جمع عرض وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاح مَا عدا الْعين وَالطَّعَام من الْأَشْيَاء كلهَا، والناظم أَرَادَ بِهِ هُنَا مَا عدا الْأُمُور الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله: مَا يستجاز بَيْعه أَقسَام الخ. وَلذَا قَالَ: (من الثِّيَاب وَسَائِر السّلع)، بَيَان لما قبله: بَيْعُ العُروضِ بالعُرُوضِ إنْ قُصِدْ تَعاوُضٌ وَحُكْمُهُ بَعْدُ يَرِدْ (بيع الْعرُوض بالعروض) مُبْتَدأ (إِن قصد) شَرط حذف جَوَابه للدلالة عَلَيْهِ (تعاوض) خبر الْمُبْتَدَأ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار فِي مثل هَذَا التَّرْكِيب كَقَوْلِه تَعَالَى: وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٠) وَيجوز أَن يكون تعاوض خَبرا لمبتدأ مَحْذُوف جَوَاب الشَّرْط أَي: فَهُوَ تعاوض، وَالْجُمْلَة من الشَّرْط وَجَوَابه خبر الْمُبْتَدَأ. وَعَلِيهِ اقْتصر اليزناسني. (وَحكمه بعد يرد) وَحَاصِل صوره ثَمَانِيَة لِأَن الْعرض بِالْعرضِ إِمَّا يدا بيد وَإِمَّا أَن يتَأَخَّر أَحدهمَا، وَفِي كل إِمَّا أَن يَكُونَا وَاحِدًا بِوَاحِد أَو بِأَكْثَرَ، وَفِي كل إِمَّا أَن يَكُونَا من جنس وَاحِد أَو من جِنْسَيْنِ. فإنْ يَكُنْ مَبيعُهَا يَدًا بِيَدْ فإنَّ ذَاكَ جَائِزٌ كَيْفَ انْعَقَدْ (فَإِن يكن مبيعها) أَي الْعرُوض (يدا بيد، فَإِن ذَاك جَائِز) مَعَ اتِّحَاد الْجِنْس واختلافه والتماثل والتفاضل (كَيفَ انْعَقَد) فَإِن كَانَ وَاحِدًا بِوَاحِد كَثوب هروي بهروي أَو مَرْوِيّ بمروي أَو وَاحِد بمتعدد كهروي بمرويين فَأكْثر أَو مرويين فَأكْثر، وَهَذِه أَربع صور، وَمَفْهُوم قَوْله: يدا بيد صُورَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن يَكُونَا مؤجلين مَعًا وَفِيهِمَا أَربع صور زِيَادَة على الثمان الْمُتَقَدّمَة، وَلم يتَعَرَّض لَهَا النَّاظِم. وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْمَنْع لابتداء الدّين بِالدّينِ، وَالثَّانيَِة أَن يعجل أَحدهمَا ويؤجل الآخر وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَإنْ يَكُنْ مُؤَجَّلَا وَتَخْتَلِفْ أجُنَاسُهُ فَما تَفَاضُلُ أُنِفْ (وَإِن يكن) أحد الْعِوَضَيْنِ (مُؤَجّلا) وَالْآخر نَقْدا أَي حَالا فإمَّا أَن تتحد أجناسه وَسَيَأْتِي فِي الْبَيْت بعده: (و) إِمَّا (تخْتَلف أجناسه) كتعجيل ثوب من حَرِير فِي ثوب أَو ثَوْبَيْنِ فَأكْثر
[ ٢ / ٣٤ ]
