فِي المعيار، وَظَاهر النّظم أَنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين إِنْكَار الْوَكِيل وَغَيره. وَانْظُر عِنْد قَوْله فِي الْوكَالَة. والنقض للإقرار وَالْإِنْكَار الخ. وَمَفْهُوم قَوْله: للخصم أَنه إِذا أنكر لغير الْخصم كَمَا لَو سَأَلَهُ رجل بِمحضر شَاهِدين عَن شِرَائِهِ أَو سلفه من فلَان مثلا فَقَالَ: مَا اشْتريت وَلَا تسلفت مِنْهُ شَيْئا، فَلَمَّا سمع ذَلِك البَائِع أَو الْمقْرض قَامَ وَأثبت أَن الدَّار لَهُ وأصل السّلف، فَإِن بَيِّنَة الْمُنكر تقبل بِالشِّرَاءِ وَالْقَضَاء لِأَن الْإِنْكَار إِنَّمَا يعْتَبر وَقت الْخِصَام وَتَقْيِيد الْمقَال لِأَنَّهُ مَوضِع التَّحَرُّز فَلَا يَنْفَعهُ فِيهِ دَعْوَى الْغَلَط وَالنِّسْيَان بِخِلَاف غَيره. قَالَ فِي المعيار عَن سَيِّدي مِصْبَاح: وَيدل لَهُ مَا مر من قَوْلهم: وَإِلَّا لم يكن لتقييد الْمقَال فَائِدَة فَقَوْلهم ذَلِك يدل عَن أَن الْإِنْكَار الْمُعْتَبر هُوَ الْوَاقِع وَقت الْخِصَام وَهُوَ ظَاهر. تَنْبِيه: إِذا قُلْنَا هُوَ مكذب بإنكاره الْمَذْكُور فَلَا يبطل حَقه إِلَّا فِيمَا كذبهمْ فِيهِ فَقَط لَا فِي غَيره مِمَّا شهدُوا بِهِ لَهُ أَو عَلَيْهِ لِأَن تَكْذِيبه من بَاب الْإِسْقَاط لَا من بَاب التجريح إِذْ لَا يجرح الشَّاهِد بِالْكَذِبِ حَتَّى يكون مجربًا فِيهِ، وَأَيْضًا لَو قَالَ كذبتهم فِي ذَلِك الْيَوْم لجرحة لم تكن فيهم وَقت الشَّهَادَة السالفة لصَحَّ ذَلِك وَلم يكن تنَاقض فِي قَوْله قَالَه فِي المعيار عَن أبي الْحسن وسيدي مِصْبَاح. وَفِي ذَوِي عَدْلٍ يُعَارِضانِ مُبَرِّزًا أتَى لَهُمْ قَوْلانِ (وَفِي ذَوي عدل) صفة لمَحْذُوف يتَعَلَّق بقوله أَتَى (يعارضان) صفة بعد صفة (مبرزًا) مفعول بِمَا قبله (أَتَى لَهُم) يتَعَلَّق بالفاعل وَهُوَ (قَولَانِ) وَالضَّمِير الْمَجْرُور لأَصْحَاب مَالك أَي أَتَى قَولَانِ لَهُم فِي شَاهِدين ذَوي عدل يعارضان شَاهدا وَاحِدًا مبرزًا. وبالشَّهيدَيْنِ مُطَرِّفٌ قَضَى ﷺ
١٦٤٨ - ; والحَلْفَ والأعْدَلَ أصْبَغُ ارتَضى ﷺ
١٦٤٨ - ; (وبالشهيدين) لَو فَرعه بِالْفَاءِ لَكَانَ أظهر (مطرف) مُبْتَدأ (قضى) خَبره وبالشهيدين يتَعَلَّق بِهِ أَي قدم مطرف الشهيدين على المبرز. ابْن رشد: وَهُوَ أظهر إِذْ من أهل الْعلم من لَا يرى الشَّاهِد وَالْيَمِين وَكَذَا يقدم الشَّاهِدَانِ من جَانب على الشَّاهِد الْغَيْر المبرز مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ من الْجَانِب الآخر، فَإِن كَانَ مَعَهُمَا مبرز قدم عَلَيْهِمَا (خَ) وَرجح بِشَاهِدين على شَاهد وَيَمِين أَو امْرَأتَيْنِ. (وَالْحلف) بِسُكُون اللَّام مفعول مقدم بقوله: ارتضى (والأعدل) مَعْطُوف عَلَيْهِ (أصبغ) مُبْتَدأ
[ ١ / ٢٣٢ ]
(ارتضى) خَبره أَي ارتضى تَقْدِيم الأعدل مَعَ الْيَمين على الشَّاهِدين. ابْن رشد: وَهُوَ إغراق فِي الْقيَاس وَرُبمَا يفهم مِمَّا فِي كتاب. ابْن الْمَوَّاز: تَرْجِيح مَا لأصبغ لِأَنَّهُ قَالَ: إِن أَقَامَ أَحدهمَا شَاهدا وَأقَام الآخر أَرْبَعَة فَإِن كَانَ الْوَاحِد أعدل قضيت بِهِ مَعَ الْيَمين قَالَه أَشهب، وَتَابعه عَلَيْهِ أَصْحَاب مَالك، وَقَالَهُ أصبغ أَيْضا نَقله ابْن رحال وَبِه قرر كَلَام (خَ) فِي شَرحه وَفهم من قَوْله مبرزًا أَنَّهُمَا يقدمان على غَيره اتِّفَاقًا وَأَن الأعدل من الْبَيِّنَتَيْنِ مقدم على غَيره وَلَو أَكثر عددا (خَ) وبمزيد عَدَالَة لَا عدد وَظَاهر هَذَا أَنه يقْضِي بالأعدلية وَإِن كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ تَحت يَد الآخر، وَأَن الأعدلية تراعى وَإِن لم تبلغ حد التبريز وَأَنَّهَا تعْتَبر وَلَو كَانَت فِي أحد الشَّاهِدين فَقَط وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع، وَإِذا قُلْنَا بالترجيح بِزِيَادَة الْعَدَالَة فَإِن ذَلِك مَعَ الْيَمين فِي المَال وَمَا يؤول إِلَيْهِ لَا فِي غَيره كَالنِّكَاحِ وَالْعِتْق لِأَن زِيَادَة الْعَدَالَة كشاهد وَاحِد على الْمَشْهُور وَمحل عدم التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْعدَد إِذا لم يكثروا بِحَيْثُ يقطع بصدقهم وإلاَّ وَجب التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْعدَد، وَلَو كن نسَاء كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: وَامْرَأَتَانِ قامتا مقَامه وَلَو كَانَت الْأُخْرَى أعدل لِأَن غَايَة مَا تفيده زِيَادَة الْعَدَالَة غَلَبَة الظَّن بِخِلَاف الْكَثْرَة فتفيد الْعلم. وَقَوله فِي الْمُدَوَّنَة: وَامْرَأَتَانِ وَمِائَة امْرَأَة سَوَاء مَحْمُول على الْمُبَالغَة كَمَا للخمي وَغَيره. انْظُر طفي أول الشَّهَادَات، ثمَّ إِنَّمَا يُصَار للترجيح بالأعدلية فِي شَهَادَة الاسترعاء كَمَا أَن التَّرْجِيح بالتاريخ مُعَلّق بِشَهَادَة الأَصْل قَالَه الشَّارِح أول الْبَاب وَتقدم ذَلِك عِنْد قَوْله: وَحل عقد شهر التَّأْجِيل الخ. وَتَأمل قَوْله: إِن التَّرْجِيح بالتاريخ مُعَلّق بِشَهَادَة الأَصْل فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنه إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا أَن هَذِه الأَرْض مثلا ملكه وَشهِدت الْأُخْرَى أَنَّهَا ملك لفُلَان وأرخت إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى أَو أرختا وَلَكِن إِحْدَاهمَا أقدم تَارِيخا أَنه لَا يرجح بالتاريخ هَهُنَا لكَونهَا شَهَادَة استرعاء وَلَيْسَ كَذَلِك بل يرجح بِهِ كَمَا قَالَ. وَقِدَمُ التّارِيخَ تَرْجِيحٌ قُبِلْ لَا مَعْ يدٍ والعَكْسُ عَنْ بَعْضٍ نُقِلْ (وَقدم التَّارِيخ) مُبْتَدأ (تَرْجِيح) خَبره (قبل) صفة لَهُ فَإِذا شهِدت بَيِّنَة أَنه يملك هَذِه الْأمة مُنْذُ عَام وَشهِدت الْأُخْرَى لآخر أَنه يملكهَا مُنْذُ عَاميْنِ قضى بِذَات العامين وَلَو كَانَت الْأُخْرَى أعدل. ابْن عبد السَّلَام: لِأَنَّهُمَا تساقطتا فِيمَا تَعَارَضَتَا فِيهِ وَهُوَ الْعَام وَبَقِي اسْتِصْحَاب الْحَال لذات الأقدم خَالِيا عَن الْمعَارض اه. وَسَوَاء كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ بيدهما أَو بيد أَحدهمَا أَو لَا يَد عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَة قَالَ فِيهَا: إِلَّا أَن يحوزها الْأَقْرَب تَارِيخا بِالْوَطْءِ والخدمة والادعاء لَهَا بِحَضْرَة الآخر فَهَذَا يقطع دَعْوَاهُ اه. وَإِنَّمَا كَانَ قَاطعا لدعواه لِأَن ذَلِك من بَاب الْحِيَازَة القاطعة لحجة الْقَائِم كَمَا يَأْتِي فِي مَحَله إِن شَاءَ الله. (لَا مَعَ يَد) بالْعَطْف على مَحْذُوف أَي قبل حَال كَونه كَائِنا
[ ١ / ٢٣٣ ]
