لذات أَو مَنْفَعَة تَثْنِيَة متبايع بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت دون همز وَهُوَ إِمَّا فِي قدر الثّمن أَو فِي جنسه أَو فِي الْأَجَل أَو فِي انقضائه أَو فِي قبض الثّمن أَو السّلْعَة أَو فِي الصِّحَّة وَالْفساد أَو فِي تَابع الْمَبِيع، وَتكلم على هَذِه الْأَنْوَاع كلهَا وَبَقِي عَلَيْهِ اخْتِلَافهمَا فِي الْبَتّ أَو الْخِيَار واختلافهما فِي العقد، أما اخْتِلَافهمَا فِي وُقُوعه على الْبَتّ أَو الْخِيَار فَالْقَوْل لمُدعِي الْبَتّ لِأَنَّهُ الْغَالِب إِلَّا أَن يغلب البيع بِالْخِيَارِ فَالْقَوْل لمدعيه، وَأما اخْتِلَافهمَا فِي العقد فَالْقَوْل لمنكره إِجْمَاعًا، وَلَكِن يبْقى النّظر فِيمَا إِذا ادّعى أَحدهمَا البيع وَالْآخر الْقَرْض أَو الْعَارِية فَقَالَ ابْن رشد كَمَا فِي الْبُرْزُليّ: القَوْل لمُدعِي الْقَرْض قولا وَاحِدًا، وَسَيَأْتِي شَيْء من ذَلِك آخر الْقَرَاض، وَكَذَا القَوْل لمُدعِي الْعَارِية كَمَا فِي ابْن فَرِحُونَ فِي الْبَاب الْخَامِس وَالْعِشْرين، وَأما إِن قَالَ رب المَال هُوَ قرض وَقَالَ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ: بل هُوَ قِرَاض أَو وَدِيعَة وَتلف، فَإِن القَوْل لرب المَال. قَالَ ابْن الْقَاسِم: لِأَنَّهُ قَالَ: أخذت المَال مني على الضَّمَان، وَقَالَ الآخر: أَخَذته على غير الضَّمَان فَهُوَ قد أقرّ بِالْمَالِ وَيَدعِي نفي الضَّمَان عَنهُ فَلَا يصدق، وَكَذَا إِن ادّعى أَحدهمَا البيع وَالْآخر الرَّهْن فَإِن القَوْل لمُدعِي الرهنية إِلَّا أَن تفوت الأَرْض بيد مدعي الشِّرَاء بالهدم وَالْبناء وَالْغَرْس قَالَه فِي نَوَازِل الدَّعَاوَى من المعيار، وَكَذَا إِن قَالَ الْمَالِك: بِعْت السّلْعَة الْفُلَانِيَّة مِنْك فادفع لي ثمنهَا، فَقَالَ الآخر: لم تبعها مني وَإِنَّمَا أَمرتنِي بِبَيْعِهَا وَقد تلفت، فَفِي سَماع عِيسَى من ابْن الْقَاسِم وَعَلِيهِ اقْتصر فِي كتاب الْقَرَاض من الْمُتَيْطِيَّة أَن القَوْل لرب السّلْعَة وَيحلف أَنه بَاعهَا مِنْهُ يُرِيد لينفي دَعْوَاهُ الْوكَالَة فَإِن نكل حلف الآخر وبرىء. قلت: فَإِن حلف صَاحب الثَّوْب أَنه بَاعه مِنْهُ وَاخْتلفَا فِي الصّفة، قَالَ: يصف المُشْتَرِي الثَّوْب وَيحلف على صفته ثمَّ يقومه أهل الْبَصَر. قلت: فَإِن نكل؟ قَالَ: يصفه صَاحب الثَّوْب وَتقوم تِلْكَ الصّفة وَيغرم المُشْتَرِي. قَالَ: فَإِن أَتَيَا جَمِيعًا بِمَا يستنكر فِي الصّفة ونكلا صدق المُشْتَرِي؟ قلت: فَإِن كَانَ قِيمَته أدنى من الثّمن الَّذِي بَاعَ بِهِ؟ قَالَ: يُقَال للَّذي بَاعَ الثَّوْب اتَّقِ الله إِن
[ ٢ / ١٤٠ ]
كَانَ أَمرك بِبيعِهِ كَمَا زعمت فادفع إِلَيْهِ بَقِيَّة ثمن ثَوْبه وَلَا تبخسه وَلَا يقْضى عَلَيْهِ بذلك، لِأَن صَاحب الثَّوْب يَدعِي أَنه بَاعه مِنْهُ اه. وَبِه أفتى العقباني وَنَقله صَاحب شرح المغارسة وَنَحْوه فِي المقرب قَائِلا: لَو قَالَ رجل لآخر: أَعْطِنِي ثمن الثَّوْب الَّذِي بِعْتُك. فَقَالَ: إِنَّمَا أَمرتنِي بِبيعِهِ حلف أَنه بَاعه وَأخذ ثمنه، فَإِن نكل حلف الآخر وبرىء. وَفِي الدُّرَر المكنونة فِيمَن قَالَ لرجل: خلصني فِي ثمن السّلْعَة الَّتِي أخذت مني فَإِنِّي عاملتك فِيهَا بيعا وَشِرَاء وَكنت بعتكها بِالذَّهَب، وَقَالَ الرجل: إِنَّمَا كنت تُعْطِينِي السّلع وتقومها عَليّ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِالذَّهَب فأبيعها وَأُعْطِيك مَا كنت قومتها بِهِ عَليّ وَالْبَاقِي نقسمهُ بَيْننَا فَهَل القَوْل لمُدعِي البيع؟ وَهل يقبل قَوْله إِنَّهَا مبيعة بِالذَّهَب؟ فَقَالَ: قَالَ ابْن الْقَاسِم فِي مَسْأَلَة رجل قَالَ لآخر: أَعْطِنِي ثمن الثَّوْب الَّذِي بِعته مِنْك. فَقَالَ: مَا بِعته مني إِنَّمَا أَمرتنِي بِبيعِهِ القَوْل لرب الثَّوْب مَعَ يَمِينه وَالْمَسْأَلَة المسؤول عَنْهَا ترجع إِلَى هَذِه، فَإِذا قبل قَوْله بِيَمِينِهِ يصير الْخلاف بَينهمَا فِي جنس الثّمن، وَقد علمت أَن الْمَنْصُوص لأهل الْمَذْهَب التَّحَالُف والتفاسخ فَيرجع فِي السّلْعَة إِن كَانَت قَائِمَة، وَفِي الْقيمَة مَعَ الْفَوات اه. وَانْظُر الكراس الثَّانِي من بُيُوع الْبُرْزُليّ فَإِنَّهُ ذكر الْمَسْأَلَة أَيْضا وَقَالَ: إِن القَوْل لِرَبِّهَا بعد أَن يحلف أَنه مَا وَكله على بيعهَا وَيَأْخُذ سلْعَته إِن كَانَت قَائِمَة بِيَدِهِ أَو بيد من بَاعهَا إِلَيْهِ أَو قيمتهَا إِن فَاتَت. قلت: وتلخيصه أَن الْمَالِك إِذا حلف أَنه بَاعهَا مِنْهُ فَإِن صدقه الآخر على قدر الثّمن فَإِنَّهُ يَأْخُذهُ مِنْهُ وَهُوَ معنى قَوْله فِي المقرب: وَأخذ ثمنه وَإِن كذبه وَادّعى أقل فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ ويتفاسخان وَيَأْخُذ الْمَالِك حِينَئِذٍ سلْعَته إِن كَانَت قَائِمَة وَهُوَ معنى قَول الْبُرْزُليّ. وَيَأْخُذ سلْعَته إِن كَانَت قَائِمَة فَإِن فَاتَت فَالْقيمَة على وصف المُشْتَرِي كَمَا مر فِي النَّص، وَإِنَّمَا ترد مَعَ الْقيام فِيمَا إِذا كَانَ الْمَأْمُور بَاعهَا إِذا صدقهما المُشْتَرِي أَنَّهَا للْمَالِك أَو قَامَت بذلك بَيِّنَة وإلاَّ فَلَا ترد، وَيغرم الْمَأْمُور الْقيمَة مَا لم تكن أَكثر من الثّمن الَّذِي ادَّعَاهُ رَبهَا انْظُر الْبُرْزُليّ. وَإِنَّمَا أطلت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِكَثْرَة وُقُوعهَا وَقد وَقعت فِي هَذَا الأوان فَادّعى الْقَابِض للسلعة وَكَانَت عقدا من جَوْهَر أَنه قَبضه ليَبِيعهُ لَهُ، وَقد تلف وَادّعى آخر أَنه قَبضه ليقلبه وَقد تلف قبل إِمْضَاء البيع فِيهِ، فَلم يتفطن الْحَاكِم لتِلْك النُّصُوص، وَقد قَالَ (ز) عِنْد قَول (خَ) أول الْبيُوع وَعدم دفع رَدِيء أَو نَاقص مَا نَصه: فَإِن اخْتلفَا فِي صفة الْقَبْض هَل ليزنها أَو على المفاصلة؟ فَالْقَوْل للدافع اه. وَحَيْثُمَا اخْتَلَفَ بَائِعٌ وَمَنْ مِنْهُ اشْتَرَى إنْ كَانَ فِي قَدْرِ الثَّمَنْ (وحيثما اخْتلف بَائِع وَمن مِنْهُ اشْترى إِن كَانَ) الِاخْتِلَاف (فِي قدر الثّمن) كَقَوْلِه بِعشْرَة وَقَالَ المُشْتَرِي بِثمَانِيَة، أَو كَانَ الِاخْتِلَاف فِي قدر الْمَبِيع كَقَوْلِه: هَذَا الثَّوْب بِعشْرَة. وَقَالَ المُشْتَرِي: بل هُوَ وَهَذِه الشَّاة بِعشْرَة، فَاكْتفى النَّاظِم بِالثّمن عَن الْمُثمن لِأَن كلاًّ من الْعِوَضَيْنِ ثمن للْآخر.