من صوف، أَو تَعْجِيل هروي فِي مَرْوِيّ أَو مرويين فَأكْثر (فَمَا تفاضل أنف) أَي منع كَمَا لَا يمْنَع التَّمَاثُل بالأحرى إِذْ لَا مُوجب للْمَنْع مَعَ اخْتِلَاف الْجِنْس، وَهَاتَانِ صُورَتَانِ من الْأَرْبَع الْبَاقِيَة. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَفْهُوم قَوْله: وتختلف أجناسه وَفِيه صُورَتَانِ وَبِهِمَا تتمّ الصُّور الثمان فَقَالَ: وَالْجِنْسُ مِنْ ذَاكَ بِجِنْسٍ لِلأَمَدْ مُمْتَنِعٌ فِيهِ تَفاضُلٌ فقدْ (وَالْجِنْس) أَي وَبيع الْجِنْس (من ذَاك) الْمَذْكُور من الْعرُوض (بِجِنْس) مماثل لَهُ (لأمد) أَي لأجل: (مُمْتَنع فِيهِ تفاضل فقد) فَحسب أَي لَا غير كَثوب من حَرِير معجل فِي ثَوْبَيْنِ مِنْهُ إِلَى أجل للسلف بِمَنْفَعَة وَعَكسه لضمان بِجعْل، وَمَفْهُوم تفاضل أَنه مَعَ التَّمَاثُل كَثوب من صوف معجل فِي ثوب مثله، وَلم يشْتَرط عَلَيْهِ أَجود من الْمُعَجل وَلَا أدنى جَائِز لِأَنَّهُ مَحْض سلف، ثمَّ اسْتثْنى من منع التَّفَاضُل فِي الْجِنْس الْوَاحِد فَقَالَ: إلاّ إذَا تَخْتَلِفُ المنافِعُ وَمَا لِبَيْعٍ قَبْلَ قَبضٍ مَانِعُ (إِلَّا إِذا تخْتَلف الْمَنَافِع) كسيف قَاطع معجل فِي اثْنَيْنِ دونه فِي الْقطع والجوهرية إِلَى أجل، وكجذع من الْخشب طَوِيل غليظ معجل فِي جذع أَو جُذُوع صغَار إِلَى أجل، وكثوب غليظ من الْكَتَّان معجل فِي ثوب رَقِيق مِنْهُ إِلَى أجل، أَو غزل غليظ فِي رَقِيق من جنسه وَبِالْعَكْسِ فَإِن ذَلِك كُله جَائِز لاخْتِلَاف الْمَنْفَعَة لِأَن اختلافها يصير الْجِنْس الْوَاحِد كجنسين، وَلَا يدْخل فِي النّظم هُنَا بيع صَغِير بكبير من جنسه وَعَكسه إِلَى أجل، لِأَن الْكَلَام فِي الْعرُوض لَا فِي الْحَيَوَان (وَمَا لبيع قبل قبض مَانع) مُبْتَدأ وَالْمَجْرُور قبله خَبره، وَالْمعْنَى أَنه يجوز بيع الْعرُوض قبل قبضهَا كَانَ الْمُعَجل فِيهَا عرضا أَيْضا أَو دَرَاهِم أَو حَيَوَانا أَو طَعَاما من بيع أَو سلم بِخِلَاف الطَّعَام، فَإِنَّهُ لَا يجوز بَيْعه قبل قَبضه مُطلقًا حَيْثُ كَانَ من مُعَاوضَة لَا من قرض فَيجوز نَقْدا فَقَط وَظَاهره أَنه يجوز بيع الْعرض قبل قَبضه لمن هُوَ عَلَيْهِ وَلغيره نَقْدا وَإِلَى أجل قبل حُلُوله وَبعده وَلَيْسَ كَذَلِك بل فِيهِ تَفْصِيل، فَإِن كَانَ لمن هُوَ عَلَيْهِ فَيجوز بعد حُلُول أَجله وَقَبله بِشَرْط أَن يكون الثّمن الْمَأْخُوذ فِي الْعرض نَقْدا وَأَن يكون