وَهُوَ من أكره على البيع أَو على سَببه قَالَ فِي الْقَامُوس: الضغطة بِالضَّمِّ الضّيق وَالْإِكْرَاه والشدة، (وَمَا أشبهه) من بيع الْمَغْصُوب مِنْهُ للشَّيْء الْمَغْصُوب. وَمَنْ يَبِعْ فِي غَيْرِ حَقَ شَرْعِي بالْقَهْرِ مَا لَا تَحْتَ ضَغْطٍ مَرْعِي (وَمن يبع فِي غير حق شَرْعِي بالقهر) مُتَعَلق بقوله يبع (مَا لَا) مفعول كَانَ ذَلِك المَال أصلا أَو غَيره (تَحت ضغط) أَي ضيق وَشدَّة (مرعي) أَي مُعْتَبر بِأَن يكون كَمَا فِي (خَ) بخوف مؤلم من
[ ٢ / ١٢٣ ]
قتل أَو ضرب أَو سجن أَو قيد أَو صفع لذِي مُرُوءَة بملأ أَو قتل وَلَده أَو أَخذ مَاله، وَهل إِن كثر تردد اه.؟ فَإِذا خَافَ نزُول شَيْء بِهِ من هَذِه الْأُمُور حَالا أَو مَآلًا فَبَاعَ، وَأَحْرَى لَو نزل بِهِ بَعْضهَا بِالْفِعْلِ فَإِن بَيْعه غير لَازم لعدم تَكْلِيفه لِأَنَّهُ مكره وَالْمكْره غير مُكَلّف. قَالَ الشَّارِح: والإهانة الملزمة لمن لَا تلِيق بِهِ إِكْرَاه قَالَ فِي نَوَازِل الْكفَالَة من الْبُرْزُليّ فِي قوم تضامنوا لعداوة كَانَت بَينهم: إِن مَا ذهب لأَحَدهم ضمنه الْآخرَانِ الْكفَالَة غير لَازِمَة لوُجُود الْإِكْرَاه بالخوف من رُجُوع الْعَدَاوَة، وَسَوَاء اسْتمرّ التخويف بِمَا تقدم حَتَّى وَقع عقد البيع أَو لم يسْتَمر بل وَقع الْإِكْرَاه على نفس البيع أَو على سَببه، ثمَّ ترَاخى البيع إِلَى نَحْو الشَّهْر والشهرين مثلا كَمَا قَالَه ولد النَّاظِم، وَهُوَ الْمُعْتَمد خلافًا لما لِابْنِ لب من أَنه لَا ضغط حَيْثُ تَأَخّر العقد عَنهُ وَاحْترز بقوله: مرعي مِمَّا بيع حَيَاء أَو رَغْبَة أَو على مَال تافه، وَأما الْخَوْف على أَجْنَبِي فصصح ابْن بشير قَول أَشهب: بِأَنَّهُ لَا إِكْرَاه، وَقَالَ ابْن بزيزة: إِنَّه الْمَشْهُور وَأَحْرَى خَوفه على قتل أَبِيه أَو عَمه، بل صرح ابْن فَرِحُونَ بِأَن المعرة إِكْرَاه وَلَا يخفى أَن قتل الْأَجْنَبِيّ عِنْد الْمُؤمن أعظم من صفع قَفاهُ وَمَفْهُوم قَوْله فِي غير حق شَرْعِي: إِن مَا إِكْرَاه على بَيْعه لحق شَرْعِي لَيْسَ بأكراه كقضاء دين أَو لتوسيع مَسْجِد وَنَحْوهمَا من النَّظَائِر الَّتِي ذكرهَا الشَّارِح عِنْد قَول (خَ): لَا إِن أجبر عَلَيْهِ جبرا حَرَامًا الخ. وَانْظُر الْبَاب الثَّانِي من التَّبْصِرَة و(ح) أول الْغَصْب وَسَائِر الشُّرُوح عِنْد قَوْله: وَلَو عين السّرقَة أَو أخرج الْقَتِيل. فَالْبَيْعُ إنْ وَقَعَ مَرْدُودٌ وَمَنْ بَاعَ يَجُوزُ المُشْتَرَى دُونَ ثَمَنْ (فَالْبيع إِن وَقع) على وَجه الضغط الْمَذْكُور سَوَاء بَاعَ المضغوط بِنَفسِهِ أَو وكل عَلَيْهِ (مَرْدُود) على بَائِعه بِإِجْمَاع فِيمَا إِذا أكره على نفس البيع وَيرد الثّمن للْمُشْتَرِي إِلَّا أَن تقوم