مفاعلة من السَّقْي وَأَصله مساقية تحركت الْيَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا فتكتب بِالْهَاءِ وتنصب الفتحة لِأَنَّهَا مُفْردَة ولفظها مفاعلة، أما من الْوَاحِد وَهُوَ قَلِيل كسافر وَعَافَاهُ الله أَو يُلَاحظ فِيهَا العقد وَهُوَ مِنْهُمَا، فَيكون من التَّعْبِير بالمتعلق بِالْفَتْح وَهُوَ الْمُسَاقَاة عَن الْمُتَعَلّق بِالْكَسْرِ وَهُوَ العقد وَهِي رخصَة مُسْتَثْنَاة من كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج مِنْهَا، وَذَلِكَ فِي بعض صورها كالبياض الَّذِي بَين الْأَشْجَار يعْمل فِيهِ الْعَامِل بِجُزْء من زرعه وَمن بيع الثَّمَرَة وَالْإِجَارَة بهَا قبل طيبها وَقبل وجودهَا، وَمن الْإِجَارَة المجهولة وَمن بيع الْغرَر قَالَه عِيَاض. قَالَ فِي الْكَافِي: وَمعنى الْمُسَاقَاة أَن يدْفع الرجل كرمه أَو حَائِط نخله أَو شَجَرَة تينه أَو زيتونه أَو سَائِر مثمر شَجَره لمن يَكْفِيهِ الْقيام بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من السَّقْي وَالْعَمَل على أَن مَا أطْعم الله من ثَمَرهَا يكون بَينهمَا نِصْفَيْنِ أَو على جُزْء مَعْلُوم من الثَّمَرَة. ابْن عَرَفَة: هِيَ عقد على عمل مُؤنَة النَّبَات بِقدر لَا من غير غَلَّته لَا بِلَفْظ بيع أَو إِجَارَة أَو جعل فَيدْخل قَوْلهَا لَا بَأْس بالمساقاة على أَن كل الثَّمَرَة لِلْعَامِلِ ومساقاة البعل انْتهى. فَقَوله: بِقدر يَشْمَل مَا إِذا كَانَ الْقدر كل الثَّمَرَة أَو بَعْضهَا، وَلذَا قَالَ: فَيدْخل الخ. وَلَو عبر بِجُزْء لم يَشْمَل ذَلِك وَهُوَ عطف على مُقَدّر أَي يقدر من غَلَّته لَا من غير غَلَّته وَلَا تَنْعَقِد عَن ابْن الْقَاسِم إِلَّا بلفظها، وَعند سَحْنُون بِكُل مَا يدل عَلَيْهَا وَلَو بِلَفْظ الْإِجَارَة
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَهُوَ مُقْتَضى تَعْرِيف ابْن عَرَفَة الْمُتَقَدّم، وَيُؤَيِّدهُ مَا تقدم صدر الْإِجَارَة من أَنه إِذا قَالَ لَهُ: بِعْتُك سُكْنى دَاري فَذَلِك غلط فِي اللَّفْظ وَهُوَ كِرَاء صَحِيح. وَقَالَ ابْن يُونُس حَسْبَمَا نَقله الْبُرْزُليّ وَغَيره فِي المغارسة مَا نَصه: وَلَا فرق بَين أساقيك وأواجرك وَلَا يضر قبح اللَّفْظ إِذا حسن الْعَمَل، وَلم يفرق ابْن الْقَاسِم بَينهمَا وَهُوَ أصوب انْتهى. فعلى هَذَا لِابْنِ الْقَاسِم قَولَانِ وَافق فِي أَحدهمَا قَول سَحْنُون، وَصَوَّبَهُ ابْن يُونُس كَمَا ترى وَذَلِكَ مِمَّا يرجح مَا عَلَيْهِ عمل النَّاس الْيَوْم من عقدهَا بِغَيْر لَفظهَا، وَإِن كَانَ (خَ) اقْتصر على الأول فَقَالَ: بساقيتك الخ. فَلَا يشوش بِهِ على النَّاس الْيَوْم وَالله أعلم. إنَّ المُسَاقَاةَ عَلَى المُخْتَارِ لَازِمْةٌ بالْعَقْدِ فِي الأَشْجَارِ (إِن الْمُسَاقَاة على) القَوْل (الْمُخْتَار) وَهُوَ مَذْهَب الْمُدَوَّنَة وَالْأَكْثَر (لَازِمَة بِالْعقدِ) وَإِن لم يشرع فِي الْعَمَل وَقيل إِنَّمَا تلْزم بِالشُّرُوعِ، وَقيل بالحوز كَمَا فِي ابْن عَرَفَة (فِي الْأَشْجَار) مُتَعَلق بالمساقاة أَو بتجوز مُقَدرا. وَالزرْعِ لَمْ يَيْبَسْ فَقَدْ تَحَقَّقَا قيلَ مَعَ العَجْزِ وقيلَ مُطْلَقَا (و) تجوز أَيْضا فِي (الزَّرْع) حَال كَونه (لم ييبس) أَي لم يطب، وَهَذَا الشَّرْط لَا يخْتَص بالزرع بل هُوَ شَرط حَتَّى فِي ثَمَر الْأَشْجَار وَمثل الزَّرْع المقثاة والباذنجان والقرع والبصل والقصب واللفت والجزر. وَلما كَانَت هَذِه الْأُمُور مُلْحقَة بالثمار لِأَن السّنة إِنَّمَا وَردت بالمساقاة فِيهَا خَاصَّة اشْترط الإِمَام لجَوَاز الْمُسَاقَاة فِي هَذِه الْأُمُور شُرُوطًا. أَحدهَا: عدم الطّيب وَهُوَ لَا يخْتَص بالزرع والملحق بِهِ كَمَا مر، وَثَانِيها: أَن تبرز من الأَرْض وتستقل لتصير مشابهة للشجر وَهُوَ معنى قَوْله: (وَقد تحققا) أَي: وَالْحَال أَنه قد تحقق كَونه زرعا بِأَن بزر من الأَرْض واستقل فَلَا تصح الْمُسَاقَاة فِيهَا قبل ذَلِك، وَثَالِثهَا: أَن يعجز رَبهَا عَن الْقيام بعملها الَّذِي لَا تتمّ وَلَا تنمو إِلَّا بِهِ وَهُوَ معنى قَوْله: (قيل مَعَ الْعَجز) أَي إِنَّمَا تجوز الْمُسَاقَاة فِيهَا إِذا عجز عَن الْقيام بهَا بِخِلَاف ثمار الْأَشْجَار، فَإِنَّهَا تجوز الْمُسَاقَاة فِيهَا، وَإِن