مِمَّا يَصح بَيْعه بِالثّمن الْمُعَجل فِي الْعرض الْمَذْكُور فَإِذا عجل دَرَاهِم أَو حَيَوَانا فِي ثوب من صوف لأجل مثلا، فَيجوز أَن يَأْخُذ عَن الثَّوْب بعد الْحُلُول أَو قبله ثوبا من كتَّان وحرير لَا دَنَانِير أَو لَحْمًا غير مطبوخ من جنسه لما فِيهِ من الصّرْف الْمُؤخر فِيمَا إِذا كَانَ الْمُعَجل دَرَاهِم والمأخوذ دَنَانِير وَبِالْعَكْسِ، وَلما فِيهِ من بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ فِيمَا إِذا كَانَ الْمُعَجل حَيَوَانا والمأخوذ لَحْمًا من جنسه وَبِالْعَكْسِ، وَقَوْلِي نَقْدا احْتِرَازًا مِمَّا إِذا كَانَ لأجل فَإِنَّهُ لَا يجوز لما
[ ٢ / ٣٥ ]
فِيهِ من فسخ الدّين فِي الدّين حَيْثُ كَانَ الْمَأْخُوذ أَكثر مِمَّا فِي الذِّمَّة أَو من غير الْجِنْس فَإِن كَانَ مثل مَا فِي الذِّمَّة جَازَ بعد الْأَجَل وَلَا إِشْكَال لِأَنَّهُ قَضَاء عَمَّا فِيهَا وَكَذَا قبل الْأَجَل حَيْثُ كَانَ الْقَضَاء فِي مَحَله أَي بَلَده لَا إِن كَانَ بِغَيْر مَحَله فَلَا يجوز، وَإِن حل لما فِيهِ من سلف جر نفعا لِأَن الْمُعَجل قبل الْبَلَد يعد مسلفًا كالمعجل قبل الْأَجَل فقد انْتفع بِإِسْقَاط الحمولة عَنهُ. هَذَا مُحَصل مَا أَشَارَ لَهُ (خَ) فِي آخر السّلم بقوله: وَبِغير الْجِنْس إِن جَازَ بَيْعه الخ. وَبِقَوْلِهِ قبله وَجَاز قبل زَمَانه قبُول صفته فَقَط كقبل مَحَله فِي الْعرض. الخ. وَهَذَا كُله فِيمَا إِذا بَاعه لمن هُوَ عَلَيْهِ، وَأما إِذا بَاعه لغير من هُوَ عَلَيْهِ فَيجوز قبل الْأَجَل وَبعده أَيْضا بِشَرْط أَن يكون الثّمن نَقْدا لَا مُؤَجّلا فَيمْنَع مُطلقًا لِأَنَّهُ من بيع الدّين بِالدّينِ، وَأَن يكون من هُوَ عَلَيْهِ حَاضرا مقرا وَبيع بِغَيْر جنسه وَلَيْسَ ذَهَبا بِفِضَّة وَلَا عَكسه، وَلَيْسَ بَين مُشْتَرِيه وَبَين من هُوَ عَلَيْهِ عَدَاوَة وَلَا قصد إعانته كَمَا أَشَارَ لَهُ (خَ) أَيْضا بقوله: وَمنع بيع دين ميت وغائب وَلَو قربت غيبته وحاضر إِلَّا أَن يقر الخ. وَبَيْعُ كُلَ جَائِزٌ بالْمَالِ عَلَى الْحُلُولِ وَإلى الآجالِ (وَبيع كل) من الْعرُوض (جَائِز بِالْمَالِ) من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَيَوَان الْعَاقِل وَغَيره، وَأما بَيْعه بِعرْض آخر فَهُوَ مَا قبله (على الْحُلُول وَإِلَى الْآجَال) الْمَعْلُومَة غير الْبَعِيدَة جدا كالسبعين وَالسِّتِّينَ سنة كَمَا مرّ عِنْد قَوْله: بأضرب