[ ٢ / ١٤١ ]
وَلَمْ يَفُتْ مَا بِيعَ فَالْفَسْخُ إذَا مَا حَلَفَا أَوْ نَكَلَا قَدْ أُنْفِذَا (وَلم يفت مَا بيع) بحوالة سوق فأعلى، وَسَوَاء كَانَت قَائِمَة بيد البَائِع أَو قبضهَا المُشْتَرِي، وَسَوَاء انتقد البَائِع الثّمن أم لَا انتقد كُله أَو بعضه، وَلَا يكون انتقاده مرجحًا لقَوْله فِيهِ ابْن رشد لِأَن ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة لم ير قبض السّلْعَة فوتًا كَمَا أَنه لم ير قبض الثّمن قوتًا (ف) الْوَاجِب فِي ذَلِك كُله (الْفَسْخ إِذا مَا) زَائِدَة (حلفا) مَعًا (أَو نكلا) مَعًا (قد أنفذا) فَإِن حلف أَحدهمَا فَقَط قضى لَهُ. وَالْبَدْءُ بِالْبَائِع ثُمَّ المُشْتَرِي فِي الأَخْذِ وَالْيَمِينُ ذُو تَخَيُّرِ (والبدء) فِي الْيَمين (بالبائع) على الْمَشْهُور (ثمَّ المُشْتَرِي فِي الْأَخْذ وَالْيَمِين ذُو تخير) أَي: ثمَّ إِذا حلف البَائِع فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ الْمَبِيع بِمَا حلف عَلَيْهِ البَائِع وَهُوَ عشرَة، وَإِن شَاءَ حلف أَن البيع بِثمَانِيَة. ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْدُ الرِّضَا وقِيلَ إنْ تَحَالَفَا الْفَسْخُ مَضَى (ثمَّ) إِذا حلفا مَعًا (لكل وَاحِد) مِنْهُمَا (بعد) أَي بعد حلفهما (الرِّضَا) بِمَا قَالَ صَاحبه على الرَّاجِح، وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم لِأَن الْفَسْخ عِنْده إِنَّمَا يَقع إِذا حكم الْحَاكِم بِهِ، وَعَلِيهِ عول (خَ) حَيْثُ قَالَ: حلفا وَفسخ إِن حكم بِهِ. (وَقيل) لَا يتَوَقَّف الْفَسْخ على الحكم بِهِ بل (إِن تحَالفا) أَو نكلا مَعًا وَقع (الْفَسْخ) بَينهمَا (وَمضى) إِنَّمَا كَانَ الْفَسْخ يَقع بِمُجَرَّد ذَلِك التَّحَالُف أَو النّكُول لِأَنَّهُ قد. وَقِيلَ لَا يُحْتَاجُ فِي الْفَسْخِ إِلَى حُكْمٍ وَسَحْنُونٌ لَهُ قَدْ نَقَلَا (قيل لَا يحْتَاج فِي الْفَسْخ إِلَى حكم) كاللعان (وَسَحْنُون لَهُ) أَي عَنهُ (قد نقلا) فالواو فِي قَوْله: وَقيل للتَّعْلِيل، وَلَو حذف النَّاظِم هَذَا الْبَيْت لَكَانَ أحسن، وَمثل اخْتِلَافهمَا فِي الْقدر
[ ٢ / ١٤٢ ]
اخْتِلَافهمَا فِي الرَّهْن والحميل فَيجْرِي على التَّفْصِيل الْمَذْكُور، وَإِذا فسخ فَإِنَّهُ يفْسخ ظَاهرا وَبَاطنا، فَإِذا كَانَ الْمَبِيع أمة فَيحل للْبَائِع وَطْؤُهَا فِيمَا بَينه وَبَين الله، وَيحل لَهُ استخدامها، وَهَكَذَا. وَقيل: يفْسخ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن فَلَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا إِذْ الْقَضَاء لَا يحل حَرَامًا، وَفِي الْمَسْأَلَة نزاع شهير اُنْظُرْهُ فِي الشَّامِل وَغَيره، وَفِي أقضية المعيار عَن ابْن أبي زيد أَن المُشْتَرِي إِذا حلف فَإِنَّهُ يعد ذَلِك مِنْهُ تَسْلِيمًا لِلْجَارِيَةِ بِالثّمن فَيحل حِينَئِذٍ للْبَائِع وَطْؤُهَا إِن رَضِي بقبولها فِي الثّمن، وَإِن لم يقبلهَا فليبعها وَيشْهد عَدْلَيْنِ أَنه إِنَّمَا بَاعهَا على ذَلِك وَيقبض ثمنهَا الَّذِي بَاعَ بِهِ أَولا، وَيُوقف مَا زَاد عَلَيْهِ فَمَتَى أقرّ المُشْتَرِي الأول فَهُوَ لَهُ اه. وَهَذَا التَّفْصِيل الَّذِي لِابْنِ أبي زيد هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَاده، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله وَلم يفت مَا بيع فَقَالَ: وَإنْ يَفُتْ فَالْقَوْلُ لِلَّذِي اشْتَرَى وَذَا الَّذِي بِهِ الْقَضَاءَ قَدْ جَرَى (وَإِن يفت) الْمَبِيع بيد المُشْتَرِي أَو بيد البَائِع كَمَا هُوَ ظَاهره وَهُوَ أحد قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الشَّامِل (فَالْقَوْل للَّذي اشْترى) بِيَمِينِهِ إِذا أشبه وإلاَّ فَالْقَوْل للْبَائِع إِذا أشبه فَإِن لم يشبها فعلى الْمُبْتَاع الْقيمَة وَيصدق فِي الصّفة، وَإِن قَالَ عبدا أعمى مقْعدا إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة بِخِلَافِهِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، وَقد تقدم مثله عَن ابْن الْقَاسِم، وَقد أخل النَّاظِم بِقَيْد الشّبَه اتكالًا على أَن الْغَالِب عدم الْخُرُوج عَنهُ (خَ): وَصدق مُشْتَر ادّعى الْأَشْبَه وَحلف إِن فَاتَ. (وَذَا) القَوْل الَّذِي يَقُول يصدق المُشْتَرِي إِن أشبه مَعَ الْفَوات هُوَ أحد رِوَايَتَيْنِ عَن مَالك وَهُوَ: (الَّذِي بِهِ الْقَضَاء قد جرى) كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة وَغَيرهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا إِذا وَقع الْخلاف فِي الْجِنْس فَقَالَ: وإنْ يَكُنْ فِي جِنْسِهِ الخُلْفُ بَدَا تَفَاسَخَا بَعْدَ اليَمِينِ أَبَدَا (وَإِن يكن فِي جنسه الْخلف بدا) فَقَالَ أَحدهمَا: الْمَبِيع هَذَا الثَّوْب بِدِينَار، وَقَالَ الآخر: بل هَذَا الْفرس بِدِينَار أَو يَقُول: اشْتريت الثَّوْب بِدِينَار، وَيَقُول الآخر: بل بقفيز من شعير مثلا أَو ادّعى أَحدهمَا أَن البيع بِذَهَب وَالْآخر بِفِضَّة. (تفاسخا بعد الْيَمين أبدا) كَانَ الْمَبِيع قَائِما أَو فائتًا
[ ٢ / ١٤٣ ]