لم تبرز ثَمَرَتهَا وَإِن لم يعجز رَبهَا وَاشْتِرَاط الْعَجز فِي الزَّرْع، وَمَا ألحق بِهِ هُوَ الْمَشْهُور. ٦ (وَقيل مُطلقًا) وَهُوَ لِابْنِ نَافِع تجوز فِي الزَّرْع وَمَا ألحق بِهِ، وَإِن لم يعجز عَنهُ ربه وعَلى الأول اقْتصر (خَ) إِذْ قَالَ: كزرع وقصب ومقثاة إِن عجز ربه وَخيف مَوته وبرز وَلم يبد صَلَاحه. وَأَلْحَقُوا المقاثِي بالزَّرْعِ وَمَا كالْوَرْدِ وَالْقُطْنِ عَلَى مَا قُدِّمَا (وألحقوا المقاثي بالزرع) فِي الْجَوَاز بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة كَمَا مر. (وَمَا) مُبْتَدأ (كالورد) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف صلَة (والقطن) مَعْطُوف عَلَيْهِ (على مَا قدما) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف خبر، وَالتَّقْدِير وَمَا ثَبت
[ ٢ / ٣١٤ ]
كالورد وَالريحَان والياسمين والقطن تجوز مساقاته على مَا تقدم من الْخلاف فِي الزَّرْع هَل يشْتَرط الْعَجز أم لَا (خَ): وَهل كَذَلِك الْورْد وَنَحْوه والقطن لَا تجوز مُسَاقَاة ذَلِك إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدّمَة فِي الزَّرْع أَو هِيَ كالأشجار فَلَا يشْتَرط فِيهَا ذَلِك، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، بل حكى ابْن رشد عَلَيْهِ الِاتِّفَاق فَلَا أقل أَن يكون ذَلِك مَشْهُور، تَأْوِيلَانِ ومحلهما فِي الْقطن الَّذِي تجنى ثَمَرَته وَيبقى أَصله يُثمر مرّة أُخْرَى، وَأما مَا لَا يجنى إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَإِنَّهُ كالزرع بِاتِّفَاق. وَامْتَنَعَتْ فِي مَخْلِفِ الإِطْعَام كَشَجَرِ المَوْزِ عَلَى الدَّوَام (وامتنعت) الْمُسَاقَاة (فِي مخلف اطعام كشجر الموز) إِلَّا تبعا لما تجوز مساقاته (خَ): إِنَّمَا تصح مُسَاقَاة شجر ذِي ثَمَر وَلم يحل بَيْعه وَلم يخلف إِلَّا تبعا، وأدخلت الْكَاف القضب بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْمُسَمّى عندنَا بالفصة والكزبرة، والقرط بِضَم الْقَاف مَا يرْعَى من العشب، والبقل، وَتقدم تَفْسِيره فِي الجوائح وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يخلف بعد جذه (على الدَّوَام) يتَعَلَّق بمخلف وَلَا بَأْس بشرَاء ثَمَرَة الموز إِذا حل بيعهَا وَشرط بَطنا أَو شهرا (خَ): وَوَجَب ضرب الْأَجَل ان اسْتمرّ كالموز، وَقد تحصل أَن الْأُصُول ثَلَاثَة أَصْنَاف أصُول ثَابِتَة، وَإِنَّمَا تجذ ثَمَرَتهَا فَتجوز مساقاتها وأصول غير ثَابِتَة وَهِي الَّتِي يجذ أَصْلهَا مَعَ ثَمَرَتهَا كالزرع واللفت وَنَحْوهمَا، فَلَا تجوز مساقاتها إِلَّا أَن يعجز رَبهَا ويبرز من الأَرْض وأصول تجذ وتخلف كالبقل والكراث والقضب والموز لَا تجوز مساقاته قَالَه ابْن يُونُس. وَمَا يَحِلُّ بَيْعُهُ مِنَ الثَّمَرْ وَغَيْرِ مَا يُطْعِمُ مِنْ أَجْلِ الصِّغَرْ (و) امْتنعت أَيْضا فِي (مَا يحل بَيْعه من الثَّمر) لطيبه إِلَّا تبعا لما لم يطب فَإِن لم يكن تبعا لم يجز لَهُ لِأَنَّهُ ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى الْمُسَاقَاة حِينَئِذٍ لجَوَاز بيعهَا بالثمر إِذا عجز عَن جذاذها، وَلِأَنَّهُ يجوز لَهُ أَيْضا أَن يَدْفَعهَا لمن يجذها بِالنِّصْفِ أَو الرّبع إِجَارَة وجعالة كَمَا مر فِي الْجعل وَهُوَ قَول (خَ) فِي الْإِجَارَة: واحصد هَذَا وَلَك نصفه وَمَا حصدت فلك نصفه. (و) امْتنعت أَيْضا فِي (غير مَا
[ ٢ / ٣١٥ ]
يطعم) من عَامه (من أجل الصغر) كالودي وَهُوَ صغَار النّخل إِلَّا تبعا لما يطعم من عَامه. وَفي مُغَيَّبٍ فِي الأَرْضِ كالْجَزَرْ وَقَصَبِ السُّكَّرِ خُلْفٌ مُعْتَبَرْ (وَفِي) جَوَاز مُسَاقَاة (مغيب فِي الأَرْض) خبر مقدم (كالجزر) واللفت والفجل (و) فِي (قصب السكر) وَنَحْوه وَعدم جَوَاز الْمُسَاقَاة فِي ذَلِك (خلف) مُبْتَدأ (مُعْتَبر) صفة لَهُ، وَالْمَشْهُور الْجَوَاز بِشُرُوط الزَّرْع كَمَا تقدم. وَإنْ بَيَاضٌ قَلَّ مَا بَيْنَ الشَّجَرْ وَرَبُّهُ يُلْغيهِ فَهْوَ مُغْتَفَرْ (وَإِن) قل (بَيَاض) فَاعل مَحْذُوف يفسره (قل) كَمَا قَررنَا وَهُوَ الْمحل الْخَالِي من الْغَرْس سمي بَيَاضًا لإشراق أرضه بضوء الشَّمْس نَهَارا وبنور الْكَوَاكِب لَيْلًا، فَإِذا اشترت الأَرْض بزرع أَو شجر سميت سوادًا لحجبها عَن بهجة