يقول الإمام اللغوي الفقيه أبو منصور :
والحلفاء هم الذين تعاقدوا على التناصر والتمالؤ على من خالفهم.
وبهذا التعريف فقد يكون الحلف بين جماعتين إسلاميتن. وقد يكون بين الجماعة الإسلامية وأي تجمع حتى ولو كان كافرا للتناصر على عدو ثالث.
وإذا رجعنا إلى نصوص السنة لأخذ المعنى الشرعي طالعنا الحديثان التاليان حول الحلف:
ـ[الأول]ـ: روى «مسلم وأبو داود» عن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» وقال أبوداود: يريد حلف المطيبين.
وندع شرح هذا النص للإمام المحدث ابن الأثير حيث يوضح لنا غريبه ومعناه (لا حلف في الإسلام) أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ لا حلف في الإسلام وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه ﷺ: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا
شدة) يريد من المعاقدة على الخير، والنصر للحق، وبذلك يجتمع الحديثان. وقد حالف رسول الله ﷺ في الإسلام
[ ٦ ]
بين قريش والأنصار، يعني: آخى بينهم. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه: ما خالف حكم الإسلام.
ـ[الثاني]ـ رواه عاصم بن سليمان الأحول قال: قلت لأنس: أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داري أخرجه البخاري ومسلم.
وعند أبي داود قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله ﷺ في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ: لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثا أخرجه البخاري.
ونحن نخلص إلى أن الحظر للحلف في الإسلام هو ما يقوم على الاعتداء على الآخرين وما دون ذلك فهو جائز سواء كان بين فئات من المسلمين أو كان بين المسلمين وغيرهم. فلقد حالف رسول الله ﷺ اليهود يوم دخل المدينة، ثم حاربهم قبيلة قبيلة عندما نقضوا العهد كما بقي عداء قريش مستمرا حتى السنة السادسة ثم تغيرت الخطة بعد السنة السادسة، فحالف قريشا أو صالحها، بينما شن حربه على اليهود في خيبر. ورأيناه في الخندق يحاول شق صفوف العدو بالتعاقد مع غطفان حلفاء قريش، على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة مقابل رجوعها عن حرب المسلمين في الوقت الذي نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله ﷺ، وأنضموا إلى أعدائه
[ ٧ ]