أشبه أَحدهمَا أم لَا. إِذْ لَا ينظر لشبه مَعَ الِاخْتِلَاف فِي الْجِنْس إِذْ لَيْسَ قَول أَحدهمَا بِأولى من قَول الآخر. ابْن عَرَفَة: إِن اخْتلفَا فِي جنس أحد الْعِوَضَيْنِ كتمر وبر تحَالفا وتفاسخا. ابْن حَارِث: اتِّفَاقًا اه. واختلافهما فِي الصِّنْف السمراء والمحمولة كاختلافهما فِي الْجِنْس كَمَا مر فِي الشَّامِل، وَكَذَا اخْتِلَافهمَا فِي ذكران الْخَيل وإناثها فَقَالَ أَحدهمَا: وَقع العقد على الذّكر، وَقَالَ الآخر: على الْأُنْثَى فَمَا يكون من الْمَبِيع قَائِما فِي ذَلِك كُله ردّ بِعَيْنِه. وَمَا يَفُوتُ وَاقْتَضَى الرُّجُوعَا بِقِيمَةٍ فَذَاكَ يَوْمَ بِيعَا (وَمَا يفوت) مِنْهُ (وَاقْتضى الرجوعا) فِي مثلي فبمثله أَو (بِقِيمَة فَذَاك) أَي فَيعْتَبر قِيمَته (يَوْم بيعا) لَا يَوْم الْفَوات، وَأما الِاخْتِلَاف فِي الصّفة كالجودة والرداءة فَيجْرِي على الِاخْتِلَاف فِي الْقدر على الْمُعْتَمد ابْن عَرَفَة عَن اللَّخْمِيّ: اخْتِلَافهمَا فِي الْجَوْدَة كاختلافهما فِي الْكَيْل اه. فَإِن اخْتلفَا فِي السِّكَّة فَقَالَ أَحدهمَا بيزيدية وَقَالَ الآخر بمحمدية، فقد تقدم تَفْصِيل ذَلِك فِي صدر الْبيُوع. ثمَّ أَشَارَ إِلَى الِاخْتِلَاف فِي الْأَجَل وَهُوَ إِمَّا فِي أَصله أَو فِي انقضائه أَو فِي قدره فَقَالَ: وَحَيْثُمَا المبيعُ باقٍ واخْتُلِفْ فِي أَجَلٍ تَفَاسَخَا بَعْدَ الحَلِفْ (وحيثما الْمَبِيع بَاقٍ) قَائِما لم يفت (وَاخْتلف فِي) أصل (أجل) فَادّعى أَحدهمَا البيع بِالنَّقْدِ وَالْآخر بِالنَّسِيئَةِ لشهر مثلا (تفاسخا بعد الْحلف) وَهَذَا قَول مَالك وَابْن الْقَاسِم. وَقِيلَ ذَا إنِ ادَّعَى المُبْتَاعُ مَا يَبْعُدُ وَالْعُرْفَ بهِ قَدْ عُدِمَا (وَقيل) وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِم أَيْضا (ذَا) أَي مَا ذكر من التَّحَالُف والتفاسخ (إِن ادّعى الْمُبْتَاع مَا يبعد) من الْأَجَل (و) الْحَال أَن (الْعرف بِهِ قد عدما) أَي لم يجر عرف عِنْد النَّاس فِي مثل تِلْكَ السّلْعَة بالأجل فَقَط، بل هُوَ جَار بالأجل تَارَة وبعدمه أُخْرَى، أَو هُوَ جَار فِي مثلهَا بالأجل فَقَط، وَلَكِن لم يجر بذلك الْأَجَل الْبعيد الَّذِي ادَّعَاهُ، وَمَفْهُومه أَنه إِن ادّعى اجلًا بتبايع النَّاس إِلَى مثله فَالْقَوْل قَوْله. هَذَا وَجعل فِي الشَّامِل وَغَيره الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا لم يكن عرف أصلا فَقَالَ: وَلَو اخْتلفَا فِي تَعْجِيله وتأجيله صدق مدعي الْعرف بِيَمِين، وَإِن فقد الْعرف فَقيل يَتَحَالَفَانِ ويتفاسخان، وَقيل القَوْل للْبَائِع الخ. وَحِينَئِذٍ فَيجب أَن يكون قَوْله: وَالْعرْف بِهِ الخ. هُوَ مَوْضُوع الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِه وَفِي الَّتِي بعْدهَا وَبِالْجُمْلَةِ إِذا كَانَ هُنَاكَ عرف فِي مثل تِلْكَ السّلْعَة من كَونهَا تبَاع بِالنَّقْدِ أَو بِالنَّسِيئَةِ لمثل ذَلِك الْأَجَل فَالْقَوْل لمدعيه، وَإِن لم يكن عرف بِالنَّقْدِ وَلَا بِالنَّسِيئَةِ بل كَانَ التبايع بهما مَعًا أَو كَانَ الْعرف النَّسِيئَة، وَلَكِن ادّعى أََجَلًا بَعيدا لَا بتبايع النَّاس إِلَى مثله
[ ٢ / ١٤٤ ]
فَقيل يَتَحَالَفَانِ، وَقيل القَوْل للْبَائِع وَالْمُعْتَمد مِنْهُمَا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فِيمَا إِذا كَانَ التبايع بهما مَعًا، وَأَن القَوْل للْبَائِع فِي الْعرف بِالنَّسِيئَةِ إِذا ادّعى الْمُبْتَاع أََجَلًا بَعيدا وَادّعى هُوَ مَا يشبه. تَنْبِيه: قَوْلهم الأَصْل فِي الثّمن الْحُلُول كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شرَّاح (خَ) عِنْد قَوْله أول الْإِجَارَة بعاقد وَأجر كَالْبيع إِنَّمَا يتمشى على مَا إِذا كَانَ الْعرف جَارِيا بِهِ فَقَط كَمَا هُوَ الْغَالِب عندنَا الْيَوْم فَقَوْلهم: الأَصْل فِيهِ الْحُلُول أَي الْغَالِب فِيهِ الْحُلُول، وَأَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله الْمَبِيع بَاقٍ فَقَالَ: وَإنْ يَفُتْ فَالْقَوْلُ عِنْدَ مَالِكِ لِبَائِعٍ نَهْجَ الْيَمِينِ سَالِكِ (وَإِن يفت) بِوَجْه من وُجُوه الْفَوْت كتغير ذَات أَو حِوَالَة سوق أَو خُرُوج عَن يَد (فَالْقَوْل عِنْد مَالك) من رِوَايَة ابْن وهب (لبائع نهج الْيَمين) مفعول بقوله (سالك) أَي حَال كَونه سالكًا نهج الْيَمين. وَقِيلَ لِلْمُبْتَاعِ وَالقَوْلانِ لِحافِظِ المَذْهَبِ مَنْقُولَانِ (وَقيل) وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِم القَوْل (للْمُبْتَاع وَالْقَوْلَان لحافظ الْمَذْهَب) وَهُوَ ابْن رشد (منقولان) . وَظَاهر النّظم أَنه مَعَ الْفَوات لَا ينظر لعرف وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِن كَانَ هُنَاكَ عرف فَيتبع ويرجح قَول مدعيه كَالَّتِي قبلهَا، وَإِن لم يكن عرف فَيَأْتِي الْقَوْلَانِ حِينَئِذٍ، وَالْمُعْتَمد مِنْهُمَا أَن القَوْل للْمُبْتَاع إِن كَانَ ادّعى أمدًا قَرِيبا لَا يتهم فِيهِ فَإِن ادّعى أمدًا بَعيدا فَالْقَوْل للْبَائِع، وَأَشَارَ إِلَى الِاخْتِلَاف فِي انقضائه فَقَالَ: وَفِي انْقِضَاءِ أَجَلٍ بِذَا قُضِي حَتَّى يَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَنْقَضِ (و) إِن اخْتلفَا (فِي انْقِضَاء أجل) بِسَبَب اخْتِلَافهمَا فِي مبدئه بعد اتِّفَاقهمَا على أَصله وَقدره كشهر مثلا أَي وَلَا بَيِّنَة لوَاحِد مِنْهُمَا وفاتت السّلْعَة (بذا) أَي يكون القَوْل للْمُبْتَاع بِيَمِينِهِ لِأَن الْإِشَارَة لأَقْرَب مَذْكُور وَهُوَ الْمُبْتَاع فِي الْبَيْت قبله (قضي مَتى يَقُول إِنَّه لم ينْقض) (خَ): وَإِن اخْتلفَا فِي انْتِهَاء الْأَجَل فَالْقَوْل لمنكر التقضي الخ. وَشَمل الْمُبْتَاع مبتاع الذَّات وَالْمَنَافِع فَالْقَوْل للمكتري فِي عدم انْقِضَاء أجل الْكِرَاء، وَظَاهره سَوَاء أشبه أم لَا. فَاتَت أم لَا. وَلَيْسَ كَذَلِك بل مَحَله إِذا أشبه سَوَاء أشبه الآخر أم لَا، فَإِن أشبه البَائِع وَحده فَقَوله بِيَمِينِهِ، فَإِن لم يشبه وَاحِد مِنْهُمَا حلفا وَغرم الْقيمَة، وَهَذَا كُله مَعَ الْفَوات فَإِن لم تفت حلفا وَفسخ، وَلَا ينظر لشبه، فَإِن
[ ٢ / ١٤٥ ]
أَقَامَ الْبَيِّنَة عمل بِبَيِّنَة البَائِع لكَونهَا أقدم تَارِيخا. وَسكت النَّاظِم عَن اخْتِلَافهمَا فِي قدر الْأَجَل بعد اتِّفَاقهمَا على أَصله ومبدئه الَّذِي هُوَ أول رَجَب مثلا فَقَالَ أَحدهمَا لشعبان، وَقَالَ الآخر بل لرمضان، فَالْمَشْهُور الْحلف وَالْفَسْخ إِن لم تفت السّلْعَة فَإِن فَاتَت صدق المُشْتَرِي إِن أشبه فالاختلاف فِي قدر الْأَجَل كالاختلاف فِي قدر الثّمن، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الِاخْتِلَاف فِي قبض الثّمن أَو السّلْعَة فَقَالَ: وَالقَوْلُ قَوْلُ مُشْتَرٍ بَعْدَ الحَلِفْ فِي القَبْضِ فِيما بَيْعُهُ نَقْدًا عُرِفْ (فَالْقَوْل قَول مُشْتَر بعد الْحلف فِي الْقَبْض) للثّمن (فِيمَا) أَي مَبِيع (بَيْعه نَقْدا عرف) كالخبز والفاكهة وَاللَّحم وَالْخضر وَالْحِنْطَة وَنَحْو ذَلِك، وَظَاهره أَن القَوْل للْمُشْتَرِي فِي دفع الثّمن فِيمَا عرف بَيْعه بِالنَّقْدِ سَوَاء كَانَ الِاخْتِلَاف قبل الِافْتِرَاق والبينونة أَو بعدهمَا كثر ذَلِك الْمَبِيع أَو قل ادّعى الدّفع قبل قبض اللَّحْم وَنَحْوه أَو بعده، وَهُوَ كَذَلِك على مَا فِي الْمُنْتَخب عَن مَالك وَنَحْوه فِي اللّبَاب كَمَا فِي (ح) عَن ابْن الْقَاسِم وَهُوَ الْمُعْتَمد خلافًا لما فِي الْجَوَاهِر و(خَ) وَغَيرهمَا أَن مَحل تَصْدِيقه إِذا وَقع الِاخْتِلَاف بعد الِافْتِرَاق وإلاَّ فَلَا يقبل قَوْله إِن ادّعى دَفعه بعد قبض اللَّحْم وَنَحْوه فَإِن ادّعى دَفعه قبله فأقوال. وَالْحَاصِل على مَا فِي الْجَوَاهِر و(خَ) وَغَيرهمَا أَنه إِذا وَقع الِاخْتِلَاف بعد الِافْتِرَاق والبينونة فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي، وَإِن وَقع قبل ذَلِك فَتَارَة يَدعِي الدّفع بعد قبض اللَّحْم وَشبهه فَلَا يقبل قَوْله اتِّفَاقًا كَمَا لِابْنِ رشد، وَحكى غَيره فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ، وَتارَة لَا يكون قد قبض اللَّحْم وَنَحْوه وَيَدعِي أَنه دفع الثّمن فَلَا يقبل قَوْله اتِّفَاقًا أَيْضا، وَتارَة يَدعِي الدّفع قبل قبض اللَّحْم وَشبهه أَي: وَهُوَ قَابض لَهُ فَفِي ذَلِك أَقْوَال ثَلَاثَة حَكَاهَا ابْن رشد. قلت: ومبنى الْخلاف فِي هَذَا وَالله أعلم اخْتِلَاف عرف النَّاس فِي تِلْكَ الْأَزْمَان، فَمَا للناظم وَصَاحب الْمُنْتَخب من تَصْدِيق المُشْتَرِي مُطلقًا مَبْنِيّ على أَن عرف النَّاس فِي ذَلِك الْوَقْت هُوَ دفع الثّمن عِنْد قبض اللَّحْم وَنَحْوه وَهُوَ الْمُوَافق لوقتنا الْيَوْم فَيجب اعْتِمَاده، وَالْحكم بِهِ فِي هَذِه الْأَزْمَان وَمَا للجواهر وَغَيرهَا مَبْنِيّ على أَن الْعرف التَّفْصِيل بَين الْبَيْنُونَة وَعدمهَا وادعاء الدّفع بعد قبض الْمَبِيع أَو قبله، وَلذَا قَالَ فِي الْمُفِيد عَن بَعضهم: الأَصْل فِي هَذَا أَن يرجع إِلَى عرف الْبَلَد فِي بيع ذَلِك الشَّيْء فيحملان عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ عبد الْحق: وَالصَّوَاب فِي هَذَا كُله مُرَاعَاة عرف النَّاس فِي انتقاد الثّمن وتأخيره فقد تتفق الْأَقْوَال على مُرَاعَاة هَذَا وَهُوَ من أصل مَذْهَب مَالك اه. وَقَالَ الْقَرَافِيّ: اتِّبَاع الْعرف أَمر مجمع عَلَيْهِ لَا اخْتِلَاف فِيهِ، وَإِنَّمَا يَقع الْخلاف فِي تَحْقِيقه هَل وجد أم لَا؟ قَالَ: وَالْوُقُوف على المنقولات أَي من غير اعْتِبَار عرف فِيمَا يُرَاعى فِيهِ الْعرف ضلال، وَهَذَا عَام فِي أَبْوَاب كَثِيرَة اه. وَهَذَا كُله فِيمَا الشَّأْن فِيهِ الانتقاد عِنْد الْقَبْض كالأمثلة الْمَذْكُورَة، وَأما غير ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ للْبَائِع كَمَا قَالَ:
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَهُوَ كَذَا لِبَائِعٍ فِيما عَدَا مُسْتَصْحَبِ النقَّدِ وَلَوْ بَعْدَ مَدَا فَالضَّمِير فِي قَوْله: وَهُوَ رَاجع لِلْقَوْلِ أَي كَمَا أَن القَوْل للْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيع الَّذِي عرف بَيْعه بِالنَّقْدِ كالأمثلة الْمُتَقَدّمَة، كَذَلِك القَوْل للْبَائِع فِي عدم قبض ثمن الْمَبِيع الَّذِي لم يعرف بَيْعه بِالنَّقْدِ، وَلَا باستصحاب تَعْجِيله عِنْد قَبضه، بل كَانَ تَارَة يُبَاع بِالنَّقْدِ وَتارَة بِالتَّأْخِيرِ، وَأَحْرَى إِن كَانَ يعرف بَيْعه بِالتَّأْخِيرِ فَقَط هَذَا إِذا قَامَ البَائِع يَطْلُبهُ فِي الْحِين، بل وَلَو قَامَ يَطْلُبهُ بعد مُدَّة وَحين وَذَلِكَ. كَالدُّورِ وَالرَّقِيقِ وَالرِّبَاعِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ حَد الابْتِيَاعِ (كالدور وَالرَّقِيق والرباع) والبز وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعرف بَيْعه بِالْوَجْهَيْنِ أَو بِالتَّأْخِيرِ فَقَط كَمَا مرّ، فَإِن القَوْل للْبَائِع (مَا لم يُجَاوز حدّ الابتياع) الَّذِي لَا يُمكن الصَّبْر إِلَيْهِ عَادَة كالعام والعامين عِنْد ابْن حبيب وَالْعِشْرين سنة عِنْد ابْن الْقَاسِم، فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ. ابْن بشير: وَذَلِكَ رَاجع إِلَى العوائد، وَصرح غير وَاحِد من شرَّاح (خَ) عِنْد قَوْله فِي الْعُيُوب، ثمَّ قضى إِن أثبت عُهْدَة مؤرخة الخ. بِأَن قَول ابْن