الْإِشْرَاق (مَا) زَائِدَة (بَين الشّجر) حَال (وربه يلغيه) جملَة حَالية (فَهُوَ مغتفر) جَوَاب الشَّرْط، وَالْمعْنَى أَن الْبيَاض سَوَاء كَانَ بَين الشّجر أَو مُنْفَردا عَنْهَا بِنَاحِيَة إِذا قلّ بِأَن يكون كراؤه مُنْفَردا مائَة وَالثَّمَرَة على الْمُعْتَاد مِنْهَا بعد إِسْقَاط مَا أنْفق عَلَيْهَا تَسَاوِي مِائَتَيْنِ يغْتَفر إلغاؤه لِلْعَامِلِ فَيخْتَص بِمَا يزرع فِيهِ، وَسَوَاء ألغي لَهُ باشتراطه إِيَّاه عِنْد العقد أَو سكتا عَنهُ عِنْده (خَ): وألغي لِلْعَامِلِ إِن سكتا عَنهُ أَو اشْتَرَطَهُ الخ. وَمَا فِي حَاشِيَة ابْن رحال: من أَنه عِنْد السُّكُوت يبْقى لرَبه على الرَّاجِح خلاف الْمُعْتَمد كَمَا فِي حَاشِيَة الرهوني. ابْن يُونُس: وَلَو ادّعى رب الْحَائِط قبل الْعَمَل أَنه اشْتَرَطَهُ لنَفسِهِ تحَالفا وتفاسخا، وَإِذا ألغي لِلْعَامِلِ فزرعه لنَفسِهِ ثمَّ أجيحت الثَّمَرَة كَانَ عَلَيْهِ كِرَاء الْبيَاض لِأَنَّهُ لم يُعْطه إِيَّاه إِلَّا على عمل السوَاد، فَلَمَّا ذهب السوَاد كَانَ لَهُ أَن يرجع بالكراء، وَكَذَا لَو عجز عَن إتْمَام الْعَمَل كَانَ عَلَيْهِ الْبيَاض بكرَاء مثله، وَمَفْهُوم قَوْله: قل إِنَّه إِذا لم يكن تبعا بل كَانَ كراؤه أَكثر من مائَة فِي الْمِثَال الْمَذْكُور لم يجز إلغاؤه بل يبْقى لرَبه فَإِن اشْتَرَطَهُ الْعَامِل فَسدتْ. وَجازَ أنْ يَعْمَلَ ذَاكَ العامِلُ لكِنْ بِجُزْءِ جُزْئهَا يُمَاثِلُ
[ ٢ / ٣١٦ ]
(وَجَاز أَن يعْمل ذَاك) الْبيَاض الْقَلِيل كَمَا فِي الْمِثَال الْمُتَقَدّم (الْعَامِل) فِي الشّجر وَتَكون فَائِدَته بَينهمَا (لَكِن) بِشُرُوط أَحدهَا أَن يكون عمله فِيهِ (بِجُزْء) من نَعته وَصفته (جزئها) أَي الْمُسَاقَاة مفعول بقوله (يماثل) كالربع أَو النّصْف فيهمَا مَعًا، فَلَو كَانَ على الرّبع فِي الثَّمَرَة وَالنّصف فِي الْبيَاض لم يجز على الْمَشْهُور، وَمذهب ابْن الْقَاسِم لِأَن الْمُسَاقَاة إِنَّمَا جَازَت فِيهِ بِحَسب التبع فَلَا بُد أَن يكون جزؤه مُوَافقا لما هُوَ تبع لَهُ، وَذهب أصبغ إِلَى عدم اشْتِرَاط مُوَافقَة جُزْء الْبيَاض للحائط وَعَلِيهِ فَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم من مُسَاقَاة الْبيَاض بِأَكْثَرَ من جُزْء الْحَائِط لَهُ مُسْتَند، فَلَا يشوش عَلَيْهِم بارتكابهم لغير الْمَشْهُور قَالَه المسناوي، وَأَشَارَ لثاني الشُّرُوط بقوله: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا يَزْدَرِعُ مِنْ عِنْدِهِ وَجُزْءُ الأَرْضِ تَبَعُ (بِشَرْط أَن يكون مَا يزدرع) فِي الْبيَاض (من عِنْده) أَي من عِنْد الْعَامِل لِأَنَّهُ من جملَة مُؤنَة الْمُسَاقَاة، وَلِأَنَّهُ لم يرد عَنهُ ﵇ أَنه بعث إِلَى أهل خَيْبَر بزريعة وَلَا غَيرهَا، فَلَو كَانَ بذره من عِنْد ربه أَو من عِنْدهمَا فَسدتْ لخُرُوج الرُّخْصَة عَن محلهَا، وَأَشَارَ لثالث الشُّرُوط بقوله: (وجزء الأَرْض) أَي والجزء الَّذِي هُوَ الأَرْض الْبيَاض (تبع) لقيمة ثَمَرَة الْحَائِط كَمَا تقدم فِي الْمِثَال وَهَذَا الشَّرْط مُسْتَغْنى عَنهُ بقوله (قل) إِلَّا أَن يكون قصد بِهِ تَفْسِير الْقلَّة (خَ): وكبياض نخل أَو زرع إِن وَافق الْجُزْء وبذره الْعَامِل وَكَانَ ثلثا بِإِسْقَاط كلفة الثَّمَرَة الخ. وَالْحَاصِل أَن الْبيَاض لَا يجوز إِدْخَاله فِي الْمُسَاقَاة إِلَّا بِهَذِهِ الشُّرُوط الثَّلَاثَة فَإِن اخْتَلَّ وَاحِد مِنْهَا فسد عقد الْمُسَاقَاة وَيرد الْعَامِل إِلَى مُسَاقَاة مثله فِي الْحَائِط وَإِلَى أُجْرَة مثله فِي الْبيَاض. وَحَيْثُمَا اشْتَرَطَ رَبُّ الأَرْضِ فَائِدَهُ فَالْفَسْخُ أمْرٌ مَقْضِي (وحيثما شَرط رب الأَرْض فائده) أَي الْبيَاض الْيَسِير لنَفسِهِ (فالفسخ) لعقد الْمُسَاقَاة (أَمر مقضي) بِهِ على الْمَشْهُور لِأَن سقِي الْعَامِل يَنَالهُ فَكَانَ ذَلِك زِيَادَة اشْتِرَاطهَا رب الْحَائِط على الْعَامِل، وَقيل يجوز لرَبه اشْتِرَاطه لنَفسِهِ لِأَن الْعَامِل لَا يتَكَلَّف لذَلِك زِيَادَة فِي الْعَمَل لِأَنَّهُ يسْقِي شَجَره وَمَا ينْتَفع بِهِ الْبيَاض بعد ذَلِك كَالَّذي ينْتَفع بِهِ الْجَار اه. وَعَلِيهِ فَلَا يشوش على من فعله كَمَا مر عَن المسناوي، وَهَذَا إِذا كَانَ يَنَالهُ سقِي الْعَامِل، وَأما إِن كَانَ لَا يَنَالهُ أَو كَانَ بعلًا فَلَا إِشْكَال أَنه لرَبه، وَهَذَا كُله فِي الْبيَاض الْيَسِير كَمَا مر. وَأما الْكثير فَلَا يَصح إِدْخَاله فِي الْمُسَاقَاة