الْبَيِّنَة على تلفه عِنْد البَائِع بِغَيْر سَببه، فَإِن تقم الْبَيِّنَة بذلك بل ادَّعَاهُ البَائِع فَقَط فَفِي تَصْدِيقه قَولَانِ لسَحْنُون، وَيظْهر رُجْحَان الأول لِأَن الثّمن لم يقبضهُ البَائِع لحق نَفسه إِذْ هُوَ غير رَاض بِهِ فَهُوَ عِنْده كالأمانة فَيصدق فِي تلفهَا بِغَيْر سَببه، وَأما إِن أكره على سَبَب البيع كَمَا إِذا أكره على إِعْطَاء مَال ظلما فَبَاعَ أمتعته لذَلِك، فَالْمَشْهُور أَنه مَرْدُود أَيْضا وَيَأْخُذ البَائِع شَيْئه بِلَا ثمن كَمَا قَالَ: (وَمن بَاعَ يجوز) الشَّيْء (المُشْتَرِي) مِنْهُ (دون ثمن) يَدْفَعهُ للْمُشْتَرِي، وَظَاهره أَنه يَأْخُذهُ بِلَا ثمن وَلَو لم يعلم المُشْتَرِي بالضغط وَهُوَ الَّذِي لِابْنِ رشد فِي الْبَيَان، وَاقْتصر عَلَيْهِ ابْن سَلمُون و(ح) وَغير وَاحِد من شرَّاح (خَ) قَالَ فِي الشَّامِل: إِلَّا أَن الْعَالم آثم كَالْغَاصِبِ وَعَلِيهِ الضَّمَان مُطلقًا وَلَا غلَّة لَهُ
[ ٢ / ١٢٤ ]
وَلغيره الْغلَّة وَلَا يضمن الْعقار وَيضمن مَا أكل أَو لبس وَيبْطل عتقه وَوَقفه اه. خلافًا لما لِابْنِ رشد فِي نوازله من أَنه إِنَّمَا يَأْخُذهُ دون ثمن إِن علم المُشْتَرِي بالضغط وإلاَّ فَلَا يَأْخُذهُ إِلَّا بِالثّمن، وَظَاهره أَيْضا أَنه يَأْخُذهُ دون ثمن علم أَن الظَّالِم أَو وَكيله قَبضه من المضغوط أَو من المُشْتَرِي أَو جهل هَل دَفعه المُشْتَرِي للظالم أَو لوَكِيله أَو لرب الْمَتَاع أَو هَل دَفعه المضغوط للظالم أَو بَقِي عِنْده، وَهل صرفه فِي مَصَالِحه أَو لَا؟ وَهُوَ كَذَلِك فِي الْجَمِيع وَوَجهه أَنه لما ثَبت أصل الضغط حمل على أَخذ الظَّالِم لَهُ عِنْد الْجَهْل اللَّهُمَّ إِلَّا أَن علم بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار أَنه صرفه فِي مصَالح نَفسه أَو أتْلفه عمدا أَو خطأ فَإِنَّهُ يَأْخُذهُ بِالثّمن حِينَئِذٍ. تَنْبِيهَانِ. الأول: مَا درج عَلَيْهِ النَّاظِم من أَن الْمَبِيع مَرْدُود عَلَيْهِ بِلَا ثمن فِيمَا إِذا أكره على سَبَب البيع هُوَ الْمَشْهُور، وَقَالَ ابْن كنَانَة: البيع لَازم نَافِذ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ مأجور لِأَنَّهُ أنقذه من الْعَذَاب، وَبِه أفتى السيوري وَاللَّخْمِيّ، وَعَلِيهِ الْعَمَل بفاس ونواحيها قَالَ ناظمه: وَبيع مضغوط لَهُ نُفُوذ الخ. وَعَلِيهِ فَإِذا أسلم للمضغوط فِي زيتون وَنَحْوه فالسلم لَازم لَهُ، وَإِذا تسلف مَالا لفكاك نَفسه أَو أعْطى حميلًا فغرم الْحميل عَنهُ فَإِن المسلف والحميل يرجعان عَلَيْهِ وَلَا مقَال لَهُ، وَهَذَا إِذا كَانَت الْحمالَة وَالسَّلَف بسؤال من المضغوط وإلاَّ فَلَا إِذا كَانَ يُرْجَى فكاكه بِدُونِ مَال، وَإِذا لزمَه البيع على مَا بِهِ الْعَمَل فأحرى أَن يلْزم أَبَاهُ أَو أَخَاهُ أَو عَمه أَو أَجْنَبِيّا إِذا باعوا مَتَاع أنفسهم لفكاكه ويرجعون عَلَيْهِ بِمَا غرموا عَنهُ إِذْ غَايَته أَنهم مسلفون، بل لَو أكره الظَّالِم يَتِيما مراهقًا أَو سَفِيها على إِعْطَاء مَال فَبَاعَ كافله شَيْئا من أمتعته لفكاكه وَكَانَ البيع على وَجه السداد لَكَانَ مَاضِيا عَلَيْهِ كَمَا قَالَه اللَّخْمِيّ وَنَقله اليزناسني وَغَيره، وَكَذَا لَو أكره رجلا على أَن يغرم عَن أَخِيه الْغَائِب مَالا فَبَاعَ الرجل شَيْئا من مَتَاع أَخِيه فَالْبيع نَافِذ كَمَا قَالَه فِي الِاسْتِحْقَاق من المعيار فِي رجل أكرهه السُّلْطَان على أَن يغرم مَالا عَن أَخِيه فَبَاعَ مَتَاعه ومتاع أَخِيه أَن البيع نَافِذ وَيرجع على أَخِيه بِمَا غرمه اه. وَكَذَا وقفت عَلَيْهِ لبَعض فُقَهَاء الفاسيين فِي امْرَأَة أكرهها الْحَاكِم على أَن تُؤدِّي عَن وَلَدهَا الْغَائِب ثمنا فباعت شَيْئا من مَتَاع الْوَلَد أَن البيع لَازم، وَاحْتج بِمَا عَن المعيار.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قلت: وَعَلِيهِ فَلَو أَخذ السُّلْطَان رجلا بِمَال ظلما أَو فِي جِنَايَة اتهمَ بهَا فهرب فَأخذت جمَاعَة بِسَبَبِهِ فباعوا أملاكه على وَجه السداد لأَدَاء مَا أخذُوا بِهِ، فَالْبيع لَازم لَهُ فَتَأَمّله، وَمَا مر عَن المعيار نَحوه لَهُ فِي الْوَصَايَا مِنْهُ أَيْضا فِي وَصِيّ أَخذ بِسَبَب مَحْجُوره حَتَّى أدّى مَالا فَإِن ذَلِك يكون فِي مَال الْمَحْجُور، وَمثله فِي الْأَقْضِيَة مِنْهُ. وَانْظُر مَا كتبناه فِي أجوبتنا لحاج عبد الْقَادِر محيي الدّين على الحَدِيث الْكَرِيم الَّذِي رَوَاهُ مُسلم، وَنَقله ابْن فَرِحُونَ وَغَيره فِي أَحْكَام السياسة فِي كَون الرجل يُؤَاخذ بجريرة قومه، وَهِي أجوبة نفيسة مُشْتَمِلَة على نَحْو الْخمس كراريس تعينك على ضبط هَذَا الْبَاب وتفيدك عدم مُعَارضَة الحَدِيث الْكَرِيم لقَوْله تَعَالَى: وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ١٦٤) أَي لَا تؤاخذ نفس بذنب غَيرهَا، وفيهَا الْكَلَام على حكم الفكاك الْوَاقِع بَين الْقَبَائِل وَالله أعلم. الثَّانِي: الضغط على الشِّرَاء كالضغط على البيع، فَفِي المعيار عَن القلشاني أَن من اشْترى سلْعَة مُعينَة يَدْفَعهَا فِي مظْلمَة وَالْبَائِع يعلم بضغطه هُوَ بِمَنْزِلَة بيع المضغوط وَيرجع بَائِعهَا بِالثّمن أَو بِأَعْيَانِهَا إِن وجدت على الضاغط اه. وعَلى مَا بِهِ الْعَمَل يكون الشِّرَاء لَازِما للْمُشْتَرِي المضغوط على شِرَائهَا. قلت: وَيبقى النّظر إِذا أكرها مَعًا هَذَا أكره على البيع وَالْآخر أكره على الشِّرَاء وَالثمن يَأْخُذهُ الضاغط، وَذَلِكَ لِأَن الضاغط أَرَادَ أَن يغرم البَائِع