الْقَاسِم ضَعِيف، وَالْمُعْتَمد مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن حبيب وَهُوَ ظَاهر إِذْ لَا تَجِد أحدا يَبِيع سلْعَته بِتَأْخِير ثمنهَا إِلَى عشر سِنِين فضلا عَن الْعشْرين، وَبِالْجُمْلَةِ فَذَلِك رَاجع للْعُرْف الَّذِي يتبايع النَّاس إِلَى مثله فِي ذَلِك الْبَلَد كَمَا مرّ، وَلذَا قَالَ فِي الشَّامِل: وَإِن كَانَ الْمَبِيع كدار أَو عرض صدق مُشْتَر وَافقه عرف إِن طَال الزَّمَان طولا يقْضِي الْعرف بِهِ أَي بالانتقاد وَدفع الثّمن، فَإِنَّمَا أناط ذَلِك بِالْعرْفِ وَلم يُقيد بِسنة وَلَا غَيرهَا، وَلما ذكر اللَّخْمِيّ مَذْهَب مَالك فِي الثِّيَاب وَالْعرُوض قَالَ: يُرِيد مَا لم يقم دَلِيل على أَن المُشْتَرِي لَا يسلم إِلَيْهِ الْمَبِيع إِلَّا بعد دفع الثّمن كَكَوْنِهِ بدويًا أَو عَرَبيا لَا يعرف، أَو كَونه فَقِيرا أَو من لَا يُؤمن إِلَيْهِ، وَهَذَا يعرف عِنْد النُّزُول اه. وَهُوَ مُرَاد الشَّامِل بقوله: وَافقه عرف الخ. وَقد أصلح (ز) وَغَيره قَول (خَ) وَفِي قبض الثّمن أَو السّلْعَة فَالْأَصْل بقاؤهما إِلَّا لعرف كلحم وبقل الخ. فَقَالَ: لَو قَالَ عقب قَوْله إِلَّا لعرف فَيعْمل بِدَعْوَى مُوَافقَة لجرى على مَا بِهِ الْفَتْوَى. وَالْقَبْضُ لِلسَّلْعَةِ فِيهِ اخُتُلِفَا جَازَ كَقَبْضٍ حُكْمُهُ قَدْ سَلَفَا (وَالْقَبْض للسلعة فِي اخْتلفَا) بِأَن قَالَ المُشْتَرِي: لم أَقبض الْمَبِيع، وَقَالَ البَائِع: بل قَبضته (جَار ك) الِاخْتِلَاف فِي (قبض) الثّمن الَّذِي (حكمه قد سلفا) وَتقدم فَمَا كَانَ الْعرف فِيهِ قبض الْمَبِيع عِنْد قبض الثّمن كَاللَّحْمِ والفاكهة وشبههما، فَالْقَوْل فِيهِ للْبَائِع وَمَا لم يكن فِيهِ عرف أصلا
[ ٢ / ١٤٧ ]
بل كَانَ يَقع بِالْوَجْهَيْنِ، أَو كَانَ الْعرف تَأْخِير قبض الْمَبِيع فَالْقَوْل فِيهِ للْمُشْتَرِي أَنه لم يقبضهُ. تَنْبِيهَات. الأول: إِذا أشهد المُشْتَرِي بتقرر الثّمن فِي ذمَّته فَذَلِك مُقْتَض لقبض مثمنه فَلَا يصدق فِي عدم قَبضه، وَإِنَّمَا لَهُ الْيَمين على البَائِع إِن بَادر وَقَامَ فِي نَحْو الْعشْرَة الْأَيَّام من وَقت الْإِشْهَاد كَمَا فِي (خَ) وَغَيره. وَكَذَا إِذا أشهد المُشْتَرِي أَيْضا بِدفع الثّمن للْبَائِع، ثمَّ قَامَ يطْلب الْمَبِيع فَالْقَوْل للْبَائِع أَيْضا أَنه دَفعه إِلَيْهِ، وَكَذَا إِذا أشهد المُشْتَرِي أَيْضا بِأَنَّهُ قبض الْمَبِيع ثمَّ قَامَ يَطْلُبهُ وَقَالَ: إِنَّمَا أشهدت على نَفسِي بِقَبْضِهِ ثِقَة مني للْبَائِع فَإِنَّهُ لَا يصدق، وَإِنَّمَا لَهُ الْيَمين إِن بَادر، فَهَذِهِ ثَلَاث صور فِي إِشْهَاد المُشْتَرِي، وَأما إِن أشهد البَائِع بِأَن الْمَبِيع فِي ذمَّته على وَجه السّلم فَذَلِك مُقْتَض لقبض ثمنه أَيْضا كَمَا قَالَه (ز) . وَكَذَا إِن أشهد البَائِع أَيْضا بِدفع الْمَبِيع للْمُشْتَرِي ثمَّ قَامَ يطْلب الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي أَنه دَفعه إِلَيْهِ، وَكَذَا إِن أشهد بِقَبض الثّمن ثمَّ قَامَ يَطْلُبهُ وَقَالَ: إِنَّمَا أشهدت على نَفسِي بِهِ ثِقَة مني بالمشتري فَإِنَّهُ لَا يصدق، وَإِنَّمَا لَهُ الْيَمين على المُشْتَرِي إِن بَادر، فَهَذِهِ ثَلَاث صور أَيْضا فِي البَائِع فالمجموع سِتّ صور، وَانْظُر الْمَسْأَلَة فِي الكراس الثَّانِي من بُيُوع الْبُرْزُليّ. الثَّانِي: مَفْهُوم أشهد أَنه إِذا شهِدت بَيِّنَة على رجل من غير إشهاده إِيَّاهَا أَن لفُلَان عَلَيْهِ مائَة دِينَار من ثمن سلْعَة اشْتَرَاهَا مِنْهُ لم يلْزمه الثّمن حَتَّى يَقُولَا وَقبض السّلْعَة، وَكَذَا لَو أشهد أَنه بَاعه سلْعَة بِكَذَا لم يقْض عَلَيْهِ بِالثّمن إِذْ لَيْسَ فِي شَهَادَتهمَا مَا يُوجب قبض السّلْعَة اه. أَي: لِأَنَّهُ إِشْهَاد بِوُقُوع العقد فَقَط قَالَه اللَّخْمِيّ عَن ابْن عبد الحكم. وَنَقله ابْن عَرَفَة وَابْن فَرِحُونَ فِي تبصرته و(ح) فِي بَاب الْقَضَاء. زَاد فِي الْمُتَيْطِيَّة فِي بَاب الرَّهْن: وَكَذَا إِن شهِدت أَنه خاط لفُلَان ثوبا بدرهم لم يجب للخياط شَيْء حَتَّى يَقُولَا إِنَّه رد الثَّوْب مخيطًا، وَكَذَلِكَ جَمِيع الصناع اه. فإطباقهم على نَقله مُسلما يدل على أَنه لَازم اه. وَبِه تعلم بطلَان مَا فِي (ز) من أَن الشَّهَادَة بِمَنْزِلَة الْإِشْهَاد، لَكِن قَالَ الْبُرْزُليّ بعد نَقله مَا مر عَن ابْن عبد الحكم مَا نَصه: وَوَقعت فَأفْتى شَيخنَا الْفَقِيه بِالْعَمَلِ بهَا مُطلقًا، وظاهرها أَي الْمُدَوَّنَة أَن التَّوَجُّه فِي الطّلب الإجمالي صَحِيح خلاف مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيّ عَن ابْن عبد الحكم أَن الطّلب لَا يقبل إِلَّا مفصلا اه. قيل: وعَلى مَا لِابْنِ عبد الحكم الَّذِي اعتمدوه كَذَلِك لَو شهِدت أَنه قرض لفُلَان كَذَا لم يجب للمقرض شَيْء حَتَّى يَقُولَا إِن المفترض أقبضهُ لِأَن الْقَرْض يلْزم بالْقَوْل. الثَّالِث: جرت الْعَادة بِمصْر، وَكَذَا بفاس بكتب الْوُصُول قبل الْقَبْض، فَإِذا ادّعى المشهد على نَفسه أَنه لم يقبض فَلهُ أَن يحلف مدعي الدّفع وَلَو طَال الأمد قَالَه النَّاصِر اللَّقَّانِيّ، وَانْظُر الْفَرْع الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ من الْفَائِق فَإِنَّهُ ذكر جَرَيَان هَذِه الْعَادة فِي السّلم وَالْقَرْض والقراض قَالَ: فَإِذا ادّعى الْمُعْتَرف بِالْقَبْضِ أَنه لم يقبض وَتمسك الدَّافِع بِظَاهِر الْوَثِيقَة فَالْقَوْل قَول الْمُعْتَرف، وَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِيهِ، وَإِنَّمَا يخْتَلف هَل بِيَمِين أم لَا؟ وَنَحْوه فِي المعيار، وَنَقله ابْن رحال فِي الشَّرْح فَتَأَمّله مَعَ مَا للناصر. قلت: وَلَكِن الْوَاجِب أَن مَا فِي الْفَائِق والمعيار إِنَّمَا هُوَ إِذا فَرضنَا أَن الْعرف هُوَ كتب الْوُصُول قبل الْقَبْض فِي جَمِيع الافتراضات والبياعات أَو غلب ذَلِك كَمَا مرّ عَن أبي يُوسُف الزغبي آخر الثنيا، فَحِينَئِذٍ يعْمل بِهَذَا الْعرف فِيمَا جرى فِيهِ بعد النّظر فِي كَون الْكَاتِب قبل
[ ٢ / ١٤٨ ]
الْوُصُول قَامَ بِالْقربِ فَيصدق أَو بالبعد فَلَا يصدق، أما إِذا كَانَ الْعرف جَارِيا بالكتب قبل الْوُصُول تَارَة وَبعد الْوُصُول أُخْرَى كَمَا هُوَ مشَاهد الْيَوْم فَلَا يشْهد الْعرف لوَاحِد مِنْهُمَا وَغَايَة مَا يُوجِبهُ هَذَا الْعرف الْيَمين، وَلَو طَال الأمد فَمَا قَالَه النَّاصِر يحمل على مَا إِذا كَانَ الْعرف جَارِيا بِالْوَجْهَيْنِ، وَمَا فِي الْفَائِق والمعيار يحمل على مَا إِذا تمحض الْعرف لأَحَدهمَا أَو غلب فِيهِ كَمَا مر فَلَا تعَارض وَالله أعلم. الرَّابِع: لَو شهد شَاهد بِقَبض الثّمن وزكى وَحكم بِشَهَادَتِهِ ثمَّ استفسر وَقَالَ: لم أعاين الْقَبْض فَإِنَّهُ لَا تبطل شَهَادَته إِذْ لَا تنَاقض فِي ذَلِك مَعَ مَا شهد بِهِ فِي الْوَثِيقَة وَمَا حكم بِهِ القَاضِي مَاض قَالَه فِي شَهَادَات المعيار، وَيفهم مِنْهُ أَنه إِذا استفسر قبل الحكم فَلَا يعْمل بِشَهَادَتِهِ حَتَّى يذكر مُسْتَند علمه على الْإِقْرَار أَو المعاينة وَالله أعلم. ثمَّ أَشَارَ إِلَى اخْتِلَافهمَا فِي الصِّحَّة وَالْفساد أَو فِي الشَّرْط وَعَدَمه فَقَالَ: القَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِ لِلأَصْلِ أَوْ صِحْةٍ فِي كُلِّ فِعْلٍ فِعْلِ (وَالْقَوْل قَول مُدع للْأَصْل) كدعوى أَحدهمَا أَن البيع وَقع بِشَرْط الثنيا، أَو شَرط أَن لَا يَبِيع مثلا، أَو بِشَرْط رهن أَو حميل أَو النِّكَاح وَقع بِشَرْط أَن يُؤثر عَلَيْهَا، أَو بِشَرْط إِن أخرجهَا من بَلَدهَا فَأمرهَا بِيَدِهَا وَادّعى الآخر عدم الِاشْتِرَاط فِي ذَلِك كُله، فَإِن القَوْل لَهُ لِأَن الأَصْل عدم الشَّرْط، وَكَذَا إِذا اخْتلف الْوَكِيل وموكله فَادّعى الْوَكِيل أَنه أمره بشرَاء هَذِه السّلْعَة وَأنْكرهُ الْمُوكل وَقَالَ: لم آمره بِشَيْء، أَو ادّعى الْمُوكل أَنه أمره بشرَاء حِنْطَة وَقَالَ الْوَكِيل: بل بشعير وَقد اشْتَرَيْته فَإِن القَوْل للْمُوكل فِي الأولى لِأَن الأَصْل عدم الْأَمر، وللوكيل فِي الثَّانِيَة لِأَن الأَصْل عدم العداء كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْوكَالَة: وَالْقَوْل لَك يَا مُوكل إِن ادّعى الْإِذْن أَو صفة لَهُ إِلَّا أَن يشترى بِالثّمن فَزَعَمت أَنَّك أَمرته بِغَيْرِهِ الخ. وَلَا يحسن شَرحه بِدَعْوَى أَحدهمَا أَن البيع وَقع بتًا وَادّعى الآخر أَنه وَقع بِخِيَار، فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ القَوْل لمُدعِي الْبَتّ كَمَا مرّ أول الْفَصْل لِأَنَّهُ الْغَالِب فِي بياعات النَّاس لَا لأجل أَنه الأَصْل كَمَا قيل: وَالْغَالِب وَالْأَصْل قد يتعارضان وَقد تفرد أَحدهمَا كَمَا مر بَيَانه عِنْد قَول النَّاظِم: وَقيل من يَقُول قد كَانَ ادّعى وَلم يكن لمن عَلَيْهِ يدعى (أَو) اخْتِلَافهمَا فِي (صِحَة) وَفَسَاد فَادّعى أَحدهمَا فَسَاد العقد لاختلال ركن لدخولهما على عدم علم قدر الثّمن مثلا، أَو شَرط لدخولهما على عدم المناجزة فِي الصّرْف، أَو على عدم ضرب الْأَجَل فِي السّلم وَنَحْو ذَلِك، وَادّعى الآخر علمهما بِقدر الثّمن ودخولهما على المناجزة
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَضرب الْأَجَل، فَإِن القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة لِأَنَّهَا الأَصْل أَي الْغَالِب فِي عُقُود الْمُسلمين فَقَوْلهم: الأَصْل فِي عُقُود الْمُسلمين الصِّحَّة الخ. مُرَادهم بِالْأَصْلِ الْغَالِب، وَذَلِكَ ظَاهر لِأَن الأَصْل عدم علم قدر الثّمن وَعدم ضرب الْأَجَل، لَكِن ذَلِك الأَصْل عَارضه الْغَالِب وَهُوَ علم قدر الثّمن فِي البيع. وَوُجُود ضرب الْأَجَل فِي السّلم والمناجزة فِي الصّرْف، فَصَارَ الحكم لَهُ فَصدق مدعيه بِمَنْزِلَة اخْتِلَافهمَا فِي الْعسر واليسر، فَالْأَصْل الْعسر، لَكِن غلب على النَّاس الملاء فكأنهم يَقُولُونَ القَوْل لمُدعِي الأَصْل إِن لم يُعَارضهُ غَالب إلاَّ فَالْقَوْل لمُدعِي الْغَالِب (فِي كل فعل فعل) أَي عِنْد كل عقد عقد بيعا كَانَ أَو غَيره كَمَا مرّ، وَظَاهره اخْتلف الثّمن بهما أم لَا؟ فَاتَ البيع أم لَا؟ وَالَّذِي عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وحذاق أهل الْمَذْهَب كَمَا فِي الْمُتَيْطِيَّة، والمفيد أَن مَحل كَون القَوْل لمُدعِي الصِّحَّة إِذا فَاتَ الْمَبِيع وإلاَّ فيتحالفان ويتفاسخان. مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَاكَ عُرْفٌ جاري عَلَى خِلَافِ ذَاكَ ذُو اسْتِقْرَارِ (مَا لم يكن فِي ذَاك) الْمَبِيع (عرف جَار) فِيهِ (على خلاف ذَاك) الأَصْل أَو الصِّحَّة (ذُو اسْتِقْرَار) نعت لعرف بعد نَعته بجار فَإِنَّهُ يتبع حِينَئِذٍ ذَلِك الْعرف الْمُخَالف للْأَصْل كَالْبيع بِشَرْط الثنيا لِأَن الأَصْل هُوَ عدم الشَّرْط أَو الْمُخَالف للْغَالِب كالصرف لعدم المناجزة، لِأَن الْغَالِب كَانَ فِيهِ وُقُوعه على الصِّحَّة وَهُوَ المناجزة، فَإِذا غلب فِي بلد أَو