[ ٢ / ٣١٧ ]
وَلَا أَن يلغى لِلْعَامِلِ، بل يبْقى لرَبه كَمَا مر، وَظَاهر إطلاقاتهم وَلَو كَانَ سقِي الْعَامِل يَنَالهُ. وَقَوْلنَا: فالفسخ الخ. ظَاهره وَلَو بعد الْعَمَل وَهُوَ كَذَلِك وَيكون لَهُ أُجْرَة مثله فِيهِ ومساقاة مثله فِي الْحَائِط. وَلَا تَصِحُّ مَعْ كِرَاءٍ لَا وَلَا شَرْطِ البَيَاضِ لِسوَى مَنْ عَمِلا (وَلَا تصح) الْمُسَاقَاة (مَعَ كِرَاء) فِي عقد وَاحِد كَقَوْلِه: اكتر لي دَارك بدرهم على أَن نعمل فِي حائطك مُسَاقَاة بِربع الثَّمَرَة لِأَنَّهَا من الْعُقُود الَّتِي لَا يجْتَمع اثْنَان مِنْهَا فِي عقد وَاحِد كَمَا مر صدر الْبيُوع (لَا) توكيد للا الَّتِي قبلهَا (وَلَا) تصح أَيْضا مَعَ (شَرط الْبيَاض) الْيَسِير (لسوى من عملا) وَهُوَ رب الْحَائِط أَو الْأَجْنَبِيّ وَأما شَرطه لِلْعَامِلِ فَهُوَ جَائِز، وَهَذَا الشّطْر مُكَرر مَعَ قَوْله قبله وحيثما الخ. وَلَا اشْتِرَاط عَمَلٍ كَثِيرِ يَبْقَى لَهُ كَمِثْلِ حَفْرِ بِيرِ (وَلَا) يَصح أَيْضا مَعَ (اشْتِرَاط عمل كثير) على الْعَامِل (يبْقى لَهُ) أَي لرب الْحَائِط (كَمثل حفر بير) أَو عين أَو بِنَاء حَائِط أَو بَيت، وَمَفْهُوم كثير أَن الْعَمَل الْقَلِيل لَازم لَهُ (خَ): وَلزِمَ عاملها مَا يفْتَقر لَهُ عرفا أَي وَلَا يشْتَرط تَفْصِيله لقِيَام الْعرف مقَام الْوَصْف، فَإِن لم يكن عرف أصلا أَو كَانَ وَلم يَنْضَبِط أَو انضبط وَلم يُعلمهُ الْعَامِل فَلَا بُد من الْبَيَان وَالْقَوْل لِلْعَامِلِ أَنه لم يُعلمهُ، ثمَّ إِن الَّذِي يجب عَلَيْهِ هُوَ مَا يتَعَلَّق بإصلاح الثَّمَرَة. قَالَ فِي الْمُقدمَات: عمل الْعَامِل إِن لم يتَعَلَّق بإصلاح الثَّمَرَة لم يلْزم الْعَامِل وَلَا يَصح أَن يشْتَرط عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا الْيَسِير كشد الحظيرة بالظاء المشالة أَي الزرب الَّذِي بِأَعْلَى الْحَائِط يمْنَع التسور عَلَيْهِ من الْحَظْر وَهُوَ الْمَنْع، وكإصلاح الضفيرة وَهِي عيدَان تضفر وتطين ليجتمع فِيهَا المَاء كالصهريج قَالَ: وَإِن تعلق بإصلاح الثَّمَرَة وَكَانَ يَنْقَطِع بانقطاعها أَو يبْقى بعْدهَا الشَّيْء الْيَسِير، فَهَذَا يلْزم المساقي وَذَلِكَ كالحفر الَّذِي يمْنَع الدُّخُول للحائط والسقي وزبر الْكَرم وتقليم الشّجر وَإِصْلَاح مَوَاضِع السَّقْي وجلب المَاء وجذاذ الثَّمَرَة وتبقية مَنَافِع الشّجر وَنَحْو ذَلِك، وَأما مَا يبْقى بعد انقطاعها وَينْتَفع بِهِ رَبهَا كحفر بِئْر أَو بِنَاء بَين يجمع فِيهِ ثَمَرهَا كالجرين أَو إنْشَاء غرس، فَلَا يلْزم الْعَامِل وَلَا يجوز اشْتِرَاطه عَلَيْهِ اه. بِاخْتِصَار وَزِيَادَة للإيضاح. وَلَا اخْتِصَاصِهِ بِكَيْلٍ أَوْ عَدَدْ أَوْ نَخْلةٍ مِمَّا عَلَيْهِ قَدْ عَقَدْ
[ ٢ / ٣١٨ ]
(وَلَا) تصح أَيْضا مَعَ اشْتِرَاط (اخْتِصَاصه) أَي رب الْحَائِط أَو الْعَامِل (بكيل) كوسق لي وَالْبَاقِي بَيْننَا على الْجُزْء الَّذِي دَخَلنَا عَلَيْهِ (أَو عدد) كألف رمانة أَو مائَة أترجة أَو بطيخة وَالْبَاقِي بَينهمَا على مَا دخلا عَلَيْهِ، (أَو) شَرط اخْتِصَاصه بثمر (نَخْلَة مِمَّا) أَي من النخيل الَّذِي (عَلَيْهِ قد عقد) الْمُسَاقَاة يتنازعه الْكَيْل وَمَا بعده، وَمَفْهُوم قَوْله: مِمَّا عَلَيْهِ قد عقد أحروي فِي الْمَنْع، فَلَا يجوز اشْتِرَاط اخْتِصَاص الْعَامِل أَو رب الْحَائِط بكيل من حِنْطَة أَو ثَمَرَة نخل أَو عدد من دَنَانِير أَو عرض أَو من الرُّمَّان مثلا أَو ثَمَر نَخْلَة من غير مَا وَقعت عَلَيْهِ الْمُسَاقَاة، لِأَنَّهُ إِن كَانَ الدَّافِع من عِنْده هُوَ الْعَامِل فقد خرجا عَن الْمُسَاقَاة إِلَى بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَإِن كَانَ الدَّافِع هُوَ رب الْحَائِط فَهُوَ إِجَارَة فَاسِدَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ واجره على الْعَمَل بِمَا أعطَاهُ لَهُ وبجزء من ثَمَرَة مَا يعْمل فِيهِ فَيرد الْعَامِل إِلَى أُجْرَة مثله فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَا شَيْء لَهُ فِي الثَّمَرَة