مَالا فَلم يجد البَائِع من يَشْتَرِي مِنْهُ فضغط المُشْتَرِي أَيْضا على الشِّرَاء ليدفع الثّمن للْبَائِع فَيَأْخذهُ الضاغط وَالْمُشْتَرِي عَالم بالضغط أَو يكون الضاغط إِنَّمَا أَرَادَ أَخذ مَال المُشْتَرِي فيكرهه على شِرَاء دَار فلَان مثلا، فعلى الْمَشْهُور لَا شكّ أَن البَائِع لَا يلْزمه البيع وَيرجع المُشْتَرِي بِثمنِهِ على الضاغط فَإِن تلف الْمَبِيع بِيَدِهِ فَلَا يضمنهُ البَائِع، وَأما على مَا بِهِ الْعَمَل فَانْظُر هَل يكون البيع لَازِما لَهُ هَهُنَا أَيْضا نظرا للسبب أَو لَا يكون لَازِما نظرا إِلَى كَون المُشْتَرِي مكْرها، فَهُوَ قد دفع الثّمن لينقذ نَفسه من الْعَذَاب فَهُوَ الْمُكْره فِي الْحَقِيقَة وإكراه الآخر صوري فَقَط وَهُوَ الظَّاهِر، وَوَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة أَيَّام الْفِتْنَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من هَذَا الْقرن فبيعت على الْوَجْه الْمَذْكُور دور وحوانيت لَا تحصى حَتَّى إِنَّهُم باعوا حوانيت الأحباس ودور الْأَيْتَام وَلَا يخفى أَن الْمُكْره فِي حوانيت الأحباس والأيتام هُوَ المُشْتَرِي فَقَط لعدم تعلق الْإِكْرَاه بالأحباس والأيتام الصغار، وَانْظُر حاشيتنا على (ز): وَإِذا زَالَ الْإِكْرَاه فعلى الْمَشْهُور لَا بُد من الْقيام بفور زَوَاله، كَمَا مر فِي بيع الْفُضُولِيّ إِذْ زَالَ عذر مَالِكه وَالله أعلم. وَانْظُر أَوَاخِر الكراس الأول من بُيُوع الْبُرْزُليّ فَإِنَّهُ ذكر أَنه لَا يتَعَرَّض لنقض مُعَاملَة الْمُلُوك لقِيَام الْفِتْنَة بذلك، وَإِن كَانَ الْوَالِي جائرًا وَذَلِكَ رَاجع إِلَى كَون المضغوط ينفذ بَيْعه وشراؤه الخ. وَالخُلْفُ فِي الْبَيْعِ لِشَيْءٍ مُغْتَصَبْ ثَالِثُهَا جَوَازُهُ مِمَّنْ غَصَبْ (وَالْخلف فِي البيع لشَيْء مغتصب) على ثَلَاثَة أَقْوَال جَوَازه مُطلقًا وَمنعه مُطلقًا (ثَالِثهَا) وَهُوَ الْمَشْهُور (جَوَازه مِمَّن غصب) (خَ) ومغصوب أَي لَا يجوز بَيْعه إِلَّا من غاصبه زَاد: وَهل إِن رد
[ ٢ / ١٢٦ ]
لرَبه مُدَّة تردد، وَاقْتصر فِي بَاب الْغَصْب على الْجَوَاز بِدُونِ الشَّرْط الْمَذْكُور حَيْثُ قَالَ: وَملكه إِن اشْتَرَاهُ وَلَو غَابَ الخ. فيستروح مِنْهُ عدم اشْتِرَاط الشَّرْط الْمَذْكُور وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْن رحال أَي: لَا يشْتَرط الرَّد وَلَا الْغرم عَلَيْهِ، وَمَفْهُوم قَوْله مِمَّن غصب أَنه لَا يجوز بَيْعه من غير الْغَاصِب قبل قَبضه من الْغَاصِب على هَذَا القَوْل الْمَشْهُور وَهُوَ كَذَلِك، وَلَو كَانَت عَلَيْهِ بَيِّنَة بِالْغَصْبِ وَهُوَ مِمَّن تَأْخُذهُ الْأَحْكَام لِأَنَّهُ شِرَاء مَا فِيهِ خُصُومَة وَالْمَشْهُور مَنعه.