مَعَ عدم الْيَد لَا مَعَ الْيَد أَي يرجح بقدم التَّارِيخ مَا لم يكن الْمُتَنَازع فِيهِ بيد الآخر خلاف النَّقْل وَلَا حجَّة لَهُ فِي قَول الْمُدَوَّنَة إِلَّا أَن يحوزها الْأَقْرَب الخ. لِأَنَّهُ من بَاب الْحِيَازَة كَمَا مرّ، وَلَا فِي قَوْلهم إِن الْيَد من المرجحات لِأَن التَّرْجِيح بهَا إِنَّمَا يعْتَبر إِن لم يُوجد مُرَجّح أصلا كَمَا قَالَ (خَ): وبيد ان لم ترجح بَيِّنَة تقابله الخ على أَن عدهَا من المرجحات تجوز لِأَن الْبَيِّنَتَيْنِ لما تعادلتا سقطتا وَبَقِي الشَّيْء بيد حائزه، وَمحل التَّرْجِيح بقدم التَّارِيخ مَعَ أعدلية إِحْدَاهمَا مَا لم تكن الْأَخِيرَة شهِدت بِالْولادَةِ كَمَا لَو شهِدت إِحْدَاهمَا أَنه يملكهُ مُنْذُ ثَلَاث سِنِين وَشهِدت الْأُخْرَى أَنَّهَا ولدت عِنْده مُنْذُ سنتَيْن فَإِنَّهَا تهاتر وَيَقْضِي بالأعدلية هَهُنَا قَالَه ابْن يُونُس، ويقيد بِمَا إِذا لم يقطع بِكَوْن سنّ الْمُتَنَازع فِيهِ من ثَلَاث سِنِين فَقَط أَو من سنتَيْن فَقَط وإلاَّ قضى بِذَات السن للْقطع بكذب الْأُخْرَى وَلَا مَفْهُوم لقَوْله: وَقدم التَّارِيخ بل كَذَلِك إِذا لم يكن هُنَاكَ أقدم بِأَن أرخت إِحْدَاهمَا وَلم تؤرخ الْأُخْرَى أصلا أَو أرخت إِحْدَاهمَا بالشهر وَالْأُخْرَى بِالْيَوْمِ الثَّالِث مِنْهُ أَو الْعَاشِر مثلا، فَإِن ذَات التَّارِيخ فِي الأولى أَو ذَات الْأَخَص فِي الثَّانِيَة تقدم. (وَالْعَكْس) مُبْتَدأ وَهُوَ تَقْدِيم ذَات التَّارِيخ الْأَقْرَب وَلَو كَانَ الشَّيْء بيد الآخر (عَن بعض) يتَعَلَّق بالْخبر الَّذِي هُوَ جملَة (نقل) قيل وَهَذَا نقل غَرِيب لم يُوقف عَلَيْهِ، وَلَيْسَ من المرجحات الْملك على الْحَوْز وَلَا النَّقْل على الِاسْتِصْحَاب لِأَن الْحَوْز أَعم من الْملك إِذْ يكون عَن ملك وَعَن غَيره، والأعم لَا يُعَارض الْأَخَص، وَلذَا لَو شهدُوا لرجل بِملك شَيْء وشهدوا لمن هُوَ بِيَدِهِ بالحوز لِأَن شَهَادَتهمَا عاملة لِأَنَّهُمَا شَهدا بعلمهما فِي الْأَمريْنِ وحيازة الْحَائِز يحْتَمل أَن تكون بإرفاق أَو تَوْكِيل وَلَا يلْزمهُم الْكَشْف عَن ذَلِك فَلَا تنَاقض فِي شَهَادَتهمَا قَالَه ابْن عتاب. وَكَذَا بَيِّنَة الِاسْتِصْحَاب لَا تعَارض الناقلة لِأَن المستصحبة شهِدت بِنَفْي الْعلم بِالْخرُوجِ عَن ملكه، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عدم الْخُرُوج فَلم يحصل تعَارض فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى يُصَار للترجيح فَيعْمل بِبَيِّنَة الْملك وَالنَّقْل لعدم مُعَارضَة الْأُخْرَى لَهَا. وَلذَا لم يذكرهَا النَّاظِم من المرجحات. نعم بَقِي عَلَيْهِ التَّرْجِيح بِسَبَب الْملك على عَدمه وبالإثبات على النَّفْي وبالإصالة على الفرعية فَالْأول كَشَهَادَة إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ ملك لزيد وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ ملك لعَمْرو ونسجه أَو نتج عِنْده أَو نسخ الْكتاب بِيَدِهِ أَو اصطاد مَا يصطاد سَوَاء قَالُوا لنَفسِهِ أم لَا. فَتقدم ذَات السَّبَب (خَ): والأرجح بِسَبَب مَالك كنسج ونتاج لَا يملك من المقاسم، وَالثَّانيَِة المثبتة للْحكم كَشَهَادَة إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ خطه أَو كُفْء لَهَا أَو هِيَ بَالِغَة أَو بِأَنَّهُ بَاعَ أَو طلق فِي وَقت كَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى أَنه غير خطه أَو غير كُفْء أَو تزوجت قبل الْبلُوغ أَو لم يتَلَفَّظ بِالطَّلَاق أَو بِالْبيعِ فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن المثبتة لِلْخَطِّ والكفاءة وَغَيرهمَا أولى لِأَنَّهَا أَثْبَتَت حكما وأوجبته
[ ١ / ٢٣٤ ]