كَمَا قَالَ (خَ): فَلهُ أُجْرَة مثله إِن خرجا عَنْهَا كَانَ ازْدَادَ عينا أَو عرضا الخ. نعم إِذا لم يجد رب الْحَائِط عَاملا إِلَّا مَعَ دَفعه لَهُ شَيْئا زَائِدا على الْجُزْء فَإِنَّهَا تصح للضَّرُورَة كَمَا تقدم عَن ابْن سراج فِي الْإِجَارَة قَالَه (ز) وَاحْترز بقوله بكيل الخ. مِمَّا إِذا ساقاه على أَن لأَحَدهمَا جُزْءا من عشرَة أَو خَمْسَة أَو أقل أَو أَكثر أَو الْبَاقِي بَينهمَا نِصْفَيْنِ مثلا فَإِنَّهُ جَائِز لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى جُزْء مَعْلُوم لأَحَدهمَا خَمْسَة وَنصف وَللْآخر أَرْبَعَة وَنصف قَالَه اللَّخْمِيّ. وَهيَ بِشَرْطٍ أَوْ بِمَا قَد اتُّفِقْ بِهِ وَحَدُّ أَمَدٍ لَهَا يَحِقْ (وَهِي) أَي الْمُسَاقَاة تصح (بِشَطْر) من الثَّمَرَة أَي نصفهَا (أَو بِمَا قد اتّفق) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول (بِهِ) أَي عَلَيْهِ من ثلث الثَّمَرَة أَو ربعهَا أَو خمسها أَو ثَلَاثَة أرباعها أَو كلهَا كَمَا مر عَن ابْن عَرَفَة من أَنه تجوز الْمُسَاقَاة على أَن كل الثَّمَرَة لِلْعَامِلِ اللَّخْمِيّ: وَالْمُسَاقَاة تجوز على النّصْف حَسْبَمَا ورد فِي الحَدِيث، أَنه ﵇ ساقى أهل خَيْبَر بِشَطْر الثَّمَرَة وعَلى الثُّلُث وَالرّبع وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل الخ (خَ): بِجُزْء قل أَو كثر شاع وَعلم الخ. (وحد أمد) أَي أجل من سنة فَأكْثر (لَهَا يحِق) وَظَاهره الْوُجُوب وَالَّذِي فِي الْمُدَوَّنَة والشأن فِي الْمُسَاقَاة إِلَى الْجذاذ قَالَ: وَلَا تجوز شهرا وَلَا سنة محدودة وَهِي للجذاذ إِذا لم يؤجلا وَإِن كَانَت تطعم فِي الْعَام مرَّتَيْنِ فَهِيَ إِلَى الْجذاذ الأول حَتَّى
[ ٢ / ٣١٩ ]
يشْتَرط الثَّانِي اه. وَهُوَ معنى قَول (خَ): واقتت بالجذاذ وحملت على أول إِن لم يشْتَرط الخ. وَقَالَ فِي الْمعِين: وَالصَّوَاب أَن تؤرخ الْمُسَاقَاة بالشهور العجمية الَّتِي فِيهَا الْجذاذ فَإِن أرخت بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن انْقَضتْ قبل الْجذاذ تَمَادى الْعَامِل إِلَيْهِ إِلَّا أَنه يسْتَحبّ أَن تكون الْمُسَاقَاة من سنة إِلَى أَربع، فَإِن طَالَتْ السنون جدا فسخت اه. وَفِي (ح) مَا نَصه: فَتحصل أَن الْمُسَاقَاة تؤقت بالجذاذ سَوَاء عقداها لعام وَاحِد أَو لسنين مُتعَدِّدَة فَإِن عقداها وأطلقا حملت على الْجذاذ، وعَلى أَنَّهَا لعام وَاحِد، وَإِن عقداها لسنة أَو سنتَيْن وأطلقا حملت أَيْضا على الْجذاذ، وَإِن أَرَادَ التَّحْدِيد بِانْقِضَاء السّنة الْعَرَبيَّة أَو السنين الْعَرَبيَّة لم تجز وتفسد الْمُسَاقَاة بذلك اه. تَنْبِيه: قَالَ أَبُو الْحسن: الْمُسَاقَاة تجوز بِثمَانِيَة شُرُوط. أَولهَا: أَنَّهَا لَا تصح إِلَّا فِي أصل يُثمر أَو مَا فِي مَعْنَاهُ من ذَوَات الأزهار والأوراق المنتفع بهَا كالورد والآس يَعْنِي الريحان. ثَانِيهَا: أَن تكون قبل طيب الثَّمَرَة وَجَوَاز بيعهَا. ثَالِثهَا: أَن تكون إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة مَا لم تطل جدا أَو إِلَى الْجذاذ إِذا لم يؤجلا. رَابِعهَا: أَن تكون بِلَفْظ الْمُسَاقَاة لِأَن الرُّخص تفْتَقر إِلَى أَلْفَاظ تخْتَص بهَا. خَامِسهَا: أَن تكون بِجُزْء مشَاع لَا على عدد من آصَع أَو أوسق. سادسها: أَن يكون الْعَمَل كُله على الْعَامِل. سابعها: أَن لَا يشْتَرط أَحدهمَا من الثَّمَرَة وَلَا من غَيرهَا شَيْئا معينا خَاصّا بِنَفسِهِ. ثامنها: أَن لَا يشْتَرط على الْعَامِل أَشْيَاء خَارِجَة عَن الثِّمَار أَو مُتَعَلقَة بالثمرة وَلَكِن تبقى بعد الثَّمَرَة مِمَّا لَهُ قدر وبال اه. وَزَاد بَعضهم تاسعًا وَهُوَ أَن يكون الشّجر مِمَّا لَا يخلف اه. وجلها فِي النّظم كَمَا يعلم بِأَدْنَى تَأمل، وَقد تقدم أول الْبَاب مَا فِي الشَّرْط الرَّابِع من الْخلاف. وَالدَّفْعُ لِلزَّكَاةِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ بَيْنَهُمَا بِنِسْبِةِ الْجُزْءِ فَقَطْ (وَالدَّفْع لِلزَّكَاةِ) مُبْتَدأ (إِن لم يشْتَرط) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه ضمير الْمُبْتَدَأ (بَينهمَا) خبر (بِنِسْبَة الْجُزْء) حَال من الضَّمِير فِي مُتَعَلق الْخَبَر (فَقَط) وَالْمعْنَى أَن المتساقيين إِذا عقدا الْمُسَاقَاة وَلم يشْتَرط أَحدهمَا على صَاحبه إِخْرَاج الزَّكَاة من نصِيبه، فَإِنَّهَا تخرج ابْتِدَاء، ثمَّ يكون الْبَاقِي بَينهمَا