الْأَثْمَان والآجال الخ. وَمَنْ يُقَلِّبْ مَا يُفيتُ شَكْلَهُ لَمْ يَضْمَنْ إلاّ حَيْثُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ (وَمن يقلب مَا) أَي فخارًا أَو زجاجًا أَو سَيْفا أَو دَابَّة وَنَحْو ذَلِك (يفيت) بِضَم الْيَاء مضارع أفات، وفاعله ضمير التقليب وَمعنى الإفاتة الْهَلَاك (شكله) مَفْعُوله (وَلم يضمن) مَا سقط من يَده حِين التقليب فانكسر، أَو مَاتَت الدَّابَّة حِين الرّكُوب (إِلَّا حَيْثُ لم يُؤذن لَهُ) فِي التقليب الْمَذْكُور وَالرُّكُوب وَنَحْو ذَلِك أما مَعَ الْإِذْن نصا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِيمَا سقط من يَده، وَإِنَّمَا يضمن مَا سقط عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خطأ وَهُوَ كالعمد (خَ): وَضمن بِسُقُوط شَيْء من يَده عَلَيْهَا الخ. وَأما مَعَ الْإِذْن حكما كَأَن يقلبها وصاحبها سَاكِت ينظر. فَقَوْلَانِ مشهوران مبنيان على أَن السُّكُوت هَل هُوَ إِذن أم لَا؟ أرجحهما أَنه لَيْسَ بِإِذن قَالَ فِي إِيضَاح المسالك، قَالَ ابْن رشد فِي كتاب الدَّعْوَى: وَالصُّلْح من الْبَيَان لَا خلاف أَن السُّكُوت لَيْسَ بِرِضا لِأَن الْإِنْسَان قد يسكت مَعَ كَونه غير رَاض، وَإِنَّمَا اخْتلف فِي السُّكُوت هَل هُوَ إِذن أم لَا؟ وَرجح كَونه لَيْسَ بِإِذن اه. ابْن سَلمُون: وَمن أَخذ قوسًا أَو سَيْفا أَو آنِية ليقلبها فانكسر الْقوس أَو السَّيْف عِنْد الرَّمْي بِهِ
[ ٢ / ٣٦ ]
أَو الفخار، فَإِن كَانَ ذَلِك بِإِذن صَاحبه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ ضَامِن، وَكَذَلِكَ الدَّابَّة. قَالَ أصبغ: وَكَذَلِكَ إِن أَخذ الفخار وَصَاحبه يرَاهُ وَإِن لم يَأْذَن لَهُ وَسقط وانكسر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وروى عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم فِي ذَلِك أَنه ضَامِن إِلَّا أَن يَأْذَن لَهُ اه. وَمَا رَوَاهُ عِيسَى هُوَ الَّذِي رَجحه ابْن رشد كَمَا مرّ، وَكَذَلِكَ يضمن إِن سقط من يَده عِنْد التقليب بِسَبَب تغريره كَأَن يرفع الْقلَّة الْكَبِيرَة من أذن وَاحِدَة أَو بأصبع وَاحِد فتنكسر وَيضمن مَا سَقَطت عَلَيْهِ على كل حَال فَإِن ادّعى عَلَيْهِ رب الزجاجة وَنَحْوهَا حَيْثُ أذن لَهُ فِي تقليبها أَنه تعمد طرحها أَو فرط حَتَّى سَقَطت فَعَلَيهِ الْيَمين فَإِن نكل غرم بِمُجَرَّد نُكُوله لِأَنَّهَا يَمِين تُهْمَة. وَالبَيْعُ جَائِزٌ عَلَى أَنْ يَنْتَقِدْ فِي مَوْضَع آخَرَ إنْ حُدَّ الأَمَدْ (وَالْبيع جَائِز على) شَرط (أَن ينْتَقد) الثّمن أَو الْمُثمن (فِي مَوضِع) أَي بلد (آخر) غير بلد العقد (إِن حدّ الأمد) أَي الْأَجَل وإلاَّ لم يجز، قَالَ فِي التَّهْذِيب: وَمن بَاعَ سلْعَة بِعَين على أَن يَأْخُذهُ بِبَلَد آخر فَإِن سمى الْبَلَد وَلم يضْرب لذَلِك أََجَلًا لم يجز، وَإِن ضرب لذَلِك أََجَلًا جَازَ سمى الْبَلَد أَو لم يسمهَا، فَإِن حل الْأَجَل فَلهُ أَخذه بِالْعينِ أَيْنَمَا لقِيه، وَإِن بَاعَ السّلْعَة بِعرْض وَشرط قَبضه بِبَلَد آخر إِلَى أجل فَلَيْسَ لَهُ أَخذه بِهِ بعد الْأَجَل إِلَّا فِي الْبَلَد الْمُشْتَرط فَإِن أَبى الَّذِي عَلَيْهِ الْعرض بعد الْأَجَل أَن يخرج إِلَى ذَلِك الْبَلَد أجبر على أَن يخرج أَو يُوكل من يخرج فيوفي صَاحبه اه. وَحَاصِله أَن الْأَجَل لَا بُد مِنْهُ كَمَا قَالَ النَّاظِم: سَوَاء كَانَ البيع بِالْعينِ أَو بِالْعرضِ إِلَّا أَن شَرط قبض الْعين بِبَلَد آخر ملغى غير مُعْتَبر بِخِلَافِهِ فِي الْعرض فَإِنَّهُ مُعْتَبر، وَظَاهر النّظم كَانَ الْأَجَل نصف شهر أَو أقل أَو أَكثر وَهُوَ كَذَلِك لِأَنَّهُ سلم فَلَا بُد أَن يكون أَجله نصف شهر فَأكْثر (خَ): إِلَّا أَن يقبض بِبَلَد كيومين إِن خرج حِينَئِذٍ ببر بِغَيْر ريح، فَيجوز أقل من نصف شهر بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة. تَنْبِيه: مَا مر من أَنه لم يضربا لذَلِك أََجَلًا فسد البيع حكى عَلَيْهِ عِيَاض الِاتِّفَاق كَمَا فِي ابْن عَرَفَة، ثمَّ ذكر عقبه عَن اللَّخْمِيّ أَنه إِذا قَالَ: أَشْتَرِي مِنْك بِالْعينِ لأقضي بِموضع كَذَا لِأَن لي بِهِ مَالا وَإِنَّمَا معي هَهُنَا مَا أتوصل بِهِ لذَلِك الْموضع أَو لَيْسَ معي مَا أَقْْضِي بِهِ هَهُنَا إِلَّا دَاري أَو ربعي وَلَا أحب بَيْعه لم يجْبر على الْقَضَاء إِلَّا بالموضع الَّذِي سمى، وَيجوز البيع وَإِن لم يضربا أََجَلًا كمن بَاعَ على دَنَانِير بِأَعْيَانِهَا غَائِبَة، وَإِن شَرط البَائِع الْقَبْض بِبَلَد معِين لاحتياجه فِيهِ لوجه كَذَا فعجلها المُشْتَرِي بِغَيْرِهِ لم يلْزم البَائِع قبُولهَا لخوفه فِي وصولها إِلَى هُنَاكَ، وَقد اشْترط شرطا جَائِزا فيوفي لَهُ بِهِ اه. وَنَقله (ح) أول بُيُوع الْأَجَل مستظهرًا لَهُ قَائِلا: فيقيد بِهِ قَول الْمَتْن فِي الْقَرْض كأخذه بِغَيْر مَحَله إِلَّا الْعين اه.