أَي أوجبت حَقًا لم يكن وأثبتته وَهُوَ مَا ذكر من الْخط الْمُوجب لثُبُوت الْحق وَغير ذَلِك. وَذَلِكَ رَاجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى تَقْدِيم الناقلة على المستصحبة كَمَا بَيناهُ فِي حَاشِيَة اللامية وكشهادة إِحْدَاهمَا أَنه قتل زيد عمرا يَوْم كَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى أَنه كَانَ ذَلِك الْيَوْم بِبَلَد بعيد لِأَن شَهَادَة الْقَتْل أوجبت حكما وأثبتته وَهُوَ الْقصاص. ابْن رشد: هَذَا مَشْهُور الْمَذْهَب، وَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: يقْضِي بِبَيِّنَة الْبَرَاءَة إِن كَانَت أعدل وَإِن استويتا فِي الْعَدَالَة سقطتا. ابْن عبد الْبر، وَقَول إِسْمَاعِيل عِنْدِي صَحِيح إِذْ لَا يَنْبَغِي أَن يقدم على الدَّم إِلَّا بِيَقِين دون الشَّك اه. ابْن رحال: وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدِي وَغَيره لَا نطيق القَوْل بِهِ لِأَن هَذَا تعَارض حَقِيقِيّ بِالضَّرُورَةِ فَلَو شهِدت إِحْدَاهمَا بِالْقَتْلِ فِي وَقت كَذَا، وَالْأُخْرَى بِالزِّنَا أَو السّرقَة فِي ذَلِك الْوَقْت أَو إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ تلفظ بِالطَّلَاق وَقت كَذَا وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ تلفظ بِالْعِتْقِ فَقَط فِي ذَلِك الْوَقْت سقطتا لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا أوجبت حكما وَلَا ينظر للأعدلية لِأَنَّهَا إِنَّمَا ينظر إِلَيْهَا فِيمَا يثبت بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين، وَلذَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا أَنه أسلفه مائَة بِمَجْلِس كَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى أَنه مَا أسلفه إِلَّا عشرَة فِي ذَلِك الْمجْلس، فَإِن ذَات الزِّيَادَة أعمل قَالَه ابْن الْقَاسِم وَله أَيْضا أَنَّهُمَا يتساقطان إِن لم تكن إِحْدَاهمَا أعدل، ابْن رشد: وَهُوَ الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس فَقَوله: وَهُوَ الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس رُبمَا يشْهد لما قَالَه القَاضِي إِسْمَاعِيل. انْظُر شرح الشَّامِل والحطاب على أَنه قد قَالَ (ز) عِنْد قَول (خَ) فِي اللّعان أَو ادَّعَتْهُ مغربية على مشرقي مَا نَصه: مَحل تَقْدِيم بَيِّنَة الْقَتْل مَا لم يكثر الشاهدون أَنه كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مَكَان آخر بِحَيْثُ يُفِيد خبرهم الْعلم الضَّرُورِيّ فَيعْمل بِشَهَادَتِهِم اه. وكشهادة إِحْدَاهمَا بالتجريح وَالْأُخْرَى بالتعديل وَتقدم عِنْد قَول النَّاظِم: وثابت الْجرْح مقدم على الخ. أَن مَحل هَذَا إِذا لم تقطع كل مِنْهُمَا بكذب الْأُخْرَى وَكَذَا لَو شهِدت إِحْدَاهمَا بِالْإِكْرَاهِ وَالْأُخْرَى بالطواعية فَبَيِّنَة الْإِكْرَاه أعمل. وَهَذَا والمثال الَّذِي قبله يدلان على أَن الْقَاعِدَة أغلبية وَإِلَّا لقدمت بينتا التَّعْدِيل والطواعية لِأَنَّهُمَا أثبتا حَقًا لم يكن مَعَ أَنهم قَالُوا: يتساقطان فِي التَّعْدِيل حَيْثُ اتَّحد الْوَقْت وَتقدم بَيِّنَة الْإِكْرَاه فَتَأَمّله مَعَ إِطْلَاق الزقاق فِي منهجه حَيْثُ قَالَ: ومثبت أولى من الَّذِي نفى فِي الْجرْح وَالْقَتْل بُلُوغ عرفا وَلَكِن فِي (ز) أَن بَيِّنَة الْإِكْرَاه إِنَّمَا قدمت لِأَنَّهَا ناقلة عَن الأَصْل لِأَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّاس الطواعية فَمن شهد بِهِ فقد شهد بِالْأَصْلِ وَالشَّهَادَة بِالْإِكْرَاهِ ناقلة عَنهُ قَالَ؛ وَكَذَا، كل ضَرَر لِأَن من أثبت قد زَاد علما الخ. وَلَيْسَ من تعَارض النَّفْي وَالْإِثْبَات مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بِأَن فلَانا أقرّ لفُلَان بمحضرنا بِكَذَا وَشهِدت الْأُخْرَى بِأَنَّهُ مَا أقرّ بِشَيْء حَتَّى مَاتَ لِأَنَّهُمَا لم يتواردا على وَقت وَاحِد فَإِن تواردا عَلَيْهِ كَيَوْم مَوته جرى على مَا مرّ وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضا مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بمعاينة حوز الصَّدَقَة وَنَحْوهَا قبل الْمَوْت، وَشهِدت الْأُخْرَى بِرُؤْيَة الْمُتَصَدّق يَخْدمه إِلَى مرض الْمَوْت فَإِن بَيِّنَة عدم الْحَوْز تقدم إِذا لم تتعرض الْأُخْرَى لاستمراره قَالَه الْقَرَافِيّ فِي الْفرق ٢٢٨. وَبِالْجُمْلَةِ، إِذا رَجَعَ الْمُتَصَدّق وَنَحْوه قبل السّنة لصدقته أَو شكّ فِي تَارِيخ رُجُوعه فَبَيِّنَة عدم الْحَوْز أعدل كَمَا للوانشريسي، وَنَقله أَبُو عبد الله عبد الْقَادِر الفاسي فِي جَوَاب لَهُ وَنَحْوه لأبي الضياء مِصْبَاح فِي معاوضات المعيار، وَإِن رَجَعَ إِلَيْهَا بعد أَن حيزت عَنهُ سنة فَلَا بطلَان وَإِن تعاوضا فِي السّنة فَبَيِّنَة الْحِيَازَة أعمل على مَا لِابْنِ مَالك وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة كَمَا فِي ابْن سهل لِأَنَّهَا أوجبت حكما وَهُوَ صِحَة الْهِبَة. وَقيل: ينظر للأعدل وَهُوَ الْمُوَافق لما مرّ عَن ابْن
[ ١ / ٢٣٥ ]
رشد. وَقيل: إِن كَانَت الصَّدَقَة بيد الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ وَقت الدَّعْوَى قدمت بَيِّنَة الْحِيَازَة وإلاَّ فَلَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق القَوْل بِتَقْدِيم الْإِثْبَات على النَّفْي فِي جَمِيع الصُّور بل يخْتَلف فِي ذَلِك باخْتلَاف الجزئيات كَمَا مرّ، وَمهما أطلقت إِحْدَاهمَا وقيدت الْأُخْرَى بِوَقْت معِين فَلَا تعَارض، وَمهما قيدتا بِوَقْت وَاحِد جَاءَ الْخلاف وَوَجهه فِي الْحِيَازَة إِن كلاًّ مِنْهُمَا شهِدت بانفراد شخص معِين بِالتَّصَرُّفِ فِي وَقت معِين، وَكَذَا فِي الْقَتْل لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا أَثْبَتَت أَنه كَانَ بِبَلَد كَذَا وَقت كَذَا مشتغلًا فِيهِ بِالصَّلَاةِ مثلا وَالْأُخْرَى بالشرب أَو بِالْقَتْلِ أَو بِالزِّنَا أَو بِالسَّرقَةِ. وَكَذَا فِي التجريح لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا شهِدت بِأَنَّهُ بَات لَيْلَة كَذَا معتكفًا على شرب الْخمر، وَالْأُخْرَى على الطّواف أَو الصَّلَاة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة. وَفِي الْوَصِيَّة شهِدت إِحْدَاهمَا باختلاط عقله وَالْأُخْرَى بِصِحَّتِهِ، وَلَيْسَ المُرَاد بالنافية الَّتِي لفظت بِحرف النَّفْي فِي شهادتها لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَنَّهَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا باختلاط الْعقل وَالْأُخْرَى أَنه لم يكن مختلط الْعقل قدمت بَيِّنَة الِاخْتِلَاط وَذَلِكَ خلاف الْوَاقِع، وَأما الثَّالِث وَهُوَ التَّرْجِيح بالإصالة فَمِنْهَا بينتا الصِّحَّة وَالْفساد فَبَيِّنَة الصِّحَّة أعمل لِأَنَّهَا الأَصْل مَا لم يغلب الْفساد وإلاَّ فَتقدم بَينته، وَقد يُقَال: إنَّهُمَا فِي مثل هَذَا لما تَعَارَضَتَا سقطتا وَبَقِي القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة، وَهَهُنَا بينتا التسفيه والترشيد فَبَيِّنَة السَّفه أعمل خلافًا لما فِي ابْن سَلمُون، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لإطلاقه من الْحجر، وَأما