[ ٢ / ٣٢٠ ]
على مَا اتفقَا عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَ يبْدَأ بهَا فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد أعْطى من الزَّكَاة بِقدر نصِيبه من الثَّمَرَة وَهُوَ معنى قَوْله: بِنِسْبَة الْجُزْء أَي جُزْء الْغلَّة فَمن لَهُ مِنْهَا ربع فقد أعْطى عشر الرّبع وَهَكَذَا. وَمَفْهُوم الشَّرْط أَنه إِذا اشْترطت الزَّكَاة على أَحدهمَا كَانَت عَلَيْهِ وَحده وَهُوَ كَذَلِك قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَلَا بَأْس أَن تشْتَرط الزَّكَاة فِي حَظّ أَحدهمَا لِأَنَّهُ يرجع إِلَى جُزْء مَعْلُوم ساقى عَلَيْهِ فَإِن لم يشْتَرط شَيْئا فشأن الزَّكَاة أَن يبْدَأ بهَا ثمَّ يقتسمان مَا بَقِي ثمَّ إِن الزَّكَاة إِنَّمَا تجب وَيبدأ بهَا إِن كَانَ رب الْحَائِط أَهلا لَهَا وثمره أَو مَا يضمه لَهُ من غَيره نِصَابا وَإِن كَانَ الْعَامِل من غير أَهلهَا لِأَنَّهُ أجِير، فَإِن لم يكن ربه من أَهلهَا كَكَوْنِهِ رَقِيقا أَو كَافِرًا أَو لم تبلغ هِيَ أَو مَعَ مَا لَهُ من غَيرهَا نِصَابا لم تجب عَلَيْهِ وَلَا على الْعَامِل فِي حِصَّته، وَلَو كَانَت نِصَابا وَهُوَ من أَهلهَا لِأَنَّهُ أجِير، وَلذَا قَالَ اللَّخْمِيّ: يزكّى الْحَائِط مُدَّة الْمُسَاقَاة على ملك ربه فَإِن كَانَ جَمِيعه خَمْسَة أوسق كَانَت فِيهِ الزَّكَاة وَإِن لم ينب كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا وسقان وَنصف ويزكى الْعَامِل وَإِن كَانَ عبدا أَو نَصْرَانِيّا وَإِن كَانَ الْحَائِط لعبد أَو نَصْرَانِيّ لم يزك الْعَامِل وَإِن صَار لَهُ نِصَاب وَهُوَ حر مُسلم اه. تَنْبِيه: فَإِن لم تجب الزَّكَاة لنقصانها عَن النّصاب وَقد اشترطها أَحدهمَا على صَاحبه فَقيل: يلغى الشَّرْط وَتَكون الثَّمَرَة بَينهمَا على مَا دخلا عَلَيْهِ، وَبِه صدر فِي الشَّامِل، وَقيل: وَهُوَ الْمُعْتَمد وَبِه صدر فِي الْمُتَيْطِيَّة يقتسمان الثَّمَرَة عشرَة أَجزَاء وَيكون لِلْعَامِلِ مِنْهَا أَرْبَعَة حَيْثُ ساقاه على النّصْف ولربها سنة حَيْثُ اشْترطت على الْعَامِل وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ. قَالَ اللَّقَّانِيّ فِي حَوَاشِي ضيح: هَذَا القَوْل هُوَ الْجَارِي على الصَّحِيح فِي بَاب الْقَرَاض من أَن جُزْء الزَّكَاة لمشترطه (خَ): وَهُوَ للمشترط وَإِن لم تجب الخ. تَنْبِيه: قَالَ الشَّيْخ بناني فِي حَاشِيَته عَن بعض شُيُوخه: وَالصَّوَاب أَيْضا أَن الخماس كالمساقي فالزكاة على رب الزَّرْع إِن كَانَ من أَهلهَا وَكَانَ عِنْده نِصَاب وإلاَّ فَكَمَا تقدم فِي المساقي ثمَّ مَا فضل بعد أَخذ الزَّكَاة يكون بَينهمَا على مَا دخلا عَلَيْهِ اه. قلت: ذكر فِي المعيار عَن الْبُرْزُليّ أَنه اخْتلف فِي شركَة الخماس فَقيل: جَائِزَة لِأَنَّهُ شريك وَهُوَ قَول سَحْنُون وَقيل غير جَائِزَة لِأَنَّهُ أجِير وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم. وَفَائِدَة الْخلاف تظهر فِي الزَّكَاة فعلى قَول ابْن الْقَاسِم إِنَّمَا لَهُ إجَازَة مثله فزكاة الزَّرْع على ربه، وعَلى قَول سَحْنُون على الخماس زَكَاة زرعه اه. وعَلى جَوَازهَا للضَّرُورَة درج فِي العمليات إِذْ قَالَ: وَأُجْرَة الخماس أَمر مُشكل وللضرورة بهَا تساهل وَحِينَئِذٍ فعلى الخماس زَكَاة زرعه كَمَا عَلَيْهِ النَّاس الْيَوْم، وَقد قَالَ الْبُرْزُليّ فِي نَوَازِل الزَّكَاة مَا نَصه: وَلَا زَكَاة على شريك فِي مِيرَاث أَو غَيره حَتَّى يبلغ نصِيبه نِصَابا وَمثله الخماس الْيَوْم لِأَنَّهُ شريك اه. وَقد ذكر فِي المعيار عَن ابْن لب أَن مَا ارْتَكَبهُ النَّاس وتقادم فِي عرفهم وَجرى بِهِ عَمَلهم يَنْبَغِي أَن يلْتَمس لَهُ وَجه شَرْعِي مَا أمكن على خلاف أَو وفَاق، إِذْ لَا يلْزم ارتباط الْعَمَل بِمذهب معِين وَلَا بِمَشْهُور من قَول قَائِل اه. وَالله أعلم. وَأما الَّذِي يُسمى عِنْد النَّاس الْيَوْم بالمقاطع فَإِنَّمَا يَأْخُذهُ إِجَارَة قطعا فزكاة مَا يَأْخُذهُ على رب الزَّرْع وَكَذَا عَلَيْهِ زَكَاة مَا يلقطه اللقاط الَّذِي اشْترط لقطه مَعَ الْحَصاد بِأُجْرَة، سَوَاء كَانَ الْحَصاد الَّذِي اشْترط لقطه اللقاط مَعَه هُوَ الْمُسَمّى بالمقاطع أَو غَيره. ذكر ذَلِك شَارِح الْعَمَل عَن (خَ) عِنْد قَوْله: وخدمة النِّسَاء فِي