[ ٢ / ٣٧ ]
قلت: وَكَذَا يُقيد بِهِ قَول النَّاظِم فِيمَا مر وَحَيْثُ يلغيه بِمَا فِي الذِّمَّة يَطْلُبهُ الخ. وَتَأمل قَول اللَّخْمِيّ: وَيجوز البيع وَإِن لم يضربا لذَلِك أََجَلًا. وَقَوله بعد: وَإِن شَرط البَائِع الْقَبْض بِبَلَد معِين الخ. فَالظَّاهِر حمل ذَاك على مَا إِذا كَانَ بصدد الذّهاب للبلد الْمعِين عَن قرب وَأَن مسافته مَعْلُومَة عِنْدهمَا لِئَلَّا يُؤَدِّي ذَلِك للْبيع بِأَجل مَجْهُول فيخالف مَا مرّ من الِاتِّفَاق وَالله أعلم. وَبَيْعُ مَا يُجْهَلُ ذَاتًا بالرِّضا بالثَّمَنِ البَخْسِ أوِ العالي مَضَى (وَبيع مَا يجهل) بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول (ذاتًا) تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل (بِالرِّضَا) يتَعَلَّق بِبيع وَكَذَا (بِالثّمن البخس أَو الغالي) وَقَوله (مضى) خبر عَن بيع، وَالْمعْنَى أَن بيع الشَّيْء الَّذِي يجهل المتعاقدان أَو أَحدهمَا ذَاته أَي حَقِيقَته المتضمن ذَلِك لجهل قِيمَته مَاض لَا يرد حَيْثُ سمياه أَو أَحدهمَا باسمه الْعَام، سَوَاء بيع ببخس أَو غلاء كَمَا لَو قَالَ البَائِع لشخص: أبيعك هَذَا الْحجر، أَو قَالَ المُشْتَرِي: بِعْ مني هَذَا الْحجر فيشتريه وَهُوَ يَظُنّهُ ياقوتة أَو زبرجدة فيجده غير ياقوتة، أَو يَبِيعهُ البَائِع يظنّ أَنه غير ياقوتة أَو زبرجدة فَإِذا هُوَ غير ذَلِك، فَيلْزم المُشْتَرِي الشِّرَاء فِي الصُّورَة الأولى، وَإِن علم البَائِع حِين البيع أَنه غير ياقوتة وَكَذَا يلْزم البيع للْبَائِع فِي الثَّانِيَة، وَإِن علم المُشْتَرِي حِين الشِّرَاء أَنه ياقوتة لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا سَمَّاهُ فِي الْقَرْض الْمَذْكُور باسمه الْعَام لِأَن الْيَاقُوت يُسمى حجرا، وَهَذَا إِذا كَانَ البَائِع أَو المُشْتَرِي غير وَكيل، وإلاَّ لم يلْزم البيع بِلَا نزاع، وَأما لَو سمي بِغَيْر اسْمه الْعَام بل باسمه الْخَاص أَو بِغَيْر اسْمه أصلا كَقَوْلِه: أبيعك هَذِه الياقوتة أَو أَشْتَرِي مِنْك هَذِه الزجاجة فَتبين فِي الأولى أَنَّهَا غير ياقوتة، وَفِي الثَّانِيَة أَنَّهَا ياقوتة، فَلِلْمُشْتَرِي فِي الأولى الْقيام وَكَذَا البَائِع فِي الثَّانِيَة كَمَا قَالَ: وَمَا يُبَاعُ أَنه ياقوتَهْ أوْ أَنَّهُ زُجَاجَةٌ مَنْحوتَهْ (وَمَا يُبَاع) على (أَنه ياقوتة أَو) على (أَنه زجاجة منحوته. وَيَظْهَرُ العَكْسُ بِكُلَ منْهما جَازَ بِهِ قيامُ مِنْ تَظَلَّمَا وَيظْهر الْعَكْس بِكُل مِنْهُمَا جَازَ بِهِ) أَي بِسَبَبِهِ (قيام من تظلما) أَي شكا أَنه مظلوم، وَأَنه لم يعلم بِحَقِيقَة ذَلِك وَقت