بِالنِّسْبَةِ للْمَبِيع وَنَحْوه من الْمُعَامَلَات فَتقدم بَيِّنَة الترشيد لِأَنَّهَا أوجبت صِحَة العقد كَمَا يَأْتِي فِي اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين وَمِنْهَا بينتا التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح فَبَيِّنَة التجريح أعمل مَا لم يتعارضا فِي وَقت خَاص كَمَا مر وَمِنْهَا بينتا الرّقية وَالْحريَّة فالحرية أعمل لِأَنَّهَا الأَصْل، وَمِنْهَا بينتا الْبلُوغ والكفاءة فبينتهما أعمل لِأَنَّهُمَا يوجبان صِحَة العقد الَّذِي هُوَ الأَصْل، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار صَحَّ عدهما من هَذَا الْقسم وَإِلَّا فهما من الْقسم الَّذِي قبله كَمَا مرّ وَإِنَّمَا أدخلناهما فِي هَذَا تبعا للْغَيْر وَمِنْهَا بينتا الصِّحَّة وَالْمَرَض فَبَيِّنَة الصِّحَّة أعمل كَمَا فِي أنكحة المعيار عَن اليزناسي لِأَنَّهَا الأَصْل وَمحل ذَلِك إِن قَالَت بَيِّنَة الْمَرَض لم يزل مَرِيضا فِي علمنَا فِي هَذَا الشَّهْر أَو فِي هَذَا الْيَوْم وَقَالَت: بَيِّنَة الصِّحَّة لم يزل صَحِيحا كَذَلِك وَلم يعلم تقدم إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، وَأما إِن علم تقدم الصِّحَّة كَمَا لَو قَالَت: بَيِّنَة نعلمهُ صَحِيحا فِي أول رَمَضَان وَلم يزل كَذَلِك فِي علمنَا وَشهِدت الْأُخْرَى بِأَنَّهُ مرض فِي الْعَاشِر مِنْهُ فَتقدم بَيِّنَة الْمَرَض لِأَنَّهَا ناقلة، وَلَا سِيمَا إِن عينت سَبَب الْمَرَض مَا هُوَ لِأَن الْمَرَض وجود دَاء فِي الْإِنْسَان وَالصِّحَّة انتفاؤه وَإِن تقدم الْمَرَض على الصِّحَّة قدمت بَيِّنَة الصِّحَّة إِذا شهِدت بِصِحَّة تنَافِي ذَلِك الْمَرَض بِحَيْثُ لَا يجْتَمع مَعهَا كشهادتهم بتصرفه تصرف الأصحاء بِحمْل الأثقال وَنَحْوهَا لِأَن بَيِّنَة الصِّحَّة ناقلة حِينَئِذٍ قَالَه ابْن رحال فِي شَرحه. وَمِنْهَا بينتا الْعَدَم والملاء فَتقدم بَيِّنَة الملاء بيّنت أم لَا. على مَا بِهِ الْعَمَل، وَمِنْهَا بَيِّنَة الْمعرفَة والتعريف فَتقدم بَيِّنَة الْمعرفَة، وَمِنْهَا بينتا صِحَة الْعقل واختلاطه فِي الْوَصِيَّة فَتقدم بَيِّنَة الصِّحَّة لِأَنَّهَا أوجبت صِحَة العقد الَّتِي هِيَ الأَصْل وَإِنَّمَا أدخلنا مَسْأَلَة الْوَصِيَّة فِي الْقسم الَّذِي قبله نظرا للنَّفْي وَالْإِثْبَات وتبعًا للْغَيْر. وَفِي أقضية الْبُرْزُليّ أَنه ينظر فِي شَهَادَة الَّذين شهدُوا بذهوله فَإِن قَالُوا هم أَو غَيرهم مِمَّن يقبل أَنه كَانَ بِهِ الذهول فِي الْوَقْت الَّذِي شهد عَلَيْهِ الْأَولونَ فِي صِحَة عقله فَهِيَ أعمل لِأَن الذهول يخفى على قوم وَيظْهر لآخرين فَمن قطع بِعِلْمِهِ فَهُوَ أَحَق بِالْقبُولِ، وَإِذا لم يشْهدُوا على ذُهُوله فِي ذَلِك الْوَقْت فشهادة الصِّحَّة أعمل لأَنهم قطعُوا بعقله اه. فَانْظُرْهُ. وَمِنْهَا بينتا الطوع وَالْإِكْرَاه فَبَيِّنَة الْإِكْرَاه أعمل وَكَذَا كل ضَرَر وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة
[ ١ / ٢٣٦ ]