وَقت وُقُوعه على عدمهَا فَإِنَّهُ يتبع ويترجح بذلك قَول مدعي عدمهَا وَكَذَا الْجعل مثلا فَإِن الْغَالِب كَانَ فِيهِ وُقُوعه على الصِّحَّة بتوفر شُرُوطه وأركانه فَكَانَ القَوْل لمُدعِي صِحَّته، فَإِذا غلب فِي بلد أَو وَقت وُقُوعه على الْفساد باختلال شَرط أَو ركن كَشَرط النَّقْد فِيهِ أَو عدم علم عوضه، أَو ضرب الْأَجَل لعمله، فَإِنَّهُ يتَرَجَّح قَول مدعيه، وَهَكَذَا وَقد غلب فِي هَذَا الأوان وَقَبله بِزَمَان أَن الْجعل والمزارعة والمغارسة وَالشَّرِكَة وَالرَّهْن والثنيا وَبيع الثِّمَار لَا يَقع إِلَّا على الْوَجْه الْفَاسِد كَمَا فِي اللامية وَغَيرهَا، وَيلْحق بهَا مَا عَداهَا. فَإِذا جرى الْعرف فِي السّلم مثلا بِتَأْخِير رَأس مَاله أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنَّهُ يتَرَجَّح بذلك قَول مدعي تَأْخِيره، وَهَكَذَا فِي سَائِر الْعُقُود، وَلَا بُد من ثُبُوت ذَلِك الْعرف بعدلين فَأكْثر، وظاهرهم أَن القَوْل لمُدعِي الْفساد إِذا غلب وَثبتت أغلبيته فِي عقد، وَلَو لم يبين وَجه فَسَاده. وَالصَّوَاب أَنه يسْأَل عَن وَجه الْفساد فَإِذا ذكر وَجها مُعْتَبرا كَأَن يَقُول: بَاعَ لي ثَمَر جَمِيع الْحَائِط الْمُشْتَمل على أَنْوَاع قبل بَدو صَلَاح بعض أَنْوَاع بزهو حَبَّة مِنْهُ أَو ظُهُور حلاوتها فَإِنَّهُ يتبع قَوْله وإلاَّ فَلَا. ثمَّ أَشَارَ إِلَى اخْتِلَافهمَا فِي تَابع الْمَبِيع فَقَالَ: وَتَابِعُ الْمبيع كَالسَّرْجِ اخْتُلِفْ فيهِ يُرَدُّ بَيْعُهُ بَعْدَ الحَلِفْ (وتابع الْمَبِيع كالسرج) والإكاف أَي البرذعة واللجام للدابة وَالثَّمَرَة المؤبرة وَمَال العَبْد
[ ٢ / ١٥٠ ]
وخلفة القصيل، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يتَنَاوَلهُ العقد إِلَّا بِشَرْط (اخْتلف فِيهِ) فَادّعى المُشْتَرِي أَن البيع وَقع على الدَّابَّة بِلِجَامِهَا وإكافها، وعَلى الْأُصُول بثمرها، وعَلى العَبْد بِمَالِه والقصيل بخلفته وَادّعى البَائِع أَن البيع وَقع على الدَّابَّة أَو الْأُصُول أَو العَبْد أَو القصيل فَقَط (يرد بَيْعه) وَيفْسخ (بعد الْحلف) أَي بعد حلفهما مَعًا لِأَن هَذَا رَاجع إِلَى الِاخْتِلَاف فِي قدر الْمُثمن، وَهُوَ كالاختلاف فِي قدر الثّمن كَمَا مر أول الْبَاب فَيجْرِي على حكمه، وَلَو اسْتغنى عَن هَذَا بِمَا مر لكفاه. وَذَاكَ إنْ لَمْ يَفُتِ الْمبيعُ وَيَبْدأُ الْيَمِينَ مَنْ يَبِيعُ (وَذَاكَ) الرَّد وَالْفَسْخ (إِن لم يفت الْمَبِيع) بحوالة سوق فأعلى فِي غير الْعقار وبالهدم وَالْبناء وَالْغَرْس فِيهِ (وَيبدأ الْيَمين من يَبِيع) كَمَا مر فِي الِاخْتِلَاف فِي الثّمن. وَذَا الذِي قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإنْ يَفُتْ فَلاِجْتِهَادِ الْحَاكِمِ (وَذَا الَّذِي قَالَ بِهِ ابْن الْقَاسِم) وَهُوَ الْمَشْهُور (وَإِن يفت) الْمَبِيع بِشَيْء مِمَّا مر (فلاجتهاد الْحَاكِم) أَي فَإِن الْحَاكِم يجْتَهد ويتثبت فِيمَن أشبه مِنْهُمَا، فَإِن ظهر لَهُ أَن الشّبَه للْمُشْتَرِي عمل على قَوْله مَعَ يَمِينه سَوَاء أشبه البَائِع أَيْضا أم لَا. وَكَذَا إِن ظهر لَهُ أَن الشّبَه للْبَائِع وَحده فَإِنَّهُ يقْضِي لَهُ بِيَمِينِهِ فَإِن لم يشبها مَعًا تحَالفا وَمضى بِالْقيمَةِ فِي الْمُقَوّم والمثل فِي المثلى إِلَّا السّلم فَيسلم وَسطه كَمَا قَالَ (خَ): وَإِن ادّعَيَا مَا لَا يشبه فِي السّلم فَسلم وسط الخ. وَبَيْعُ مَنْ رُشِّدَ كَالدَّارِ ادَّعَى بِأَنَّهُ فِي سَفَهٍ قَدْ وَقَعَا (وَبيع من رشد كَالدَّارِ) أَي مثل الدَّار وَنَحْوهَا فالكاف بِمَعْنى مثل مفعول بقوله بيع ثمَّ بعد بَيْعه لدارك قَامَ و(ادّعى بِأَنَّهُ) أَي البيع (فِي سفه قد وَقعا) وَأَنه لم يحصل لَهُ الرشد الَّذِي هُوَ متصف بِهِ الْآن إِلَّا بعد وُقُوع ذَلِك البيع، وَإِنَّمَا ادّعى ذَلِك ليتَمَكَّن من رد سلْعَته إِن وجدت أَو أَخذ قيمتهَا إِن فَاتَت ويضيع الثّمن على المُشْتَرِي حَيْثُ لم يصن بِهِ البَائِع مَاله لِأَنَّهُ سَفِيه على دَعْوَاهُ. وَقَالَ المُشْتَرِي: بل وَقع البيع بعد الرشد وَلَا تَارِيخ للشراء يدل على تقدمه على تَارِيخ الترشيد أَو تَأَخره، فَإِن الْبَيِّنَة على البَائِع أَنه بَاعَ قبل رشده فَإِن لم تكن لَهُ بَيِّنَة. لِلْمُشْتَرِي القَوْلُ بِهِ مَعْ قَسَمِ وَعَكْسُ هَذَا لابْنِ سُحْنُونٍ نَمِي ف (للْمُشْتَرِي القَوْل بِهِ) أَي فِي هَذَا البيع (مَعَ قسم) أَنه بَاعَ وَهُوَ رشيد فَإِن نكل حلف البَائِع وَأخذ الْمَبِيع بعد رده الثّمن إِن كَانَ صون بِهِ مَاله هَذَا ظَاهره، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَاده
[ ٢ / ١٥١ ]
خلافًا لما فِي الْفَرْع السَّابِع من فروع النِّكَاح من الْفَائِق عَن ابْن زرب أَنه لَا يَمِين على المُشْتَرِي قَائِلا: لَا أرى الْيَمين على الْمُبْتَاع وَالْبيع لَازم للْبَائِع وَلَا تَنْفَعهُ دَعْوَاهُ. قَالَ: أَرَأَيْت لَو نكل الْمُبْتَاع عَن الْيَمين أَيكُون البَائِع مولى عَلَيْهِ وَيكون بذلك سَفِيها؟ مَا أرى الْيَمين فِي مثل هَذَا وَلَا يفْسخ بَيْعه اه. (وَعكس هَذَا) وَهُوَ القَوْل للْبَائِع (لِابْنِ سَحْنُون نمي) أَي نسب قَالَ ولد النَّاظِم: وَكَأَنَّهُ رأى أَن السَّفه سَابق للْبَائِع وَالْمُشْتَرِي يُسلمهُ لَهُ، فَحمل الْحَال على الِاسْتِصْحَاب اه. وَمَا صدر بِهِ النَّاظِم هُوَ الْمُعْتَمد لِأَن الأَصْل فِي الْعُقُود الصِّحَّة وَالْبَائِع يَدعِي عدمهَا، وَمن هَذَا الْمَعْنى مَا أجَاب بِهِ أَبُو الضياء مِصْبَاح فِي وَصِيّ بَاعَ على أيتامه أَرضهم، وَكَانَ فيهم غَائِب لم يَشْمَلهُ التَّقْدِيم، فَلَمَّا بلغ الْأَيْتَام قَامُوا على الْمُبْتَاع بِحَق الْغَائِب وَأَرَادُوا إيقافه وَالشُّفْعَة، فَادّعى الْمُبْتَاع أَن الْغَائِب توفّي وَأقَام بَيِّنَة بذلك، غير أَن الْبَيِّنَة لم تحقق وَقت الْمَوْت هَل قبل البيع أَو بعده؟ فَقَالَ: القَوْل قَول الْمُبْتَاع إِنَّه مَاتَ قبل البيع وَقد بَاعَ نصِيبهم جَمِيعه الْوَصِيّ اه. تَنْبِيهَات. الأول: لَو بَاعَ الْمَحْجُور وَصَرفه فِيمَا لَا غنى لَهُ عَنهُ بِحَيْثُ لَو رفع إِلَى الْحَاكِم لَكَانَ يَفْعَله مضى بَيْعه قَالَه فِي الِاسْتِغْنَاء. وَنَقله اليزناسني هُنَا مُقْتَصرا عَلَيْهِ. قلت: وَهَذَا مُخَالف لقَوْل (خَ) فِي الْحجر: وَلَو حنث بعد بُلُوغه أَو وَقع الْموقع الخ. إِذْ لَا يكون قد وَقع الْموقع إِلَّا إِذا بَاعَ للْحَاجة وَصرف الثّمن فِيمَا لَا غنى لَهُ عَنهُ أَي: وَقع الْموقع فِي سَبَب البيع وَصرف الثّمن وَإِن كَانَ الأول هُوَ الْمُوَافق لقَولهم: كل من فعل فعلا لَو رفع إِلَى الْحَاكِم لم يفعل غَيره فَفعله مَاض كَمَا نَقله (ق) عَن الْبُرْزُليّ فِي بَاب الْخلْع. الثَّانِي: إِذا فعل الْمَحْجُور مَا لَيْسَ بمصلحة من بيع وَنِكَاح وَغَيرهمَا بِمحضر وليه، فَإِن الْوَلِيّ يضمنهُ لِأَنَّهُ أَمِين عَلَيْهِ، وكل أَمِين إِذا ضيع أَمَانَته أَو غرر بهَا أَو تعدى عَلَيْهِ بِوَجْه فَهُوَ ضَامِن لَهَا قَالَه فِي الطرر. الثَّالِث: إِذا تصرف الْمَحْجُور بمرأى من وَصِيّه وَلم يظْهر فِي تصرفه مُحَابَاة ووليه سَاكِت فَإِن تصرفه مَاض وَيلْزمهُ مَا لحقه من الدّين وَيحمل الْأَمر على أَن وليه قصد بسكوته إجَازَة ذَلِك. قَالَ الْبُرْزُليّ: وَبِه الْعَمَل. انْظُر شرح الشَّامِل عِنْد قَوْله: فَإِن بَاعَ الْمُمَيز بِلَا إِذن. وَمَنْ يَكُنْ بِمَالِ غَيْرِهِ اشْتَرَى وَالْمُشْتَرَى لَهُ لِلأَمْرِ أَنْكَرَا (وَمن يكن بِمَال غَيره اشْترى) شَيْئا وَادّعى أَن رب المَال أمره بذلك الشِّرَاء (والمشترى لَهُ) وَهُوَ رب المَال (لِلْأَمْرِ أنكرا) وَقَالَ: لم آمره بشرَاء ذَلِك بل بِحِفْظ ذَلِك المَال فَقَط، فَإِن الْمَشْهُور
[ ٢ / ١٥٢ ]
أَن القَوْل للْآمِر إِذا حلف كَمَا مر عَن (خَ) عِنْد قَوْله: وَالْقَوْل قَول مُدع للْأَصْل الخ. لِأَن هَذَا من أَفْرَاده وَإِنَّمَا أَعَادَهُ ليرتب عَلَيْهِ قَوْله: وَحَلَفَ الآمِرُ فَالْمَأْمُورُ مِنْهُ ارْتِجاعُ مَالِهِ مَأثُورُ (و) إِذا (حلف الْآمِر) على أَنه لم يَأْمُرهُ بِمَا قَالَ (فالمأمور) وَهُوَ المُشْتَرِي وَسَماهُ مَأْمُورا بِاعْتِبَار دَعْوَاهُ (مِنْهُ) أَي الْمَأْمُور (ارتجاع مَاله) أَي الْآمِر (مأثور) مَرْوِيّ عَن أصبغ يَعْنِي أَنه إِذا حلف الْآمِر فَإِنَّهُ يرتجع مَاله وَيَأْخُذهُ من الْمَأْمُور. وَمَا لَهُ شَيْءٌ عَلَى مَنْ بَاعا مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَدَّقَ المُبْتاعا (وَمَا لَهُ شَيْء على من باعا) أَي: وَلَا يرجع على البَائِع بِشَيْء (مَا لم يكن) البَائِع (قد صدق المبتاعا) فِي أَن المَال للْآمِر فَإِن صدقه فَإِن الْآمِر يأخد مَاله من البَائِع حِينَئِذٍ هَذَا قَول أصبغ كَمَا مرّ. وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ ذَا تَخَيُّرِ فِي أَخْذِهِ مِنْ بَائِعٍ أوْ مُشْتَرِي (وَقيل) وَهُوَ لِابْنِ الْمَاجشون إِذا حلف الْآمِر فَلَا يتَعَيَّن رُجُوعه على الْمَأْمُور (بل يكون ذَا تخير فِي أَخذه) مَاله (من بَائِع أَو) من (مُشْتَر) فَإِن أَخذه من المُشْتَرِي فَلَا إِشْكَال وَإِن أَخذه من البَائِع فَإِنَّهُ يرجع بِهِ على المُشْتَرِي. وَالبَيْعُ فِي القَوْلَيْنِ لَنْ يَنْتَقِضَا وَالْمُشْتَرِي لَهُ المبيعُ مُقْتضَى (وَالْبيع فِي) كل من (الْقَوْلَيْنِ لن ينتقضا) بل هُوَ لَازم للمتبايعين، سَوَاء قُلْنَا بقول أصبغ أَو بقول ابْن الْمَاجشون (و) إِذا كَانَ لَازِما ف (المُشْتَرِي) يكون (لَهُ الْمَبِيع) حَال كَونه (مُقْتَضى) وَمَفْهُوم قَوْله: وَالْمُشْتَرِي لَهُ للْآمِر أنكرا الخ. أَنه إِذا لم يُنكر فَإِن الشَّيْء الْمُشْتَرى يكون لَهُ وَلَا إِشْكَال، وَكَذَا لَو ادّعى الْمَأْمُور أَنه إِنَّمَا اشْترى بذلك المَال لنَفسِهِ لَا لمُوكلِه لِأَنَّهُ مَأْذُون لَهُ فِي التَّصَرُّف وكل من أذن لَهُ فِي التَّصَرُّف كَالْوَكِيلِ والمقارض والمبضع مَعَه إِذا ادّعى الشِّرَاء لنَفسِهِ لَا يُمكن من أَخذ الشَّيْء الْمُشْتَرى لِأَنَّهُ لَا يربح على تعديه بِالشِّرَاءِ لنَفسِهِ كَمَا قَالَ (خَ) فِي الْقَرَاض: ككل آخذ مَالا للتنمية فتعدى، بِخِلَاف من لم يُؤذن لَهُ فِي التَّصَرُّف كَالْمُودعِ وَالْوَصِيّ وَالْغَاصِب
[ ٢ / ١٥٣ ]
إِذا ادعوا الشِّرَاء لأَنْفُسِهِمْ فَإِن الشَّيْء الْمُشْتَرى يكون لَهُم وَالرِّبْح لَهُم والخسارة عَلَيْهِم، وَكَذَا الْوَكِيل إِذا أتجر بِالثّمن الَّذِي بَاعَ بِهِ أَو أَخذ مَالا لشراء سلْعَة فتجر بِهِ قبل شِرَائهَا فَإِن الرِّبْح لَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ، لِأَنَّهُ كَالْمُودعِ عِنْده مَا لم يقل الْوَكِيل وَنَحْوه: اشْتَرَيْته بِمَالي وَكَانَ لَهُ مَال من غير مَال مُوكله فَإِنَّهُ يصدق قَالَه (ز) آخر بَاب الْوكَالَة، وَانْظُر قبل ثَمَانِيَة أوراق من أَوَاخِر الْوكَالَة من ابْن عَرَفَة، وَانْظُر مَا تقدم فِي الْوكَالَة عِنْد قَوْله: وَمن خُصُومَة مُعينَة الخ.