البيع فَإِن ادّعى عَلَيْهِ الْعلم فَعَلَيهِ الْيَمين. وَالْفرق أَن التَّسْمِيَة بِغَيْر اسْمه مَظَنَّة الْجَهْل بِهِ فَكَانَ لَهُ الْقيام بِخِلَاف تَسْمِيَته باسمه الْعَام فَإِنَّهَا مَظَنَّة مَعْرفَته فَلَا يقبل دَعْوَاهُ خلَافهَا لِأَنَّهُ خلاف الْغَالِب وَكَانَ من حَقه أَن يتثبت لنَفسِهِ، وَالْفرق بَين حَقِيقَة هَذَا البيع وَبَين حَقِيقَة الْغبن الْآتِي فِي فَصله: أَن الْمَبِيع فِي الْغبن مَعْلُوم فِي الْحَقِيقَة وَالِاسْم لكل مِنْهُمَا، وَالْجهل مُتَعَلق بِالْقيمَةِ فَقَط. وَهنا الْجَهْل مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا تعلق بحقيقته، وَلَكِن لما عبر عَنْهَا باسمها
[ ٢ / ٣٨ ]
الْعَام لم يصدق مدعي الْجَهْل كَمَا مر قَالَ: مَعْنَاهُ (ز) ثمَّ. يبْقى أَن يُقَال مَا الْفرق بَين الْغَلَط والغبن على مَا بِهِ الْعَمَل من وجوب الْقيام بِهِ كَمَا يَأْتِي. فَالْجَوَاب: أَن الْفرق إِنَّمَا يطْلب بَينهمَا لَو اخْتلفَا فِي الْمَشْهُور أما حَيْثُ كَانَ الْمَشْهُور فيهمَا عدم الْقيام فَلَا، لَكِن يَنْبَغِي حَيْثُ جرى الْعَمَل بِالْقيامِ بِالْغبنِ أَن يجْرِي الْعَمَل بِالْقيامِ بالغلط أَيْضا إِذْ كل مِنْهُمَا يتثبت بالسؤال لنَفسِهِ عَن حَقِيقَة الْأَمر، وَالْخلاف مَوْجُود فِي الْغبن والغلط كَمَا فِي (خَ) وَغَيره وَالله أعلم. تَنْبِيهَانِ. الأول: قَالَ ابْن رشد: وَاخْتلف فِيمَا إِذا أبهم أَحدهمَا لصَاحبه بِالتَّسْمِيَةِ وَلم يُصَرح فَقَالَ ابْن حبيب: إِن ذَلِك يُوجب الرَّد كَالصَّرِيحِ، وَحكي عَن شُرَيْح القَاضِي أَن رجلا مر بِرَجُل مَعَه ثوب مصبوغ بالصبغ الْهَرَوِيّ فَقَالَ: بكم هَذَا الْهَرَوِيّ؟ فَقَالَ: بِكَذَا فَاشْترى، ثمَّ تبين أَنه لَيْسَ بهروي وَإِنَّمَا صبغ بالصبغ الْهَرَوِيّ فَأجَاز بَيْعه قَالَ عبد الْملك: لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَاعه هروي الصَّبْغ حَتَّى يَقُول هروي النسج فَعِنْدَ ذَلِك يردهُ. الثَّانِي: قَالَ مَالك: فِي الْبَزَّاز يَبِيع ثوبا فيأمر بعض خدمته يَدْفَعهُ إِلَى الْمُبْتَاع أَو يَدْفَعهُ هُوَ بِنَفسِهِ ثمَّ يَقُول بعد انصراف الْمُبْتَاع: إِن الثَّوْب الَّذِي دفع إِلَيْك لَيْسَ هُوَ الْمَبِيع، بل وَقع غلط فِيهِ قَالَ: إِن كَانَ أَمر بِدَفْعِهِ حلف ورد ثَوْبه وَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي دَفعه فَلَا قَول لَهُ إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ رقم أَكثر مِمَّا بَاعَ بِهِ أَو شَهَادَة قوم عرفُوا ذَلِك. انْظُر (ح) عِنْد قَول الْمَتْن وَلم يرد بغلط إِن سمي باسم الخ.