من الْقسم الَّذِي قبله إِذْ لَو روعيت الْأَصَالَة هُنَا لقدمت الطواعية. وَظَاهر كَلَامهم تَقْدِيم بَيِّنَة الْإِكْرَاه، وَلَو أدّى ذَلِك لفسخ الْعُقُود والمعاملات إِذْ لَا ثَمَرَة لَهَا إِلَّا ذَاك وَهُوَ كَذَلِك كَمَا فِي اسْتِحْقَاق المعيار، وَانْظُر الورقة السَّابِعَة وَالْعِشْرين من بُيُوع الْبُرْزُليّ فَفِيهَا مسَائِل تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ. وإنَّما يكونُ ذَاك عِنْدَما لَا يُمكنُ الجَمْعُ لنا بَيْنَهُمَا (وَإِنَّمَا يكون ذَاك) اسْم يكون وَالْإِشَارَة للتعارض الْمُوجب للترجيح (عِنْد) يتَعَلَّق بيكون إِن كَانَت تَامَّة أَو بخبرها إِن كَانَت نَاقِصَة (مَا) مَصْدَرِيَّة (لَا يُمكن الْجمع) صلتها وَهِي مَعَ صلتها فِي تَأْوِيل مصدر أَي عِنْد عدم إِمْكَان الْجمع (لنا) يتَعَلَّق بيمكن (بَينهمَا) يتَعَلَّق بِالْجمعِ (خَ): وَإِن أمكن جمع بَين الْبَيِّنَتَيْنِ جمع، ومثاله أَن يَدعِي أَنه أسلم هَذَا الثَّوْب فِي مائَة إِرْدَب حِنْطَة. وَقَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ: بل هذَيْن الثَّوْبَيْنِ لثوب سواهُ فِي مائَة إِرْدَب حِنْطَة وَأقَام كل الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ كَانَت الثَّلَاثَة أَثوَاب فِي الْمِائَتَيْنِ ويحملان على أَنَّهُمَا سلمَان لِأَن كل بَيِّنَة شهِدت بِغَيْر مَا شهِدت بِهِ بَيِّنَة الآخر، وَهَذَا إِذا كَانَ ذَلِك فِي مجلسين وإلاَّ فَهُوَ تهاتر فيصار فِيهِ للترجيح على رِوَايَة المصريين كَمَا مرّ فِيمَا إِذا تَعَارَضَتَا بِالطَّلَاق وَالْعِتْق فِي مجْلِس وَاحِد، وَكَذَا إِن شهِدت إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ طلق الصُّغْرَى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ طلق الْكُبْرَى أَو شهِدت إِحْدَاهمَا بِأَنَّهُ زنى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ سرق فَإِنَّهُ يلْزمه الطَّلَاق فيهمَا، وَيقطع وَيحد حَيْثُ كَانَتَا فِي زمنين وَإِلَّا فَهُوَ تهاتر لَا يُمكن فِيهِ الْجمع. وَمن إِمْكَانه مَا إِذا شهِدت إِحْدَاهمَا بمعاينة حوز الْهِبَة دون استمراره وَشهِدت الْأُخْرَى باستمرارها بيد الْوَاهِب كَمَا مرّ، وَذَلِكَ لِأَن المعاينة تحصل بِالْوُقُوفِ على الْأَمْلَاك والتطوف عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِجَامِع استمرارها بيد الْوَاهِب. والشَّيْءُ يَدَّعِيهِ شَخْصانِ مَعا وَلَا يدٌ وَلَا شَهيدٌ يُدَّعى ﷺ
١٦٤٨ - ; (وَالشَّيْء) أصلا كَانَ أَو حَيَوَانا أَو غَيرهمَا (ويدعيه شخصان) مثلا (مَعًا) أَي ادّعى كل مِنْهُمَا جَمِيعه أَو ادّعى أَحدهمَا الْكل وَالْآخر النّصْف أَو الثُّلُث مثلا، أَو كَانُوا أَكثر من شَخْصَيْنِ فَادّعى أحدهم الْكل وَالْآخر النّصْف وَالْآخر الثُّلُث (وَلَا يَد) لوَاحِد مِنْهُمَا أَو مِنْهُم (وَلَا شَهِيد) لوَاحِد (يدعى) فِيهِ. يُقْسَمُ مَا بَيْنَهُمَا بعد القَسَم وَذَاكَ حُكْم فِي التَّساوي مُلْتَزَم (يقسم) خبر عَن قَوْله وَالشَّيْء ويدعيه ومعًا وَلَا يَد وَلَا شَهِيد أَحْوَال مِنْهُ (مَا) زَائِدَة
[ ١ / ٢٣٧ ]
(بَينهمَا) يتَعَلَّق بالْخبر وَكَذَا (بعد الْقسم) أَي يقسم بَينهمَا بعد حلفهما وَيَقْضِي للْحَالِف على الناكل، وَمَفْهُوم قَوْله: وَلَا يَد أَنه إِذا كَانَ بيد أَحدهمَا فَقَط أَنه لَا يقسم بل القَوْل الَّذِي الْيَد كَمَا يدل لَهُ قَوْله: وَالْقَوْل قَول ذِي يَد مُنْفَرد الخ. وَأفهم قَوْله يَدعِيهِ أَن كلاًّ مِنْهُمَا يَدعِيهِ أَو جُزْءا مَعْلُوما مِنْهُ فَإِن ادّعى كل مِنْهُمَا حظًا مِنْهُ لَا يدْرِي قدره قسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا مقرّ بِالشّركَةِ وَالْأَصْل فِيهَا المناصفة، وَسَوَاء فِي هَذِه كَانَ بيد أَحدهمَا أَو أَيْدِيهِمَا أَو لَا يَد عَلَيْهِ، وَأطلق النَّاظِم فِي الْقسم فِي هَذِه وَبَينه (خَ) بقوله وَقسم على الدَّعْوَى إِن لم يكن بيد أَحدهمَا كالعول فِي