[ ٢ / ٣٢١ ]
الْبَوَادِي الخ. وَنقل عَن المعيار أَن أُجْرَة الْحَصاد بِشَرْط اللقاط مَعَه فَاسِدَة وَإِن كَانَ زَكَاة مَا يلقطه على رب الزَّرْع لِأَن مَا يلقطه حِينَئِذٍ مؤاجر بِهِ، وَيفهم مِنْهُ أَنه لَا زَكَاة على ربه فِيمَا يلقطه إِذا لم يشْتَرط لقطه وَكَانَ اللقاط يَأْخُذهُ لنَفسِهِ. وَعَاجِزٌ مِنْ حَظَّهِ يُكَمَّلُ بالْبَيْعِ مَعْ بَدْوِ الصَّلَاحِ العَمَلُ (و) عَامل فِي الْمُسَاقَاة (عَاجز من حَظه) يتَعَلَّق بقوله (يكمل) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبه الْعَمَل آخر الْبَيْت وَالْجُمْلَة خبر عَن عَاجز و(بِالْبيعِ) يتَعَلَّق بيكمل (مَعَ بَدو الصّلاح الْعَمَل) حَال وَالتَّقْدِير وعاجز عَن إتْمَام عمله يكمل عمله من حَظه بِبيعِهِ حَال كَون عَجزه مَعَ بَدو صَلَاح الثَّمَرَة. وَحَاصِله أَنه إِذا عجز بعد بَدو الصّلاح فَإِنَّهُ يُبَاع حَظه من الثَّمَرَة ويستأجر بِثمنِهِ من يكمل الْعَمَل، فَإِن كَانَ لَهُ فضل فَلهُ وَإِن كَانَ نقص فَيتبع بِهِ إِلَّا أَن يُرْضِي رب الْحَائِط أَخذه ويعفيه من الْعَمَل فَذَلِك لَهُ قَالَه فِي ضيح، وَفهم من النَّاظِم أَنه لَا يجوز لِلْعَامِلِ أَن يساقي غَيره فِي هَذَا الْوَجْه وَهُوَ كَذَلِك، إِلَّا مُسَاقَاة فِي ثَمَر حل بَيْعه كَمَا مر. وَحَيْثُ لَمْ يَبْدُ ولَا يُوجَد مَنْ يَنُوبُ فِي ذَاكَ مَنَابَ مُؤْتَمَنْ (وَحَيْثُ) عجز الْعَامِل أَو ورثته بعد مَوته (وَلم يبد) صَلَاح الثَّمَرَة (وَلَا يُوجد من) أَي أَمِين (يَنُوب) عَنهُ (فِي ذَاك) الْعَمَل (مناب) الْعَامِل الَّذِي هُوَ (مؤتمن) عَن رب الْحَائِط. فَعَامِلُ يُلْق ﷺ
١٦٤٨ - ; ى لَهُ مَا أَنْفَقَا وَقَوْلُ خُذْ مَا نَابَ واخْرُجْ مُتَّقى (فعامل يُلقى لَهُ مَا اتفقَا) على الثَّمَرَة وَلَا شَيْء لَهُ مِنْهَا وَلَا من أُجْرَة عمله. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: وَإِذا عجز الْعَامِل عَن السَّقْي قبل طيب الثَّمَرَة قيل لَهُ سَاق من شِئْت أَمينا فَإِن لم يجد أسلم الْحَائِط إِلَى ربه (خَ): فَإِن عجز وَلم يجد أسلمه هدرا، وَظَاهره كظاهر الْمُدَوَّنَة وَالنّظم أَن الْعَامِل إِذا أسلمه وألغى نَفَقَته لزم رب الْحَائِط قبُوله وَلَا مقَال لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل لَهُ أَن لَا يقبل إِذْ من حجَّته أَن يَقُول: أَنا لَا أقبل تَسْلِيمه هدرا وَلَكِن أَنا أستأجر من يعْمل تَمام الْعَمَل وأبيع مَا صَار لَهُ من الثَّمَرَة وأستوفي مَا أدّيت، فَإِن فضل فَلهُ وَإِن نقص اتبعته بِهِ قَالَه اللَّخْمِيّ وَابْن يُونُس، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقَاسِم فِي المتزارعين، فعجز أَحدهمَا بعد الْعَمَل وَقبل الطّيب فَإِنَّهُ يُقَال لصَاحبه: اعْمَلْ فَإِذا طَابَ الزَّرْع بِعْ وَاسْتَوْفِ حَقك فَمَا فضل كَانَ لَهُ وَمَا نقص اتبعته بِهِ لِأَن الْعَمَل كَانَ لَهُ لَازِما. قَالَ فِي ضيح: وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيّن خلاف مَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام من أَنه يلْزم ربه قبُوله، وَظَاهر (خَ) أَيْضا كالمدونة وَالنّظم أَنه لَا شَيْء لِلْعَامِلِ إِذا رَضِي رب الْحَائِط بقبوله وَلَو انْتفع رب الْحَائِط بِمَا عمل الْعَامِل فِيهِ. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: لَهُ قيمَة مَا انْتفع بِهِ من الْعَمَل الأول قِيَاسا على قَوْلهم فِي الْجعل على حفر الْبِئْر، ثمَّ يتْرك اخْتِيَارا وَأتم صَاحب الْبِئْر
[ ٢ / ٣٢٢ ]