فَرِيضَة زَادَت سهامها على أَصْلهَا فَفِي الصُّورَة الأولى يقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَفِي الثَّانِيَة على الثُّلُث والثلثين وَكَيْفِيَّة الْعَمَل فِيهِ أَن يُزَاد على الْكل النّصْف ونسبته إِلَى الْكل حِين الزِّيَادَة الثُّلُث فلمدعي الْكل الثُّلُثَانِ، ولمدعي النّصْف الثُّلُث، وَفِي الثَّالِثَة الْمَسْأَلَة من سِتَّة لِأَنَّهَا أقل عدد يَشْمَل تِلْكَ المخارج وتعول بِنِصْفِهَا، وثلثها، فالمجموع أحد عشر فلمدعي الْكل سِتَّة وَلِذِي النّصْف ثَلَاثَة وَلِذِي الثُّلُث اثْنَان وَهَكَذَا. وَمن هَذَا الأَصْل رجل أخرج مطمرًا من فدان آخر زعم أَن أَبَاهُ طمر فِيهِ خَمْسَة عشر قَفِيزا وَأقَام وَرَثَة أخر بَيِّنَة شهِدت أَن وليهم طمر فِي هَذَا الفدان لَا يَدْرُونَ أَهِي هَذِه المطمر أم غَيرهَا، وَوجد فِي المطمر أَكثر من خَمْسَة عشر قَفِيزا فَالْحكم أَن رب الأَرْض: إِن لم يدع ذَلِك لنَفسِهِ واعترف أَن الطَّعَام لأَحَدهمَا وَلَا يدريه لكَون كل مِنْهُمَا طمر فِي الْمَكَان الْمَذْكُور أَن تقسم الْخَمْسَة عشر قَفِيزا بَينهمَا بعد يَمِين كل مِنْهُمَا أَنه لَا يعلم للْآخر حَقًا فِي ذَلِك وَمَا زَاد على الْخَمْسَة عشر فَهُوَ لذِي الْبَيِّنَة، وَإِن قَالَ رب الأَرْض لَا أَدْرِي هَل طمر أَحدهمَا أَو طمرا مَعًا كَانَ الطَّعَام لذِي الْبَيِّنَة بعد يَمِينه قَالَه فِي أقضية المعيار، وَإِذا تَعَارَضَت بينتان وَلم يكن مُرَجّح وتساقطتا فَالْحكم كَذَلِك إِذْ لم يبْق إِلَّا مُجَرّد الدَّعْوَى كَمَا قَالَ: (وَذَاكَ) أَي قسمه بَينهمَا بعد الْقسم (حكم فِي التَّسَاوِي مُلْتَزم) صفة حكم الَّذِي هُوَ خبر عَن ذَاك وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بِتِلْكَ الصّفة الخ. وَذَلِكَ حكم مُلْتَزم فِي التَّسَاوِي. فِي بَيِّناتٍ أَوْ نُكولٍ أَوْ يَدِ والقولُ قَوْلُ ذِي يَدٍ مُنْفَرِدِ (فِي بَيِّنَات) يتَعَلَّق بالتساوي كَمَا ترى وَمَعْلُوم أَنَّهُمَا لَا يتساويان إِلَّا مَعَ انْتِفَاء الْمُرَجح (أَو) التَّسَاوِي فِي (نُكُول) بِأَن ينكلا مَعًا (أَو) التَّسَاوِي فِي (يَد) بِأَن يكون تَحت يدهما مَعًا أَو لَا يَد عَلَيْهِ. وأو فِي المحلين بِمَعْنى الْوَاو فَإِن انْفَرد أَحدهمَا بِوَضْع الْيَد عَلَيْهِ كَانَ لَهُ وَحده مَعَ يَمِينه كَمَا قَالَ: (وَالْقَوْل) مُبْتَدأ (قَول ذِي يَد) خبر (مُنْفَرد) صفة ليد وَإِنَّمَا يكون القَوْل لذِي الْيَد الْمُنْفَرد بهَا
[ ١ / ٢٣٨ ]
إِن لم تكن للْآخر بَيِّنَة الْملك وَإِلَّا قدمت على مُجَرّد الْيَد كَمَا قَالَ: وَهُوَ لِمَنْ أقامَ فيهِ البَيْنَهْ وحالَهُ الأعْدَلِ مِنْها بَيِّنَهْ (وَهُوَ) مُبْتَدأ وَخَبره (لمن أَقَامَ فِيهِ الْبَيِّنَة) مفعول بأقام وَالْجُمْلَة صلَة (من) والرابط الضَّمِير الْفَاعِل بأقام فَإِن أَقَامَ ذُو الْيَد بَيِّنَة بِالْملكِ أَيْضا وتساوت الْبَينَات فِي المرجحات أَو عدمهَا قضى بِهِ لذِي الْيَد وَإِلَّا فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أرجح بِشَيْء من المرجحات الْمُتَقَدّمَة قضى بهَا كَمَا قَالَ: (وَحَالَة الأعدل) مُبْتَدأ (مِنْهَا) أَي الْبَينَات يتَعَلَّق بالأعدل (بَيِّنَة) ظَاهِرَة فِي اعْتِبَار التَّرْجِيح بهَا وَلَا مَفْهُوم للأعدلية بل غَيرهَا من المرجحات كَذَلِك كَمَا مرّ، فَلَو أبدل الأعدل بالأرجح لشمل ذَلِك، وَانْظُر بسط هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الشَّامِل اه. وَالله أعلم.