حفرهَا اه. وَشَمل قَوْلهَا أَمينا من هُوَ مثله فِي الْأَمَانَة أَو أَعلَى أَو أقل، وأصل الْأَمَانَة لَا بُد مِنْهَا فَإِن ساقى غير أَمِين ضمن وَهُوَ كَذَلِك كَمَا يَأْتِي عَن (خَ) وَمَفْهُوم قَوْله: وَلَا يُوجد من يَنُوب الخ. أَنه إِذا وجد أَمينا يَنُوب عَنهُ فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يساقيه سَوَاء عجز أَو لم يعجز وَهُوَ كَذَلِك كَمَا صرح بِهِ (خَ) حَيْثُ قَالَ عاطفًا على الْجَوَاز: ومساقاة عَامل آخر وَلَو أقل أَمَانَة وَحمل على ضدها وَضمن اه. وَدخل فِي قَول (خَ) آخر الخ. رب الْحَائِط فَإِن لِلْعَامِلِ أَن يساقيه بِجُزْء أقل من جزئه أَو مُسَاوِيا لَا بِأَكْثَرَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لدفع بعض الثَّمَرَة من حَائِط آخر وَهُوَ خلاف سنة الْمُسَاقَاة كَمَا فِي (ز) فَإِن أَرَادَ الْعَامِل أَن يساقي غَيره بِأَقَلّ أَو مُسَاوِيا طلب رب الْحَائِط أَن يَأْخُذهُ بذلك الْجُزْء الَّذِي يَأْخُذهُ بِهِ غَيره، فَالْقَوْل لَهُ وَهُوَ أَحَق بِهِ وَلَا مقَال لِلْعَامِلِ فِي ذَلِك إِن كَانَ الْجُزْء مُسَاوِيا كَمَا فِي اللَّخْمِيّ. وَأما إِن كَانَ بِأَقَلّ فَهَل لِلْعَامِلِ أَن يَقُول لَا أرْضى بأمانته إِذْ هُوَ مَحْمُول على عدمهَا حَتَّى يثبتها وَهُوَ الظَّاهِر أم لَا؟ وَمحل جَوَاز مُسَاقَاة الْعَامِل آخر مَعَ عجز أَو بِدُونِهِ إِذا لم يشْتَرط رب الْحَائِط عمل الْعَامِل بِعَيْنِه وَإِلَّا منع من مساقاته آخر كَمَا فِي (ز) وَمَفْهُوم قَوْله يلغى الخ. أَنه لَا يجوز عدم الإلغاء بِأَن يَأْخُذ الْعَامِل من رب الْحَائِط قبل الطّيب ثمنا أَو ثَمَرَة من غير الْحَائِط وينصرف وَهُوَ معنى قَوْله: (وَقَول) رب الْحَائِط لِلْعَامِلِ قبل بَدو الصّلاح (خُذ مَا نَاب) عَمَلك الْآن (واخرج) عني (متقى) أَي مَمْنُوع لِأَنَّهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا، وَأما بعد بدوه فَيجوز بِغَيْر طَعَام كدراهم أَو عرض لَا بِطَعَام لما فِيهِ من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة وبالتفاضل والنسيئة إِن كَانَ الطَّعَام من جِنْسهَا. وَمَا ذكره النَّاظِم هُوَ من الْإِقَالَة بعد الْعَمَل على شَيْء يَأْخُذهُ الْعَامِل من رب الْحَائِط قَالَ فِيهَا: وَمن ساقيته حائطك لم يجز أَن يقيلك على شَيْء تعطيه إِيَّاه كَانَ قد شرع فِي الْعَمَل أم لَا. لِأَنَّهُ غرر إِن أثمر النّخل فَهُوَ بيع الثَّمر قبل زهوه، وَإِن لم يُثمر فَهُوَ أكل المَال بِالْبَاطِلِ اه. وَقَالَ فِيهَا أَيْضا: وَمن ساقى رجلا ثَلَاث سِنِين فَلَيْسَ لأَحَدهمَا المتاركة حَتَّى تَنْقَضِي لِأَن الْمُسَاقَاة تلْزم بِالْعقدِ، وَإِن لم يعْمل وَلَيْسَ لأَحَدهمَا التّرْك إِلَّا أَن يتتاركا بِغَيْر شَيْء يَأْخُذهُ أَحدهمَا من الآخر فَيجوز، وَبِه تعلم أَنه لَا مَفْهُوم لقَوْله مَا نَاب الخ. بل كَذَلِك إِذا لم يعْمل كَمَا مر عَن الْمُدَوَّنَة، وَمَفْهُوم قَوْله: خُذ الخ. أَنه إِذا تَقَايلا مجَّانا جَازَ كَمَا مر أَيْضا عَن الْمُدَوَّنَة (خَ) وتقايلهما هدر الخ. وَكَذَا يجوز إِذا قَالَ: أَنا أكفيك الْمُؤْنَة الخ. وَخذ حظك كَامِلا بعد جذاذها من عينهَا كَمَا مر عِنْد قَوْله: وعاجز من حَظه يكمل الخ. وَمحل مَا فِي النّظم إِذا كَانَت الْإِقَالَة على شَيْء من غير ثَمَرَة الْمُسَاقَاة كَمَا قَررنَا أَو على مكيلة مُسَمَّاة مِنْهَا أَو على ثَمَرَة نَخْلَة مَعْرُوفَة مِنْهَا، وَأما على جُزْء شَائِع من ثَمَرَة الْمُسَاقَاة وَلم تطب فَإِنَّهُ يجوز قبل الْعَمَل اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ هبة لِلْعَامِلِ، وَكَذَا بعده عِنْد ابْن الْقَاسِم خلافًا لسَمَاع أَشهب، كَذَا لِابْنِ رشد. وَظَاهر قَول الْمُدَوَّنَة الْمُتَقَدّم؛ أَنه لَا يجوز التقايل على شَيْء يُعْطِيهِ إِيَّاه مُطلقًا كَانَ جُزْءا شَائِعا من ثَمَرَتهَا أم لَا. قبل الْعَمَل أم لَا. وَهَذَا كُله إِذا كَانَ الدَّافِع هُوَ رب الْحَائِط، وَكَذَا إِن كَانَ الْعَامِل
[ ٢ / ٣٢٣ ]
دفع لرب الْحَائِط دَرَاهِم وَنَحْوهَا ليقيله فَإِنَّهُ يمْنَع أَيْضا، وَإِن وَقع رد لَهُ الْمَدْفُوع إِن عثر عَلَيْهِ قبل الْجذاذ وَرجع لمساقاته وَبعد الْجذاذ فَلهُ جزؤه من الثَّمَرَة كَامِلا وَعَلِيهِ أُجْرَة مَا عمل عَنهُ رب الْحَائِط فيهمَا، فَإِن فَاتَت الثَّمَرَة فَإِنَّهُ يرد مكيلتها إِن علمت أَو قيمتهَا إِن جهلت كَمَا قَالُوهُ فِي بيع الثنيا الْفَاسِد، وَقد كَانَ فِي الْأُصُول ثَمَر مَأْبُور وَقت البيع وكما قَالُوهُ أَيْضا فِي المغارسة الْفَاسِدَة، وَكَذَا يُقَال فِيمَا إِذا كَانَ الدَّافِع هُوَ رب الْحَائِط فَإِنَّهُ يرد إِلَيْهِ الْمَدْفُوع قبل الْجذاذ الخ.